قال المفسِّر المعاصر: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} فلا تسمع الكلمةَ بطريقة سريعة انفعاليَّة، بحيث لا تتوقف عند مدلولاتها بعمق، ولا تنفتح على آفاقها بشموليَّة، ولا ترصد إيحاءاتها بمسؤولية، بل تسمعها سماعَ الوعيِ الذي يريد أن يُؤكِّد للإنسان شخصيتَه الثقافيَّةَ المنطلِقة في خطِّ العقيدة المسؤولة، والحركة الواعية، والهدف الكبير(1).
أقول: الوعيُ لغةً: الحِفظُ للشيء مع العمل بمقتضاه، وأنه حفظُ القلب الشيء، وعن ابن الأثير وغيره وفي الحديث «لا يُعذِّب الله قلباً وعى القرآن» أي عَقِلَه إيماناً به وعملاً، فأما مَن حَفِظَ ألفاظَه وضيَّعَ حدودَه، فإنه غيرُ واعٍ له(2).
ولا نحتاج إلى الاستشهاد بأقوال اللغويين، فإنه سبحانه ما كان لِيَمدَحَ الأُذُنَ بإنها واعيَّةٌ لشيءٍ، ما لم تكن عاملةً جاريةً على ما يتناسب مع الشيء الذي وعته.
والأُذُنُ في الآية وفي مثل كلامه تعالى والتي وُصِفت بأنها واعيةٌ، لا بُدَّ وأن يكون المراد أنها واعيةٌ للحقِّ كلِّه، وإلا فكونُها عاملةً حافظةً بحقٍّ لبعض الحقِّ، لا يسوغ بحالٍ إطلاقُ الوعيِ عليها ومدحُهُا بذلك، بل مثلها تستحِقُّ الذمَّ، فإنَّ شيئاً من الباطل لا يكون منظوراً إليه من الحقِّ تعالى، وما لم تكن واعيةً للحق في جميع شؤونه، فلا محالة ستكون في بعض مواقع الباطل.
وإذا ما كان الأمر كذلك، فإنَّ الأُذُنَ لا تكاد تنطبِقُ إلا على المعصوم أولاً، ويمكن أن تنطبقَ على بعض الأولياء من الأوحديين، إذ قد يبلغ بهم الحالُ إلى وعيِ قدرٍ معتدٍّ به من الحق، وبآزاء ذلك تنطبق الآية عليهم، وإن لم يكن انطباقُها عليهم كمثل انطباقها على المعصوم في هذه الأمة.
ويدلُّ على هذا مضافاً إلى ما ذكرنا، هو أنَّ الأُذُن في الآية وردت بصيغة النكرة «أُذُنٌ»، ومجيئها نكرة إشارة إمَّا إلى قلة مَن يعي، أو إلى أنها أُذُنٌ واحدة خاصة.
وكلا الاحتمالين وارد، ولكن بالنظر والتأمل شيئاً قليلاً فيما ألمحنا إليه فإنه يتعيَّنُ الاحتمال الثاني، وإذا أعيتنا السبل في إقناع أهل الأهواء والاستيحاء، فإننا نُلزِمُهم بما جاءت به الأحاديثُ الموثوقةُ، هذا إذا كان أمثالُ هؤلاءِ المذَبذَبِين يؤمنون ويدينون الله تعالى بالأخذ عمَّنْ ثبتت عصمتُهم، ونبرأُ إلى الله تعالى عن تهمتنا إياهم بذلك، ولكن تنبيهاً لغافلٍ، وتعليماً لجاهلٍ، وإقامةً للحُجَّةِ، سنُورِد بعضاً من تلك الأخبار الشريفة.
ولكن ننقل أولاً ما ذكره ابن طاووس في سعد السعود قال: أنَّ محمد بن العباس بن مروان ذكر في تأويل قوله تعالى {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} أنها نزلت في مولانا عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، رواها من نحو ثلاثين طريقاً أكثرُها وجلُّها من رجال أهل الخلاف ـ أبناء السُّنة.
ولنا أن نكتفي بما ذكره ابن طاووس وهو أحد كبار أعلام هذه الفرقة الناجية الموثوقين الأخيار، ولكن لمزيد التثبُّت، نورد شيئاً مما ورد في كتب أبناء السُّنة، مُشِيرين في الهامش أيضاً إلى بعض مصادر الأخبار في كتب أبناء الفرقة الناجية.
فقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وسعيد بن منصور، والحاكم الحسكاني، وأبو نعيم في حلية الأولياء ومعرفة الصحابة، والحمويني في فرائد السمطين، وابن مردويه في مناقبه، والعاصمي في زين الفتى وسمط النجوم ـ وجميع هؤلاء من أبناء السُّنَّة ـ بإسنادهم عن عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنَّ الله أمرني أن أُدنيك ولا أُقصيك، وأُعلِّمَك لتعيَ، وأُنزلت عليَّ هذه الآية {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} فأنت الأُذُن الواعية لعلمي يا عليُّ.
