ثم المعتزلة استدلوا على مقالتهم بوجوه ثلاثة: الأول: أن القدرة لو لم تتقدم الفعل قبح تكليف الكافر، والتالي باطل بالاجماع فالمقدم مثله، وبيان الملازمة أن تكليف ما لا يطاق قبيح فلو لم يكن الكافر متمكنا من الإيمان حال كفره لزم تكليف ما لا يطاق. الثاني: لو لم تكن القدرة متقدمة على الفعل لزم استغناء الفعل عن القدرة مع فرض الحاجة إليها وهو تناف ظاهر، وبيان الملازمة أن الحاجة إلى القدرة أنما هي لإخراج الفعل من العدم إلى الوجود وحالة الاخراج يستغني عن القدرة وقبله لا قدرة فلا حاجة إليها مع أن الفعل إنما يخرج بالقدرة، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وللتنافي. الثالث: لو لم تكن القدرة متقدمة لزم إما حدوث قدرة ا لله تعالى أو قدم الفعل، والقسمان محالان فالمقدم باطل، وإلى هذا أشار بقوله: ولزوم أحد محالين لولاه أي لولا التقدم، هذا ما خطر لنا في تفسير هذا الكلام.
ويمكن أن يكون قوله: وللتنافي، إشارة إلى دليل مغاير للدليل الثاني الذي ذكرناه وهو أن القدرة لو قارنت الفعل وقد بينا أن القدرة تتعلق بالضدين فيلزم حصول الضدين معا وهو تناف، فيكون قوله: ولزوم أحد محالين من تتمة هذا الكلام، وهو أن نقول: لو كانت القدرة مقارنة لزم اجتماع الضدين للقدرة عليهما وهو تناف، فيلزم أحد محالين إما اجتماعهما مع تضادهما وتنافيهما أو إيجاب أحدهما فيتقدم على الآخر مع فرض المقارنة.
قال: ولا يتحد وقوع المقدور مع تعدد القادر.
أقول: لا يمكن وقوع مقدور واحد بقادرين وهو مما قد اختلف فيه، والدليل عليه أنه لو وقع بهما لزم استغناؤه بكل واحد منهما عن كل واحد منهما حال حاجته إليه وهو باطل بالضرورة، ويمكن تعلق القادرين بمقدور واحد بأن يكون ذلك الشئ مقدورا لكل واحد منهما وإن لم يقع إلا بأحدهما، ولهذا قال: ولا يتحد وقوع المقدور، ولم يقل: ولا يتحد المقدور.
قال: ولا استبعاد في تماثلها.
قال: وتقابل العجز تقابل الملكة والعدم.
أقول: العجز عند الأوائل وجمهور المعتزلة أنه عدم القدرة عما من شأنه أن يكون قادرا فهو عدم ملكة القدرة، وذهبت الأشعرية إلى أنه معنى يضاد القدرة لأنه ليس جعل العجز عدما للقدرة أولى من العكس، وهو خطأ فإنه لا يلزم من عدم الأولوية عندهم عدمها في نفس الأمر ولا من عدمها في نفس الأمر ثبوت العجز معنى.
قال: وتغاير الخلق (2) لتضاد أحكامهما والفعل.
أقول: الخلق ملكة نفسانية تصدر بها عن النفس أفعال بسهولة من غير سابقة فكر وروية، وهو مغاير للقدرة لتضاد أحكامهما، لأن القدرة تتساوى نسبتها إلى الضدين والخلق ليس كذلك، والخلق أيضا يغاير الفعل لأنه قد يكون تكليفا.
المسألة الرابعة والعشرون
في الألم واللذة
قال: ومنها الألم واللذة وهما نوعان من الادراك تخصصا بإضافة تختلف بالقياس.
____________
(1) كما في (م ص ز د) وكذا في العبارة الآتية. وهي جمع القدرة كثقبة وثقب، وغرفة وغرف.
(2) وفي (ت) وحدها: وتضاد الخلق. والشرح يوافق الوجه الأول الموافق لسائر النسخ كلها.
قال: وليست اللذة خروجا عن الحالة الطبيعية لا غير (1).
