الصفحة 35

أمّا ماذا فعل الكركي في تلك الفترة؟

وما هي النشاطات التي قام بها في أيام الشاه إسماعيل الصفوي؟ فنقول: تحدّثنا قبل عدّة أوراق عن قائدين يختلفان كليّاً في صفاتها، وطبائعهما، ومستوى تفكيرهما وتطلّعاتهما.

فالشاه إسماعيل لا يعرف سوى منطق السيف الذي حصد به رؤوس الكثير من معارضيه، وأخضع به مناطق شاسعة من العالم الإسلامي له.

والمحقّق الكركي لا يعرف سوى منطق الحوار الهادىء، والدعوة لله بالحكمة والموعظة الحسنة.

وأخيراً فقد التقى هذان الرجلان في مدينة هراة سنة 916هـ، ووجد الكركي نفسه أمام قائد عسكري خضعت له الرقاب، وركعت أمامه مدن بكاملها، واستسلم له رجال دين كبار من أهل السنّة وأعلنوا اعتناقهم المذهب الشيعي خوفاً على نفوسهم من الإزهاق.

إلاّ أنّنا نشاهد أنّ الكركي الذي جاء إلى ايران بعقليّة جديدة وشخصيّة قويّة قادرة، قرّر أن يقف بحزم أما الشاه إسماعيل في اللقاء الأوّل الذي جرى بينهما.

فقد دخل الكركي على الشاه إسماعيل بعد فتحه لهراة، فوجده أمر بقتل جماعة من فقائها السنّة، بينهم شيخ الإسلام فيها سيف الدين أحمد بن يحيى الشهير بأحمد الحفيد، فأنكر عليه ما فعل; لأنّه وضع السيف في موضع الحوار، وقال: لو لم يُقتل لأمكن أن نتمّ عليه بالحجج والبراهين حقيّة مذهب الإماميّة، ويزعن بإلزامه جميع أتباعه.

إنّ لهذه الحادثة دلالتها الواضحة على ما أشرنا إليه من عقليّة جديدة حملها الكركي إلى ايران، وشخصيّة قويّة قادرة تتمتّع بثقة كبيرة بالنفس.

وأراها تصلح مفتاحاً للدراسة الرجل في ميدان عمله الجديد. ويلوح لي أنّ هذا

الصفحة 36
الموقف الشجاع والبعيد النظر قد ترك أثره في الشاه إسماعيل ـ ولو لفترة محدودة ـ فالمتتبّع لتأريخه من بعد يلاحظ اعتدالا لم يكن يتمتّع به من قبل.

هكذا استطاع الكركي أن يدفع الشاه إسماعيل إلى الموقع الذي صمّم على العمل من خلاله، ولا مفرّ لنا من أن نتصوّر أنّ الشاه قد أطلق يده في العمل.

وعلى كلّ حال فقد باشر الكركيّ تطبيق أفكاره، اتّخذ من كاشان ـ معقل الشيعة العريق وبلد الإيمان ـ مقرّاً له(1)، ومنها صار يوجّه النشاط الديني في ايران، أمر بأن يُفرد في كلّ بلد وقرية إماماً يصلّي بالناس ويعلّمهم شرائع الدين(2).

وواضح أنّ هذا يعني خطّة لنشر التعليم الشيعي شملت ايران كلّها، كان الكركيّ يشرف عليها بنفسه، متنقّلا من بلد إلى آخر. ومن الجدير بالذكر أنّه كان يقوم بنفسه بتدريس كبار رجال الدولة كالأمير جعفر النيشابوري وزير الشاه الذي ألّف له "الرسالة الجعفريّة".

ويقال: إنّه كان ينفق سبعين ألف دينار شرعي سنوياً على الطلبة(3)، وهذا مبلغ هائل جدّاً في تلك الأيام، يدلّ على أنّ الكركي كان على درجة عالية من التمكّن والاستقلال في موارده الماليّة. كما يدلّ على اهتمامه البالغ بتخريج أكبر عدد من الفقهاء، وهو أمر مفهوم جدّاً بالقياس إلى ما عرفناه من ندرة الفقهاء الشيعة في ايران حتّى ذلك الحين.

وهكذا صار الكركي "نقطة الدائرة" و"معتقد حكّام الإسلام" و"مراجع العلماء" على حدّ تعبير المؤرّخ الايراني المعروف خوانر أمير المعاصر للمحقّق الكركيّ(4).

