كريم السجية طلق الجبين * برى الله كلتا يديه يمين
فتى شأو همته لا ينال
فماذا عسى في علاه يقال؟!
وقد حاز أنهى صفات الكمال
وخوله الله دنيا ودين * وأصخى له كل خلق يدين
فلا زال ظل أبيه مديد
مدى الدهر في دولة لا تميد
وبلغ في نفسه ما يريد
وإخوته السادة الأكرمين * وفي عمهم فارس المسلمين
وقال يمدح الصالح ويرثي أهل البيت عليهم السلام.
شأن الغرام أجل أن يلحاني * فيه وإن كنت الشفيق الحاني
أنا ذلك الصب الذي قطعت به * صلة الغرام مطامع السلوان
ملئت زجاجة صدره بضميره * فبدت خفية شأنه للشاني
غدرت بموثقها الدموع فغادرت * سري أسيرا في يد الاعلان
5 عنفت أجفاني فقام بعذرها * وجد يبيح ودائع الأجفان
ومنها:
يا صاحبي وفي مجانبة الهوى * رأي الرشاد فما الذي تريان؟!
بي ما يذود عن التسبب أوله * ويزيل أيسره جنون جناني
قبضت على كف الصبابة سلوة * تنهى النهى عن طاعة العصيان
أمسي وقلبي بين صبر خاذل * وتجلد قاص وهم دان
10 قد سهلت حزن الكلام لنادب * آل الرسول نواعب الأحزان
فابذل مشايعة اللسان ونصره * إن فات نصر مهند وسنان
واجعل حديث بني الوصي وظلمهم * تشبيب شكوى الدهر والخذلان
غصبت أمية إرث آل محمد * سفها وشنت غارة الشنآن
وغدت تخالف في الخلافة أهلها * وتقابل البرهان بالبهتان
لم تقتنع أحلامها بركوبها * ظهر النفاق وغارب العدوان 15
وقعودهم في رتبة نبوية * لم يبنها لهم أبو سفيان
حتى أضافوا بعد ذلك أنهم * أخذوا بثار الكفر في الإيمان
فأتى زياد في القبيح زيادة * تركت يزيد يزيد في النقصان
حرب بنو حرب أقاموا سوقها * وتشبهت بهم بنو مروان
لهفي على النفر الذين أكفهم * غيث الورى ومعونة اللهفان 20
أشلاؤهم مزق بكل ثنية * وجسومهم صرعى بكل مكان
مالت عليهم بالتمالئ أمة * باعت جزيل الربح بالخسران
دفعوا عن الحق الذي شهدت لهم * بالنص فيه شواهد القرآن
ما كان أولاهم به لو أيدوا * بالصالح المختار من غسان
أنساهم المختار صدق ولائه * كم أول أربى عليه الثاني 25
وقضى شاعرنا الملك الصالح شهيدا يوم الاثنين تاسع عشر من شهر رمضان سنة
ست وخمسين وخمسمائة ورثاه الفقيه عمارة اليمني بقصيدة أولها:
أفي أهل ذا النادي عليم أسائله؟! * فإني لما بي ذاهب اللب ذاهله
سمعت حديثا أحسد الصم عنده * ويذهل واعيه ويخرس قاتله
فهل من جواب يستغيث به المنى * ويعلو على حق المصيبة باطله؟!؟!
وقد رابني من شاهد الحال إنني * أرى الدست منصوبا وما فيه كافله
فهل غاب عنه واستناب سليله؟! * أم اختار هجرا لا يرجى تواصله؟! 5
فإني أرى فوق الوجوه كآبة * تدل على أن الوجوه ثواكله
ويقول فيها:
دعوني فما هذا أوان بكائه * سيأتيكم طل البكاء ووابله
ولا تنكروا حزني عليه فإنني * تقشع عني وابل كنت آمله
ولم لا نبكيه ونندب فقده * وأولادنا أيتامه وأرامله؟!
فياليب شعري بعد حسن فعاله * وقد غاب عناما بنا الله فاعله 10
أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم * فيمكث أم تطوى ببين مراحله؟!
