فصل: في الحساب والموازين(1)
قال الشيخ أبو جعفر اعتقادنا في الحساب أنه حق(2).
قال الشيخ المفيد - رحمه الله -: الحساب هو المقابلة بين الأعمال والجزاء عليها، والمواقفة للعبد على ما فرط منه، والتوبيخ له على سيئاته، والحمد له على حسناته، ومعاملته في ذلك باستحقاقه. وليس هو كما ذهبت العامة إليه من مقابلة الحسنات بالسيئات والموازنة(3) بينهما على حسب استحقاق الثواب والعقاب عليهما، إذ كان التحابط بين الأعمال غير صحيح، ومذهب المعتزلة فيه باطل غير ثابت، وما اعتمده(4) الحشوية في معناه غير معقول.
والموازين هي التعديل بين الأعمال والجزاء عليها، ووضع كل جزاء في موضعه، وإيصال كل ذي حق إلى حقه. فليس الأمر في معنى ذلك على ما ذهب إليه أهل الحشو، من أن في القيامة موازين كموازين الدنيا، لكل ميزان كفتان توضع الأعمال فيها، إذ الأعمال أعراض(5)، والأعراض لا يصح وزنها، وإنما توصف بالثقل والخفة على وجه المجاز، والمراد بذلك أن ما ثقل(6) منها هو ما
____________
(1) في بعض النسخ: الميزان.
(2) الاعتقادات ص 73.
(3) بحار الأنوار 7: 252.
(4) ( أ ) (ح) (ش) (ق): يعتمده، (ز): اعتمد.
(5) بحار الأنوار 7: 252.
(6) (ز): يثقل.
والخبر الوارد في أن أمير المؤمنين والأئمة من ذريته - عليهم السلام - هم الموازين، فالمراد أنهم المعدلون بين الأعمال فيما يستحق عليها، والحاكمون فيها بالواجب والعدل. ويقال فلان عندي في ميزان فلان، ويراد به نظيره.
ويقال: كلام فلان عندي(1) أوزن من كلام فلان(2)، والمراد به أن كلامه أعظم وأفضل قدرا، والذي ذكره الله تعالى في الحساب والخوف منه إنما هو المواقفة على الأعمال، لأن من وقف على أعماله لم يتخلص من تبعاتها، ومن عفى الله تعالى عنه في ذلك فاز بالنجاة: (فمن ثقلت موازينه - بكثرة استحقاقه الثواب - فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه - بقلة أعمال(3) الطاعات - فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون)(4) والقرآن إنما أنزل بلغة العرب وحقيقة كلامها ومجازه، ولم ينزل على ألفاظ العامة وما سبق إلى قلوبها من الأباطيل(5).
____________
(1) (ق): عندنا.
(2) بحار الأنوار 7: 252.
(3) (ح) (ش) (ق): أعماله.
(4) المؤمنون: 102 - 103.
(5) بحار الأنوار 7: 252.
فصل: في الجنة والنار(*)
قال أبو جعفر اعتقادنا في الجنة أنها دار البقاء(1)،(2).
قال الشيخ المفيد - رحمه الله -: الجنة، دار النعيم لا يلحق من دخلها نصب ولا يلحقهم فيها لغوب، و(3) جعلها الله سبحانه دارا لمن عرفه وعبده، [ ونعيمها دائم ](4) لا انقطاع له، والساكنون فيها على أضرب:
فمنهم: من أخلص لله تعالى، فذلك الذي يدخلها على أمان من عذاب الله تعالى.
ومنهم: من خلط عمله الأصلح بأعماله(5) السيئة كأن يسوف منها التوبة، فاخترمته المنية قبل ذلك، فلحقه خوف من العقاب في عاجله وآجله، أو في عاجله دون آجله، ثم سكن الجنة بعد [ عفو الله أو عقابه ](6)،(7).
____________
(*) أنظر كتاب (علم اليقين في أصول الدين - ص 208 - 209) للمحدث القاشاني. ج.