____________

1 ـ تأريخ عالم آرا عباسي 1:154.

2 ـ روضات الجنات 4:362.

3 ـ روضات الجنّات 4:363، أعيان الشيعة 8:209.

4 ـ تأريخ عالم آرا عباسي 4:609 ـ 610، الهجرة العامليّة: 123 ـ 124.


الصفحة 37
وهنا لابدّ من الإشارة إلى حادثة هامّة وقعت للكركيّ في هذه الفترة، وهي مجيء سفير من قبل الدولة العثمانيّة بين سنتي 918هـ و919هـ حاملا معه ثلاثة إشكالات، أحدها: أنّ تأريخ تأسيس الدولة الصفويّة وإعلان رسميّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فيه يساوي في حساب الجمّل باللغة الفارسيّة "مذهب ناحق" أي المذهب الباطل، وفي هذا إشارة إلى بطلان هذه الدولة وعدم أحقيّة المذهب الشيعي.

فأجابه المحقّق الكركي بسرعة: نحن قوم من العرب وألسنتنا تجري على لغتهم لا على لغة العجم، وعليه فمتى أضعفتَ "المذهب" إلى ضمير المتكلّم "نا" يصير الكلام "مذهبنا حقّ"(1).

وبعد كلّ ما ذكرناه من نشاط المحقّق الكركيّ، نشاهده فجأة يترك كلّ شيء في إيران ويعود إلى العراق، وهنا لابُدَّ من طرح السؤال التالي:

لماذا ترك الكركي إيران؟

لانستطيع أن نقول بأنّ الكركي ترك ايران مختاراً، وهو بعدُ لم يجتاز المراحل الاُولى من خطّته الواسعة التي وضعها لنشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في إيران.

وفي نفس الوقت لا يمكننا أن نقول بأنّه استطاع أن يستمر في هذه الخطّة التعليميّة الشاملة، إذ قد واجهته عدّة عوائق من قِبل جهات متعدّدة وتيارات قويّة، يتمتّع رجالاتها بمناصب سياسيّة عالية ومكانة اجتماعيّة موموقة.

وكُتب التأريخ تحدّاًنا عن أحداث هامّة وقعت في ذلك الوقت، كغدر الصدر الكبير الأمير غياث الدين محمّد الاسترابادي بالمحقّق الكركي، ووقوف الأمير غياث الدين منصور الدشتكي الشيرازي بوجهه عندما أراد أن يغيّر اتجاه القبلة في بعض مدن ايران

____________

1 ـ عالم آرا صفوي: 478 ـ 480، روضات الجنّات 4:362، ريحانة الأدب 5:246.


الصفحة 38
عقدناه.

إضافة لذلك كلّه فإنّ الشاه إسماعيل لم يمنحه منصباً دينيّاً في دولته، فمنصب الصدر كان بيد الأمير غياث الدين منصور الدشتكي، ومنصب شيخ الإسلام لم تكن له أهميّة تُذكر في زمن الشاه إسماعيل، مع أنّنا لم نعثر على دليل تأريخي يدلّ على استلام الكركي له.

وهناك أدلّة واضحة تدلّ على أنّ للشاه إسماعيل دوراً هاماً في إخراج الكركي من ايران، فإنّه إنّما طلبه من العراق كي يستعين به ترسيخ قواعد دولته الفتيّة، لا لكي يكوّن قوّة تتألّف من مجموعة من الفقهاء في مقابل القوّة، الحقيقيّة التي يعتمد عليها، وهي رجال الفرقة الصوفيّة المعروفة بـ "القزلباش"، فقد صرّح المؤرّخ الإيراني المعروف حسن بيك روملو المعاصر للمحقّق الكركي بأنّ الرخصة قد خرجت للكركي في التوجّه لعراق العرب(1). وهذه الرخصة هي تعبير ملّطف عن الإبعاد.

وأخيراً فقد توجّه الكركي إلى العراق وسكن مدينة النجف الأشرف ما يقارب ستّ عشرة سنة وستّة أشهر، ابتداءً من سنة 920هـ، حيث غادر العراق متوجّهاً إلى ايران ثانية بصحبة الشاه طهماسب الصفوي بعد دخوله بغداد في الرابع والعشرين من شهر جمادى الأولى من نفس السنة(2).