ومنها:
فيا أيها الدست الذي غاب صدره * فماجت بلاياه وهاجت بلابله
عهدت بك الطود الذي كان مفزعا * إذا نزلت بالملك يوما نوازله
فمن زلزل الطود الذي ساخ في الثرى * وفي كل أرض خوفه وزلازله؟!
15 ومن سد باب الملك والأمر خارج * إلى سائر الأقطار منه وداخله؟!
ومن عوق الغازي المجاهد بعدما * أعدت لغزو المشركين جحافله؟!
ومن أكره الرمح الرديني فالنوى * وأرهقه حتى تحطم عامله؟!
من كسر العضب المهند فاغتدى * وأجفانه مطروحة تحطم حمائله؟!
ومن سلب الاسلام حلية جيده * إلى أن تشكى وحشة الطرق عاطله؟!
20 ومن أسكت الفضل الذي كان فضله * خطيبا إذا التفت عليه محافله؟!
وما هذه الضوضاء من بعد هيبة * إذا خامرت جسما تخلت مفاصله؟!
كأن أبا الغارات لم يشن غارة * يريك سواد الليل فيها قساطله
ولا لمعت بين العجاج نصوله * ولا طرزت ثوب الفجاج مناصله
ولا صارفي عالي ركابيه موكب * ينافس فيه فارس الخيل راجله
25 ولا مرحت فوق الدروع يراعه * كما مرحت تحت السروج صواهله
ولا قسمت ألحاظه بين مخلص * جميل السجايا أو عدو يجامله
ولا قابل المحراب والحرب عاملا * من البأس والاحسان ما الله قابله
تعجبت من فعل الزمان بنفسه * ولا شك إلا أنه جن عاقله
بمن تفخر الأيام بعد طلائع * ولم يك في أبنائها من يماثله؟!
3 أتنزل بالهادي الكفيل صروفها * وقد خيمت فوق السماك منازله؟!
وتسعى المنايا منه في مهجة امرئ * سعت همم؟ الأقدار فيما تحاوله
ورثاه بقصيدة أخرى منها:
تنكد بعد الصالح الدهر فاغتدت * مجالس أيامي وهن غيوب
أيجدب خدي من ربيع مدامعي * وربعي من نعمي يديه خصيب؟!
وهل عنده أن الدخيل من الجوى * مقيم بقلبي ما أقام عسيب؟!
وإن برقت سني لذكر حكاية * فإن فؤادي ما حييت كئيب
ورثاه بقصيدة أولها:
طمع المرء في الحياة غرور * وطويل الآمال فيها قصير
ولكم قدر الفتى فأتته * نوب لم يحط بها التقدير
منها:
فض ختم الحياة عنك حمام * لا يراعي إذنا ولا يستشير
ما تخطى إلى جلالك إلا * قدر أمره علينا قدير
بذرت عمرك الليالي سفاها * فسيعلمن ما جنى التبذير
وقال:
ليت يوم الاثنين لم يتبسم * عن محياه لليالي ثغور
طلعت شمسه بيوم عبوس * حير الطير شره المستطير
وتجلى صباحه عن جبين * إثمد الليل فوقه مذرور
صبح المجد في صبيحة ذاك اليوم غبراء صيلم عنقفير (1)
بلغ الدهر عندها ما تمنى * وعليها كان الزمان يدور 5
حادث ظلت الحوادث ما * شاهدته من جوره تستجير
ترجف الأرض حين يذكر عنه * وتكاد السماء منه تمور
طبق الأرض من مصاب أبي الغارات * خطب له النجوم تغور
ومنها:
لك رضوان زائر ولقوم * هلكوا فيه منكر ونكير
حفظت عهدك الخلافة حفظا * أنت منها به خليق جدير 10
أحسنت بعدك الصنيعة فينا * فاستوت منك غيبة وحضور
وأبى الله أن يتم عليها * ما نوى حاسد لها أو كفور
ضيقوا حفرة المكيدة لكن * ضاق بالناكثين ذاك الحفير
____________
(1) صبح القوم صبحا: أتاهم صباحا. صيلم: الأمر الشديد. يقال: وقعد صيلمة أي مستأصلة
عنقفير أحسبه مصحف (خنشفير) أي الداهية.
