(مثلك من يكلم الناس)، وقال - عليه السلام - وقد بلغه موت الطيار: (رحم الله الطيار ولقاه نضرة وسرورا، فلقد كان شديد الخصومة عنا أهل البيت)(1).
وقال أبو الحسن موسى بن جعفر - عليه السلام - لمحمد بن حكيم.: (كلم الناس وبين لهم الحق الذي أنت عليه، وبين لهم الضلالة التي هم عليها).
وقال أبو عبد الله - عليه السلام - لبعض أصحابنا(2): (حاجوا الناس بكلامي، فإن حجوكم فأنا المحجوج) وقال لهشام بن الحكم وقد سأله عن أسماء الله تعالى واشتقاقها فأجابه عن ذلك، ثم قال له بعد الجواب: (أفهمت يا هشام فهما تدفع به أعداءنا الملحدين في دين الله وتبطل شبهاتهم)؟ فقال هشام: نعم، فقال له:
(وفقك الله).
وقال - عليه السلام - لطائفة من أصحابه: (بينوا للناس الهدى الذي أنتم عليه، وبينوا لهم [ ضلالهم الذي هم عليه ](3) وباهلوهم في علي بن أبي طالب - عليه السلام -) فأمر بالكلام ودعا إليه وحث عليه.
وروي عنه - عليه السلام - أنه نهى رجلا عن الكلام وأمر آخر به، فقال له بعض أصحابه: جعلت فداك، نهيت فلانا عن الكلام وأمرت هذا به؟ فقال: (هذا أبصر بالحجج، وأرفق منه) فثبت أن نهي الصادقين - عليهم السلام - عن الكلام إنما كان لطائفة بعينها لا تحسنه ولا تهتدي إلى طرقه وكان الكلام يفسدها، والأمر لطائفة أخرى به، لأنها تحسنه وتعرف طرقه وسبله.
فأما النهي عن الكلام في الله - عز وجل - فإنما يختص بالنهي عن الكلام في
____________
(1) بحار الأنوار 2: 136.
(2) (ح) (ق): أصحابه.
(3) (ق): الضلالة التي هم عليها، (ز): ضلالتهم التي هم عليها.
وأما الكلام في توحيده ونفي التشبيه عنه والتنزيه له والتقديس، فمأمور به ومرغب(1) فيه، وقد جاءت بذلك آثار كثيرة وأخبار متظافرة، وأثبت في كتابي (الأركان في دعائم الدين) منها جملة كافية، وفي كتابي (الكامل في علوم الدين) منها بابا استوفيت القول في معانيه وفي (عقود الدين) جملة منها، من اعتمدها أغنت عما سواها، والمتعاطي لإبطال النظر شاهد على نفسه بضعف الرأي، وموضح عن قصوره عن المعرفة ونزوله عن مراتب المستبصرين، والنظر غير المناظرة، وقد يصح النهي عن المناظرة للتقية(2) وغير ذلك، ولا يصح النهي عن النظر لأن في العدول عنه المصير إلى التقليد والتقليد مذموم باتفاق العلماء ونص القرآن والسنة.
قال الله تعالى ذاكرا لمقلدة من الكفار وذاما لهم على تقليدهم: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون * قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم)(3).
وقال الصادق - عليه السلام -: (من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنة زالت الجبال ولم يزل)(4).
وقال - عليه السلام -: (إياكم والتقليد، فإنه من قلد في دينه هلك) إن الله تعالى يقول: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)(5) فلا(6) والله ما صلوا لهم
____________
(1) (ز): ومرغوب.
(2) في بعض النسخ: لتقية.
(3) الزخرف: 23 و 24.
(4) بحار الأنوار 2: 105.
(5) التوبة: 31.
(6) في بقية النسخ: ولا.
وقال - عليه السلام -: (من أجاب ناطقا فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله تعالى فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان).