في زمن الشاه طهماسب

عندما توفّي الشاه إسماعيل الصفوي يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رجب سنة 930هـ، والذي قيل في تأريخ وفاته: "شاه با عدل شاه إسماعيل"، أي الشاه العادل

____________

1 ـ أحسن التواريخ: 254.

2 ـ أحسن التواريخ: 189.


الصفحة 39
الشاه إسماعيل، وهو في ريعان شبابه حيث بلغ عمره آنذاك ثماني وثلاثين سنة(1)، كان ولده طهماسب صغيراً يبلغ من العمر عشر سنوات وستّة أشهر وأربعة وعشرين يوماً، إذ أنّه ولد في يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر ذي الحجّة سنة 919هـ في قرية شهاباد التابعة لمدينة أصفهان(2)، لذلك فقد بقي لمدّة ستّ سنوات تحت وصايا لجنة من كبار القزلباش، وقد قيل في تأريخ استلامه للحكم "جاى پدر گرفتن" أي احتلّ مكان والده(3).

كان الشاه طهماسب على النقيض من أبيه تماماً، رجلا يتحلّى بثقافة واسعة وعناية بالفنون(4)، وفي غير اندفاع أبيه، كما كان متديّناً ملتزماً بأحكام الشرع الحنيف، وقد ورث دولة مترامية الأطراف ما تزال تبحث عن رابط روحي يشدّ رعاياها إلى كيانها السياسي والبيت الحاكم.

لذلك نلاحظ أنّ طهماسب قد تطلّع إلى المحقّق الكركي وبنى عليه الآمال في تحقيق هذا الهدف السياسي الديني، فأقام رابطة قويّة مع الكركي قبل أن يستلم الحكم الواقعي في ايران، ظهرت معالمها الواضحة في وقفيّة ماء الفرات التي حصلت سنة 935هـ، أي قبل سنة من استلامه الحكم الواقعي، حيث أسند طهماسب تولية هذه الوقفيّة إلى الكركي ومدحه وأطراه فيها بعبارات جميلة تدلّ على مدى احترامه واعترازه بالكركي.

وفي سنة 936هـ حينما استلم الشاه طهماسب الحكم الواقعي في ايران، كان العراق قد خرج من سيطرة الدولة الصفويّة منذ ستّ سنوات، إذ سيطر عليه سنة 930هـ ـ بعد وفاة

____________

1 ـ خلاصة التواريخ: 153 ـ 154.

2 ـ خلاصة التواريخ: 127.

3 ـ خلاصة التواريخ: 155.

4 ـ أحسن التواريخ: 448، دانشمندان آذربايجان: 248.


الصفحة 40
الشاه إسماعيل ـ ذو الفقار رئيس قبيلة موصلو التركيّة وأعلن الولاء للدولة العثمانيّة.

ولم تتوفّر لدينا معلومات كافية عن ذي الفقار وكيفيّة سيطرته على بغداد، إلاّ أنّ الثابت أنّه ينتمي إلى أُسرة لريّة تسكن الحدود العراقيّة الإيرانيّة، وكان في ذلك الوقت قد حصل على دعم ومسانده من قبائل كلهور القويّة، فاستطاع بواسطتها الهجوم على والي بغداد من قِبل الدولة الصفويّة وقتله وسيطر على بغداد بسهولة.

أمّا الشاه طهماسب فإنّ أوّل عمل فكّر به بعد استلامه الواقعي للحكم في إيران هو إرجاع العراق لسيطرة الدولة الصفويّة، فجّهز جيشاً قوّياً متوجّهاً لبغداد عن طريق كرمانشاه، وحاول في عدّة هجمات عسكريّة غلبة خصمه، إلاّ أنّ صمود ذي الفقار ومقاومته أفشلت كافة محاولات طهماسب العسكريّة، لكن الخيانة نجحت في مقام خاب فيه سلاح الصفويّين، فقد أغرى الشاه طهماسب أخوي ذي الفقار وحثّهم على قتله، فمات ذو الفقار وهو يدافع أعداءه في داخل بيته الخاصّ(1).