(1) الاعتقادات ص 76.
(2) البحار 8: 200 - 201 / 204 و 8: 324 - 325 /؟؟؟.
(3) ليست في (ز).
(4) (ق): وجعل نعيمها دائا.
(5) (ح) ( أ ) (ش): بأعمال سيئة، (ق): بالأعمال.
(6) في بقية النسخ: عفو أو عقاب.
(7) بحار الأنوار 8: 201.
وثواب أهل الجنة الالتذاذ [ بالمآكل والمشارب ](3) والمناظر والمناكح وما تدركه حواسهم مما يطبعون على الميل إليه، ويدركون مرادهم بالظفر به وليس في الجنة من البشر من يلتذ بغير مأكل ومشرب وما تدركه الحواس من الملذوذات.
وقول من يزعم(4): أن في الجنة بشرا يلتذ بالتسبيح والتقديس من دون الأكل والشرب، قول شاذ عن دين الاسلام، وهو مأخوذ من مذهب النصارى الذين زعموا أن المطيعين في الدنيا يصيرون في الجنة ملائكة لا يطعمون ولا يشربون ولا ينكحون.
وقد أكذب الله سبحانه هذا القول في كتابه بما رغب العاملين(5) فيه من الأكل والشرب والنكاح، فقال تعالى: (أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا)(6) الآية، وقال تعالى: (فيها أنهار من ماء غير آسن)(7) الآية، وقال تعالى:
____________
(1) (ح): تفضل.
(2) ( أ ) (ز) (ق): العالمين.
(3) (ق): بالمأكل والمشرب.
(4) ( أ ) (ز): زعم.
(5) في بعض النسخ: العالمين.
(6) الرعد: 35.
(7) محمد: 15.
(وزوجناهم بحور عين)(3) وقال سبحانه: (وعندهم قاصرات الطرف أتراب)(4) وقال سبحانه: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم)(5) الآية، وقال سبحانه: (وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة)(6).
فكيف استجاز من أثبت في الجنة طائفة من البشر لا يأكلون ولا يشربون ويتنعمون بما به الخلق من الأعمال يتألمون، وكتاب الله تعالى شاهد بضد ذلك والاجماع على خلافه، لولا أن(7) قلد في ذلك من لا يجوز تقليده أو عمل على حديث موضوع(8)؟!
وأما النار، فهي [ دار من ](9) جهل الله سبحانه، وقد يدخلها بعض من عرفه [ بمعصية الله ](10) تعالى، غير أنه لا يخلد فيها، بل يخرج منها إلى النعيم المقيم، وليس يخلد فيها إلا الكافرون.
وقال تعالى: (فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصليها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى)(11) يريد [ بالصلي هاهنا ](12) الخلود فيها، وقال تعالى: (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا)(13) وقال تعالى: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم)(14)
____________
(1) الرحمن: 72.
(2) الواقعة: 22.
(3) الدخان: 54.
(4) ص: 52.
(5) يس: 55.
(6) البقرة: 25.
(7) ( أ ) (ح) (ق): أنه.
(8) بحار الأنوار 8: 202.
(9) (ز): دار القرار لمن.
(10) (ز): بمعصيته.
(11) الليل: 14 - 16.
(12) (ق): بالأشقى ها هنا الكافر، وبالإصلاء.
(13) النساء: 56.
(14) المائدة: 36.
[ حد التكفير ]
فصل:
وليس يجوز أن يعرف الله تعالى من هو كافر به، ولا يجهله من هو به مؤمن، وكل كافر على أصولنا فهو جاهل بالله، ومن خالف أصول الإيمان من المصلين إلى قبلة الاسلام فهو عندنا جاهل بالله سبحانه وإن أظهر القول بتوحيده تعالى، كما أن الكافر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاهل بالله وإن كان فيهم من يعترف بتوحيد الله تعالى ويتظاهر بما يوهم المستضعفين أنه معرفة بالله تعالى.