فصل:
ولو كان التقليد صحيحا والنظر باطلا لم يكن التقليد لطائفه أولى من التقليد لأخرى، وكان كل ضال بالتقليد معذورا(2)، وكل مقلد لمبدع غير موزور(3)، وهذا ما لا يقوله أحد، فعلم بما ذكرناه أن النظر هو الحق والمناظرة بالحق صحيحة، وأن الأخبار التي رواها أبو جعفر - رحمه الله - وجوهها(4) ما ذكرناه، وليس الأمر في معانيها على ما تخيله فيها، والله ولي التوفيق.
____________
(1) (ق): من حيث.
(2) (ق): غير موزور.
(3) (ز): معذور.
(4) (ق): جوابها.
فصل: في اللوح والقلم(*)
قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله -(1): اعتقادنا في اللوح والقلم أنهما ملكان(2).
قال الشيخ المفيد - رحمه الله -: اللوح كتاب الله تعالى كتب فيه ما يكون إلى يوم القيامة، وهو قوله تعالى يوضحه(3): (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)(4) فاللوح هو الذكر والقلم هو الشئ الذي أحدث الله به الكتابة(5) في اللوح، وجعل اللوح أصلا ليعرف الملائكة - عليهم السلام - منه ما يكون [ من غيب أو وحي ](6)، فإذا أراد الله تعالى أن يطلع الملائكة على غيب له أو يرسلهم إلى الأنبياء - عليهم السلام - بذلك أمرهم بالاطلاع في(7) اللوح، فحفظوا منه ما يؤدونه إلى من أرسلوا إليه، وعرفوا منه ما يعملون(8)، وقد جاءت بذلك آثار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن الأئمة - عليهم السلام -.
فأما من ذهب إلى أن اللوح والقلم ملكان؟ فقد أبعد بذلك ونأى به عن الحق، إذ الملائكة لا تسمى ألواحا، ولا أقلاما، ولا يعرف في اللغة اسم ملك ولا(9) بشر لوح ولا(10) قلم.
____________
(*) أنظر البحار - ص 90 ج 14 ط كمباني والمسألة الثامنة والثلاثين من المسائل العكبرية. چ.
(1) الاعتقادات ص 44.
(2) عنه في البحار 57: 370 / 10.
(3) ليست في (ق) (ز) (ح) ( أ ).
(4) الأنبياء: 105.
(5) ( أ ) (ز): الكتاب.
(6) ليست في بقية النسخ.
(7) (ز): على.
(8) (ق) (ز): يعلمون.
(9 و 10) (ق): أو.
فصل: في [ معنى ] العرش(*)
قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله -(1): اعتقادنا في العرش أنه حملة جميع الخلق والعرش في وجه آخر هو العلم...(2) إلخ.
قال الشيخ أبو عبد الله المفيد - رحمه الله -: العرش في اللغة هو الملك(3)، قال الشاعر بذلك:
إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم | وأودت كما أودت أياد وحمير(4) |
يريد إذا ما بنو مروان هلك ملكهم وبادوا، وقال آخر(5):
أظننت عرشك | لا يزول ولا يغير |
يعني: أظننت ملكك لا يزول ولا يغير وقال الله تعالى مخبرا عن واصفي ملك ملكة سبأ: (وأوتيت من كل شئ
____________
(*) أنظر البحار - ص 93 ج 14 ط كمباني. چ.
(1) عنه في البحار 58: 7 / 5.
(2) الاعتقادات ص 45، وبحار الأنوار 55: 7.
(3) بحار الأنوار 55: 7.
(4) بحار الأنوار 55: 7.
(5) (ق): الآخر.
قد استوى بشر على العراق | من غير سيف ودم مهراق(2) |
يريد به قد استولى على العراق(3)، فأما العرش الذي تحمله الملائكة،
____________
(1) النمل: 23.
(2) بحار الأنوار 4: 5.