وأخيراً فقد احتلّ طهماسب العراق، ودخل بغداد في الرابع والعشرين من شهر جمادى الاُولى سنة 936هـ، ثمّ توجّه بعد عدّة أيام الزيارة العتبات المقدّسة في مدينتي النجف وكربلاء المقدّستين(2).

متى دخل الكركي ايران ثانية وكم بقي فيها؟

نتيجة للرابطة القويّة التي قامت بين الشاه طهماسب الصفوي والمحقّق الكركي، فمن الطبيعي جدّاً أن يرحّب الكركي بقدوم طهماسب إلى العراق الذي خلّص العراقيين من سيطرة ذي الفقار، ومن الطبيعي جدّاً أن يلتقي الرجلان في مدينة النجف الأشرف عندما دخلها طهماسب زائراً في جمادى الآخر سنة 936هـ، لذلك نلاحظ أنّ الشاه هنا يطلب

____________

1 ـ أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث: 34 ـ 35.

2 ـ أحسن التواريخ: 189.


الصفحة 41
من الكركي التوجّه إلى ايران لإكمال نشاطه الذي بدأه زمن والده.

لكن المحقّق الكركي في هذه المرّة أراد أن يذهب إلى ايران وهو يتمتّع بصلاحيّات واسعة تمكّنه من تطبيق خطّته التبلغيّة الشاملة، وتمكّنه أيضاً من الوقوف أمام معارضيه من رجال الدين والحكومة، ولعلّه أيضاً لاختبار صدق نيّة طهماسب حيث أوعد الكركي بدعمه ومساندته. لذلك كلّه نلاحظ أنّ المحقّق الكركي طلب من الشاه إصدار مرسوم سلطاني يعطيه فيه صلاحيات كاملة.

والذي يغلب على الظنّ أنّ الكركي كتب بنفسه صيغة هذا المرسوم وقدّمه لطهماسب كشرط رئيسي لذهابه إلى إيران، فعند قراءتنا لهذا المرسوم نُشاهد أنّه لم يكتب بلغة المراسيم الحكوميّة المعهودة، بل بلغة فقهيّة، حيث تضمّن قطعة من رواية عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، التي يستدلّ بها الفقهاء على ثبوت الفقيه واليك ترجمة النصّ الكامل لهذا المرسوم الذي يعبّر عنه بـ "الفرمان"، والذي صدر في سنة 936هـ، حين كان الكركي وطهماسب في مدينة النجف الأشرف.


بسم الله الرحمن الرحيم

حيث يبدو ويتّضح من الحديث الصحيح بالنسبة إلى الإمام الصادق (عليه السلام): "انظروا إلى مَن كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فأرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته حاكماً. فإذا حكم بحكم فمَن لم يقبله منه فإنّما بحكم الله استخفّ، وعلينا ردّ، وهو رادّ على الله، وهو على حدّ الشرك"(1).

وواضح أنّ مخالفة حكم المجتهدين، الحافظين لشرع سيّد المرسلين، هو والشرك في درجة واحدة. لذلك فإنّ كلّ مَن يخالف حكم خاتم المجتهدين، ووارث علوم سيّد

____________

1 ـ الكافي 1:54 حديث 10 و7:412 حديث 5، التهذيب 6:218 حديث 514 و301 حديث 845.


الصفحة 42
المرسلين، ونائب الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، لايزال كاسمه العلي عليّاً عالياً، ولا يتابعه، فإنّه لا محالة مردود، وعن مهبط الملائكة مطرود، وسيؤاخذ بالتأديبات البلغية والتدبيرات العظيمة.

كتبه طهماسب ابن شاه إسماعيل الصفويّ الموسويّ(1)

ومن الملاحظ أنّ هذا المرسوم خال من أي تأريخ، إلاّ أنّ الفرمان الثاني الذي صدر للمحقّق الكركي في سنة 939هـ فيه إشارة إلى تاريخ المرسوم الأوّل، وهو سنة 936هـ(2).

ومن هذا كلّه يتّضح أنّ الكركي دخل ايران ثانية بصحبة الشاه طهماسب في منتصف سنة 936هـ بعد عودته من احتلال العراق وزيارته للعتبات المقدّسة، حيث توجّه طهماسب من العراق إلى قزوين، ومنها إلى خراسان لمحاربة سلاطين الاوزبك الذين اعلنوا التمرّد على الدولة الصفويّة، وفي هذه الفترة كان الكركي بصحبة الشاه طهماسب الصفوي كما تشير المصادر التأريخيّة الفارسيّة إلى ذلك(3).