وتجروا على القصور بغدر * وسراج الوفاء فيها ينير
15 حرم آمن وشهر حرام * هتكت منهما عرى وستور
لا صيام نهاهم لا إمام * طاهر ترب أخمصيه طهور
أخفروا ذمة الهدى بعد علم * ويقين أن الإمام خفير
وإذا ما وفت خدور البوادي * بذمام فما تقول القصور؟!
غضب العاضد الإمام فكادت * فرقا منه أن تذوب الصخور
20 أدرك الثأر من عداه بعزم * لم يكن في النشاط منه فتور
واستقامت بنصره وهداه * حجة الله واستمر المرير
دفن الملك الصالح بالقاهرة ثم نقل ولده العادل سنة سبع وخمسين وخمسمائة
في تاسع صفر تابوت أبيه من القاهرة إلى مشهد بني له في القرافة (1) في وزارته وحفر
سردابا يوصل فيه من دار الوزارة إلى دار سعيد السعداء وعمل فيه الفقيه عمارة اليمني
قصائد منها:
خربت ربوع المكرمات لراحل * عمرت به الأجداث وهي قفار
نعش الجدود العاثرات مشيع * عميت برؤية نعشه الأبصار
نعش تود بنات نعش لو غدت * ونظامها أسفا عليه نثار
شخص الأنام إليه تحت جنازة * خفضت برفعة قدرها الأقدار
ومنها:
5 وكأنها تابوت موسى أودعت * في جانبيه سكينة ووقار
أوطنته دار الوزارة ريثما * بنيت لنقلته الكريمة دار
وتغاير الهرمان والحرمان في * تابوته وعلى الكريم يغار
آثرت مصرا منه بالشرف الذي * حسدت قرافتها له الأمصار
غضب الإله على رجال أقدموا * جهلا عليه وآخرين أشاروا 10
لا تعجبن لقدار ناقة صالح * فلكل عصر صالح وقدار
أحللت دار كرامة لا تنقضي * أبدا وحل بقاتليك بوار
____________
(1) جبانة في مصر والكلام فيها طويل بسط القول فيها المقريزي في الخطط ج 4 ص 317.
وقع القصاص بهم وليسوا مقنعا * يرضى وأين من السماء غبار؟!
ضاقت بهم سعة الفجاج وربما * نام الولي ولا ينام الثار
فتهن بالأجر الجزيل وميتة * درجت عليها قبلك الأخيار
15 مات الوصي بها وحمزة عمه * وابن البتول وجعفر الطيار
وقال في يوم الخميس وقد نقل الصالح إلى تربته بالقرافة:
يا مطلق العبرات وهي غزار * ومقيد الزفرات وهي حرار
ما بال دمعك وهو ماء سافح * يذكى به من حد وجدك نار؟!
لا تتخذني قدوة لك في الأسى * فلدي منه مشاعر وشعار
خفض عليك فإن زند بليتي * وار وفي صدري صدى وأوار
5 إن كان في يدك الخيار؟ فإنني * ولهان لم أترك وما أختار
في كل يوم لي حنين مضلة * يؤدى لها بعد الحوار حوار
عاهدت دمعي أن يقر فخانني * قلب لسائله الهموم قرار
هل عند محتقر يسير بلية * إن الصغار من الهموم كبار؟!