(3) قال العلامة الشهرستاني في مجلة (المرشد ص 29 - 31 ج 3): ليس المذهب الصحيح ما ذهب إليه الحشوية وبعض الظاهرية من أن العرش سرير كبير يجلس الله عليه جلوس الملك اغترارا منهم بما يفهمه العوام من كلمة (العرش) أو من لفظة (استوى) إذ العلم والدين متفقان على تنزيه الخالق - عز شأنه - من صفات الأجسام، وتقديس العالم الروحاني من شوائب المواد. ولو اتخذنا فهم العوام ميزانا لتفسير الكتاب والسنة لشوهنا محاسن تلك الجمل البليغة، وذهبنا بها إلى معاني مبذولة غير مقبولة، ولوجب علينا أن نفسر آية: (يجعلون أصابعهم في آذانهم) (البقرة: 20) بدخول الأصابع كلها في الآذان، وأن نفسر حديث (الحجر الأسود يمين الله في أرضه) بأن الحجر هو إحدى أكف الرب - تعالى شأنه - نعم، لهذا الحديث وأمثاله ولتلك الآية وأمثالها وجه معقول، ولكن على سبيل التشبيه والمجاز وعليهما مدار الكلام البليغ.
وبالجملة: إننا نفسر القرآن بالقرآن لئلا نحيد عن صراطه المستقيم، فنقول:
إن العرب كانوا ولا يزالون يسمون البيت المصنوع سقفه وقوائمه من أصول الأشجار عريشا ويستعملون الصيغ المشتقة من هذا الاسم لمعاني قريبة منه، كما في آية (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) (الأعراف:
137).
وفي آية: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون) (النحل: 68) وآية: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات) (الأنعام: 141) يعني بذلك السقوف وقوائمها المصنوعة من أصول الشجر وفروعها للكرم أو لغيره، وآية:
(أو كالذي مر على قرية وهي خاوية عل عروشها) (البقرة 260) يعني قصورها وبيوتها المسقفة، وبهذه المناسبة ومن غلبة الاستعمال صار (العرش) علما للدائرة الخاصة بملوك البشر على اختلاف أشكالها حسب اختلاف حضارة البشر في أدواره وفخامة الملك وسلطانه.
وقد استعمل الوحي الإلهي لفظة (العرش) على سبيل التجوز في دائرة ملك الله سبحانه الخاصة به وبملائكته المقربين، فعرشه كناية عن عالم الروحانيات، وما كان الحكماء الأقدمون يسمونه بعالم الملكوت، وسماه حكماء الاسلام بعالم الأمر.
وأما لفظة (استوى) وهي التي جعلت الآية من المتشابهات عند القوم، فمعناها التمكن التام والاستيلاء الكامل بدليل ما يظهر من آية: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك) (المؤمنون: 28) أي: تمكنت، وآية:
(فاستغلظ فاستوى على سوقه) (الفتح: 29) أي: تمكن واستقام، وآية: (و لما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما) (القصص: 14) فالاستواء فيهن بمعنى التمكن التام دون الجلوس كما زعمت المشبهة، وكثير في محاورات العرب استعمال (استوى) بمعنى التمكن الأتم والاقتدار الكامل، كقول بعيث الشاعر:
قد استوى بشر على العراق | من غير سيف ودم مهراق |
يريد تمكنه التام، غير أننا نتوخى على الدوام تفسير القرآن بالقرآن والاهتداء منه إليه، وقد دلنا على معنى (العرش) كما دلنا على معنى (الاستواء) وأن الله سبحانه قد ظهر من خلقه للسموات والأرض تمكنه التام واقتداره الكامل على عالم الأرواح، أي: دائرة ملكه الخاصة به والمهيمنة على عالم الأجسام ويؤيد ذلك: قوله تعالى بعد هذه الآية: (له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى) (طه: 6) مشيرا إلى أنه استولى قبل كل شئ على عالم الملكوت والأرواح، ثم تمكن بذلك من تملك عالم الناسوت والأجرام.
وإن شئتم التفاصيل الكافية بأسرار العرش وآياته وحل سائر مشكلاته، فقد استوفينا كل ذلك في رسالتنا (العرشية). چ.