وقد قال الله تعالى: (فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا)(2) فأخرج بذلك المؤمن عن أحكام الكافرين، وقال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)(3) الآية، فنفى عمن كفر بنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم الإيمان، ولم يثبت له مع الشك فيه المعرفة بالله على حال.
وقال سبحانه وتعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر - إلى قوله - وهم صاغرون)(4) فنفى الإيمان عن اليهود والنصارى، وحكم عليهم بالكفر والضلال(5).
____________
(1) ليست في بقية النسخ.
(2) الجن: 13.
(3) النساء: 65.
(4) التوبة: 29.
(5) بحار الأنوار 8: 326.
فصل: في كيفية نزول الوحي
قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله - [ في نزول الوحي ](1): اعتقادنا في ذلك(2) أن بين عيني إسرافيل(3)... إلخ(4)،(5).
قال الشيخ المفيد - رحمه الله(6) -: هذا أخذه أبو جعفر - رحمه الله - من شواذ الحديث، وفيه خلاف لما قدمه من أن اللوح ملك من ملائكة الله تعالى.
وأصل الوحي هو الكلام الخفي(7)، ثم قد يطلق على كل شئ قصد به إفهام المخاطب على السر له عن غيره والتخصيص له به دون من سواه، وإذا أضيف إلى الله تعالى كان [ فيما يخص ](8) به الرسل - صلى الله عليهم - خاصة دون من سواهم على عرف الاسلام وشريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
____________
(1) ليست في بقية النسخ.
(2) (ز): اللوح.
(3) (ق): زيادة: لوحا، فإذا أراد الله تعالى أن يتكلم بالوحي ضرب اللوح على جبين إسرافيل، فينظر فيه، وألقاه إلى ميكائيل، ويلقيه ميكائيل إلى جبرئيل، ويلقيه جبرئيل إلى الأنبياء.
(4) الاعتقادات ص 81.
(5) عنه في البحار 18: 248 / 1.
(6) بحار الأنوار 18: 248.
(7) بحار الأنوار 26: 83.
(8) (ز): يختص.
وقال تعالى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)(4) بمعنى ليوسوسون(5) إلى أوليائهم بما يلقونه من الكلام في أقصى أسماعهم، فيخصون بعلمهم(6) دون من سواهم، وقال سبحانه: (فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم)(7) يريد به أشار إليهم من غير إفصاح الكلام، شبه ذلك بالوحي لخفائه عمن سوى المخاطبين، ولستره(8) عمن سواهم.
وقد يري الله سبحانه وتعالى في المنام خلقا كثيرا ما يصح تأويله [ ويثبت حقه ](9) لكنه لا يطلق بعد استقرار الشريعة عليه اسم الوحي، ولا يقال في هذا الوقت لمن طبعه(10) الله على علم شئ أنه يوحى إليه. وعندنا أن الله تعالى يسمع الحجج بعد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم كلاما يلقيه إليهم(11) في علم ما يكون، لكنه لا يطلق عليه اسم الوحي لما قدمناه(12) من إجماع المسلمين على أنه لا وحي [ إلى أحد ](13) بعد
____________
(1) القصص: 7.
(2) النحل: 68.
(3) في بعض النسخ: خالصا لمن.
(4) الأنعام: 121.
(5) (ح) (ز) (ق): يوسوسون.
(6) (ق): بعلمه.
(7) مريم: 11.
(8) ( أ ): وستره، (ز) والمطبوعة: وسره.
(9) في بعض النسخ: وتثبت حقيقته.
(10) في بعض النسخ: أطلعه.
(11) (ح) زيادة: أي الأوصياء.
(12) أنظر (أوائل المقالات ص 78 الطبعة الأولى). چ
(13) (ح): لأحد.