ومنها:
حتى إذا شيدتها ونصبتها * علما يحج فناؤه ويزار
ومنها:
10 أكفيل آل محمد ووليهم * في حيث عرف وليهم إنكار
ومنها:
ولقد وفى لك من صنائعك امرؤ * بثنائه تستسمع السمار
أوفى أبو حسن بعهدك عندما * خذلت يمين أختها ويسار
غابت حماتك واثقين ولم تغب * فكأنهم بحضوره حضار
ومنها:
ملك جناية سيفه وسنانه * في كل جبار عصاره جبار
15 جمعت له فرق القلوب على الرضى * والسيف جامعهن والدينار
وهما اللذان إذا أقاما دولة * دانت وكان لأمرها استمرار
وإذا هما افترقا ولم يتناصرا * عز العدو وذلت الأنصار
يا خير من نقضت له عقد الحبى * وغدا إليه النقض والإمرار
ومضت أوامره المطاعة حسب ما * يقضى به الايراد والاصدار
20 إن الكفالة والوزارة لم يزل * يومى إليك بفضلها ويشار
كانت مسافرة إليك وتعبد الأخطار * ما لم تركب الأخطار
حتى إذا نزلت عليك وشاهدت * ملكا لزند الملك منه أوار
ألقت عصاها في ذراك وعريت * عنها السروج وحطت الأوكار
لله سيرتك التي أطلقتها * وقيودها التأريخ والأشعار
25 جلت فصلى خاطري في مدحها * وكبت ورائي قرح ومهار
والخيل لا يرضيك منها مخبر * إلا إذا ما لزها المضمار
ومدائحي ما قد علمت وطالما * سبقت ولم يبلل لهن عذار
إن أخرتني عن جنابك محنة * بأقل منها تبسط الأعذار
فلدي من حسن الولاء عقيدة * يرضيك منها الجهر والأسرار
وقال يرثيه ويمدح ولده الملك الناصر العادل بن الصالح أنشدها في مشهده
بالقرافة في شعبان سنة سبع وخمسين وخمسمائة:
أرى كل جمع بالردى يتفرق * وكل جديد بالبلي يتمزق
وما هذه الاعمار إلا صحائف * تؤرخ وقتا ثم تمحى وتمحق
ومنها:
ولما تقضى الحول إلا لياليا * تضاف إلى الماضي قريبا وتلحق
وعجنا بصحراء القرافة والأسى * يغرب في أكبادنا ويشرق
5 عقدنا على رب القوافي عقائلا * تغر إذا هانت جياد وأينق
وقلنا له: خذ بعض ما كنت منعما * به وقضاء الحق بالحر أليق
عقود قواف من قوافيك تنتقي * ودر معان من معانيك يسرق
نثرنا على حصباء قبرك درها - صحيحا ودر الدمع في الخد يفلق
ويقول فيها:
وجدناكم يا آل رزيك خير من * تنص إليه اليعملات وتعنق
10 وفدنا إليكم نطلب الجاه والغنى * فأكرم ذو مثوى وأغنى مملق
وعلمتمونا عزة النفس بالندى * وملقى وجوه لم يشنها التملق
وصيرتم الفسطاط بالجود كعبة * يطوف بركنيها العراق وجلق (1)
فلا ستركم عن مرتج قط مرتج * ولا بابكم عن معلق الحظ مغلق
وليس لقلب في سواكم علاقة * ولا ليد إلا بكم متعلق
نماذج من شعر الملك الصالح
ذكر ابن شهر آشوب كثيرا من شعره في كتابه [مناقب آل أبي طالب]
منه قوله:
محمد خاتم الرسل الذي سبقت * به بشارة قس وابن ذي يزن
وأنذر النطقاء الصادقون بما * يكون من أمره والطهر لم يكن
الكامل الوصف في حلم وفي كرم * والطاهر الأصل من ذم ومن درن
ظل الإله ومفتاح النجاة وينبوع الحياة وغيث العارض الهتن
فاجعله ذخرك في الدارين معتصما * به وبالمرتضى الهادي أبي الحسن
وله:
ولايتي لأمير المؤمنين علي * بها بلغت الذي أرجوه من أملي
إن كان قد أنكر الحساد رتبته * في جوده فتمسك يا أخي بهل (2)
وله:
كأني إذ جعلت إليك قصدي * قصدت الركن بالبيت الحرام
وخيل لي بأني في مقامي * لديه بين زمزم والمقام
أيا مولاي ذكرك في قعودي * ويا مولاي ذكرك في قيامي
وأنت إذا انتبهت سمير فكري * كذلك أنت أنسي في مقامي
وحبك إن يكن قد حل قلبي * ففي لحمي استكن وفي عظامي
____________
(1) جلق بكسرتين وتشديد اللام: اسم لكورة الغوطة كلها وقيل. بل هي دمشق نفسها
(2) أشار إلى سورة هل أتى ونزولها في العترة الطاهرة عليهم السلام.