____________
(1) بحار الأنوار 5: 8.
وروي عن الصادق - عليه السلام -(3) أنه قال: لو ألقي حجر من العرش لوقع على ظهر البيت المعمور، ولو القي حجر من البيت المعمور لسقط على ظهر البيت الحرام، ولم يخلق الله عرشا لنفسه ليستوطنه، تعالى الله عن ذلك.
لكنه خلق عرشا أضافه إلى نفسه تكرمة له وإعظاما وتعبد الملائكة بحمله كما خلق بيتا في الأرض ولم يخلقه(4) لنفسه ولا ليسكنه، تعالى الله عن ذلك كله.
لكنه خلقه لخلقه وأضافه لنفسه(5) إكراما له وإعظاما، وتعبد الخلق بزيارته والحج إليه.
فأما [ الوصف للعلم ](6) بالعرش فهو في مجاز اللغة دون حقيقتها، ولا وجه لتأويل(7)(8) قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)(9) بمعنى(10) أنه احتوى على العلم، وإنما الوجه في ذلك ما قدمناه.
والأحاديث التي رويت في صفة الملائكة الحاملين للعرش أحاديث آحاد وروايات أفراد لا يجوز القطع بها ولا العمل عليها، والوجه الوقوف عندها والقطع على أن [ العرش في الأصل ](11) هو الملك، والعرش المحمول جزء من الملك تعبد الله تعالى بحمله الملائكة على ما قدمناه(12).
____________
(1) ( أ ) (ز) (ح): فجعله.
(2) بحار الأنوار: 55: 8.
(3) بحار الأنوار 55: 8.
(4) (ز): يجعله.
(5) (ح) (ز) (ق): إلى نفسه.
(6) (ق): وصف العلم.
(7) بحار الأنوار 55: 8.
(8) (ح) (ز) (ش) (ق): لتأول.
(9) طه: 5.
(10) (ق): على.
(11) في المطبوعة: الأصل في العرش.
(12) بحار الأنوار 55: 8.
فصل: في النفوس والأرواح
قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله -(1): اعتقادنا في النفوس أنها هي الأرواح، وأنها الخلق الأول، وأنها خلقت للبقاء، وأنها في الأرض غريبة، وفي الأبدان مسجونة.
قال الشيخ أبو عبد الله: كلام أبي جعفر في النفس والروح على مذهب الحدس دون التحقيق، ولو اقتصر على الأخبار ولم يتعاط ذكر معانيها كان أسلم له من الدخول في باب يضيق عنه(2) سلوكه.
[ قال الشيخ أبو عبد الله: النفس عبارة ](3) عن معان: أحدها: ذات الشئ، والثاني(4) الدم السائل، والثالث(5): النفس الذي هو الهواء، والرابع:
الهوى وميل الطبع(6)(*).
فأما شاهد المعنى الأول، فهو قولهم: هذا نفس الشئ - أي: ذاته وعينه -
____________
(1) الاعتقادات ص 47 والبحار 6: 249 / 87 و 61: 78 - 79.
(2) (ق): عليه.
(3) في المطبوعة: أما النفس فعبارة.
(4) ( أ ) (ح) (ز) (ق) (ش): والآخر.
(5) ( أ ) (ح) (ز) (ش) (ق): والآخر.
(6) (ح) (ق): الطباع.
(*) بحار الأنوار 58: 79.
الهوى داع إلى القبيح، وقد يعبر بالنفس عن النقم، قال الله تعالى: (ويحذركم الله نفسه)(4) يريد به:
نقمه وعقابه(5).
فصل(6):
[ قال الشيخ المفيد: وأما الروح ](7) فعبارة عن معان: أحدها: الحياة، والثاني القرآن، والثالث: ملك من ملائكة الله تعالى، والرابع: جبرئيل - عليه السلام -.