وأمّا آخر تأريخ عثرت عليه يدلّ على وجود الكركي في إيران هو السادس من شهر جمادى الأولى سنة 939هـ، وهو تأريخ إجازته لعلي بن الحسن الزواري(4)، وهذا يعني أنّه بقي في ايران في هذه الفترة ثلاث سنوات فقط.

وإذا أضفنا لها الثلاث سنوات السابقة التي قضاها في ايران أيام الشاه إسماعيل،

____________

1 ـ رياض العلماء 3:455، تعليقة أمل الآمل: 58، روضات الجنّات 4:364، مستدرك الوسائل "الخاتمة" 3:432، الفوائد الرضويّة: 305.

2 ـ انظر وقائع السنين والأعوام: 461.

3 ـ خلاصة التواريخ: 195.

4 ـ طبقات خلفاء وأصحاب أئمة: 412، أعيان الشيعة 8:186 و368، مستدركات أعيان الشيعة 5:313، الذريعة 4:75/310، طبقات أعلام الشيعة (إحياء الداثر من القرن العاشر): 136 و152.


الصفحة 43
فيصبح مجموع المدّة التي قضاها الكركي في ايران خلال الهجرتين الاُولى والثانية هي ستّ سنوات فقط.

أمّا ماذا فعل الكركي في تلك الفترة؟

وما هي نشاطاته في أيام الشاه طهماسب الصفوي؟ فنقول:

إنّ مجيء المحقّق الكركي إلى ايران ثانيةً في سنة 936هـ يختلف تماماً عن مجيئة إليها سنة 916هـ أيام الشاه إسماعيل الصفوي، إذ أنّه في هذه المرّة دخل ايران بصحبة الشاه طهماسب(1) وهو يحتلّ منصب شيخ الإسلام في ايران وكافة المدن التابعة لها(2). وفي يده أيضاً مرسوم سلطاني أمر فيه الشاه طهماسب أتباع دولته بإطاعة الكركي، "وأنّ كلّ مَن يخالفه ولا يتابعه لا محالة مردود وعن مهبط الملائكة مطرود، وسيؤاخذ بالتأديبات البلغية والتدبيرات العظيمة".

ولعلّ هذا المرسوم يشكّل حالة لا نظير لها سابقاً في منحِ حاكم دولة كلّ هذه الصلاحيّات الكبيرة لأحد رجال الدين، ممّا أدّى إلى قول أحد الكتّاب المعاصرين: إنّ هذا البيان يمثّل أوّل خطاب سياسي في الإسلام على أساس ولاية الفقيه(3).

وعلى كلّ حال فإنّ المحقّق الكركي قد استغلّ هذه الصلاحيات الممنوحة له، وخلال فترة قصيرة لا تتجاوز الثلاث سنوات، وبواسطة رسم خطّة مدروسة ومحكمة، عمل بكلّ جدّ ومثابرة على نشر التشيّع في إيران والإشراف على كافة الشؤون الدينيّة فيها، حتّى لقّب بكلّ جدارة "باعث النهضة الشيعيّة في ايران، واضع الاُسس الدستوريّة للدولة الصفويّة".

____________

1 ـ خلاصة التواريخ: 195.

2 ـ رياض العلماء 3:450.

3 ـ الهجرة العامليّة: 126.


الصفحة 44
وذهب إلى أكثر من ذلك المؤرّخ الايراني المعروف الميرزا اسكندر بيك المنشىء (من أعلام القرن الجادي عشر) في كتابه الفارسي "تأريخ عالم آرا عباسى" الذي انتهى من تأليفه سنة 1025هـ، حيث قال عن الكركي: كان في ذلك الحين ملك ايران وأهلها(1).

وقال المحدّث الشيخ يوسف البحراني (ت 1186هـ): كان الكركي من علماء الشاه طهماسب الصفوي، وجعل اُمور المملكة بيده، وكب رقماً [مرسوماً] إلى جميع الممالك بامتثال ما يأمر به الشيخ المزبور، وأنّ أصل الملك إنّما هو له; لأنّه نائب الإمام (عليه السلام).

