المجلس الثامن ليلة الجمعة / غرة شعبان المعظم / 1345 هجرية |
أقبل القوم بعدما أتممت صلاة العشاء ، فاستقبلناهم بالترحاب ، فجلسوا وشربوا الشاي . ثم تكلم السيد عبد الحي قائلا : لقد صدرت منكم في البحث الماضي كلمة لا ينبغي لمثلكم أن يتفوه بها ، لأنها تسبب تفرقة المسلمين، والله تعالى يقول: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )(1) ( ولا تنازعوا فتفشلوا )(2). قلت ( متعجبا ) : أرجو أن توضح ما هي تلك الكلمة ؟! فربما صدرت في حال الغفلة . السيد عبد الحي : في الليلة الماضية ، في أواخر البحث عن فوائد الزيارة قلتم : إنكم تعتقدون بأن زيارة مشاهد أهل البيت من علائم الإيمان ، وقلتم ليس كل مسلم بمؤمن ! بينما المسلمون كلهم مؤمنون والمؤمنون كلهم مسلمون ! فلماذا تفرقون بينهم وتجعلونهم قسمين متمايزين ؟! أليس هذا الانقسام يضر الإسلام ! وقد تبين لنا من كلامكم شيء ، وهو أن عوام الشيعة ( خاصة في الهند ) حين يحسبون أنفسهم مؤمنين ويحسبوننا مسلمين ، مأخوذ من علمائهم . وهذا الأمر مخالف لرأي جمهور علماء الإسلام ، إذ لا يفرقون بين الإسلام وبين الإيمان. الفرق بين الإسلام والإيمان: قلت : أولا : ، قولك : جمهور علماء الإسلام لا يفرقون بينه وبين الإيمان . فغير صحيح ، لأننا نجد في الكتب الكلامية اختلافا كثيرا حول الموضوع لا بين الشيعة والسنة فحسب ، بل نجد الاختلاف ساريا في أقوال أهل السنة والجماعة أنفسهم أيضا ، فالمعتزلة على خلاف الأشاعرة . وبعض علماء الشافعية والحنفية على خلاف رأي أحمد ومالك . ثانيا : لا يرد إشكالك على كلامي ، لأن كلامي صدر على أساس قوله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم )(3) الخ . فالآية الكريمة تصرح بأن الإسلام والتسليم في الظاهر ، والإيمان يرتبط بالقلب ، والآية تنفي إيمان قوم في حين تثبت إسلامهم ، فالمسلم ، من شهد بالتوحيد والنبوة فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا (ص) رسول الله . فحينئذ يكون للمسلم ما للمؤمنين في الدنيا ، من الحقوق الاجتماعية والمدنية والشخصية ، دون الآخرة ، فقد قال تعالى : ( ما له في الآخرة من خلاق )(4). السيد عبد الحي : نقبل بأن الإسلام غير الإيمان ، فقد قال سبحانه وتعالى : ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا )(5). فهذه الآية تفرض علينا الالتزام بالظاهر وأن لا ننفي الإسلام عمن أظهر الإسلام . قلت : نعم كل من نطق بالشهادتين ، فما لم يرتكب منكرا يلازم الكفر والارتداد ، ولم ينكر إحدى الضرورات الإسلامية كالمعاد ، فهو مسلم ، نعاشره ونجالسه ونعامله معاملة الإسلام ، ولم نتجاوز الظاهر ، فإن بواطن الناس لا يعلمها إلا الله سبحانه ، وليس لأحد أن يتجسس على بواطن المسلمين . ولكن نقول : بأن النسبة بين الإسلام والإيمان ، عموم مطلق(6). مراتب الإيمان: لقد أمر النبي (ص) أمته عند اختلاف الأقوال وتضارب آرائهم ، أن يأخذوا بقول أهل بيته ويلتزموا برأيهم ، لأنهم أهل الحق والحق لا يفارقهم . فلذلك إذا بحثنا في أحاديث أهل البيت عليه السلام لنجد حقيقة موضوع حوارنا ، نصل إلى قول الإمام الصادق عليه السلام إذ يقول : " إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل . فمنه الناقص البين نقصانه ومنه الراجح الزائد رجحانه ومنه التام المنتهى تمامه . وأما الإيمان الراجح فهو عبارة عن إيمان الشخص الذي يتصف ببعض لوازم الإيمان ، فهو راجح على الذي لا يتصف بها فالثاني ناقص إيمانه ، وأما التام المنتهى تمامه ، فهو الذي يتصف بكل لوازم الإيمان . وقد قال سبحانه وتعالى فيهم : ( أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم )(7). وأما الصفات اللازمة للإيمان فهي كثيرة منها كما في الحديث المروي عن رسول الله (ص) قال : يا علي سبعة من كن فيه فقد استكمل حقيقة الإيمان ، وأبواب الجنة مفتحة له : من أسبغ وضوءه وأحسن صلاته ، وأدى زكاة ماله ، وكف غضبه . وسجن لسانه ، واستغفر لذنبه ، وأدى النصيحة لأهل بيت نبيه(8) ونحن نعتقد أن زيارة مشاهد أهل البيت عليهم السلام يدخل ضمن العنوان الأخير . فالذي أسلم ، هو مؤمن في الظاهر ولا نعلم باطنه ، ولكن أعماله تكشف عن حقيقة إيمانه ، ومراتب رسوخ الإيمان في قلبه وباطنه وقد جاء في تفسير الآية الكريمة : ( يا أيها الذين آمنوا آمِنوا )(9). أي : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم آمنوا بقلوبكم . وخاطب النبي (ص) جماعة من أصحابه فقال : يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان بقلبه . فلا شك أن بين الإسلام والإيمان فرقا لغويا ومعنويا . وللمؤمن علائم تظهر في سلوكه وأعماله . ثم اعلموا بأننا لا نفتش عن بواطن الناس ولا نفرق بين المسلمين ، ولكن نعاملهم على حد أعمالهم ، فهناك من ينطق بالشهادتين ولكن يستخف بالصلاة والصوم ويستهين بالحج ولا يدفع الزكاة ويخالف القرآن الحكيم وأوامر النبي (ص) وأهل بيته ، فليس هذا عندنا من الاحترام والتكريم ، كمن ينطق بالشهادتين ويلتزم بأحكام الدين فيعمل بكل الفرائض ويترك المنهيات ويطيع الله ورسوله (ص) وعترته عليهم السلام لقوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )(10). فالإسلام يتحقق باللسان ، وهو بداية المرحلة الأولى من الإيمان ، ويترتب عليه الأحكام الدنيوية كالحقوق الاجتماعية والشخصية والمدنية . ولكن الإيمان المطلق فيتحقق باللسان والقلب ، ويظهر بالأعمال الصالحة التي تصدر من جوارح المؤمن وأعضاءه بدنه ، وحتى اللسان ، وهو يحب أن يكون مطلقا ، يتقيد بالإيمان فلا يتكلم إلا بالحق والصبر ، كما قال تعالى : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)(11). وجاء في الحديث الشريف : الإيمان هو الإقرار باللسان والعقد بالجنان والعمل بالأركان . لماذا ترفضون الشيعة !! إذا كنتم ملتزمين بهذا الأصل العام ، إن كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم ومؤمن وأخ في الدين . فلماذا تطردون الشيعة وترفضونهم بل تعادونهم ، ولا تحسبون مذهبهم من المذاهب الإسلامية ! وكلكم تعلمون بأن الشيعة يشهدون أن لا إله الله ، وأن محمدا رسول الله وخاتم النبيين . ويعتقدون بأن القرآن كلام الله العزيز ويلتزمون بكل ما جاء به المصطفى (ص) ، فيصلون ويصومون ويزكون ويحجون ويجاهدون في سبيل الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويعتقدون بالبعث والمعاد وبالمحاسبة والجزاء ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )(12) لذلك يلتزمون بترك القبائح والمحرمات كالظلم والسرقة والخمر والزنا والقمار واللواط والربا والكذب والافتراء والنميمة والسحر وغيرها من المحرمات . فنحن معكم نعتقد بإله واحد ونبي واحد ودين واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة ، ومع ذلك كله نراكم تفترون علينا وترموننا بالكفر والشرك ! وهذا ما يريده الأجانب والمستعمرون ويفرحون منه . فلماذا هذا الظلم والجفاء وهذا التقول والافتراء علينا ؟!! ألم نكن معكم متفقين على دين واحد ، ومتفقين على أصوله وفروعه وأحكامه ؟ ـ غير الإمامة والخلافة ـ وأما الاختلاف الموجود بيننا وبينكم في بعض الأحكام الفرعية ، فهو اختلاف نظري ورأي فقهي ، كالاختلاف الواقع بين الأئمة الأربعة لأهل السنة والجماعة . بل في بعض المسائل تكون اختلافاتهم أشد من اختلافنا مع بعضهم . هل أعددتم جوابا ليوم الحساب إذا سئلتم عن سبب هذا الموقف البغيض والحقد العريض على الشيعة المؤمنين ؟ وهل يقبل منكم إذا قلتم : إننا اتبعنا أسلافنا من الخوارج والنواصب ، المعادين للعترة الهادية والفرقة الناجية ؟!! فليس للشيعة ذنب ، سوى أنهم سلكوا الطريق الذي رسمه النبي (ص) بأمر الله سبحانه ، فأمر المسلمين بمتابعة أهل بيته وإطاعة عترته من بعده . فقال (ص) : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا . فالشيعة أخذوا بأمر النبي (ص) وتمسكوا بالثقلين . وأما غيرهم فقد أخذوا بقول غير النبي (ص) إذ عارضوه فقالوا : كفانا كتاب الله ! فتركوا أهل البيت والعترة الطاهرة الهادية عليهم السلام . الشيعة أخذوا أحاديث رسول الله (ص) عن طريق أهل بيته عليهم السلام ، وغيرهم أخذوا الأحاديث عن طريق أبي هريرة وأنس وسمرة وأمثالهم ، وتركوا طريق أهل البيت الطيبين عليهم السلام . وللحصول على أحكام الدين ابتدعوا القياس والاستحسان حسب ما تراه عقولهم ، وتحكم به أفكارهم ، كل ذلك ليستغنوا عن العترة الهادية !! لماذا نتبع عليا وأبناءه عليهم السلام ونحن إنما نتبع عليا عليه السلام وأبناءه الأئمة المعصومين عليهم السلام لقول النبي (ص) : أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها . لذلك نحن دخلنا من الباب الذي فتحه رسول الله (ص) لأمته وأمرهم بالدخول منه إلى مدينة علومه وأحكام دينه وحقيقة شرعه . ولكنكم تحتمون علينا وعلى المسلمين أن نكون أشاعرة أو معتزلة في أصول الدين وأما في الفروع والأحكام فتريدوننا أن نأخذ برأي أحد الأئمة الأربعة ، لمذاهب أهل السنة والجماعة وهو تحكم منكم ، ليس لكم دليل عليه ! ولكننا نستند على أدلة عقلية ، ونقلية من أحاديث رسول الله (ص) في وجوب متابعة علي عليه السلام وأبنائه الأئمة الطيبين ، وقد نقلت لكم بعض الأحاديث الشريفة من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشتهرة كحديث الثقلين وحديث السفينة وباب حطة وغيرها . وإذ تنصفونا وتتركوا العناد واللجاج ، لكفى كل واحد من تلك الأحاديث في إثبات قولنا وأحقية مذهبنا . وأما أنتم فليس عندكم حتى حديث واحد عن النبي (ص) يأمر أمته بمتابعة الأشعري أو ابن عطاء في مسائل أصول الدين ، أو العمل بآراء وأقوال مالك بن أنس أو أحمد بن حنبل أو أبي حنيفة أو محمد بن إدريس الشافعي في فروع الدين وأحكام العبادات والمعاملات ، ليت شعري من أين جاء هذا الانحصار ؟! فاتركوا التعصب لمذهب الآباء والأمهات والتمسك بالتقاليد والعادات ، وارجعوا إلى القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريم (ص) فلو كان عشر هذه الروايات والأحاديث المروية في كتبكم والواصلة عن طرقكم في متابعة أهل البيت عليهم السلام ، لو كانت في حق واحد من أئمة المذاهب الأربعة لاتبعناه وأخذنا برأيه وعملنا بقوله . ولكن لا نرى في كتبكم وأسانيدكم إلا أحاديث النبي (ص) وهو يحرض ويحفز على متابعة الإمام علي عليه السلام بل يأمر المسلمين بذلك وينهى عن مخالفته ويصرح بأن الحق معه . والآن تذكرت حديثا نبويا نقله كثير من علمائكم وأعلامكم ، أنقله لكم بالمناسبة لتعرفوا أن الشيعة لا يتبعون عليا وأبناءه عن تعصب وهوى ، بل بأمر من الله ورسوله (ص) وليس إلى الحق والجنة سبيل غير مذهب أهل البيت عليهم السلام وهو مذهب رسول الله (ص) . روى الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه ينابيع المودة الباب الرابع / عن فرائد السمطين لشيخ الإسلام الحمويني بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله لعلي بن أبي طالب : يا علي أنا مدينة العلم و أنت بابها و لن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب ، و كذب من زعم أنه يحبني و يبغضك لأنك مني و أنا منك ، لحمك من لحمي و دمك من دمي و روحك من روحي و سريرتك من سريرتي و علانيتك من علانيتي ، سعد من أطاعك و شقي من عصاك ، و ربح من تولاك ، و خسر من عاداك ، و فاز من لزمك ، و هلك من فارقك ، مثلك و مثل الأئمة من ولدك بعدي ، مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق ، و مثلهم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة . ويصرح النبي (ص) في حديث الثقلين الذي اتفق علماء المسلمين على صحته ، إنكم ما إن تمسكتم بالقرآن وبأهل بيته وعترته لن تضلوا بعده أبدا . وقد تكلمت حول هذا الحديث بالتفصيل في الليالي الماضية وذكرت لكم مصادره من كتبكم ومسانيدكم ، ولكن بالمناسبة أقول : إن ابن حجر الهيثمي وهو ممن لا يتهم عندكم بشيء بل لا ينكر أحد تعصبه في مذهبه ، وتمسكه بطريقة أهل السنة والجماعة .
قال في كتاب الصواعق المحرقة / الفصل الأول من الباب الحادي عشر
عند ذكره الآيات الكريمة النازلة في شأن أهل البيت عليهم السلام فيقول في ذيل الآية
الرابعة قوله تعالى : وذكر ابن الجوزي لذلك في " العلل المتناهية " وهم أو غفلة عن استحضار بقية طرقه . بل في مسلم ـ أي صحيح مسلم ـ عن زيد بن أرقم أنه (ص) قال : ذلك يوم غدير خم وهو ماء بالجحفة ، كما مر وزاد : أذكركم الله في أهل بيتي . قلنا لزيد من أهل بيتيه : نساؤه ؟ قال : لا ، أيم الله ! إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها . أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده . قال ابن حجر : وفي رواية صحيحة : إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن تبعتموهما ، وهما : كتاب الله وأهل بيتي عترتي . وقال : زاد الطبراني : إني سألت ذلك لهما فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلمهم فإنهم أعلم منكم . ثم قال ابن حجر : اعلم أن الحديث التمسك بذلك ، طرقا كثيرة ، وردت عن نيف وعشرين وصحابيا ، وفي تلك الطرق أنه (ص) قال ذلك بحجة الوداع بعرفة ، وفي أخرى أنه (ص) قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنه (ص) قال ذلك بغدير خم ، وفي أخرى أنه (ص) قال لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف . ولا تنافي إذ لا مانع من أنه (ص) كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة ـ وبعد سطور قال ـ : " تنبيه " سَمي رسول الله (ص) القرآن وعترته ثقلين ، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون وهذان كذلك ، إذ كل منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العلية والأحكام الشرعية ، ولذا حث (ص) على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم ... ويؤيده الخبر السابق : ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم . وتميزوا بذلك عن بقية العلماء ، لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة . وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت ، إشارة إلى عدم انقطاع العالم عن التمسك بهم إلى يوم القيامة ، كما أن الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض كما يأتي ... ثم أحق من يتمسك به منهم ، إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، لما قدمنا من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته الخ . أيها الحاضرون ! هذه تصريحات أحد كبار علماء السنة وهو ابن حجر الذي اشتهر بالتعصب ضد الشيعة ومذهبهم ، والعجب أنه مع كل تلك الاعترافات بفضل أهل البيت (ع) ولزم التمسك بهم ، يؤخرهم عن مقامهم وعن مراتبهم التي رتبهم الله فيها ، لا سيما الإمام علي بن أبي طالب (ع) فيقدم عليه وعليهم من لا يقاس بهم في العلم والفضيلة فاعتبروا يا أولي الأبصار !! نعوذ بالله من التعصب والعناد . أيها الأخوان فكروا في هذه التأكيدات المتتالية عن النبي (ص) ! وهو يبين أن سعادة الدنيا والآخرة منحصرة في التمسك بالقرآن والعترة معا وأن طريق الحق واحد وهو الذي سار فيه أهل بيته فما هو واجب المسلمين ؟ فكروا وأنصفوا !! إنه موقف صعب واختيار الحق أصعب ، لقد وقفتم على طريقين : طريق سلكه آباؤكم وأسلافكم ، وطريق يدعوكم إليه نبيكم (ص) وقرآنكم وعقولكم . فكما لا يجوز للمسلمين أن يغيروا شيئا من كتاب الله العزيز حتى لو أجمعوا على ضرورة التغيير لتغيير الزمان وغير ذلك ، وكذلك لا يجوز للمسلمين أن يتركوا أهل البيت ويتمسكوا بغيرهم حتى لو أجمعوا على ذلك لأن رسول الله (ص) حكم على المسلمين وأمرهم أن يتمسكوا بالقرآن وبعترته وأهل بيته معا فلا يجوز التمسك بواحد دون الآخر . أسألكم أيها الحاضرون ! هل الخلفاء الذين سبقوا الإمام علي (ع) كانوا من أهل البيت والعترة الهادية ؟ وهل تشملهم أحاديث الثقلين والسفينة وباب حطة وغيرها حتى يتمسك بهم لازما ، وطاعتهم واجبة علينا ؟! السيد عبد الحي : لم يدع أحد من المسلمين أن الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم كانوا أهل البيت ، ولكنهم كانوا من الصحابة الصالحين ، ولهم فضيلة المصاهرة مع النبي (ص) . قلت : فإذا أمر رسول الله (ص) بإطاعة قوم أو فرد معين وأكد ذلك على أمته ، فهل يجوز لطائفة من الأمة أن يعرضوا عن أمر النبي (ص) ويقولوا : إننا نرى صلاحنا وصلاح الأمة في متابعة وإطاعة قوم آخرين ـ حتى إذا كانوا صلحاء ـ ؟ فهل امتثال أمر النبي (ص) وطاعته واجبة ؟ أم إطاعة تلك الطائفة المتخلفة عن أمر رسول الله (ص) ، والعاملة حسب نظرها في تعيين الصواب والصلاح للأمة ؟! السيد عبد الحي : حسب اعتقادنا ... طاعة النبي (ص) واجبة . قلت : إذا ، لماذا تركتم أمر النبي (ص) ولم تطيعوه حيث قال : إني تارك فيكم ثقلين أو أمرين ، لن تضلوا إن اتبعتموهما وهما : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فلا تقدموا عليهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ؟ . ومع هذا تركتموهم وهم أعلم الناس وأفضلهم ، وتبعتم واصل بن عطاء وأبا حسن الأشعري ، أو مالك بن أنس وأبا حنيفة ومحمد بن إدريس وأحمد بن حنبل ! هل إن هؤلاء أهل بيت النبي (ص) وعترته أم هم علي بن أبي طالب وأبناؤه الأئمة المعصومون (ع) ؟ السيد عبد الحي : لم يدع أحد من المسلمين أن المقصود من أهل البيت في حديث الثقلين ، أئمة المذاهب الأربعة ، أو الخلفاء الثلاثة ، أو أبو الحسن الأشعري أو واصل بن عطاء ، وإنما نقول : أن هؤلاء من أبرز علماء المسلمين ومن الفقهاء الصلحاء . قلت : ولكن بإجماع العلماء واتفاق جمهور المسلمين ، أن الأئمة الاثني عشر الذين نتمسك نحن الشيعة بأقوالهم ونلتزم طاعتهم ، كلهم من أهل بيت النبي (ص) وعترته ، وهم أشرف أبناء رسول الله (ص) ، وثبت أنهم في كل زمان كانوا أعلم الناس بأحكام الدين وتفسير الكتاب المبين وفقه شريعة سيد المرسلين . وأقر لهم بذلك جميع علماء المسلمين . لا أدري ما يكون جوابكم ، إذا سألكم النبي (ص) يوم الحساب : أن لماذا خالفتم رأيي وعصيتم أمري فتركتم عترتي وأهلي وقدمتم غيرهم عليهم ؟! أليس أهل بيتي كانوا أعلم وأفضل ؟ لقد أخذ الشيعة دينهم ومذهبهم ، حسب أمر النبي (ص) من باب علمه ، ومن وصيه علي بن أبي طالب (ع) ، وأخذوا بعده من عترته وأهل بيته الذين أدركوه وعاشروه وسمعوا حديثه ورأوا أعماله وسلوكه فأخذوا منه وأصلوا ذلك إلى أبنائهم ونشروه . أما غير أهل البيت (ع) فكيف وصلوا إلى علم النبي (ص) ؟! فالأئمة الأربعة ما كان لهم أي ذكر في القرن الأول الثاني بعد رسول الله (ص) ، فلا يعدون من الصحابة والتابعين . ولكن أخرجتهم السياسة وأظهرتهم الحكومة والفئة المناوئة لأهل البيت والعترة (ع) . ففسحت لهم المجال وفتحت أبوابهم ، ومنعت الحكومات الناس من التوجه إلى آل محمد (ص) : لينصرفوا نحو الأئمة الأربعة ، وإذا كان أحد من لا يهتم لأمر الحكومة ، فيتمسك بأهل البيت ويعمل برأيهم ولم ينضم إلى مذاهب الأئمة الأربعة ، فكان يرمى بالكفر والزندقة وكان مصيره السجن والمطاردة ! وما زالت هذه الحالة التعصبية تنتقل من دور إلى دور ، ومن دولة إلى أخرى ، حتى يومنا هذا !! فما يكون جوابكم لنبيكم (ص) يوم الحساب إذا سألكم : بأي دليل كفرتم شيعة أهل بيتي ، وهم مؤمنوا أمتي ؟ ولماذا قلتم لأتباعكم وأشياعكم : إن شيعة علي (ع) مشركون ؟! فحينئذ ليس لكم جواب ، ولكم الخزي والخجل في المحشر ! أيها الأخوة ! تداركوا اليوم الموقف ! وارجعوا إلى الحق والصواب ! واعتبروا يا أولي الألباب ! نتبع العلم والعقل أيها الحاضرون الكرام ! نحن لا نعاديكم ولا نعادي أحدا من المسلمين ، بل نحسب جميع المسلمين إخواننا في الدين ، ولكن خلافنا معكم ناشئ من التزامنا لحكم العقل و العلم ، وهو أننا لا نقلد في أمر ديننا تقليدا أعمى ، بل يجب أن نفهم الدين بالدليل والبرهان حتى يحصل لنا اليقين ، قال سبحانه وتعالى : ( فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه )(14). فلا نتبع أحدا ولا نطيعه من غير دليل ، فنأخذ بأمر الله سبحانه ونهتدي بهدى النبي (ص) ولا نسلك إلا الطريق السوي الذي رسمه لنا رسول الله (ص) بأمر الله عز وجل ، من مطلع رسالته حين جمع رجال قومه الأقربين امتثالا لأمر الله سبحانه حيث قال : ( وأنذر عشيرتك الأقربين )(15). فجمعهم رسول الله (ص) : وأطعمهم ، ثم قام فيهم بشيرا ونذيرا ثم قال : فمن منكم يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني في القيام به ، يكن أخي ووزيري من بعدي ؟ فما أجابه إلا علي (ع) ، وكان أصغرهم سنا ، فأخذ النبي بيده وقال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا الخ ـ وقد نقلنا هذا الخبر بالتفصيل وذكرنا مصادره المعتبرة في المجلس الخامس ـ . وفي أواخر أيام حياته المباركة ، وفي أكبر جمع من أمته ، يوم الغدير ، أخذ بيد علي بن أبي طالب (ع) بأمر الله عز وجل وعينه لخلافته ، فقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ... وأخذ له البيعة منهم . فالدلائل الساطعة والبراهين القاطعة من القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريم (ص) المروية في كتبكم المعتبرة ومسانيدكم الموثقة ـ إضافة على تواترها في كتب الشيعة ـ كلها تشير بل تصرح على أن الصراط المستقيم والسبيل القويم منحصر في متابعة آل محمد وعترته (ص) . ولو تذكرون لنا حديثا واحدا عن النبي (ص) بأنه قال : خذوا أحكام ديني من أبي حنيفة أو مالك أو أحمد بن حنبل أو الشافعي ، لقبلناه منكم ! ولتركت مذهبي واخترت أحد المذاهب الأربعة !! ولكن لا تجدون ذلك أبدا وليس لكم أي دليل وبرهان عليه ، ولم يدعه أحد من المسلمين إلى يومنا هذا . نعم لكم أن تقولوا : بأن الأئمة الأربعة كانوا من فقهاء الإسلام ، ولذلك الظاهر بيبرس في عام 666 من الهجرة ، أجبر المسلمين على متابعة أحدهم(16) وأعلن رسمية المذاهب الأربعة ومنع فقهاء المسلمين من استنباط الأحكام وإبداء آرائهم ، والتاريخ يصرح بأنه كان في الإسلام فقهاء وعلماء أعلم وأفقه من أولئك الأربعة . والعجب أنكم تتركون الإمام علي (ع) وهو باب علم النبي (ص) والذي أمر رسول الله (ص) أمته بالأخذ منه ومتابعته في أمر الدين والشرع ، بالنصوص الكثيرة والروايات المتواترة الواصلة عن طرقكم المعتبرة ، وكذلك الآيات القرآنية التي نزلت في هذا الشأن كما فسرها كبار علمائكم الأعلام ومحدثيكم الكرام . وأنتم مع ذلك تصمون أسماعكم ، وتغمضون أبصاركم ، وتتبعون الأئمة الأربعة ، وتحصرون الحق في آرائهم وأقوالهم بغير دليل وبرهان ، وأغلقتم باب الاجتهاد واستنباط الأحكام ، وقد تركه النبي مفتوحا أمام الفقهاء والعلماء . السيد عبد الحي : نحن نرى الحق في متابعة الأئمة الأربعة ، كما أنكم ترون الحق في متابعة الأئمة الاثني عشر !!! قلت : هذا قياس باطل لأنكم ترون الحق في متابعة أحد الأئمة الأربعة ، بينما نحن نرى الحق في متابعة كل الأئمة الاثني عشر ، فلا يجوز عندنا ترك أحدهم والإعراض عن أوامره . ثم إن تعيين الأئمة الاثني عشر ما كان إلا من عند النبي (ص) وبأمره وحكمه ، فهو (ص) عينهم وذكر أسماءهم واحدا بعد الآخر . خلفاء النبي (ص) إثنا عشر ذكر الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودة مجموعة أحاديث عن النبي (ص) بهذا المعنى وفتح لها بابا عنوانه : الباب السابع والسبعون : في تحقيق حديث بعدي إثنى عشر خليفة . قال ذكر يحيى بن الحسن في كتاب العمدة ، من عشرين طريقا في أن الخلفاء بعد النبي (ص) إثنا عشر خليفة كلهم من قريش : في البخاري من ثلاثة طرق وفي الترمذي من طريق واحد في الحميدي من ثلاثة طرق . وذكر هذه الأحاديث الشريفة كثير من علمائكم الأعلام غير الذين ذكرهم القندوزي ، منهم : الحمويني في فرائد السمطين ، والخوارزمي في المناقب ، وابن المغازلي في المناقب ، والثعلبي في التفسير ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، والمير سيد علي الهمداني الشافعي في المودة العاشرة من كتابه