فشاهد الأول قولهم: كل ذي روح فحكمه كذا وكذا، يريدون: كل ذي حياة، وقولهم في من مات: قد خرجت منه الروح، يعنون به الحياة، وقولهم في الجنين صورة لم تلجه الروح، يريدون: لم تلجه(8) الحياة.
وشاهد الثاني قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا)(9) يعني به: القرآن.
وشاهد الثالث قوله تعالى: (يوم يقوم الروح والملائكة)(10) الآية.
وشاهد الرابع قوله تعالى: (قل نزله روح القدس)(11) يعني: جبرئيل - عليه السلام -.
فأما ما ذكره الشيخ أبو جعفر ورواه: أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد بألفي
____________
(1) ( أ ) (ز): النفس.
(2) ( أ ) (ح) (ز) (ق) (ش): حواسه.
(3) يوسف: 53.
(4) آل عمران: 29.
(5) (ز): وعذابه.
(6) ليست في المطبوعة.
(7) في المطبوعة: وأما الروح.
(8) (ق): تحله.
(9) الشورى: 52.
(10) النبأ: 38.
(11) النحل: 102.
____________
(1) قال المصنف - قدس الله نفسه - في ضمن جواب المسألة الثانية من المسائل السروية(*): فأما الخبر بأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فهو من أخبار الآحاد، وقد روته العامة كما روته الخاصة وليس (هو) مع ذلك مما يقطع على الله بصحته، وإنما نقله رواته لحسن الظن به، وإن ثبت القول فالمعنى فيه أن الله تعالى قدر الأرواح في علمه قبل اختراع الأجساد، واخترع الأجساد واخترع لها الأرواح، فالخلق للأرواح قبل الأجساد خلق تقدير في العلم - كما قدمناه - وليس بخلق لذواتها كما وصفناه - والخلق لها بالأحداث والاختراع بعد خلق الأجسام والصور التي تدبرها الأرواح، و لولا أن ذلك كذلك لكانت الأرواح تقوم بأنفسها ولا تحتاج إلى آلات تعتملها ولكنا نعرف ما سلف لنا من الأحوال قبل خلق الأجساد كما نعلم أحوالنا بعد خلق الأجساد. وهذا محال لا خفاء بفساده.
وأما الحديث بأن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فالمعنى فيه أن الأرواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر بالجنس وتتخاذل بالعوارض، فما تعارف منها باتفاق الرأي والهوى ائتلف، وما تناكر منها بمباينة في الرأي والهوى اختلف. وهذا موجود حسا ومشاهد، وليس المراد بذلك أن ما تعارف منها في الذر ائتلف - كما يذهب إليه الحشوية، كما بيناه من أنه لا علم للانسان بحال كان عليها قبل ظهوره في هذا العالم، ولو ذكر بكل شئ ما ذكر ذلك - فوضح بما ذكرناه أن المراد بالخبر ما شرحناه، والله الموفق للصواب. انتهى.
أنظر المجلد الرابع عشر من البحار (السماء والعالم - ص 428 ط أمين الضرب). چ.
____________
(*) أنظر إلى مقدمة العلامة الزنجاني لكتاب (أوائل المقالات - ص مه طبع 1371). وانظر البحار - ص 74 ج 3 ط كمباني. چ
____________
(1) (ق): الذات.
(2) قال المصنف - قدس سره - في ضمن جواب المسألة الثانية من المسائل السروية، ما نصه: وأما الحديث في إخراج الذرية من صلب آدم - عليه السلام - على صورة الذر فقد جاء، الحديث بذلك على اختلاف ألفاظه ومعانيه(*)، والصحيح أنه أخرج الذرية من ظهره كالذر فملأ بهم الأفق، وجعل على بعضهم نورا لا يشوبه ظلمة وعلى بعضهم ظلمة لا يشوبها نور، وعلى بعضهم نورا وظلمة، فلما رآهم آدم عجب من كثرتهم وما عليهم من النور والظلمة فقال: يا رب ما هؤلاء؟
فقال الله - عز وجل -: هؤلاء ذريتك، يريد في تعريفه كثرتهم وامتلاء الآفاق بهم، وأن نسله يكون في الكثرة كالذر الذي رآه ليعرفه قدرته ويبشر باتصال نسله وكثرتهم. فقال آدم - عليه السلام -: يا رب ما لي أرى على بعضهم نورا لا يشوبه ظلمة، وعلى بعضهم ظلمة لا يشوبها نور، وعلى بعضهم ظلمة ونورا؟
فقال تبارك وتعالى: أما الذين عليهم النور بلا ظلمة فهم أصفيائي من ولدك الذين يطيعوني ولا يعصوني في شئ من أمري، فأولئك سكان الجنة.