أقول: نقل عن محمد بن زكريا الطبيب (أن اللذة هي الخروج عن الحالة الطبيعية لأنها أنما تعرض بانفعال يعرض للحاسة يقتضيه تبدل حال) وهو غير جيد فإنه أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات، ولهذا نلتذ بصورة نشاهدها من غير سابقة إبصار لها حتى لا تجعل اللذة عبارة عن الخلاص عن ألم الشوق.
قال: وقد يستند الألم إلى التفرق.
أقول: للألم سببان: أحدهما: تفرق الاتصال فإن مقطوع اليد يحس بالألم
____________
(1) كما في (م ت د ص ش) وهذه عبارة صحيحة اخترناها. وكلمة غير كما في المطبوعة زائدة. وهذا التصحيف قد تطرق في كتب أخرى كالأسفار حيث قال: وزعم بعض الأطباء كمحمد بن زكريا الرازي أن اللذة عبارة عن الخروج عن الحال الغير الطبيعية.. الخ (ج 2 ط 1 ص 38)، وكالمباحث المشرقية للفخر الرازي حيث قال: زعم محمد بن زكريا أن اللذة عبارة عن الخروج عن الحالة الغير الطبيعية، والألم عبارة عن الخروج عن الحالة الطبيعية، وسبب هذا الظن أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات.. الخ (ج 1 ط 1 ص 387) وعبارة الأسفار مأخوذة من المباحث. ولكن العبارة محرفة وقد تصرف فيها من لا دربة له في فهم أساليب العبارات العلمية. والعبارة في نسخة مخطوطة من المباحث عندنا هكذا: زعم محمد بن زكريا أن اللذة عبارة عن الخروج عن الحالة الطبيعية، وسبب هذا الظن أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات.. الخ. وعبارة الخواجة موافقة لها، ونسخة التجريد المنسوبة إلى خط الخواجة أيضا موافقة لما اخترناه.
ثم قد نقل الفخر في المحصل عبارة الرازي هكذا: ثم قال محمد بن زكريا اللذة عبارة عن الخلاص عن الألم (ص 75 ط مصر).
قال: وكل منهما حسي وعقلي وهو أقوى.
أقول: يريد قسمة الألم واللذة بالنسبة إلى الحس والعقل، وذلك لأن جماعة أنكروا العقلي منهما، والحق خلافه فإنا نلتذ بالمعارف وهي لذات عقلية لا تعلق للحس بها ونتألم بفقدانها بل هذه اللذة أقوى من اللذة الحسية، ولهذا كثيرا ما تترك اللذة الحسية لأجل اللذة الوهمية لا العقلية فكيف العقلية، وأيضا فإن الحس إنما يدرك ظواهر الأجسام ولا تعلق له بالأمور الكلية، والعقل يدرك باطن الشئ ويميز بين الذاتيات والعوارض ويفرق بين الجنس والفصل، فيكون إدراكه أتم فتكون اللذة فيه أقوى.
المسألة الخامسة والعشرون
في الإرادة والكراهة
قال: ومنها الإرادة والكراهة وهما نوعان من العلم.
أقول: من الكيفيات النفسانية الإرادة والكراهة، وهما نوعان من العلم بالمعنى الأعم، وذلك لأن الإرادة عبارة عن علم الحي أو اعتقاده أو ظنه بما في الفعل من المصلحة، والكراهة علمه أو ظنه أو اعتقاده بما فيه من المفسدة، هذا مذهب جماعة. وقال آخرون: إن الإرادة والكراهة زائدتان على هذا العلم
____________
(1) لأن المتفق أي المستوى صارت حرارة الحمى متمكنة فيه كالمزاج له (الأسفار ج 2 ط 1 ص 38).
قال: وأحدهما لازم مع التقابل.
أقول: الذي فهمناه من هذا الكلام أن أحدهما أي إرادة الشئ تستلزم كراهة ضده فإن الكراهة للضد أحدهما يعني أحد الأمرين إما الإرادة أو الكراهة لازم للإرداة للشئ مع تقابل المتعلقين أعني الشئ والضد. وهذا حكم قد اختلف فيه فذهب الأكثر إليه، وذهب قوم إلى أن إرادة الشئ نفس كراهة الضد وهو غلط من باب أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات.