وحكى عن السيّد نعمة الله الجزائري (ت 1112هـ) قوله في أوّل كتابه "شرح عوالي اللآلي": وأيضاً الشيخ علي بن عبد العالي عطّر الله مرقده لمّا قدم أصفهان وقزوين في عصر السلطان العادل الشاه طهماسب أنار الله برهانه، مكّنه من الملك والسلطان وقال له: أنتَ أحقّ بالملك; لأنّك النائب عن الإمام (عليه السلام)، وإنّما أكون من عمّالك أقوم بأوامرك ونواهيك(2).

وقال العلاّمة الأميني (ت 1390هـ): قدم ايران بطلب من الشاه طهماسب الصفوي، فأفاض العلم ونشر الدعوة، وبث الدّين وأقام معالمه وشيّد دعائمه، وكان السلطان يشدّ أزره ويقيم أمره ويمكّنه ممّا يتحرّاه من التثقيف وإقامة الأمت والأود، ويكتسح له الأشواك المتكدّسة أمام سعيه والعراقيل دون مغازيه. وبذلك كانت له الموفقيّة بالحصول على غايات شريفة قلّ من ضاهان فيها، أو أنّه اختصّ بها إلى عصره، وكان الشاه يقدّمه على جميع علماء عصره، وهو أهل لذلك كلّه(3).

ونستطيع أن نشير هنا إلى فعاليات الكركي في تلك الفترة وبشكل مختصر عبر عدّة

____________

1 ـ تأريخ عالم آرا عباسى 1:154.

2 ـ لؤلؤة البحرين: 152.

3 ـ شهداء الفضيلة: 108.


الصفحة 45
نقاط:

الاُولى: نشر الأحكام الشرعيّة وترويجها طبقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك بواسطة مجموعة من العلماء، حيث عيّن في كلّ مدينة رجل دين يعلّمهم مسائل الشرع الحنيف، ويقوم بكافة ما يتعلّق بالاُمور الشرعيّة كصلاة الجمعة والجماعة، والنظر في مشاكلهم الاجتماعيّة، والفصل في خلافاتهم الدنيويّة، وقد صرّح بعض المؤلّفين بما قام به الكركي في هذا المجال:

قال المؤرّخ الايراني المشهور حسن بيك روملو، المعاصر للمحقّق الكركي في كتابه الفارسي "أحسن التواريخ" الذي انتهى من تأليفه سنة 980هـ: إنّ بعد الخواجِة نصير الدين الطوسي في الحقيقة لم يسعَ أحد أزيد ممّا سعى الشيخ علي الكركي هذا في إعلاء أعلام المذهب الحقّ الجعفري ودين الأئمّة الاثني عشر، وكان له في... والمحافظة على أوقات الجمعة والجماعات، وبيان أحكام الصيام والصلوات، والفحص عن أحوال الأئمة والمؤذنين و... مساعي جميلة، ورغّب العوام في تعليم الشرائع وأحكام الإسلام وكلّفهم بها(1).

وقال القاضي أحمد بن شرف الدين الحسين الحسيني القمّي (ت بعد 1015هـ) في كتابه "خلاصة التواريخ" الذي انتهى من تأليفه سنة 999هـ: وقد ظهرت له [للكركي] مساعي كبيرة في رواج المذهب الحقّ ومذهب الأئمّة الاثني عشر، وفي نشر مآثر شرائع خير البشر (صلى الله عليه وآله)، وحقوق هذا الشيخ المرحوم على الشيعة كثيرة(2).

وقال السيّد نعمة الله الجزائري في "شرح عوالي اللآلي": وأمرَ بأن يُقرّر في كلّ بلدة

____________

1 ـ أحسن التواريخ: 248.

2 ـ خلاصة التواريخ: 195.


الصفحة 46
وقرية إماماً يصلّي بالناس ويعلّمهم شرائع الدين(1).

ونتيجة لذلك فقد لقّبه بعض المؤرّخين وأصحاب التراجم والسّير بـ "مروّج المذهب" ابتداءً من القرن الثاني عشر: منهم السيّد عبد الحسين الخاتون آبادي (ت 1105هـ)(2)، والسيّد محمّد صالح الخاتون آبادي (ت 1116هـ)(3)، والسيّد محسن الأمين (ت 1371هـ)(4)، والميرزا محمّد علي التبريزي (ت 1373هـ)(5).