فصل:
قال الشيخ المفيد - رحمه الله تعالى -(4):
فأما الوحي من الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان تارة بإسماعه الكلام من غير واسطة، وتارة بإسماعه الكلام على ألسن الملائكة. والذي ذكره أبو جعفر - رحمه الله - من اللوح والقلم وما ثبت فيه فقد جاء به حديث، إلا أنا لا نعزم على القول(5) به، ولا نقطع على الله بصحته، ولا نشهد منه إلا بما علمناه(6)، وليس الخبر به متواترا يقطع العذر ولا عليه إجماع، ولا نطق به القرآن، ولا ثبت عن حجة الله تعالى فينقاد له والوجه أن نقف فيه ونجوزه ولا نقطع به ولا نجزم(7) له(8) ونجعله في حيز الممكن.
فأما قطع أبي جعفر به وعلمه على اعتقاده فهو يستند إلى ضرب من التقليد، ولسنا من التقليد في شئ(9).
____________
(1) (ز): ذكرنا.
(2) في المطبوعة: السماع. في (المنجد - مادة وسم) السمة: مص.
العلامة. أثر الكي ج سمات چ.
(3) بحار الأنوار 26: 84.
(4) بحار الأنوار 18: 250.
(5) ( أ ): القبول.
(6) (ق) (ز): علمنا.
(7) كذا في المطبوعة، وفي النسخ المخطوطة بدل (نجزم) كلمة لا تقرأ فراجع.
(8) كذا في جميع النسخ، والأنسب: به.
(9) بحار الأنوار 18: 250.
فصل: في نزول القرآن
قال الشيخ أبو جعفر - رحمه الله -(1)،(2): إن القرآن نزل في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثم أنزل من البيت المعمور في مدة عشرين سنة(3)... إلخ(4).
قال الشيخ المفيد - رحمه الله -(5): الذي ذهب إليه أبو جعفر في هذا الباب أصله حديث واحد لا يوجب علما ولا عملا(6). ونزول القرآن على الأسباب الحادثة حالا بحال(7) يدل على خلاف ما تضمنه الحديث، وذلك أنه قد تضمن حكم ما حدث وذكر ما جرى على وجهه، وذلك لا يكون على الحقيقة إلا
____________
(1) الاعتقادات ص 82.
(2) عنه في البحار 18: 250 - 251 / 3.
(3) بحار الأنوار 18: 250.
(4) تمام الكلام: وأن الله عز وجل أعطى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم العلم جملة، ثم قال له: لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه (وقل رب زدني علما) وقال: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه) الآية (سورة القيامة - 17 - 18). چ.
(5) بحار الأنوار 18: 252.
(6) أنظر (أمالي السيد المرتضى - ص 161 ج 4 ط مصر) چ.
(7) في المطبوعة: فحالا.
وأمثال ذلك في القرآن كثيرة.
وقد جاء الخبر بذكر الظهار وسببه، وأنها(4) لما [ جادلت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ](5) في ذكر الظهار أنزل الله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها)(6) وهذه قصة(7) كانت بالمدينة فكيف ينزل الله تعالى الوحي بها بمكة قبل الهجرة، فيخبر بها أنها قد كانت ولم تكن!(8) ولو تتبعنا قصص القرآن لجاء مما ذكرناه(9) كثير لا يتسع به المقال، وفيما ذكرناه منه كفاية لذوي الألباب. وما أشبه ما جاء به الحديث بمذهب المشبهة الذين زعموا أن الله سبحانه وتعالى لم يزل متكلما بالقرآن ومخبرا عما يكون بلفظ كان، وقد رد عليهم أهل التوحيد بنحو ما ذكرناه.
وقد يجوز في الخبر الوارد في نزول القرآن جملة في ليلة القدر بأن المراد أنه نزل جملة منه في ليلة القدر ثم تلاه ما نزل منه إلى وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأما أن يكون نزل بأسره وجميعه في ليلة القدر فهو بعيد مما يقتضيه ظاهر القرآن والمتواتر من الأخبار وإجماع العلماء على اختلافهم في الآراء(10).
____________
(1) النساء: 155.