ويحتمل أن يكون معنى قوله: وأحدهما لازم مع التقابل، أي أن أحدهما لازم للعلم قطعا إذ المعلوم إما أن يشتمل فعله على نوع من المصلحة أو على نوع من المفسدة، فأحد الأمرين لازم لكن لا يلزمه أحدهما بعينه للتقابل بينهما بل اللازم واحد لا بعينه.
قال: ويتغاير اعتبارهما بالنسبة إلى الفاعل وغيره.
أقول: الذي يظهر لنا من هذا الكلام أن الإرادة والكراهة يتغاير اعتبارهما بالنسبة إلى الفاعل بالإرادة وغيره، وذلك لأن الإرادة إن كانت لنفس فعل الفاعل من نفسه فهي عبارة عن صفة تقتضي تخصيصه بالايجاد دون غيره مما عداه من الأفعال في وقت خاص دون غيره من سائر الأوقات، وإن كانت لفعل الغير فإنها لا تؤخذ بهذا المعنى.
قال: وقد تتعلقان بذاتيهما بخلاف الشهوة والنفرة.
أقول: الإرادة قد تراد والكراهة قد تكره، وهذا حكم ظاهر لكن الإرادة المتعلقة بالإرادة ليست هي الإرادة المتعلقة بالفعل لأن اختلاف المتعلقات يقتضي اختلاف المتعلقات (1) أما الشهوة والنفرة فلا يصح تعلقهما بذاتيهما فالشهوة لا
____________
(1) الأول بالفتح والثاني بالكسر.
قال: فهذه الكيفيات تفتقر إلى الحياة وهي صفة تقتضي الحس والحركة مشروطة باعتدال المزاج عندنا.
أقول: هذه الكيفيات النفسانية التي ذكرها مشروطة بالحياة وهو ظاهر، ثم فسر الحياة بأنها صفة تقتضي الحس والحركة، وزادها إيضاحا بقوله: مشروطة باعتدال المزاج، ثم قيد ذلك بقوله: عندنا، ليخرج عنه حياة واجب الوجود فإنها غير مشروطة باعتدال المزاج ولا تقتضي الحس والحركة.
قال: فلا بد من البنية.
أقول: هذا نتيجة ما تقدم من اشتراط الحياة باعتدال المزاج، فإن ذلك أنما يتحقق مع البنية وهذا ظاهر، والأشاعرة أنكروا ذلك وجوزوا وجود حياة في محل غير منقسم بانفراده وهو ظاهر البطلان.
قال: وتفتقر إلى الروح (1).
أقول: الحياة تفتقر إلى الروح، وهي أجسام لطيفة متكونة من بخارية الاخلاط سارية في العروق تنبعث من القلب، وحاجة الحياة إليها ظاهرة.
قال: وتقابل الموت تقابل العدم والملكة.
أقول: الموت هو عدم الحياة عن محل وجدت فيه فهو مقابل للحياة مقابلة العدم والملكة، وذهب أبو علي الجبائي إلى أنه معنى وجودي يضاد الحياة لقوله تعالى: الذي خلق الموت والحياة والخلق يستدعي الايجاد وهو ضعيف، لأن
____________
(1) أي الروح البخاري وهي من صفوة الاخلاط الأربعة ولا جسم ألطف منه وهي المطية الأولى للنفس.
المسألة السادسة والعشرون
في باقي الكيفيات النفسانية
قال: ومن الكيفيات النفسانية الصحة والمرض.
أقول: الصحة والمرض من الكيفيات النفسانية عند الشيخ، أما الصحة فقد حدها في الشفاء بأنها ملكة في الجسم الحيواني تصدر عنه لأجلها أفعاله الطبيعية وغيرها على المجرى الطبيعي غير مأوفة، والمرض حالة أو ملكة مقابلة لتلك (1).
وهنا إشكال فإن المتضادين يدخلان تحت جنس واحد، فالصحة إن دخلت في الحال والملكة فكذا المرض لكن أجناس المرض سوء المزاج وسوء التركيب وتفرق الاتصال، فسوء المزاج إن كان هو الحرارة الزائدة مثلا فهو من الكيفيات الفعلية لا من الحال والملكة، وإن كان هو اتصاف البدن بها فهو من مقولة أن ينفعل، وسوء التركيب عبارة عن مقدار أو عدد أو وضع أو شكل أو انسداد مجرى يخل بالأفعال، ولا شئ من هذه بحال ولا ملكة وتفرق الاتصال عدمي لا يدخل تحت مقولة.