فلولا أنت لم تقبل صلاتي * ولولا أنت لم يقبل صيامي
عسى أسقى بكأسك يوم حشري * ويبرد حين أشربها أو أمي
وله:
يا عروة الدين المتين * وبحر علم العارفينا
يا قبلة للأولياء * وكعبة للطايفينا
من أهل بيت لم يزالوا * في البرية محسنينا
التائبين العابدين * الصائمين القائمينا
العالمين الحافظين * الراكعين الساجدينا
يا من إذا نام الورى * باتوا قياما ساهرينا
وله:
قوم علومهم عن جدهم أخذت * عن جبرئيل وجبريل عن الله
هم السفينة ما كنا لنطمع أن * ننجو من الهول يوم الحشر لولا هي
الخاشعون إذا جن الظلام فما * تغشاهم سنة تنفي بأنباه
ولا بدت ليلة إلا وقابلها * من التهجد منهم كل أواه
وليس يشغلهم عن ذكر ربهم * تغريد شاد ولا ساق ولا طاهي
سحايب لم تزل بالعلم هامية * أجل من سحب تهمي بأمواه
وله:
إن النبي محمدا ووصيه * وابنيه وابنته البتول الطاهره
أهل العباء فإنني بولائهم * أرجو السلامة والنجا في الآخره
وأرى محبة من يقول بفضلهم * سببا يجير من السبيل الحايره
أرجو بذاك رضا المهيمن وحده * يوم الوقوف على ظهور الساحره
وله يمدح أمير المؤمنين عليه السلام.
هو النور نور الله والنور مشرق * علينا ونور الله ليس يزول
سما بين أملاك السماوات ذكره * نبيه فما أن يعتريه خمول
وله:
لا تعذلني إنني لا أقتفي * سبل الضلال لقول كل عذول
عند التباهل ما علمنا سادسا * تحت الكسا منهم سوى جبريل
وله في أمير المؤمنين وأولاده الأئمة الطاهرين عليهم السلام:
بحب علي ارتقي منكب العلى * وأسحب ذيلي فوق هام السحائب
إمامي الذي لما تلفظت باسمه * غلبت به من كان بالكثر غالبي
أئمة حق لو يسرون في الدجى * بلا قمر لاستصحبوا بالمناسب
بهم تبلغ الآمال من كل آمل * بهم تقبل التوبات من كل تائب
وله في زهد أمير المؤمنين عليه السلام:
ذاك الذي طلق الدنيا لعمري عن * زهد وقد سفرت عن وجهها الحسن
وأوضح المشكلات الخافيات وقد * دقت عن الفكر واعتاصت على الفطن
وله في العترة الطاهرة صلوات الله عليهم:
آل رسول الإله قوم * مقدارهم في العلى خطير
إذ جاءهم سائل يتيم * وجاء من بعده أسير
أخافهم في المعاد يوم * معظم الهول قمطرير
فقد وقوا شر ما اتقوه * وصار عقباهم السرور
في جنة لا يرون فيها * شمسا ولا ثم زمهرير
يطوف ولدانهم عليهم * كأنهم لؤلؤ نثير
لباسهم في جنان عدن * سندسها الأخضر الحرير
جزاهم ربهم بهذا * وهو لما قد سعوا شكور
وله في المعنى (1):
إن الأبرار يشربون بكأس * كان حقا مزاجها كافورا
ولهم أنشأ المهيمن عينا * فجروها عباده تفجيرا
وهداهم وقال: يوفون بالنذر * فمن مثلهم يوفي النذورا؟!