وأما الذين عليهم ظلمة لا يشوبها نور فهم الكفار من ولدك الذين يعصوني ولا يطيعوني في شئ من أمري، فهؤلاء حطب جهنم.
وأما الذين عليهم نور وظلمة فأولئك الذين يطيعوني من ولدك ويعصوني يخلطون أعمالهم السيئة بأعمال حسنة، فهؤلاء أمرهم إلي إن شئت عذبتهم فبعدلي، وإن شئت عفوت عنهم بتفضلي، فأنبأه الله بما يكون من ولده وشبههم بالذر الذي أخرجه من ظهره وجعله علامة على كثرة ولده، ويحتمل أن يكون ما أخرجه من ظهره أصول أجسام ذريته دون أرواحهم، وإنما فعل الله ذلك ليدل آدم - عليه السلام - على العاقبة منه، ويظهر له من قدرته وسلطانه ومن عجائب صنعه وعلمه بالكائن قبل كونه ليزداد آدم - عليه السلام - يقينا بربه ويدعوه ذلك إلى التوفير على طاعته والتمسك بأوامره والاجتناب لزواجره.
وأما الأخبار التي جاءت بأن ذرية آدم - عليه السلام - استنطقوا في الذر فنطقوا فأخذ
=>
____________
(*) أنظر المقام الخامس من (مقامات النجاة) للسيد نعمة الله الجزائري - ره -. وراجع البحار - ص 73 ج 3 ط كمباني. چ
____________
<=
عليهم العهد فأقروا، فهي من أخبار التناسخية، وقد خلطوا فيها ومزجوا الحق بالباطل، والمعتمد من إخراج الذرية ما ذكرناه بما يستمر القول به على الأدلة العقلية والحجج السمعية دون ما عداه، وإنما هو تخليط لا يثبت به أثر على ما وصفناه.
فإن تعلق متعلق بقوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) (الأعراف: 173) وظن بظاهر هذا القول تحقق ما رواه أهل التناسخ والحشوية والعامة في إنطاق الذرية وخطابهم بأنهم كانوا أحياءا ناطقين.
فالجواب عنه(*): أن هذه الآية من المجاز في اللغة كنظائرها مما هو مجاز واستعارة، والمعنى فيها أن الله تبارك وتعالى أخذ من كل مكلف يخرج من صلب آدم وظهور ذريته العهد عليه بربوبيته من حيث أكمل عقله ودله بآثار الصنعة فيه على حدوثه، وأن له محدثا أحدثه لا يشبهه أحد يستحق العبادة منه بنعمته عليه، فذلك هو أخذ العهد منهم، وآثار الصنعة فيهم هو إشهادهم على أنفسهم بأن الله تعالى ربهم، وقوله تعالى: (قالوا بلى) يريد أنهم لم يمتنعوا من لزوم آثار الصنعة فيهم، ودلائل حدوثهم اللازمة لهم، وحجة العقل عليهم في إثبات
=>
____________
(*) وأجاب المؤلف - قده - عن الآية في المسألة الخامسة والأربعين من المسائل العكبرية بما أجاب عنها في المسألة الثانية من المسائل السروية لكن مع اختلاف في التعبير.