قال: والفرح والغم.
أقول: الفرح أحد الكيفيات النفسانية وكذا الغم، والسبب المعد للفرح كون
____________
(1) أي مقابلة للصحة. وفي (م) وحدها: مقابلة لذلك أي مقابلة لذلك الحد. والوجه الأول مطابق لعبارة الشيخ كما في نسخة عتيقة من الشفاء عندنا حيث قال في الفصل الثاني من المقالة السابعة من قاطيغورياس منطق الشفاء: الصحة وهي ملكة في الجسم الحيواني تصدر عنه لأجلها أفعاله الطبيعية وغيرها على المجرى الطبيعي غير مؤوفة، وسواء نسبت إلى البدن كله أو إلى عضو واحد، وسواء كانت بالحقيقة أو بحسب الحس، فإن الذي بحسب الحس رسمه بحسب الحس. والمرض حالة أو ملكة مقابلة لتلك فلا تكون أفعاله من كل الوجوه كذلك بل تكون هناك آفة في الفعل.. الخ.
قال: والغضب والحزن والهم والخجل والحقد.
أقول: هذه أيضا من الأعراض النفسانية، واعلم أن جميع العوارض النفسانية تسلتزم حركة الروح إما إلى داخل أو خارج، والأول إن كانت كثيرة فكما في الفزع أو قليلة فكما في الحزن، والثاني إما دفعة فكما في الغضب أو يسيرا يسيرا فكما في اللذة، وقد يتفق أن يتحرك إلى جهتين دفعة واحدة إذا كان العارض يلزمه عارضان كالهم فإنه يوجد معه غضب وحزن فتختلف الحركتان، وكالخجل الذي تنقبض الروح معه أولا إلى الباطن ثم يخطر بالبال انتفاء الضرر فتنبسط ثانيا، ويعتبر في الحقد غضب ثابت وعدم سهولة الانتقام وعدم صعوبته.
المسألة السابعة والعشرون
في الكيفيات المختصة بالكميات
قال: والمختصة بالكمية إما المتصلة كالاستقامة والاستدارة والانحناء والتقعير والتقبيب والشكل والخلقة، أو المنفصلة كالزوجية والفردية.
أقول: لما فرغ من البحث عن الكيفيات النفسانية شرع في الكيفيات المختصة بالكميات، ونعني بها الكيفية التي تعرض للكمية أولا وبالذات وللجسم ثانيا وبالعرض، واعلم أن الكم على قسمين: متصل ومنفصل، أما المتصل فقد يعرض له الكيف مثل الاستقامة والاستدارة والانحناء والتقعير والتقبيب والشكل والخلقة، وأما المنفصل فقد يعرض له أيضا أنواع أخر من الكيف كالزوجية والفردية وغيرهما.
قال: فالمستقيم أقصر الخطوط الواصلة بين نقطتين، وكما أنه موجود فكذا
____________
(1) التخيل مصدر مضاف خبر للفاعل.
الدائرة.
أقول: رسم ارشميدس الخط المستقيم بأنه أقصر خط يصل بين نقطتين لأن كل نقطتين يمكن أن يوصل بينهما بخطوط غير مستقيمة مختلفة في الطول والقصر وبخط واحد مستقيم هو أقصرها.
إذا عرفت هذا فنقول: الخط المستقيم موجود بالضرورة، أما الدائرة وهي سطح مستو يحيط به خط واحد في داخله نقطة كل الخطوط المستقيمة الخارجة منها إلى المحيط متساوية، فقد اختلف الناس في وجودها فالذين أثبتوا ما لا ينقسم من ذوات الأوضاع نفوها، والباقون أثبتوها وهو اختيار المصنف رحمه الله لأن الدائرة المحسوسة موجودة، فإذا وصلنا بين المركز المحسوس منها وبين المحيط بخط ثم نقلنا طرف الخط الذي عند المحيط إلى جزء آخر، فإن لم ينطبق عليه فإن كان لزيادة جزء أزلناه وإن كان لنقصان جزء ملأناه به وإن كان لنقصان أقل من جزء أو لزيادة أقل منه لزم انقسام الجوهر وإمكان العمل أيضا.