(2) الزخرف: 20.
(3) في المطبوعة وبعض النسخ: خبرا.
(4) في بعض النسخ: وإنما.
(5) (ز): جادلته التي.
(6) المجادلة: 1.
(7) (ق): قضية.
(8) أنظر مجمع البيان ص 246 ج 5 ط صيدا للشيخ الطوسي ره چ.
(9) (ق): ذكرنا.
(10) أنظر تفسير المنار ص 171 - 172 ج 2 ط 1 مصر چ.
فصل:
فأما قوله تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه)(1) ففيه وجهان غير ما ذكره أبو جعفر وعول فيه على حديث شاذ:
أحدهما: أن الله تعالى نهاه عن التسرع إلى تأويل القرآن قبل الوحي إليه به، وإن كان في الامكان من جهة اللغة ما قالوه على مذهب أهل اللسان(2).
والوجه الآخر: أن جبرئيل - على السلام - كان يوحي إليه بالقرآن فيتلوه معه
____________
(1) طه: 114.
قال العلامة الشهرستاني عند جوابه عن سؤال رفعناه إلى معاليه شعبان سنة 1354 ه، ما نصه: (الصواب في تفسيرها (أي تفسير الآية 114 من سورة طه) هو الوجه الثالث مما ذكره المحقق الطبرسي(*) في (مجمع البيان) وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتوقع نزول الوحي عليه يوميا وحول كل حادثة تأمينا لقلوب المؤمنين ومزيدا لعلمه فأوحى إليه سبحانه بهذه الآية قائلا:
(فتعالى الله الملك الحق) يعني أن الله في مقام ملوكيته و حقانيته يتعالى شأنه عن خلف الوعد وعن خلاف الحق فينبغي أن تستقر قلوب المؤمنين به فلا موجب باستعجالك بنزول القرآن قبل أن يتحتم من الله إيحاؤه كما لا موجب لاستزادة علمك بنزول الآيات فقط بل يمكن ذلك بدعائك وطلب مزيد العلم من ربك، وعليه فالتعجيل بالقرآن هو الالحاح بنزوله ومعنى (يقضى إليك) تحتم نزوله إليه حسب ما يراه الله من المصلحة). ا ه، وانظر ملحق (أمالي السيد المرتضى - ص 395 ط طهران 1272 ه). چ.
(2) أنظر كتاب أوائل المقالات ص 55 چ.
____________
(*) ومما هو جدير بالتسطير أن طبرس المنسوب إليه الإمام السعيد أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي - من أكابر علماء الإمامية وجهابذتهم في القرن السادس للهجرة - بسكون الباء الموحدة معرب (تفرش) من توابع قم، وليس مفتوح الباء منسوبا إلى طبرستان كما هو المشهور، يظهر ذلك من الفصل الذي عقده أبو الحسن علي بن زيد البيهقي الشهير بابن فندق المتوفى سنة 565 ه في (تاريخ بيهق - ص 242 ط طهران) لترجمته، وإن شئت مزيد التوضيح والتبيين فعليك بالرجوع إلى المقالة التي دبجها يراعة العلامة أحمد (بهمنيار(**)) أستاذ جامعة طهران، وأدرجها في ذيل التاريخ المذكور (ص 347 - 353) فراجها واغتنم وكن من الشاكرين.