ويخافون بعد ذلك يوما * هائلا كان شره مستطيرا
____________
(1) مر حديث هذا المعنى في الجزء الثالث من كتابنا ص 106 - 111، 169، 243
5 يطعمون الطعام ذا اليتم * والمسكين في حب ربهم والأسيرا
إنما نطعم الطعام لوجه الله * لا نبتغي لديكم شكورا
غير أنا نخاف من ربنا يوما * عبوسا عصبصبا قمطريرا
فوقاهم إلههم ذلك اليوم * يلقون نضرة وسرورا
وجزاهم بأنهم صبروا * في السر والجهر جنة وحريرا
10 متكئين لا يرون لدى الجنة * شمسا كلا ولا زمهريرا
وعليهم ظلالها دانيات * ذللت في قطوفها تيسيرا
وبأكواب فضة وقوارير * قوارير قدرت تقديرا
ويطوف الولدان فيها عليهم * فيخالون لؤلؤا منثورا
بكؤس قد مزجت زنجبيلا * لذة الشاربين تشفي الصدورا
15 ويحلون بالأساور فيها * وسقاهم ربي شرابا طهورا
وعليهم فيها ثياب من السندس * خضر في الخلد تلمع نورا
إن هذا لكم جزاء من الله * وقد كان سعيكم مشكورا
وله في المعنى أيضا:
والله أثنى عليهم * لما وفوا بالنذور
وخصهم وحباهم * بجنة وحرير
لا يعرفون بشمس * فيها ولا زمهرير
يسقون كأسا رحيقا * مزيجة الكافور
وله في المعنى أيضا:
في هل أتى إن كنت تقرأ هل أتى * ستصيب سعيهم بها مشكورا
إذ أطعموا المسكين ثمة أطعموا * الطفل اليتيم وأطعموا المأسورا
قالوا: لوجه الله نطعمكم فلا * منكم جزاء نبتغي وشكورا
إنا نخاف ونتقي من ربنا * يوما عبوسا لم يزل مجذورا
5 فوقوا بذلك شر يوم باسل * ولقوا بذلك نضرة وسرورا
وجزاهم رب العباد بصبرهم * يوم القيامة جنة وحريرا
وسقاهم من سلسبيل كأسها * بمزاجها قد فجرت تفجيرا
يسقون فيها من رحيق تختم * بالمسك كان مزاجها كافورا
فيها قوارير وأكواب لها * من فضة قد قدرت تقديرا
يسعى بها ولدانها فتخالهم * للحسن منهم لؤلؤا منثورا 10
وله في المعنى المذكور:
هل أتى فيهم تنزل فيها * فضلهم محكما وفي السورات
يطعمون الطعام خوفا فقيرا * ويتيما وعانيا في العنات
إنما نطعم الطعام لوجه * الله لا للجزاء في العاجلات
فجزاهم بصبرهم جنة الخلد * بها من كواعب خيرات
ومن شعر الملك الصالح قصيدته التي جارى بها قصيدة دعبل الخزاعي الشهيرة
التي أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات
وأول قصيدة الملك قوله:
ألايم دع لومي على صبواتي * فما فات يمحوه الذي هو آت
وما جزعي من سيئات تقدمت * ذهابا إذا اتبعتها حسنات
ألا إنني أقلعت عن كل شبهة * وجانبت غرقي أبحر الشبهات
شغلت عن الدنيا بحبي معشرا * بهم يصفح الرحمن عن هفواتي
وقال في آخرها:
أعارض من قول الخزاعي دعبلا * وإن كنت قد أقللت في مدحاتي
[مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات] (1)
وفي (أنوار الربيع) ص 312: ومن الاستثناء الذي ما خرج حجاب السمع
ألطف منه قول الصالح طلايع، وقد ألزم الأمير ابن سنان بمال رفع عليه لكونه كان
يتولى أموالا له واعتقله فأرسل إليه يمت بقديم الخدمة والتشيع الموافق لمذهبه
فقال الصالح:
____________
(1) أنوار الربيع ص 312. الرائق ذكر من القصيدة 40 بيتا.
أتى ابن سنان ببهتانه * يحصن بالدين ما في يديه
برئت من الرفض إلا له * وتبت من النصب إلا عليه
وكان قدر المال ستين ألف دينار فأخذ منه اثنى عشر ألفا وترك له الباقي.