قال: والتضاد منتف عن المستقيم والمستدير فكذا عن عارضيهما.
أقول: إنه ربما توهم بعض الناس أن الخط المستقيم يضاد الخط المستدير للتنافي بينهما، والتحقيق خلاف هذا فإن الضدين يجب اتحاد موضوعهما والموضوع هنا ليس بواحد إذ المستقيم يستحيل أن ينقلب إلى المستدير وبالعكس، وأيضا فإن المستقيم قد يكون وترا لقسي غير متناهية (1) كثرة وضد
____________
(1) كما في (م ص ز ذ ش) وفي بعض النسخ: غير متشابهة. والوجهان يفيدان معنى صحيحا إلا أن الأول متعين ولا تكون القسي غير المتناهية على وتر إلا غير المتشابهة، وأظن أن تعليقة أقيمت مقام غير المتناهية ثم بدلت الكثرة بالكثيرة ليستقيم المعنى. والقسي المتشابهة هي التي تقبل الزوايا المتساوية، كما يرشدك بذلك العاشر من ثانية اكرثا وذوسيوس بتحرير المحقق الماتن: إذا كانت في كرة دوائر متوازية ورسمت دوائر عظيمة تمر بأقطابها فإن القسي من الدوائر المتوازية التي فيما بين الدوائر العظيمة متشابهة.
قال: والشكل هيئة إحاطة الحد أو الحدود بالجسم ومع انضمام اللون تحصل الخلقة.
أقول: ذكر القدماء أن الشكل ما أحاط به حد أو حدود، والتحقيق أنه من باب الكيف فإنه هيئة تعرض للجسم بسبب إحاطة الحد الواحد أو الحدود به كالكرية والتربيع وهو مغاير للوضع بمعنى المقولة، وإذا اعتبر الشكل واللون معا حصلت الخلقة.
قال: الثالث المضاف.
أقول: لما فرغ من البحث عن الكيف وأقسامه شرع في المضاف وهو المقولة الثالثة من المقولات العشر، وهذه المقولة مع ما بعدها من المقولات كلها نسبية وهو قسم مقابل لما تقدم من المقولات، وفي هذا القسم مسائل:
المسألة الأولى
في أقسامه
قال: وهو حقيقي ومشهوري.
أقول: المضاف قد يقال لنفس الإضافة أعني العارضة للشئ باعتبار قياسه إلى غيره كالأبوة والبنوة، ويقال له: المضاف الحقيقي فإنه لذاته يقتضي الإضافة، وغيره أنما يقتضي الإضافة بواسطته، ويقال للذات التي عرضت لها الإضافة بالفعل كالأب والابن ويسمى المضاف المشهوري، وقد يقال للذات نفسها مضاف مشهوري باعتبار كونها معروضة للإضافة.
المسألة الثانية
في خواصه
قال: ويجب فيه الانعكاس والتكافؤ بالفعل أو القوة.
أقول: هاتان خاصتان مطلقتان للمضاف لا يشاركه فيهما غيره، إحداهما:
وجوب الانعكاس فإنه كما أن الأب أب للابن فكذا الابن ابن للأب، والمراد بالانعكاس الحكم بإضافة كل واحد منها إلى صاحبه من حيث كان مضافا إليه كما مثلناه، فإن لم تراع هذه الحيثية لم يجب الانعكاس كما تقول: الأب أب للانسان.
الثانية: التكافؤ في الوجود بالفعل أو القوة والمتقدم مصاحب للمتأخر ذهنا.
قال: ويعرض للموجودات أجمع.
أقول: المضاف الحقيقي يعرض لجميع الموجودات، كما يقال للواجب تعالى:
قادر عالم خالق رازق، ويقال لنوع من الجواهر: إنه أب وابن وغيرهما، ويقال للخط: طويل وقصير، وللعدد: قليل وكثير، وللكيف: أسخن وأبرد، وللمضاف:
كالأقرب والأبعد (1)، وللأين: أعلى وأسفل، وللمتى: أقدم وأحدث، وللوضع: أشد استقامة وانحناء، وللملك: أكسى وأعرى، وللفعل: أقطع وأصرم، وللانفعال: أشد تسخنا وتقطعا.