وقال العلامة العاملي في (أعيان الشيعة - ص 97 - 98 ج 9) في ترجمة الشيخ أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج: والأكثر أن يقال في النسبة إلى طبرستان طبري وفي النسبة إلى طبرية فلسطين طبراني على غير قياس للفرق بينهما كما قالوا: صنعاني وبهراني وبحراني في النسبة إلى صنعاء وبهراء والبحرين، وما يقال إنه لم يسمع في النسبة إلى طبرستان طبري غير صحيح بل هو الأكثر ولو قيل أنه لم يسمع في النسبة إليها طبرسي لكان وجها لما في الرياض عن صاحب تاريخ قم المعاصر لابن العميد من أن طبرس ناحية معروفة حوالي قم مشتملة على قرى ومزارع كثيرة، وإن هذا الطبرسي وسائر العلماء المعروفين بالطبرسي منسوبون إليها، ويستشهد له بما عن الشهيد الثاني في حواشي إرشاد العلامة من نسبة بعض الأقوال إلى الشيخ علي بن حمزة الطبرسي القمي والله أعلم... في رياض العلماء أن هذا الطبرسي المترجم غير صاحب مجمع البيان لكنه معاصر له وهما شيخا ابن شهرآشوب وأستاذاه قال: وظني أن بينهما قرابة وكذا بينهما وبين الشيخ حسن بن علي بن محمد بن علي بن الحسن الطبرسي المعاصر للخواجة نصير الدين الطوسي). وقد اختار هذا الرأي السديد صديقنا العلامة السعيد محمد علي القاضي الطباطبائي التبريزي مد ظله - نزيل النجف الأشرف - فجاد يراعه الطاهر بمقال باهر حول كلمتي (طبرس - طبرسي) ونشر ذلك المقال القيم في مجلة (العرفان - ص 371 - 375 ج 3 مج 39 ط صيدا - لبنان) تلك المجلة الراقية التي خدمت العلم والأدب عشرات الأعوام فأقيم لها مهرجان ذهبي في مدينة صيدا الجميلة هذا العام، ومؤسسها ومنشئها هو العلامة الأستاذ صديقنا الشيخ أحمد عارف الزين ذلك الرجل المجاهد الذي طالما خدم الدين الاسلامي والمذهب الإمامي بيراعه الطاهر وقلمه القوي السيال. حفظه الله علما للعلم والدين چ.
____________
(**) اقرأ وجيزا من ترجمته في كتابي (سخنوران إيران در عمر حاضر ص 165 ج 2 ط هند) و (نثر فارسي معامر - ص 97 ط طهران). چ.
فأما ما ذكره المعول على الحديث من التأويل فبعيد، لأنه لا وجه لنهي الله
____________
(1) (ح) (ق): من.
(2) بحار الأنوار 18: 253.
فصل: في العصمة
قال أبو جعفر - رحمه الله -: باب الاعتقاد في العصمة(1).
قال الشيخ المفيد - رحمه الله -(2): العصمة من الله تعالى لحججه(3) هي التوفيق واللطف والاعتصام من الحجج بها عن الذنوب والغلط في دين الله تعالى، والعصمة [ تفضل من الله ](4) تعالى على من علم أنه يتمسك بعصمته، والاعتصام فعل المعتصم، وليست العصمة مانعة من القدرة(5) على القبيح، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له إليه، بل هي الشئ الذي يعلم الله تعالى أنه إذا فعله بعبد من عبيده لم يؤثر معه معصيته له، وليس كل الخلق يعلم هذا من حاله، بل المعلوم منهم ذلك هم الصفوة والأخيار.
____________
(1) الاعتقادات ص 96.
(2) بحار الأنوار 17: 96.
(3) قال المصنف قده في رسالة (النكت الاعتقادية - ص 45 - 46 ط 2 بغداد) فإن قيل ما حد العصمة. والجواب - العصمة لطف يفعله الله بالمكلف بحيث يمنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما. فإن قيل ما الدليل على أنه معصوم من أول عمره إلى آخره. والجواب - الدليل على ذلك أنه لو عهد منه السهو والنسيان لارتفع الوثوق منه عند اخباراته ولو عهد منه خطيئة(*) لتنفرت العقول من متابعته فتبطل فائدة البعثة. چ.
(4) (ز) من تفضل الله.
(5) (ز): المقدرة.
____________
(*) أما بعض الآيات وشواذ الأخبار المتضمنة نسبة الخطايا والمعامي إلى الأنبياء أو إلى نبينا عليه وعليهم السلام فقد أجاب عنها تلميذ المصنف أعني الشريف المرتضى في كتاب (تنزيه الأنبياء - ط إيران ونجف). هبة الدين الحسيني.
(وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار)(3).
والأنبياء والأئمة - عليهم السلام -(4) من بعدهم معصومون في حال نبوتهم وإمامتهم من الكبائر كلها والصغائر، والعقل يجوز عليهم ترك مندوب إليه على غير التعمد للتقصير والعصيان، ولا يجوز عليهم ترك مفترض إلا أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة - عليهم السلام - من بعده كانوا سالمين من ترك المندوب، والمفترض قبل حال إمامتهم وبعدها.
فصل(5):
فأما الوصف لهم بالكمال في كل أحوالهم، فإن المقطوع به كمالهم في جميع أحوالهم التي كانوا فيها حججا لله تعالى على خلقه.
____________
(1) الأنبياء: 101.
(2) الدخان: 32.
(3) ص 47.
(4) قال المصنف قده في رسالة (النكت الاعتقادية - ص 48 - 49 ط 2): فإن قيل ما الدليل على أن الإمام يجب أن يكون معصوما. والجواب - الدليل على ذلك من وجوه:
الأول: إنه لو جاز عليه الخطاء لافتقر إلى إمام آخر يسدده ثم ننقل الكلام إليه ويتسلسل أو يثبت المطلوب.
الثاني: إنه لو جاز عليه فعل الخطيئة (فإن) وجب الانكار عليه سقط محله من القلوب فلا يتبع، والغرض من نصبه اتباعه (فيتنقض الغرض) وإن لم يجب الإنكار عليه سقط وجوب النهي عن المنكر وهو باطل.
الثالث: إنه حافظ للشرع فلو لم يكن معصوما لم تؤمن منه الزيادة والنقصان. چ.
(5) قال المؤلف - قدس - في جواب المسألة السادسة والثلاثين من المسائل العكبرية: إن الطاعة في وقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت له من جهة الإمامة دون غيره، والأمر له خاصة دون من سواه، فلما قبض صلى الله عليه وآله وسلم صارت الإمامة من بعده لأمير المؤمنين - عليه السلام - ومن عداه من الناس كافة رعية له، فلما قبض - عليه السلام - صارت الإمامة للحسن بن علي، والحسين - عليه السلام - إذ ذاك رعية لأخيه الحسن - عليه السلام -، فلما قبض الحسن - عليه السلام - صار الحسين إماما مفترض الطاعة على الإمام. وهكذا حكم كل إمام وخليفة في زمانه، ولم تشترك الجماعة في الإمامة معا، وكانوا فيها على الترتيب الذي ذكرناه.
وقد ذهب قوم من أصحابنا الإمامية إلى أن الإمامة كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين والحسن والحسين - عليهم السلام - في وقت واحد، إلا أن النطق والأمر والتدبير كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مدة حياته دونهم، وكذلك كان الأمر والتدبير لأمير المؤمنين دون الحسن والحسين، وجعل الإمام في وقت صاحبه صامتا وجعل الأول ناطقا. وهذا خلاف في العبارة، والأصل ما قدمناه. چ
____________
(1) في هذه العبارة تأمل عن غموض، ويحتمل أن يكون عطفا على (فيما قبل ذلك) فيكون المراد التوقف في أمرين:
الأول: الحكم بكمال العلم والعصمة قبل البعثة وتصدي الإمامة.
والثاني: الحكم بفعلية الاتصاف بالنبوة والإمامة قبل ذلك، ويحتمل أيضا أن تكون الواو زائدة أو مستأنفة وكان تعليلا. للحكم بالتوقف في كمال العلم والعصمة، وحاصل المعنى يلزم أن نتوقف في الحكم بكمالهم في العلم والعصمة قبل البعثة وتصدي الإمامة بعلة الشك في اتصافهم بالنبوة والإمامة قبل ذلك.
(2) بحار الأنوار 67: 97.