وقال العلامة الشهرستاني في مجلة (المرشد - ص 120 ج 3 ط بغداد): (في الناس أناس يعتقدون أن البشر من قبل أن يخلقوا خلقتهم هذه، كانوا على كثرتهم ذوي حظ من الوجود ولكن على قدر الذر أو أصغر ويسمون الوطن الذي كانوا فيه على هذه الصفة (عالم الذر) و (عالم الميثاق) و (يوم الألست) بمناسبة خطاب الله لهم (وهم ذر) بقوله: (ألست بربكم قالوا بلى) غير أن المحقق رشيد الدين محمد بن شهرآشوب المتوفى سنة 588 نسب هذا المذهب إلى الحشوية في كتابه (المحكم والمتشابه)(**) وفسر هذه الآية التي هي من أقوى أدلة الذريين بحال أمتنا تجاه الخطابات الشرعية في عالمنا المحسوس.
وعلى هذا أكثر المحققين من علمائنا المتقدمين كالشيخ المفيد والطبرسي - رض - وكالنراقيين من المتأخرين...). چ
____________
(**) أنظر متشابهات القرآن ومختلفه ص 8 ج 1 ط طهران لابن شهرآشوب. چ.
____________
<=
صانعهم، فكأنه سبحانه لما ألزمهم الحجة بعقولهم على حدثهم ووجود محدثهم قال لهم: (ألست بربكم) فلما لم يقدروا على الامتناع عن لزوم دلائل الحدث لهم كانوا كقائلين بلى.
وقوله تعالى: (أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) (الأعراف: 173) ألا ترى أنه احتج عليهم بما لا يقدرون يوم القيامة أن يناولوا [ يتأولوا ] في إنكاره ولا يستطيعون.
وقد قال سبحانه: (والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب) (الحج: 18)(*) ولم يرد أن المذكور يسجد (كذا) كسجود البشر في الصلاة، وإنما أراد أنه غير ممتنع من فعل الله، فهو كالمطيع لله، وهو يعبر عنه بالساجد.
قال الشاعر:
بجمع تظل البلق في حجراته ترى الأكم فيه سجدا للحوافر(**)
=>
____________
(*) أول الآية: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض).
قال المصنف - قده - في جواب المسألة الرابعة من المسائل العكبرية: السجود في اللغة التذلل والخضوع ومنه سمي المطيع لله ساجدا لتذلله بالطاعة لمن أطاعه، وسمي واضع جبهته على الأرض ساجدا لمن وضعها له لأنه تذلل بذلك له وخضع والجمادات وإن فارقت الحيوانات بالجمادية فهي متذللة لله عز وجل من حيث لم تمتنع من تدبيره لها وأفعاله فيها، والعرب تصف الجمادات بالسجود وتقصد بذلك ما شرحناه في معناه، ألا ترى إلى قول الشاعر وهو زيد الخيل:
بجمع تظل البلق في حجراته | ترى الأكم فيه سجدا للحوافر |
أراد أن الأكم الصلاب في الأرض لا تمتنع في هدم حوافر الخيل لها وانخفاضها بعد الارتفاع... والتذلل بالاختيار والاضطرار لله عز اسمه يعم الجماد والحيوان الناطق والمستبهم معا. چ
(**) وفي الكامل للمبرد - ص 156 ج 2 ط مصر 1339 ه: ويروى عن حماد الراوية قال: قالت ليلى بنت عروة بن زيد الخيل لأبيها: هل رأيت قول أبيك:
بني عامر هل تعرفون إذا غدا | أبو مكنف قد شد عقد الدوابر |
بجيش تضل البلق في حجراته | ترى الأكم منه سجدا للحوافر |
مكنف كمحسن كنية زيد الخيل الصحابي - رض -. قال العلامة ابن قتيبة الدينوري (المتوفى سنة 276 ه في كتاب (المعارف - ص 145 ط مصر 1353،: كان مكنف أكبر ولد أبيه وبه كان يكنى وصحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسماه زيد الخير وحماد الراوية مولى مكنف. چ