المسألة الثالثة
في أن الإضافة ليست ثابتة في الأعيان
قال: وثبوته ذهني وإلا تسلسل ولا ينفع تعلق الإضافة بذاتها.
أقول: اختلف العقلاء هنا، فذهب قوم إلى أن الإضافة ثابتة في الأعيان، لأن فوقية السماء ليست عدما محضا ولا أمرا ذهنيا غير مطابق. وقال آخرون: إنها
____________
(1) باتفاق النسخ كلها.
والدليل عليه وجوه ذكرها المصنف: أحدها أن الإضافة لو كانت ثابتة في الأعيان لزم التسلسل، لأن حلولها في المحل إضافة أخرى وحلول ذلك الحلول ثابت يستدعي محلا وحلولا وذلك يوجب التسلسل.
أجاب الشيخ أبو علي ابن سينا عن هذا (1) بأن قال: يجب أن نرجع في حل
____________
(1) أجاب عنه الشيخ في الفصل العاشر من ثالثة إلهيات الشفاء (ج 2 ط 1 ص 462) عبارة الشيخ المنقولة في نسخ كشف المراد تغاير عبارة الشفاء في الجملة. وقول الشارح بعد نقل كلام الشيخ: (وهذا الكلام على طوله غير مفيد للمطلوب) يعطي أنه نقل كلامه من غير تصرف فيه وتحرير آخر، ولكن عرضها على الشفاء يوهم أن ما في الكشف كأنه تحرير آخر من كلام الشيخ. كيف كان فقد نأتي هنا بعبارة الشيخ من نسخة مصححة عندنا صححناها في أثناء تدريسنا إياها بمقابلتها على عدة نسخ مخطوطة كريمة موجودة في مكتبتنا المحقرة على غاية الدقة والاتقان في العمل فهي ما يلي:
يجب أن نرجع في حل هذه الشبهة إلى حد المضاف المطلق فنقول: إن المضاف هو الذي ماهيته معقولة بالقياس إلى غيره فكل شئ في الأعيان يكون بحيث ماهيته أنما يعقل بالقياس إلى غيره فذلك الشئ من المضاف، لكن في الأعيان أشياء كثيرة بهذه الصفة فالمضاف في الأعيان موجود فإن كان للمضاف ماهية أخرى فينبغي أن يجرد ما له من المعنى المعقول بالقياس إلى غيره فذلك المعنى هو بالحقيقة المعقول بالقياس إلى غيره، وغيره إنما هو معقول بالقياس إلى غيره بسبب هذا المعنى وهذا المعنى ليس معقولا بالقياس إلى غيره بسبب شئ غير نفسه بل هو مضاف لذاته فليس هناك ذات وشئ هو الإضافة بل هناك مضاف بذاته لا بإضافة أخرى فتنتهي من هذا الطريق الإضافات. وأما كون هذا المعنى المضاف بذاته في هذا الموضوع فهو من حيث إنه في هذا الموضوع ماهية معقولة بالقياس إلى هذا الموضوع وله وجود آخر، مثلا وهو وجود الأبوة وذلك الوجود أيضا مضاف لكن ليس ذلك هذا فليكن هذا عارضا من المضاف لذي المضاف وكل واحد منهما مضاف لذاته إلى ما هو مضاف إليه بلا إضافة أخرى فالكون محمولا مضاف لذاته، والكون أبوة مضاف لذاته، إنتهى.
أقول: إن الشارح في البحث عن التقابل وهو المسألة الحادية عشرة من ثاني المقصد الأول قال في تعريف التضايف ما هذا لفظه: المتقابلان إن كانا وجوديين فإن عقل أحدهما بالقياس إلى الآخر فهو تقابل التضايف كالأبوة والبنوة.. إلى قوله في تعريف الضدين في المشهور: إن الضدين في المشهور يطلقان على كل وجوديين متقابلين لا يعقل أحدهما بالقياس إلى الآخر.. الخ.
وعلى هذا الوزن ينبغي أن يقال هاهنا في تعريف الإضافة نحو عبارات الشيخ من يعقل، والمعقول ونظائرهما في عبارة الشفاء والشارح عدل عنها إلى مقولة ونظائرهما كما في الكتاب.