أقول: وهل كان أحدٌ غير عليٍّ (عليه السلام) بابَ مدينة المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وهل كان إلا أئمةُ العترة الطاهرة (عليهم السلام) خزنةَ علمِ الله تعالى، ومعدنَ حكمته؟
وأخرج الحاكم الحسكاني في الشواهد، والعاصمي في زين الفتى، وابن المغازلي في مناقبه، والحمويني في فرائد السمطين، وابن عساكر في تاريخه، بإسنادهم عن أبي الدنيا الأشج قال: سمعت عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: لما نزلت {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} قال النبي (صلى الله عليه وآله): سألتُ الله عزَّ وجل أن يجعلَها أُذُنَك يا عليُّ.
وأخرج الثعلبي، وابن أبي حاتم، وابن جرير الطبري، والواحدي في أسباب النزول، وابن المغازلي، وابن مردويه، وابن عساكر، وابن النجار، والحاكم الحسكاني، والكنجي في كفاية الطالب ـ وهؤلاء من أبناء السُّنة ـ بإسنادهم عن بريدة الأسلمي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعليٍّ (عليه السلام): إنَّ الله عزَّ وجل أمرني أن أُدنيك ولا أُقصيك، وأن أُعلِّمك وأن تعي، وحقٌّ على الله عزَّ وجل أن تعيَ،قال: ونزلت {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}.
وأخرج ابن جرير الطبري في تفسيره، والبلاذري في أنساب الأشراف، وأبو نعيم في معرفة الصحابة، وابن المغازلي في مناقبه، وابن أبي حاتم، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه في المناقب، والحاكم الحسكاني ـ وهؤلاء من أبناء السُّنَّة ـ بإسنادهم عن مكحول قال: لما نزلت {وَتَعيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} التفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عليٍّ (عليه السلام) فقال: إني سألتُ الله أن يجعلها أُذُنَك يا عليُّ.
أقول: وأخرجه الحاكم الحسكاني أيضاً بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وأيضاً بإسناده عن أنس، وأخرجه هو والخوارزمي بإسنادهما عن ابن عباس، وأخرجه البزار بإسناده عن أبي رافع(3).
------------------
(1) من وحي القرآن ج23 ص 71.
(2) النهاية في غريب الحديث ج 5 ص 208 ؛ لسان العرب ج 15 ص 396 ؛ مجمع البحرين ج 4 ص 524 ؛ تاج العروس ج 10 ص 393.
(3) مسائل علي بن جعفر ص330 ؛ الكافي ج1 ص423 ؛ بصائر الدرجات ص156و537 ؛ عيون أخبار الرضا × ج1 ص67 ؛ معاني الأخبار ص60 ؛ الاختصاص ص154 ؛ روضة الواعظين ص 105 الطرائف ص93 و516 ؛ مختصر بصائر الدرجات ص65 ؛ بحار الأنوار ج 33 ص 284 وج 35 ص 46 وص 326 إلى330 ؛ نوادر المعجزات ص131 ؛ دلائل الإمامة ص 235 ؛ الاختصاص ص154 ؛ مناقب آل ابي طالب ج 2 ص275 ـ 276 ؛ العمدة ص289 ـ 290 ؛ سعد السعود ص108و209 ؛ مناقب أهل البيت للشيرواني ص 75 ؛ تفسير فرات الكوفي ص497 إلى501 ؛ التبيان ج 10 ص 98 ؛ تفسير مجمع البيان ج10 ص107ـ 108؛ خصائص الوحي المبين ص171 ـ 172 ؛ تأويل الآيات ج 2 ص 715 ـ 716 ؛ التفسير الأصفى ج 2ص1343 ؛ تفسير نور الثقلين ج 5 ص402 ـ 403 ؛
وأما مصادر أبناء السُّنة فنذكر منها: أنساب الاشراف ص121 ؛ المناقب للخوارزمي ص282 ؛ مناقب أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان الكوفي ج 1 ص 142و 158 و196 ؛ تفسير جامع البيان ج 29 ص 69 ؛ أسباب نزول الآيات ص 294 ؛ شواهد التنزيل ج 2 ص 360 إلى380 ؛ تفسير القرطبي ج 18 ص 264 ؛ تفسير ابن كثير ج 4 ص441 ؛ الدر المنثور ج 6 ص 260 ؛ فتح القدير ج 3 ص 60 و ج 5 ص 282 ؛ تاريخ مدينة دمشق ج 38 ص349 إلى352 وج 41 ص 455 وج 42 ص361 بشارة المصطفى ص 34 ؛ جواهر المطالب ج1 ص76 ؛ سبل الهدي والرشاد ج 11 ص 289 ؛ ينابيع المودة ج 1ص 360 ـ 361 ؛ شرح نهج البلاغة ج 7 ص220 و254 ؛ كنز العمال ج 13 ص 177.
|