كتب الملك الصالح إلى صاحب الروم قلج أرسلان بن مسعود في تنافس وقع
بينه وبين نور الدين محمود بن زنكي:
نقول ولكن: أين من يتفهم * ويعلم وجه الرأي والرأي مبهم؟!
وما كل من قاس الأمور وساسها * يوفق للأمر الذي هو أحزم
وما أحد في الملك يبقى مخلدا * وما أحد مما قضى الله يسلم
أمن بعد ما ذاق العدى طعم حربكم * بفيهم وكانت وهي صاب وعلقم
رجعتم إلى حكم التنافس بينكم * وفيكم من الشحناء نار تضرم؟!
أما عندكم من يتقي الله وحده؟! * أما في رعاياكم من الناس مسلم؟!
تعالوا لعل الله ينصر دينكم * إذا ما نصرنا الدين نحن وأنتم
وننهض نحو الكافرين بعزمة * بأمثالها تحوى البلاد وتقسم
ويأتي من شعر المترجم في ترجمة الفقيه عمارة اليمني، ووقفت من شعر الملك
الصالح على شطر مهم في أهل البيت عليهم السلام مدحا ورثاءا يربو على ألف و
أربعمائة بيتا. وقد جمعها سيدنا العلامة السيد أحمد العطار في كتابه (الرائق) و
لعل ما فاته من شعره في أهل البيت عليهم السلام نزر يسير.
توجد ترجمة طلايع الملك الصالح في كثير من الكتب والمعاجم منها:
وفيات الأعيان 1 ص 259. الكامل لابن الأثير 11 ص 103. الخطط للمقريزي 4 ص 81
تاريخ ابن كثير 12 ص 243. روض المناظر لابن شحنة. تاريخ أبي الفدا 3 ص 40.
مرآة الجنان 3 ص 310. أنوار الربيع ص 312. تحفة الأحباب للسخاوي 176
شذرات الذهب 4 ص 177. نسمة السحر الجزء الثاني. خواص العصر الفاطمي 234
دائرة المعارف لفريد وجدي 5 ص 771. الأعلام للزركلي 2 ص 449.
تاريخ مصر الحديث لجرجي زيدان 1 ص 298. شهداء الفضيلة ص 57.
الملك العادل
خلف الصالح ولده رزيك بن طلايع الملقب بالملك الناصر والعادل، ولي
الوزارة بعد والده الصالح ستة عشر شهرا وعدة أيام وكان والده قد أوصاه بأن
لا يتعرض شاور ولا يغير عليه حاله فإنه لا يأمن عصيانه والخروج عليه وكان كما
أشار فإن العادل حسن له أهله عزل شاور واستعمال بعضهم مكانه وخوفوه منه إن
أقره على عمله فأرسل إليه بالعزل فجمع جموعا كثيرة وسار بهم إلى القاهرة ودخلها
يوم الأحد الثاني والعشرين من المحرم سنة 558 وهرب العادل بن الصالح وأهله
من القاهرة ليلة العشرين من المحرم فأخذ وقتل وأخذ موضعه من الوزارة واستولى
شاور على ديار مصر، ودفن العادل في تربة الملك الصالح وبها جماعة أخرى.
ترجمه الفقيه عمارة في كتابه [النكت العصرية] ص 53 وقال في ص 66: دخلت
قاعة السر من دار الوزارة فيها طي بن شاور وضرغام وجماعة من الأمراء مثل عز
الزمان، ومرتفع الظهير، ورأس رزيك بن الصالح بين أيديهم في طست فما هو إلا
أن لمحته عيني ورددت كمي على وجهي ورجعت على عقبي، وما ملأت عيني من صورة
الرأس وما من هؤلاء الجماعة الذين كان الرأس بين أيديهم إلا من مات قتيلا وقطعت
رأسه عن جسده فأمر طي من ردني فقلت: والله ما أدخل حتى تغيب الرأس عن عيني.