وهذا الكلام على طوله غير مفيد للمطلوب، لأن التسلسل الذي ألزمناه ليس من حيث إن المضاف الذي هو المقولة يكون مضافا بإضافة أخرى حتى تقسم
____________
(1) كما في (م). وفي غيرها: يكون بحيث ماهيته.
(2) كما في (م). وفي غيرها في هذا الموضوع.
(3) كما في (م). وفي عدة نسخ مخطوطة من الشفاء وكشف المراد:
فليكن هذا عارضا من المضاف لزم المضاف. وما في (م) أمتن وأوفق بأسلوب العبارة. بل ينبغي أن يقال هو متعين ولزم محرف.
قال: ولتقدم وجودها عليه (1).
أقول: هذا وجه ثان دال على أن الإضافة ليست ثابتة في الأعيان، وتقريره أنها لو كانت ثبوتية لشاركت الموجودات في الوجود وامتازت عنها بخصوصية ما، فاتصاف وجودها بتلك الخصوصية إضافة سابقة على وجود الإضافة فيلزم تقدم وجود الإضافة على وجودها وهو محال، فالضمير في (عليه) يرجع إلى وجودها. ويحتمل عوده إلى المحل ويكون معنى الكلام أن الإضافة لو كانت موجودة لزم تقدمها على محلها لأن وجود محلها حقيقة له، فاتصافه به نوع إضافة سابق على وجود الإضافة، وأعاد الضمير إليه من غير ذكر لفظي لظهوره.
قال: ولزم عدم التناهي في كل مرتبة من مراتب الأعداد.
أقول: هذا وجه ثالث، وتقريره أن الإضافات لو كانت ثابتة في الأعيان لزم أن تكون كل مرتبة من مراتب الأعداد تجتمع فيه إضافات وجودية لا تتناهى، لأن الاثنين مثلا له اعتبار بالنسبة إلى الأربعة وتعرض له بذلك الاعتبار إضافة النصفية، وإلى الستة وتعرض له بحسبه إضافة الثلثية، وهكذا إلى ما لا يتناهى وهو محال. أما أولا فلما بينا من امتناع وجود ما لا يتناهى مطلقا، وأما ثانيا فلأن تلك الإضافات موجودة دفعة ومترتبة في الوجود باعتبار تقدم بعض المضاف إليه على بعض فيلزم اجتماع أعداد لا تتناهى دفعة مترتبة وهو محال اتفاقا، وأما ثالثا
____________
(1) برفع الوجود فاعل تقدم، وتقدم فعل ماض.
قال: وتكثر (1) صفاته تعالى.
أقول: هذا وجه رابع، وتقريره أن الإضافات لو كانت وجودية لزم وجود صفات الله تعالى متكثرة لا تتناهى، لأن له إضافات لا تتناهى وذلك محال.
المسألة الرابعة
في باقي مباحث الإضافة
قال: ويخص كل مضاف مشهوري مضاف حقيقي (2) فيعرض له الاختلاف والاتفاق إما باعتبار زائد أو لا.
أقول: المضاف المشهوري كالأب يعرض له مضاف حقيقي كالأبوة وكذا الابن تعرض له البنوة، فكل مضاف مشهوري يعرض له مضاف حقيقي ولا يمكن أن يكون مضاف حقيقي واحد عارضا لمضافين مشهوريين لامتناع قيام عرض واحد بمحلين، فإذا كان كل مضاف مشهوري يعرض له مضاف حقيقي عرض حينئذ الاختلاف في المضاف الحقيقي كالأبوة والبنوة والاتفاق كالأخوة والجوار.
ثم إن هذا المضاف الحقيقي يعرض للمضاف المشهوري إما باعتبار زائد يحصل فيهما كالعاشق والمعشوق فإن في العاشق هيئة مدركة وفي المعشوق هيئة يتعلق بها الإدراك فيحصل حينئذ إضافة العشق باعتبار هذا الزائد، وقد يكون الزائد في أحدهما إذ العالم المضاف إلى المعلوم باعتبار قيام صفة العلم به، وقد لا يكون باعتبار زائد كالميامن والمياسر (3) فإنهما يتضايفان لا لأجل صفة زائدة
____________
(1) برفع التكثر وإضافته عطفا على عدم التناهي، أي لزم تكثر صفاته.