ولقّبه البعض الآخر بـ "المولى المروّج": منهم المحدّث الشيخ يوسف البحراني 1186 هـ)(6)، والسيّد محمّد باقر الخوانساري (ت 1313هـ)(7)، والمولى علي العلياري (ت 1327هـ)(8)، والسيّد حسن الصدر (ت 1354هـ)(9)، والسيّد محسن الأمين (ت 1371هـ)(10)، والميرزا محمّد علي التبريزي (ت 1373هـ)(11)، والعلاّمة الأميني (ت 1390هـ)(12).

وبعض المعاندين المخالفين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) لقّبوه بـ "مخترع مذهب

____________

1 ـ حكاه عنه المحدّث البحراني في لؤلؤة البحرين: 152.

2 ـ وقائع السنين والأعوام: 461.

3 ـ حدائق المقرّبين "مخطوط" 31 ورقة قبل الأخير.

4 ـ أعيان الشيعة 8: 209.

5 ـ ريحانة الأدب 3:489.

6 ـ لؤلؤة البحرين: 151.

7 ـ روضات الجنّات 4:360.

8 ـ بهجة الآمال 5:457.

9 ـ تكملة أمل الآمل: 291.

10 ـ أعيان الشيعة 8:208.

11 ـ ريحانة الأدب 3:489.

12 ـ شهداء الفضيلة: 108.


الصفحة 47
الشيعة"(1).

الثانية: ومن الأعمال البارزة التي تُذكر للمحقّق الكركي هو تأسيسه لحوزات علميّة في ايران مبنيّة على اُسس وقواعد مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وتشجيعه لحركة التأليف والترجمة. فقد أدرك الكركي أنّ مهمّته صعبة للغاية، وأنّه لوحده لا يستطيع القيام بكافّة المهام، لذلك عمل على رسم خطّة محكمة تمكّنه من نشر تعاليم مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في كافة أنحاء الدولة الصفويّة، تعتمد على تربية مجموعة من الطلاّب يتوزّعون على مدن ايران للقيام بهذه المهمّة.

وفعلا فقد أسس عدّة حوزات في ايران أهمّها كانت في كاشان وأصفهان، حيث خصّص مبالغ معيّنة للدارسين فيها من أجل أن يتفرّغوا لطلب العلم. ونتيجة لذلك فقد كثر عدد المشتغلين بدراسة العلوم الإسلاميّة، وشهدت ايران آنذاك حركة علميّة ثقافية قويّة أدّت إلى بروز مشاريع كبرى في مجالات التأليف والترجمة.

الثالثة: لم يكتف الكركي بنشر الأحكام الإسلاميّة بين عوام الناس وترغيبهم في تعليم مسائل الحلال والحرام، بل رأى أنّ من الضروري التوجّه إلى الحكّام والمسؤولين عن المدن الإيرانيّة لتعليمهم أوّلا أحكام الشرع الحنيف، وثانياً ترغيبهم وحثّهم على تطبيق هذه الأحكام بين الناس وعدم الخروج عنها ومعاملة الرعية بالجور.

قال المحدّث الشيخ يوسف البحراني: كان الشيخ [الكركي] يكتب إلى جميع البلدان كُتباً بدستور العمل في الخراج وما ينبغي تدبيره في اُمور الرعيّة.

وحكى عن السيّد نعمة الله الجزائري قوله في "شرح عوالي اللآلي": ورأيت للشيخ [للكركي] أحكاماً ورسائل إلى المماليك الشاهيّة وإلى عمّالها أهل الاختيار فيها،

____________

1 ـ انظر: نواقض الروافض "مخطوط" ورقة 98 ب، اُصول مذهب الشيعة الإماميّة 3:1224، الفكر الشيعي والنزعات الصوفيّة: 416.


الصفحة 48
تتضمّن قوانين العدل وكيفيّة سلوك العمّال مع الرعيّة في أخذ الخراج وكميّته ومقدار مدته(1).

الرابعة: ولمّا رأى الكركي أنّ بعض المسؤولين على الشؤون الدينيّة لا يطبّقون الأحكام الإسلاميّة ولا يلتزمون بها، فبدأ بعزلهم عن مناصبهم الدينيّة وإبدالهم بمن هو أفضل منهم.