فرفع الدست وقال لي ضرغام: لم رجعت؟ قلت: بالأمس وهو سلطان الوقت الذي
نتقلب في نعمته. قال: لو ظفر رزيك بأمير الجيوش أو بنا ما أبقى علينا. قلت: لا خير
في شئ يؤول الأمر بصاحبه من الدست إلى الطست ثم خرجت وقلت:
أعزز علي أبا شجاع أن أرى * ذاك الجبين مضرجا بدمائه
ما قلبته سوى رجال قلبوا * أيديهم من قبل في نعمائه
وللفقيه عمارة اليمني شعر كثير يمدح به الملك العادل رزيك بن طلايع ذكره
في كتابه [النكت العصرية] وفي ديوانه، منه قصيدة أولها:
جاور بمجدك أنجم الجوزاء * وازدد علوا فوق كل علاء
وقصيدة أخرى مستهلها:
في ليل الشباب مشيب * فأصبح برد الهم وهو قشب
وثالثة مطلعها:
دانت لأمرك طاعة الأقدار * وتواضعت لك عزة الأقدار
ورابعة أولها:
في مثل مدحك شرح القول مختصر * وفي طوال القوافي عنده قصر
وخامسة مبدؤها:
لما أراد مدامة الأحداق * دبت حميا نشوة الأخلاق
وسادسة مطلعها:
لكل مقام في علاك مقال * يصدقه بالجود منك فعال
وسابعة أولها:
فقت الملوك مهابة وجلالا * وطرائقا وخلائقا وخلالا
وثامنة مطلعها:
لك أن تقول إذا أردت وتفعلا * ولمن سعى في ذا المدى أن يخجلا
وتاسعة أولها:
لله من يوم أغر محجل * في ظل محترم الفناء مبجل
وعاشرة مستهلها:
لولا جفون ومقل * مكحولة من الكحل
ولحظات لم تزل * أرمى نبالا من ثعل
وبرد رضا به * ألذ من طعم العسل
يظمأ إلى بروده * من عل منه ونهل
لما وصلت قاطعا * إذا رأى جدي هزل 5
مخالف لو أنه * أضمر هجري لوصل
وأغيد منعم * يميل كلما اعتدل
يهتز غصن قده * لينا إذا ارتج الكفل
غر إذا جمشته * أطرق من فرط الخجل
اريعن مدلل * غزيل يأبى الغزل 10
سألته في قبلة * من ثغره فما فعل
راضته لي مشمولة * ترمي النشاط بالكسل
حتى أتاني صاغرا * يحدوه سكر وثمل
أمسى بغير شكره * ذاك المصون يبتذل
وبات بين عقده * وبين قرطيه جدل 15
وكدت أمحو لعسا * في شفتيه بالقبل
فديته من مبسم * ألثمه فلا أمل
كأنه أنامل * لمجد الاسلام الأجل
معروفهن أبدا * يضحك في وجه الأمل
وقال يمدحه من قصيدة أولها:
أيا أذن الأيام إن قلت فاسمعي * لنفثة مصدور وأنة موجع
وعي كل صوت تسمعين نداءه * فلا خير في أذن ينادى فلا تعي
ويقول فيها:
ملوك رعوا لي حرمة صار نبتها * هشيما رعته النائبات وما رعي
وردت بهم شمس العطايا لوفدهم * كما قال قوم في علي وتوسع
قال الأميني: كذا يوجد البيت الأخير في مختار ديوانه المطبوع في ألمانيا ص 288
وهو تصحيف غريب مع التشكيل لحروفه والصحيح:
كما قال قوم في علي ويوشع
وهذا ينم عن ضئولة أمر المتطفلين على موائد العربية وذهولهم عن معنى البيت
الذي لا يستقيم إلا على ما ذكرناه وقد أوعز الشاعر إلى حديث رد الشمس لمولانا علي
أمير المؤمنين ويوشع عليهما السلام من قبله، هذا أحسن الاحتمالين دعانا إليه حسن
ظننا بالقوم وإن كان بعيدا جدا، والأقرب ما لا يفوتك عرفانه، والله أعلم.