(2) باتفاق النسخ كلها، فمضاف حقيقي فاعل.
(3) على هيئة اسم الفاعل فيهما. وفي نسخ قد حرفا بالتيامن والتياسر. ولا يخفى عليك وجه التحريف لأن الكلام في المضاف المشهوري وعروض إضافة حقيقية.
المسألة الخامسة
في مقولة الأين
قال: الرابع الأين وهي النسبة إلى المكان (1).
أقول: لما فرغ من البحث عن المضاف شرع في البحث عن الأين وهي نسبة الشئ إلى مكانه بالحصول فيه وهو حقيقي وهو نسبة الشئ إلى مكانه الخاص به، وغير حقيقي وهو نسبته إلى مكان عام كقولنا: زيد في الدار، وهذه النسبة مغايرة للوجود ولكل واحد من الجسم والمكان ولا تقبل الشدة والضعف.
قال: وأنواعه أربعة عند قوم هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق.
أقول: أنواع الكون عند المتكلمين أربعة: الحركة والسكون وهما حالتا الجسم بانفراده باعتبار المكان، والاجتماع والافتراق وهما حالتاه باعتبار انضمامه إلى الغير من الأجسام.
قال: فالحركة كمال أول لما بالقوة من حيث هو بالقوة أو حصول الجسم في مكان بعد آخر.
أقول: هذان تعريفان للحركة، الأول منهما للحكماء والثاني للمتكلمين.
أما التعريف الأول فاعلم أن الحركة حال حصول الجسم في المكان المنتقل عنه معدومة عنه ممكنة له فهي كمال للجسم، ثم إن حصوله في المكان الثاني حينئذ معدوم عنه ممكن له فهو كمال أيضا، والجسم في تلك الحال بالقوة في المكان الثاني لكن الحركة أسبق الكمالين، فالحركة كمال أول لما بالقوة أعني الجسم الذي هو بالقوة في المكان الثاني. وإنما قيدنا بقولنا: من حيث هو بالقوة،
____________
(1) باتفاق النسخ كلها.
وأما الثاني فإن المتكلمين قالوا: ليست الحركة هي الحصول في المكان الأول، لأن الجسم لم يتحرك بعد، ولا واسطة بين الأول والثاني وإلا لم يكن ما فرضناه ثانيا بثان فهي الحصول في المكان الثاني لا غير.
قال: ووجودها ضروري.
أقول: اتفق أكثر العقلاء على أن الحركة موجودة وادعوا الضرورة في ذلك، وخالفهم جماعة من القدماء كزينون وأتباعه قالوا: إنها ليست موجودة واستدلوا على ذلك بوجوه:
أحدها: أن الحركة لو كانت موجودة لكانت إما منقسمة فيكون الماضي غير المستقبل أو غير منقسمة فيلزم تركبها من الأجزاء التي لا تتجزأ، واللازمان باطلان.
الثاني: أن الحركة ليست هي الحصول في المكان الأول لأن الجسم حينئذ لم يتحرك بعد، ولا في المكان الثاني لأن الحركة انتهت وانقطعت، ولا المجموع لامتناع تحقق جزئيه معا في الوجود فلا تكون موجودة.
الثالث: أن الحركة ليست واحدة فلا تكون موجودة.
وهذه الاستدلالات في مقابلة الحكم الضروري فلا تكون مسموعة.
قال: يتوقف على المتقابلين والعلتين والمنسوب إليه والمقدار.
أقول: وجود الحركة يتوقف على أمور ستة: أحدها: ما منه الحركة. والثاني:
ما إليه الحركة أعني مبدأ الحركة ومنتهاها، والظاهر أن مراده بالمتقابلين هذان لأن
المبدأ والمنتهى متقابلان لا يجتمعان في شئ واحد باعتبار واحد. الثالث: ما به
الحركة وهو السبب والعلة الفاعلية لوجودها. الرابع: ما له الحركة أعني الجسم
المتحرك وهو العلة القابلية، وهذان هما المرادان بقوله: والعلتين. الخامس: ما فيه