ولم يكتف الكركي بذلك بل ذهب إلى أكثر منه حيث أخذ يحث الشاه طهماسب على عزل بعض المسؤولين في المناصب العاليّة، كمنصب الصدارة الذي يعتبر أعلى منصباً سياسياً دينيّاً في البلاد، لذلك عزل الأمير غياث الدين منصور الدشتكي الشيرازي (ت 946هـ) من منصب الصدارة، ونصب بدله تلميذ الكركي الأمير معزّ الدين الأصفهاني (ت 952هـ)، ثمّ عزل هذا أيضاً ونصب بدله الأمير أسد الله الشوشتري (ت 963هـ).

يقول حسن بيك روملو عن هذا الموضوع: ثمّ لمّا جاء الشيخ علي المرّة الثانية إلى بلاد العجم قد صار الأمير غياث الدين صدراً، وكان النزاع والكدورة بينهما باقية. وقد كانت تبعة الشيخ علي من الأعراب في كلّ المواضع يرتكبون لقطع الاُمور الشرعيّة وفصلها ويقومون بها من غير توقّف وتقييد بأوامر ديوان الصدارة وخطاباته، إلى أن قوى النزاع والعداوة شيئاً فشيئاً بينهما، وآل الأمر إلى المناقشة في مجلس الشاه، وَرَجّح السلطان جانب الشيخ علي وعزل الأمير غياث الدين منصور عن الصدارة(2).

ويقول اسكندر بيك المنشيء: كانت الصدارة في عهد الشاه طهماسب بيد عالمين هما الميرزا نعمة الله الحلّي والمير قوام الدين حسن الأصفهاني، فلما مات قوام الدين قام مقامه الأمى غياث الدين منصور الدشكتي الشيرازي. ولمخالفة نعمة الله الحلّي مع علي

____________

1 ـ لؤلؤة البحرين: 152.

2 ـ أحسن التواريخ: 393.


الصفحة 49
ابن عبد العالي وتحزّبه لإبراهيم القطيفي انعزل الله وذهب إلى الحلّة، وانفرد غياث الدين منصور بالصدارة، لكن الشيخ علي عارضه أيضاً فقام الشاه بعزل غياث الدين ونصب مكانه معزّ الدين محمّد الأصفهاني، فذهب الدشتكي إلى شيراز من غير رخصة(1).

الخامسة: عند مجيء الكركي إلى ايران أيام الشاه طهماسب شاهد انتشار أنواع كثيرة من الفساد، ليس فقط بين عوامّ الناس، بل حتّى بين أوساط رجال الدولة من الاُمراء وقادة الجيش. وكان الكثير منهم لا يعتبره عملا شنيعاً، فالغناء مباح عند الصوفيّة، وأماكن القمار واللهو منتشرة بشكل واسع يرتادها كبار رجال الدولة، والحمّامات مليئة بالشباب المُرد يعملون فيها في كلّ وقت، وشرب الخمر يعتبره الناس عملا طبيعياً جدّاً مادام كبار رجال الدولة يتناولونه علناً.

لذلك فقد وضع الكركي خطّة لمحاربة الفساد السائد آنذاك، استعان في تطبيقها بالشاه طهماسب الصفوي، الذي كان يُعدّ من أكثر سلاطين الصفويّين تديّناً، فأمر الشاه بإغلاق أماكن اللهو والطرب وشرب جميع أنواع الخمور وأماكن صناعتها، وكذلك الدور المعدّة للّعب بالطيور والمسابقات المحرّمة، وأمر بمنع عمل الشباب المُرد في الحمّمات، وكسر جميع آلات الموسيقي والقمار.

وعلى كلّ حال، فالمتتبّع لحياة الكركي وللأحداث التأريخيّة العجيبة التي مرّت في تلك الفترة، يُلاحظ أنّ الكركي ورغم نجاحه الكبير في نشر التشيّع في ايران، ووقوف الشاه طهماسب إلى جنبه وتقديم كافّة التسهيلات له من أجل تطبيق برنامجه الإصلاحي، رغم كلّ ذلك يلاحظ أنّ الكركي يترك ايران فجأة ويرجع إلى العراق ثانيةً، وهنا يجدر بنا

____________

1 ـ تأريخ عالم آرا عباسى 1:144.