مودة القربى ، نقل اثنا عشر خبرا وحديثا في هذا الأمر ، من عبد الله بن مسعود وجابر بن سمرة وسلمان الفارسي وعبد الله بن عباس وعباية بن ربعي وزيد بن حارثة وأبي هريرة ، وعن الإمام علي (ع) ، كلهم يروون عن رسول الله (ص) أنه قال : الأئمة بعدي أو خلفائي بعدي إثنا عشر كلهم من قريش ،وفي بعض الروايات كلهم من بني هاشم ، وحتى في بعضها عينهم بذكر أسماءهم . ولا نجد حتى حديثا واحدا عن النبي (ص) حول الأئمة الأربعة الذين تمسكتم بهم . ثم إن الفرق بين الأئمة الإثني عشر الذين نتمسك بهم نحن ونأخذ بأقوالهم وبين أئمتكم الأربعة فرق كبير. وكما أشرنا في الليالي السالفة أن الأئمة الإثني عشر عليهم السلام هم أوصياء رسول الله (ص ) وقد نص عليهم بأمر من الله سبحانه فلا يقاس بهم أي فرد من الخلفاء والأئمة الذين تمسكتم بهم ، فإن أئمة المذاهب الأربعة شأنهم شأن غيرهم من فقهاء المسلمين وعلماء الدين ، والمسلمون في خيار تام في تقليدهم وتقليد غيرهم من فقهاء الإسلام الذين يملكون قدرة الاستنباط واستخراج الأحكام الدينية من القرآن الحكيم والسنة النبوية الشريفة . وعلى هذا فنحن الشيعة نقلد مراجع الدين وهم الفقهاء الذين درسوا وحققوا الأخبار والأحاديث المروية عن النبي وأهل بيته الطيبين الراسخين في العلم . فيحققوا ويتقنوا أسنادها وطرقها ويميزوا بين صحيحها وسقيمها ويستخرجوا منها حكم المسائل المستحدثة والفروع الطارئة في زماننا هذا ، ويبينوا تكليفنا الشرعي على أساس أصول الفقه والقواعد الإلهية ، يردون الفرع على الأصل ويستخرجوا حكمه ويبينوه لمقلديهم ، وهؤلاء الفقهاء يتواجدون في كل زمان وهم متعددون ولا ينحصر التقليد في واحد منهم ، لأن الكل يأخذون من منهل العترة الهادية ومنبع أهل البيت الطاهرين عليهم السلام . ولكن الأئمة وإن تتلمذوا عند بعض أئمة أهل البيت عليهم السلام إلا أنهم خرجوا من إطارهم وتركوا الأصول الفقهية والقواعد المقبولة لديهم ، فعملوا بالقياسات العقلية والإستحسانات النظرية حتى أنهم ربما اجتهدوا في بعض المسائل وخالفوا النصوص الجلية فيها ، فضلوا وأضلوا(17). والعجب أنكم تركتم تقليد العترة وأهل بيت الوحي والرسالة الذين عينهم النبي (ص) وتابعتم التلامذة الذين لم يبلغوا عشر معشار علوم أهل البيت عليهم السلام ولم يقترفوا إلا غرفة أو رشحة من بحارهم المتلاطمة بشتى العلوم التي آتاهم الله عز وجل من لدنه وجعلهم أئمة يهدون بأمره . فالأئمة الأربعة استندوا إلى عقولهم الناقصة في بيان حكم الله عز وجل ولم يستندوا إلى الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين . وقد قال سبحانه وتعالى : ( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون )(18). السيد عبد الحي : وهل عندكم دليل على أن الأئمة الأربعة تتلمذوا عند أئمتكم ؟ الإمام الصادق عليه السلام وموقعه العلمي قلت : دليلنا هو التاريخ الذي كتبه أعلامكم ، فقد ذكر الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة في معرفة الأئمة عليهم السلام ـ فصل حياة الإمام الصادق عليه السلام ـ قال : كان جعفر الصادق عليه السلام من بين أخوته خليفة أبيه ووصيه والقائم بالإمامة من بعده ، برز على جماعة بالفضل وكان أنبههم ذكرا وأجلهم قدرا نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته وذكره في ساير البلدان ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث ، وروى عنه جماعة من أعيان الأمة مثل يحيى بن سعيد وابن جريح ومالك بن أنس والثوري وأبو عيينة وأبو حنيفة وشعبة وأبو أيوب السجستاني وغيرهم ... الخ . وقال كمال الدين محمد بن طلحة العدوي القرشي الشافعي ، في كتابه مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ـ الباب السادس في أبي عبد الله جعفر بن الصادق عليه السلام : هو من عظماء أهل البيت و ساداتهم (ع) ذو علوم جمة ، و عبادة موفورة ، و أوراد متواصلة ، و زهادة بينة ، و تلاوة كثيرة ، يتتبع معاني القرآن الكريم و يستخرج من بحره جواهره و يستنتج عجائبه ، و يقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه . رؤيته تذكر بالآخرة ، و استماع كلامه يزهد في الدنيا ، و الاقتداء بهداه يورث الجنة ، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوة ، و طهارة أفعاله تصدع أنه من ذرية الرسالة . نقل عنه الحديث و استفاد منه العلم جماعة من الأئمة و أعلامهم مثل يحيى بن سعيد الأنصاري و ابن جريح و مالك بن أنس و الثوري و ابن عيينة و أبي حنيفة و شعبة و أيوب السختياني و غيرهم (رض) و عدوا أخذهم عنه منقبة شرفوا بها و فضيلة اكتسبوها... الخ . وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي وهو من أعلامكم في كتابه طبقات المشايخ : إن الإمام جعفر الصادق فاق جميع أقرانه ، وهو ذو علم غزير في الدين وزهد بالغ في الدنيا ، وورع تام عن الشهوات ، وأدب كامل في الحكمة ... الخ(19). ولو نقلت لكم ما ذكره علماؤكم وأعلامكم عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) ومقامه العلمي ، وصفاته الحميدة وأخلاقه المحمودة لطال بنا المقام ، ولتقاصر البيان عن أداء حقه وتعريفه بما يستحقه ، وكل ما يقال في علمه وخلقه وصفاته الحسنة لا يبلغ به معشار وما هو حقه . النواب : هل تأذن لي بالسؤال ؟ قلت : أرجو أن يكون سؤالك فيما نحن فيه ، وأن لا تخرجنا بسؤالك عن الموضوع . قال النواب : إن مذهبكم يعرف بالمذهب الاثني عشري لأنكم تتبعون إثني عشر إماما . فلماذا اشتهر هذا المذهب باسم الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه فيطلق عليكم الجعفرية نسبة إليه ؟ ظهور المذهب الجعفري قلت : لقد جرت السنة الإلهية على أن كل نبي يعين رجلا وصيا لنفسه ليقوم بالأمر من بعده ولكي لا تكون أمته حائرة من بعده ، فيضلوا عن سبيل الله سبحانه ، فقد قال عز وجل : ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد )(20). وبينا لكم في المجالس السابقة أن النبي محمد (ص) عين الإمام علي (ع) وصيا وأوصى إليه بأمر من الله سبحانه وعينه خليفة من بعده ليهدي أمته إلى الحق وإلى الصراط المستقيم ، ولكن السياسة اقتضت أن يخالفوا وصية رسول الله (ص) فعدلوا عنه إلى أبي بكر وعمر وعثمان وقد كانوا يستشيرونه في أكثر الأمور ، فكان يشير عليهم بالحق والصواب ، وهو الذي كان يواجه علماء الأديان المناوئون للإسلام فيرد شبهاتهم ويجيب مسائلهم . ولما آل الأمر إلى بني أمية واغتصب معاوية عرش الخلافة ، عاملوه وعاملوا أئمة أهل البيت والعترة الهادية (ع) بكل قساوة ، فما شاورهم في أي أمر من الأمور بل خالفوهم وما أذنوا لهم بنشر علومهم وبيان ما أخذوه من رسول الله (ص) ، فطاردوا شيعتهم ومحبيهم وقتلوهم وسجنوهم وأبعدوهم إلى أن انتهت هذه السياسة الظالمة والسيرة الجائرة الغاشمة بقيام عام من المسلمين ضد بني أمية فأبادوهم ، وانتقل الحكم إلى بني العباس وكان ذلك في عصر الإمام الصادق (ع) الذي اغتنم هذه الفرصة التي أتيحت له بانشغال الدولتين ففتح باب بيته على مصراعيه ليستقبل من رواد العلم وطلابه ، فوفد نحوه العلماء من كل صوب ومن كل مكان ليرتووا من منهله ويستقوا من منبعه العذب الصافي ، وقد عد بعض المحققين والمؤرخين تلاميذه فتجاوز الأربعة آلاف ، فالتف حوله طلاب الحق فكشف لهم الحقائق العلمية ، وأوضح لهم المسائل الاعتقادية ، وبين لهم المسائل الدينية مستندا فيها على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي وصلته عن طريق آبائه الطيبين والأئمة المعصومين من أهل البيت (ع) . وهكذا انتشرت عن طريقه أصول مذهب الشيعة وعقائدهم الحقة ، وقد ألف بعض أصحابه وتلامذته المقربين رسائل في هذا الأمر اشتهرت بالأصول الأربعمائة . ولم ينحصر علمه في المسائل الدينية والأحكام الشرعية بل كان بحرا زاخرا في شتى العلوم حتى أن جابر بن حيان أخذ منه علم الكيمياء وألف في ذلك رسائل عديدة تدرس بعضها إلى يومنا هذا في الجامعات العلمية . وبعدما تسلط بنو العباس على الحكم وقويت شوكتهم ، منعوه من نشر العلم وتدريسه ، ودام المنع على أبنائه الأئمة الطاهرين (ع) من بعده ، فالفرصة التي أتيحت له في فترة قصيرة ما أتيحت لأحد من آبائه ولا لأحد من أبنائه الهداة الطيبين . فلذلك اشتهر هذا المذهب باسمه وانتسب إليه ، فيقال : مذهب جعفر بن محمد أو المذهب الجعفري . فالإمام الصادق (ع) كما يعترف أعلامكم وكبار علمائكم هو الله وأعلم أهل زمانه ، وكما أشرنا بأن الأئمة وغيرهم من أئمة الفقه أخذوا عنه وتتلمذوا عنده ، وكل واحد استفاد من محضره حسب استعداده . وكان (ع) أفضلهم وأزهدهم و أورعهم ومع ذلك ترك أسلافكم تقليده ومتابعته ، حتى أنهم أبوا أن يجعلوه في عداد الأئمة الأربعة ! لماذا هذا الجفاء والبغضاء ؟ هل لأنه من آل محمد (ص) ومن عترته الطاهرة (ع) ؟! وقد بالغ بعض محدثيكم وأعلامكم في البعض والجفاء لأهل البيت إلى حد العناد ، بحيث أبوا أن ينقلوا عنهم الحديث الذي يروونه عن جدهم رسول الله (ص) ( مع ما أوصى به النبي (ص) بهم ، وتحريضه الأمة على إكرامهم واحترامهم ومتابعتهم ) . فهذا البخاري ومسلم لم ينقلا روايات الإمام جعفر الصادق (ع) في صحيحهما ، بل لم ينقلا عن أبي واحد من علماء أهل البيت وفقهائهم ، مثل زيد بن علي الشهيد والمدفون في " فخ " ويحيى ابن عبدالله بن الحسن وأخيه إدريس ، ومحمد بن الإمام الصادق ومحمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا ومحمد بن محمد بن زيد وعبد الله بن الحسن وعلي بن جعفر العريضي وغيرهم من أكابر وسادات بني هاشم من المحدثين والفقهاء ، فلم ينقلا عنهم . والعجيب أن البخاري ينقل ويروي عن أناس ضعفاء في الإيمان والعقيدة ، بل ينقل عن عدة من الخوارج والذين نصبوا العداء لآل محمد (ص) أمثال أبي هريرة وعكرمة وعمران بن حطان الذي يمدح ابن ملجم المرادي قاتل الإمام علي بن أبي طالب (ع) . وقد كتب ابن البيع أن البخاري روى في صحيحه عن ألف ومئتين خارجي وناصبي من قبيل عمران بن حطان(21). وإني أتعجب وأتأسف من رأي بعض أعلامكم إذ يرون بأن أتباع الأئمة الأربعة مسلمين مؤمنين ، ولكن شيعة آل محمد وأتباع الإمام جعفر الصادق (ص) كفرة ومشركين ، فيفترون على طائفة كبيرة من المسلمين وعددا كثيرا بالكفر والشرك . فلو قسنا الشيعة بأتباع كل مذهب من المذاهب الأربعة من أهل السنة لوحدهم فالشيعة هم الأكثر ، فإن أتباع الإمام الصادق (ع) ، أكثر من أتباع محمد بن إدريس وهكذا لو قسناهم مع أتباع أبي حنيفة لوحدهم وأتباع أحمد بن حنبل لوحدهم ، لوجدنا شيعة الإمام الصادق (ع) أكثر عددا ، وإني أعلن بأننا نحن الشيعة ندعوا إخواننا السنة إلى التقارب والوحدة ونبرأ إلى الله تعالى من التنافر والتفرقة . الحافظ : إني أؤيد كثيرا من كلامك وأعترف بأن هناك بعض التعصبات حاكمة على كثير من أهل السنة ، ولكن لو تحققنا عن الأسباب لعرفناها ترجع إليكم ، لأنكم أنتم ـ علماء الشيعة ومبلغيهم ـ لا ترشدون عوام الشيعة إلى الحق ولا تنهونهم عن الباطل ، فهم يتكلمون بكلمات تنتهي إلى الكفر والشرك . قلت : أرجوك أن توضح لي كلامك وتبين لي أمثالا من كلام عوام الشيعة الذي ينتهي إلى الكفر !! مطاعن الشيعة في الصحابة وزوجات النبي (ص) الحافظ : مما لاشك فيه أن المطاعن التي تروونها على الصحابة المقربين لرسول الله وبعض زوجاته الطاهرات رضي الله عنهم كفر صريح ، إذ أن هؤلاء الصحابة هم الذين جاهدوا في سبيل الله وقاتلوا الكفار تحت راية النبي وقد قال سبحانه فيهم : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة )(22) فالذين يعلن الله تعالى رضاه عنهم ، ورسول الله يكرمهم ويحترمهم ويحدث عن فضائلهم ، وهو كما قال سبحانه في سورة النجم ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى )(23). فالطعن فيهم إنكار للقرآن والنبي ، وهو كفر ، والمنكر كافر . قلت : إني لا أحب أن يخوض في هكذا مسائل فالرجاء أن تترك هذا السؤال ولا تطالبني بالجواب في حضور هذا الجمع ، بل أجتمع بك وحدك وأعطيك الجواب . الحافظ : الحقيقة ، إن هذا السؤال والموضوع مطروح من قبل الجماعة الذين معي لأنهم ألحوا علي وأكدوا في الليلة الماضية حينما انتهينا من البحث وخرجنا إلى البيت ، على أن أطرح هذا البحث فكلهم يحب أن يسمع جوابكم . النواب : صحيح يا مولانا كلنا نحب أن نسمع جواب هذا السؤال . قلت : إني أتعجب من جنابكم وما كنت أتوقع طرح هذا السؤال ، مع ما بيناه في الليالي الماضية وأوضحنا لكم معنى الكفر والشرك وأثبتنا بأن الشيعة سائرون في طريق أهل البيت (ع) ، وتابعون لآل محمد (ص) ، وهم المؤمنون حقا . وأما الموضوع الذي طرحه جناب الحافظ ، فهو ذو جهات ، وليس موضوعا واحدا ، ولابد لي أن أبسطه وأشرحه ، حتى يعرف الحاضرون حقيقة الأمر ويقضوا بالحق ، وحتى نزول الشبهات الواقعة في نفوسهم ضد الشيعة . سب الصحابة لا يوجب الكفر أما قول الحافظ : بأن سب الصحابة والطعن فيهم ولعنهم ، ولعن بعض زوجات النبي (ص) من قبل الشيعة موجب لكفر الشيعة ، فهو حكم غريب ! ولا أدري بأي دليل من القرآن والسنة النبوية صدر هذا الحكم ؟!! فإن بيان الطعن وكذلك السب واللعن إذا كان مستندا إلى دليل وبرهان فلا إشكال فيه(24). وإن كان من غير دليل وبرهان فهو فسق ، حتى إذا كان على أصحاب النبي (ص) وزوجاته(25) وهذا رأي بعض أعلامكم كابن حزم حيث يقول في كتابه " الفصل ج3/257 " . وأما من سب أحدا من الصحابة (رض) ، فإن كان جاهلا فمعذور ، وإن قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق ، كمن زنى وسرق وإن عاند الله تعالى في ذلك ورسوله (ص) فهو كافر ، وقد قال عمر (رض) بحضرة النبي (ص) عن حاطب ، وحاطب مهاجر بدري : دعني أضرب عنق هذا المنافق ! فما كان عمر بتكفيره حاطبا كافرا ، بل كان مخطئا متأولا ... الخ . وقد أفرط أبو الحسن الأشعري [ وهو إمامكم في مثل هذه المسائل ] فإنه يرى : إن من كان في الباطن مؤمنا وتظاهر بالكفر ، فهو غير كافر ، حتى إذا سب الله ورسوله (ص) من غير عذر بل حتى إذا خرج لحرب النبي ! [ والعياذ بالله ] . ويستدل على ذلك بأن الكفر والإيمان محلهما في القلب وهما من الأمور الخفية الباطنية ، فلا يمكن لأحد أن يطلع على باطن الإنسان وما في قلبه إلا الله سبحانه(26)!! فكيف يكفر جناب الحافظ وأمثاله ، شيعة آل محمد (ص) لمجرد سبهم بعض الصحابة وبعض زوجات النبي ؟ مع العلم بأن كثيرا من علمائكم وأعلامكم السابقين ردوا هذا الحكم الجائر ونسبوا قائليه إلى الجهل والتعصب . وحكموا بأن الشيعة مسلمون مؤمنون . منهم القاضي عبدالرحمن الايجي الشافعي في كتابه المواقف ، رد كل الوجوه التي بينها بعض المتعصبين من أهل السنة في تكفير الشيعة وأثبت بطلانها . ومنهم الإمام محمد الغزالي ، صرح بأن سب الصحابة لا يوجب الكفر ، حتى سب الشيخين ليس بكفر . ومنهم سعد الدين التفتازاني في كتابه شرح العقائد النسفية ، تناول هذا البحث بالتفصيل وخرج إلى أن ساب الصحابة ليس بكافر . ثم إن أكثر مَن كتب مِن أعلامكم في الملل والنحل وكتب في المذاهب الإسلامية : عد الشيعة من المسلمين وذكرهم في عداد المذاهب الإسلامية الأخرى . منهم العلامة بن الأثير الجزري في كتابه جامع الأصول ، ومنهم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل . ومما يذكر في عدم كفر الساب لبعض صحابة رسول الله (ص) أن أبا بكر قد سبه أحد المسلمين وشتمه فما أمر بقتله ، كما جاء في مستدرك الحاكم النيسابوري ج4/355 أخرج بسنده عن أبي برزة الأسلمي (رض) قال : أغلظ رجل لأبي بكر الصديق (رض) فقلت : يا خليفة رسول الله ألا أقتله ؟! فقال : ليس هذا إلا لمن شتم النبي (ص) . وأخرجه الإمام أحمد في المسند ج1/9 بسنده عن ثوية العنبري قال : سمعت أبا سوار القاضي يقول : عن ابن برزة الأسلمي قال : أغلظ رجل لأبي بكر الصديق (رض) قال : فقال أبو برزة : ألا أضرب عنقه ؟ قال فانتهره وقال : ما هي لأحد بعد رسول الله . ورواه الذهبي في تلخيص المستدرك ، والقاضي عياض في الشفاء ج4/ الباب الأول ، والإمام الغزالي في إحياء العلوم ج2 . فإذا كان الأمر كذلك ، إذ يسمع الخليفة من رجل السباب والشتم ولا يحكم بكفر ولا يقتله . فلماذا أنتم علماء تغوون أتباعكم العوام وتكفرون الشيعة عندهم بحجة أنهم يسبون الصحابة ويشتمون الخلفاء ، ثم تبيحون لهم قتل الشيعة المؤمنين !! وإذا كان سب صحابة الرسول (ص) موجبا للكفر ، فلماذا لا تحكمون بكفر معاوية وأتباعه الذين كانوا يسبون ويلعنون أفضل صحابة رسول الله وأعلمهم وأروعهم ، ألا وهو أمير المؤمنين وسيد الوصيين وإمام المتقين علي بن أبي طالب (ع) ؟! وإذا كان سب الصحابة يوجب الكفر ، فلماذا لا تكفرون عائشة ـ أم المؤمنين ـ إذا كانت تشتم عثمان وتحرض أبناءها على قتله فتقول : اقتلوا نعثلا فقد كفر ؟! كيف تحكمون في موضوع واحد بحكمين متناقضين ؟! فإذا سب أحد الشيعة ولعن عثمان ، تكفروه وتحكمون بقتله . ولكن عائشة التي كفرت عثمان وحرضت المسلمين على قتله تكون عندكم محترمة ومكرمة !! فما هذا التهافت والتناقض؟! النواب : ما معنى نَعْثَل ؟ ولماذا كانت أم المؤمنين تسمي عثمان بنعثل ؟ قلت : معنى نعثل ـ كما قال الفيروز آبادي [ وهو من أعلامكم ] في القاموس ـ معناه : الشيخ المخرف . وقال العلامة القزويني في شرحه على القاموس : ذكر ابن حجر في كتابه تبصرة المنتبه : أن نعثل يهودي كان بالمدينة هو رجل لحياني يشبّه به عثمان . نرجع إلى بحثنا ، فأقول : إذا كان سب الصحابة يلزم منه الكفر ، فإن أول من بدأ بالسب هو أبو بكر لما سب الإمام علي بن أبي طالب (ع) على المنبر في المسجد ، وعلي هو أفضل الصحابة وأقربهم إلى رسول الله (ص) وأعظمهم قدرا وأكبرهم شأنا عند الله عز وجل . ومع ذلك أنتم لا تقبحون عمل أبي بكر ، بل تكرموه وتعظموه !! الحافظ : هذا افتراء وكذب منكم على الصديق ، فإن أبا بكر أجل وأكرم من أن يسب عليا كرم الله وجهه ، وما سمعنا بهذا إلا منكم ، وأنا على يقين بأن الصديق بريء من هكذا أفعال وأعمال قبيحة . قلت : لا تتسرع في الحكم ولا تتهمني بالكذب والافتراء وقد ثبت لديكم بأني لا أتكلم بغير دليل وبغير شاهد من كتبكم ولكي تعرف صدق كلامي وتعلم بأن أبا بكر ارتكب هذا العمل القبيح فراجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 /214 و 215 ط. إحياء التراث العربي ، قال : فلما سمع أبو بكر خطبتها [ أي خطبة سيدة النساء فاطمة (ع) ] شق عليه مقالتها فصعد المنبر و قال أيها الناس ...... إنما هو[ أي علي (ع) ] ثعالة شهيده ذنبه ، مرب لكل فتنة هو الذي يقول كروها جذعة بعد ما هرمت ، يستعينون بالضعفة و يستنصرون بالنساء كأم طحال أحب أهلها إليها البغي(27). فإذا حكمتم بكفر من سب أحد الصحابة ، فيلزم أن تحكموا بكفر أبي بكر وبنته وعائشة ، وكذلك معاوية وأنصاره وتابعيهم ، وإذا لم تحكموا بكفر هؤلاء لسبهم ولعنهم عليا (ع) فيلزم أن تعمموا الحكم ولا تكفروا الشيعة الموالين للعترة الهادية (ع) لسبهم بعض الصحابة . كما أفتى وحكم كثير من فقهائكم وعلمائكم بأن الساب للصحابة غير كافر ولا يجوز قتله وذلك باستناد الخبر الذي رواه أحمد ابن حنبل في مسنده ج3 ، والقاضي عياض في كتاب الشفاء ج4 الباب الأول ، وابن سعد في كتاب الطبقات ج5 /279 أخرج بسنده عن سهيل بن أبي صالح أن عمر بن عبد العزيز قال : لا يقتل أحد في سب أحد إلا في سب نبي . واستنادا على ما مر من الخبر الذي نقلناه عن الحاكم النيسابوري في مستدركه ج4/355 ، وأخرجه أحمد في مسنده ج1/9 كلاهما عن أبي برزة الأسلمي قال : أغلظ رجل لأبي بكر ، فقال أبو برزة : ألا أضرب عنقه ؟ فانتهره ـ أبو بكر ـ وقال : ما هي لأحد بعد رسول الله (ص) . احترام النبي (ص) لأصحابه وأما قول الحافظ : بأن النبي (ص) كان يحترم أصحابه ويكرمهم . فلا ننكر ذلك ... ولكن العلماء أجمعوا على أن احترام النبي للناس كان بسبب أعمالهم حتى أنه كان (ص) يقدر ويحترم عدل كسرى ، و جود حاتم وهما كافران ، فكان يحترمهما للعدل والجود . وربما غضب (ص) على أحد أصحابه لذنب ارتكبه وقبيح فعله . فاحترام النبي وتكريمه لأي شخص من الصحابة لا يدل على حسن عاقبة ذلك الشخص ولا يدل على أنه مورد احترام رسول الله (ص) إلى الأبد ، بل يكون احترامه وتكريمه للأشخاص مرهونا بأعمالهم ، فما داموا محسنين فهو يحترمهم ، وإذا عصوا الله سبحانه وخالفوه ترك احترامهم وغضب عليهم . فكان رسول الله (ص) يحترم أصحابه قبل أن يصدر منهم ذنبا أو خلافا لأن عقاب المجرم وإهانته قبل أن يرتكب جرما ، يكون قبيحا وخلافا للعقل والشرع . كما أن سيدنا الإمام علي (ع) كان يعلم بعلم من الله سبحانه وإخبار من رسول الله (ص) بأن ابن ملجم المرادي قاتله وكان (ع) يخبر أصحابه وشيعته بذلك ، ولكن تركه وشأنه ، فلم يسجنه ولم يحاصره ولم يضيق عليه ، ولما أشار عليه بعض الناس أن يقتل ابن ملجم ، قال (ع) : لا يجوز القصاص قبل الجناية . وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 80 في أواخر الفصل الخامس من الباب التاسع : أن عليا جاءه ابن ملجم يستحمله فحمله ، ثم قال رضي الله عنه : أريد حياته ويريد قتلي غديري من خليلي من مرادي ثم قال : هذا والله قاتلي ! رضا الله سبحانه عن الصحابة وأما قول الحافظ : إن الله سبحانه أعلن رضاه عن أصحاب نبيه ، فالطعن فيه إنكار لرضا الله عز وجل ، وهذا كفر ! أقول في جوابه : نحن لا ننكر بأن الله تعالى أعلن رضاه عن الصحابة في بيعة الرضوان بقوله سبحانه : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة )(28). ولكن نقول ما قاله العلماء المحققون : بأن الآية الكريمة لا تتضمن رضا الله سبحانه عن المؤمنين ـ الذين اجتمعوا تحت الشجرة ـ على جميع أعمالهم إلى آخر حياتهم . إنما عنت الآية الشريفة رضا الله عز وجل عن المؤمنين بمبايعتهم النبي الكريم (ص) تحت الشجرة ـ البيعة المعروفة ببيعة الرضوان ـ والتاريخ يشهد بأن كثيرا من أولئك المبايعون نزلت فيهم آيات النفاق بعد تلك البيعة وانضموا مع المنافقين وأصبحوا من الخاسرين . فرضا الله سبحانه ما تعلق بهم لأنهم أصحاب النبي (ص) ، بل تعلق رضاه بهم لأنهم كانوا مؤمنين بالله ورسوله ورضاهما بهم ما داموا مؤمنين ، فإذا خرجوا من الإيمان وارتدوا ، فرضا الله العزيز ينقلب إلى غضبه عليهم ـ نعوذ بالله من غضبه ـ والشيعة يحمدون كل عمل حسن صدر من إنسان وخاصة أصحاب رسول الله (ص) ، ويقدحون كل عمل قبيح صدر من أي شخص سواء أكان صحابيا أو غير صحابي ، فإن أصحاب رسول الله (ص) ما كانوا معصومين وقد صدر من بعضهم أعمال غير حميدة ومعاصي عديدة . الحافظ : إن هذا القول افتراء على الصحابة ! فنحن لا نعتقد بعصمتهم ، لكن النبي (ص) قال فيهم : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم . وقد أجمع المسلمون على صحة هذا الحديث الشريف إلا أنتم الشيعة . أصحابي كالنجوم! قلت : أترك النقاش حول سند الحديث و صحته أو سقمه ، وأبدأ معك في مدلوله حتى لا نبتعد عن صلب الموضوع والبحث الذي نحن فيه . فأقول : أولا : اتفق المسلمون وأجمعوا على أن كل من أدرك رسول الله (ص) وسمع حديثه فهو صحابي ، سواء أكان من المهاجرين أم الأنصار ، أم من الموالين وغيرهم . ومن الخطأ أن نحسب كل أولئك هادين مهديين ، لوجود المنافقين بينهم والفاسقين ، وذلك ثابت بالنص الصريح في القرآن الحكيم(29). حتى أن التاريخ يحدثنا بأن جماعة من أصحاب النبي (ص) الذين كانوا يتظاهرون بحبه وطاعته ، تآمروا عليه عند رجوعه من غزوة تبوك وأرادوا قتله في بطن عقبة في الطريق ، إلا أن الله تعالى عصم رسول الله (ص) من كيد أولئك الأشرار المنافقين . الحافظ : لقد روى قضية العقبة جماعة من علماء الشيعة وهي عند علمائنا غير ثابتة . قلت : انك قلت رهجا وذهبت عوجا ، فإن قضية العقبة اشتهرت بين المؤرخين والمحدثين حتى ذكرها كثير من أعلامكم : منهم الحافظ أبو بكر البيهقي الشافعي ، في كتابه دلائل النبوة ، ذكرها مسندا ، ومنهم احمد بن حنبل في آخر الجزء الخامس من مسنده عن أبى الطفيل ، ومنهم ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة ، حتى لعن رسول الله (ص) في تلك الليلة جماعة من أصحابه وهم المتآمرون عليه والقاصدون قتله . مؤامرة لقتل النبي (ص) النواب : أرجوك أن تبين لنا قضية العقبة وقصة المتآمرين على قتل النبي الكريم ولو باختصار . قلت : ذكر علماء الفريقين : أن جماعة من المنافقين الذين كانوا حول النبي (ص) تآمروا على قتله عند رجوعه من غزوة تبوك . فهبط جبرئيل على رسول الله (ص) وأخبره بتآمر القوم وأعلمه بمكان اجتماعهم وحذره من كيدهم ، فبعث النبي (ص) حذيفة بن اليمان على المكان ليعرفهم ، فرجع حذيفة وذكر للنبي (ص) أسماء المتآمرين فكانوا أربعة عشر نفرا ، سبعة من آل أمية . فأمر النبي (ص) حذيفة بكتمان الأمر وكتمان أسمائهم . وأما مكان المؤامرة المدبرة .. فقد كانت عقبة خطرة في الطريق ، وكانت رفيعة وضيقة بحيث لا يتسع إلا لعبور راكب واحد فحمل المنافقون دبابا كثيرة على الجبل الذي يعلو تلك العقبة وكمنوا هناك ليدحرجوها عند وصول ناقة رسول الله (ص) إلى تلك النقطة الخطرة ، حتى تنفر الناقة من أصوات الدباب المدحرجة فيسقط النبي (ص) عن ظهرها إلى عمق الوادي فيتقطع ويموت ويضيع دمه ، كل ذلك يتم في سواد الليل . أما النبي (ص) عند عبوره من تلك العقبة أمر بن ياسر أن يأخذ بخطام الناقة ويقودها ، وأمر أيضا حذيفة بن اليمان ليسوقها فلما دحرج القوم الدباب وأرادت الناقة أن تنفر صاح النبي (ص) عليها فسكنت وقرت ، وانهزم المنافقون وتواروا . وهكذا عصم الله سبحانه نبيه (ص) وفضح أعداءه ، نعم إنكم تعدون هؤلاء المنافقين من أصحاب النبي (ص) ، فكيف يمكن أن نقول بأن الاقتداء بهم جائز ، أو نعتقد بعدالتهم وأنهم هداة مهديون ؟! صحابة ولكن كاذبون ثانيا : هذا أبو هريرة الكذاب ـ وقد أشرنا في بعض المجالس السابقة إلى تاريخه الأسود من كتبكم ، وأثبتنا بأن عمر بن الخطاب ضربه بالسياط حتى أدماه ، لأنه كان يكذب كثيرا على رسول الله في نقله الأحاديث المجعولة عنه (ص) . أما كان أبو هريرة من أصحاب رسول الله (ص) ؟ وكذلك سمرة بن جندب الكذاب الفاسق وغيره من الذين كانوا يفترون على النبي (ص) وينقلون عنه أحاديث ما كان فاه بها أبدا !! وهم يعدون من أصحابه (ص) . فهل من المعقول أن يسمح النبي (ص) لأمته أن يتبعوا الكاذبين ويأخذوا دينهم عنهم ؟! ثم إذا كان هذا الحديث .. " أصحابي كالنجوم الخ "" ، صحيحا فما تقولون لو اختلف صحابيان في حكم وتنازعا في أمر ، أو قاتلت طائفتان من الصحابة ـ كما حدث بعد النبي (ص) ـ فالحق مع من ؟ وفي متابعة أي الفريقين تكون السعادة والنجاة ؟! الحافظ : نستمع قول كل واحد منهما فمن كانت دلائله أقوى وحجته أعلى فنتبعه . قلت : إذن صاحب الدلائل القوية والحجة العلية يكون صاحب الحق ومخالفه يكون على باطل ! فحينئذ لا اعتبار لحديث " أصحابي كالنجوم " وهو ساقط عقلا ، لأن الهداية لا تحصل في الاقتداء بالباطل . بمن نقتدي في خلافة السقيفة ؟ ثالثا : اذا كان هذا الحديث ـ أصحابي كالنجوم ـ صحيحا ، فلماذا تطعنون في الشيعة وتحكمون عليهم بالخروج عن الدين ورفض الحق عندما اقتدوا في عدم قبول خلافة أبي بكر وبطلان السقيفة بعدد من الصحابة المقربين للنبي (ص) كسلمان وأبي ذر وعمار والمقداد وأبي أيوب الأنصاري وحذيفة بن اليمان وخزيمة ذي الشهادتين وغيرهم ممن كان النبي (ص) يحترمهم ويكرمهم ويشاورهم في أمور العامة كالحرب والصلح وما شابه ذلك بل نجد في كتبكم ومسانيدكم المعتبرة أحادث كثيرة عن رسول الله (ص) في فضل كثير منهم وقد ذكرنا بعضها في المجالس السابقة وكما ذكرنا احتجاجهم ودلائل مخالفتهم لرأي السقيفة وخلافة أبي بكر . فإذا كان حديث أصحابي كالنجوم صحيحا ، فلماذا تسمون الشيعة بالرافضة ولماذا تحكمون على مذهبهم بالبطلان ؟! أما كان سعد بن عبادة من كبار الصحابة وسادات الأنصار ؟ وهو بإجماع المؤرخين والمحدثين ما بايع أبا بكر وخالف خلافته حتى قتل على عهد الخليفة الثاني عمر ، وسعد ما بايع عمر أيضا . فالحديث يصرح بأن الاقتداء به ـ وهو مخالفة أبي بكر وعمر ورفض خلافتهما ونسبتهما إلى الظلم والغصب والبطلان ـ صحيح وفيه الهداية والسعادة . انحراف بعض الصحابة رابعا : لا أظن أحد المؤمنين ينكر انحراف بعض الصحابة وخروجهم على الحق وميلهم عن الصراط المستقيم ، وذلك بقتالهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وهو إذ ذاك ـ حسب قولكم ـ كان الخليفة الرابع وآخر الخلفاء الراشدين الذين بايعه أهل الحل والعقد ، وأجمعوا على خلافته ، فنكث بعض الصحابة بيعته وخالفه آخرون ، حتى أعلنوا عليه الحرب وقادوا الجيوش لقتاله . فهذا طلحة والزبير وهما من أصحاب بيعة الرضوان ، قد أخرجوا معهما عائشة زوجة رسول الله (ص) إلى البصرة وكانت بسببهم وقعة الجمل التي قتل فيها ألوف المسلمين وسفكت دماء المؤمنين . وهذا معاوية وابن العاص ، سببا معركة صفين ، وكم زهقت فيها نفوس المؤمنين وأريقت دماء المسلمين . أفهل كانوا هؤلاء الذين نكثوا البيعة ونقضوا العهد وشقوا عصا المسلمين وأوقعوا فيهم الخلاف والشقاق وعملوا لصالح أهل الكفر والنفاق ، هل كانوا على الهداية والحق أم كانوا على الباطل والضلال ؟! وقد أجمع العلماء والمحققون وأئمة المسلمين على أن عليا (ع) مع الحق والحق مع علي وهو قول النبي (ص) فيه ، فكل من خالفه يكون على باطل ، ولو كان من الصحابة وحتى إذا كانت عائشة زوجة رسول الله (ص)(30). وأما معاوية وابن العاص والوليد بن عقبة ومروان وحزبهم الذين سنوا لعن الإمام علي (ع) وسبه على منابر الإسلام وفي خطب الجمعات وحتى في قنوت الصلوات ، مع علمهم بقول النبي (ص) : من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله تعالى(31). أ فهل مع كل هذا تقولون بأن الاقتداء بهؤلاء الفسقة المنافقين والفجرة المضلين هدى ونجاة ؟! ضعف سند حديث " أصحابي كالنجوم " خامسا : إضافة على إباء العقل السليم من قبول هذا الحديث وتصحيحه لما ارتكبه بعض الصحابة بعد رسول الله (ص) من الظلم الفاحش والجرم المبين ، ومخالفتهم لكتاب الله العزيز وسنة نبيه الكريم ، مضافا إلى ذلك فقد رد كثير من أعلامكم سنده وضعفوا رجاله . منهم القاضي عياض بعدما ذكر الحديث في كتابه شرح الشفاء ج2/91 ذكر بأن الدار قطني وابن عبدالبر قالا بعدم حجية سنده ، فالحديث مردود عندهما ، وذكر بأن عبد ابن حميد ذكر في مسنده عن عبدالله بن عمر ، وعن البزاز : بأنهما أنكرا هذا الحديث وأعلنا عدم صحته . ونقل ابن عدي في الكامل بإسناده عن نافع عن عبدالله بن عمر أنه ضعّف الحديث ولم يؤيده . ونقل عن البيهقي أنه قال : سند الحديث ضعيف ، وإن كان نصه مشتهرا بين الناس . انتهى كلام القاضي عياض . وحيث نجد في سند الحديث الحارث ابن غضين وهو مجهول ، وحمزة بن أبي حمزة النصيري وهو متهم عند المحققين بالكذب وجعل الحديث ، فالحديث مردود وملغي يجب تركه . وابن حزم أيضا رد الحديث وقال فيه : إنه موضوع وباطل . هل تلتزمون بعصمة الصحابة ؟ والجدير بالذكر ... إنكم لا تلتزمون بعصمة الأنبياء بل وكثير منكم يعتقد بإمكان صدور الخطأ من سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد (ص) ومع ذلك يتعصب لهذا الحديث الموضوع !! وينكر على الشيعة إذا انتقدوا الصحابة وناقشوا في أفعالهم ، وما صدر منهم بعد النبي (ص) من الحروب والفتن التي أشعلوا نيرانها وأحرقوا بها المؤمنين الأبرياء و المسلمين الأتقياء! الحافظ : نحن لا نعتقد بعصمة أصحاب رسول الله (ص) ولكن نلتزم بعدالتهم ولذلك نقول : كلما صدر منهم كان عن عدالة ونية صحيحة حقة ، فإنهم أرادوا إحقاق الحق ، فلذلك يؤجرون عليه ولا يؤاخذون عليهم . قلت : ولكن الأخبار التي نقلها كثير من أعلامكم تكشف أن كثيرا من الصحابة كانوا يعصون الله سبحانه وكانوا يتبعون الهوى ويميلون إلى الدنيا . الحافظ : لم نسمع بهذا القول قبل اليوم ، فالرجاء بين لنا تلك الأخبار . صحابي يشرب الخمر ! قلت : ذكر ابن حجر في كتابه فتح الباري ج10/30 قال : عقد أبو طلحة زيد بن سهل مجلس خمر في بيته ودعا عشرة أشخاص من المسلمين ، فشربوا وسكروا ، حتى أن أبا بكر أنشد أشعارا في رثاء قتلى المشركين في بدر !! النواب : وهل ذكر أسماء المدعوين الحاضرين في ذلك المجلس ؟ قلت : نعم يا حضرة النواب ذكرهم علماؤكم قالوا : إنهم كانوا : 1ـ أبا بكر بن أبي قحافة 2ـ عمر بن الخطاب 3ـ أبو عبيدة الجراح 4ـ أبي بن كعب 5ـ سهل بن بيضاء 6ـ أبو أيوب الأنصاري 7ـ أبا طلحة " صاحب البيت " 8ـ أبا دجانة سماك بن خرشة 9ـ أبا بكر بن شغوب 10 ـ أنس بن مالك ، وكان عمره يومذاك 18 سنة فكان يدور في المجلس بأواني الخمر يسقيهم . وروى البيهقي في سننه ج8/29 عن أنس أنه قال : وكنت أصغرهم سنا وكنت الساقي في ذلك المجلس ! فيقوم الشيخ عبدالسلام متعصبا ويقول : والله هذا الخبر من مفتريات أعدائنا ، وجعل مخالفينا ! قلت ـ وأنا أتبسم ـ : لا تتهم أحدا بالجعل والافتراء ولا تحلف بالله عز وجل فإن كبار علماؤكم كتبوا هذا الخبر في صحاحهم ومسانيدهم منهم ، البخاري في صحيحه ، في تفسير الآية الكريمة : ( وإنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) (32). ومسلم في صحيحه كتاب الأطعمة والأشربة / باب تحريم الخمر . والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج 3 / 181 و 227 . وابن كثير في تفسيره ج2 / 93 و 94 . وجلال الدين السيوطي في تفسيره الدر المنثور ج2/321 . والطبري في تفسيره ج7/24 ـ وابن حجر العسقلاني في الاصابة ج4/22 ـ وفي فتح الباري ج10/84 . والبيهقي في سننه 286 و 290 . وغير هؤلاء كثير من أعلامكم الذين ذكروا خبر اجتماع المذكورين في مجلس الخمر ! الشيخ عبد السلام : ربما كان ذلك قبل تحريم الخمر ! قلت : حسب نزول آيات القرآن في بيان مضار الخمر وإثمها وتحريمها ، وحسب بعض المفسرين ، نعرف أن بعض الصحابة وبعض المسلمين كانوا يشربون الخمر حتى بعدما حرمها الله! نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره الكبير ج2/203 روى مسندا عن أبي القموس زيد بن علي ، بأن الله سبحانه أنزل آيات عن الخمر ثلاث مرات ، المرة الأولى أنزل : ( يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما )(33). ولكن المسلمين ما تركوا الخمر ، حتى شربها إثنان من المسلمين فوقفا للصلاة وهما لا يشعران بما يقولان ، فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون )(34). ومع ذلك ما انتهى كثير من المسلمين وما امتنعوا من شرب الخمر ! إلى أن سكر أحد المسلمين يوما وأنشد أبياتا في رثاء قتلى المشركين يوم بدر [ حسب رواية البزار وابن حجر وابن مروديه كان ذاك السكران أبو بكر ](35). فلما أخبر النبي (ص) غضب وجاء إليه وأراد أن يضربه بشيء كان في يده . فقال الرجل : أعوذ بالله من غضب الله ورسوله ، فوالله لا أشرب الخمر بعد يومي هذا . فأنزل الله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون )(36). والحاصل : إن الصحابة كسائر الناس والأصناف ، فيهم الطيب المحسن والعاصي المسيء ، منهم من أدرك برسول الله (ص) أعظم الدرجات العالية وسعد في الدنيا والآخرة بالطاعة والامتثال لأوامر النبي (ص) ومنهم من تبع الهوى وأطاع الشيطان واغتر بالدنيا فضل و أضل . فنحن حينما نطعن في أحد الصحابة لابد وأن يكون لدينا دليل وبرهان نستند عليه ، حتى أن كثيرا من تلك المطاعن إضافة على أنها مذكورة في كتبكم المعتبرة فهي مصدقة بشواهد من القرآن الحكيم ، وإن كان عندكم رد معقول ومقبول على ما نطعن به على بعض الصحابة فأتوا به حتى نوافقكم ونترك الطعن ، وإذا لم يكن عنكم رد ، فأقبلوا قولنا واتركوا التهجم على الشيعة بأنهم يطعنون في الصحابة والخلفاء ، وإذا سمعتم منا بأنا نقول : إن بعض الصحابة أو بعض الخلفاء قاموا بأعمال قبيحة وأفعال غير حميدة ، فطالبونا بالشواهد والدليل حتى نوضح ونبين لكم . الحافظ : طيب ... بين لنا كيف صدرت أعمال قبيحة وأفعال غير حميدة من بعض الصحابة وبعض الخلفاء ، بين ذلك فان كان مستندا بدليل وبرهان فنحن أيضا نقبل منكم ، ولسنا أهل تعصب وعناد . قلت : أتعجب من جناب الحافظ محمد رشيد وسؤاله ، بعدما بينا نماذج من جرائم بعض الصحابة ومعاصيهم فيسأل عن القبائح التي ارتكبها بعض الأصحاب والخلفاء ! فأذكر نموذجا واضحا في هذا الباب تلبية لطلب الحافظ محمد رشيد ولكي يزداد علما فأقول: لقد اتفق أعلام الفريقين على أن أكثر الصحابة نقضوا العهد ونكثوا البيعة التي أمر الله تعالى بها في كتابه ونهى عن نقض العهد بقوله : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها )(37). ولقد لعن الناقضين في قوله تعالى : ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار )(38). وكما حكم علماء الفريقين وأثبتوا أن نقض العهد من أكبر الذنوب والمعاصي ، وخاصة إذا كان العهد والميثاق بأمر الله عز وجل وتبليغ حبيبه المصطفى محمد (ص) فنقض الصحابة لذلك العهد والميثاق من أقبح القبائح التي تؤخذ عليهم . الحافظ : أي عهد هذا ؟ وأي ميثاق أخذه الله على الصحابة ، وبلغه النبي (ص) ثم نقضه الأصحاب ؟ فالخبر في هذا الباب لا يكون إلا من مفتريات ومجعولات الشيعة ، ونحن على علم واعتقاد بأن أصحاب رسول الله (ص) هم أجل وأكرم من نقض العهد الإلهي . من هم الصادقون ؟ قلت : لقد أكدت وكررت عليكم بأن الشيعة حيث يتبعون الأئمة الصادقين من العترة الهادية الطاهرة ، فلا يكذبون ولا هم بحاجة في إثبات عقائدهم إلى جعل خبر ، أو وضع حديث . فعلماؤهم وعامتهم على حد سواء في هذا الأمر ، وكلهم يتبعون الصادقين الذين أمر الله عز وجل بمتابعتهم بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين )(39). وقد صرح كثير من أعلامكم أن المقصود من الصادقين في الآية الكريمة محمد المصطفى (ص) وعلي المرتضى (ع) ، وممن صرح بذلك : الثعلبي في تفسيره ، وجلال الدين السيوطي في الدر المنثور ، والحافظ أبو نعيم في " ما نزل من القرآن في علي " ، والخطيب الخوارزمي في " المناقب " ، والحافظ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودة / الباب 39 ، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين ، ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب 62 عن تاريخ ابن عساكر ... ، هؤلاء كلهم قد اتفقوا على المقصود من الصادقين : النبي الكريم (ص) والإمام علي (ع) . وقال بعض بأن المقصود من الصادقين في الآية الشريفة هم رسول الله (ص) والأئمة من أهل بيته وعترته(40). فالشيعة مع الصادقين ، يتبعونهم ويطيعونهم ويحذون حذوهم ، وما لم يكونا كذلك فليسوا بشيعة حقا . فكن على يقين ـ أيها الحافظ ـ بأننا لا نقول شيئا في حوارنا ونقاشنا إلا ويكون مصدره ومستنده كتب أعلامكم وأقوال علمائكم ، فإن يكن لكم اعتراض فاللازم أن تعترضوا على علمائكم الذين كتبوا تلك الروايات والأدلة ! الحافظ : لم أعهد أحدا من علمائنا الأعلام كتب : بأن الصحابة بعد رسول الله قد نقضوا عهدا أو نكثوا بيعة كانت عليهم في حضور النبي (ص) أو أخذها عليهم رسول الله (ص) فنكثوها . نقض بعض الصحابة للعهود قلت : لقد نقض بعض الصحابة عهودا أخذها منهم النبي (ص) ، ولكنهم نقضوها في حياته أو بعد وفاته ، وأهمها عهد الخلافة والولاية وبيعة يوم الغدير . حديث الولاية في غدير خم لقد اعترف جمهور علماء المسلمين من الفريقين : بأن النبي (ص) في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام في العام العاشر من الهجرة النبوية عند رجوعه من حجة الوداع إلى المدينة المنورة ، نزل عند غدير في أرض تسمى " خم " وأمر برجوع من تقدم عليه وانتظر وصول من تخلف عنه ، حتى اجتمع كل من كان معه (ص) وكان عددهم سبعين ألفا أو أكثر ، ففي تفسير الثعلبي وتذكرة سبط ابن الجوزي وغيرهما : كان عددهم يومئذ مائة وعشرين ألفا وكلهم حضروا عند غدير خم . فصعد رسول الله (ص) منبرا من أحداج الابل ، وخطب فيهم خطب عظيمة ، ذكرها أكثر علماء المسلمين والمحدثين من الفريقين في مسانيدهم وكتبهم الجامعة ، وذكر في شطر منها بعض الآيات القرآنية التي نزلت في شأن أخيه علي بن أبي طالب (ع) ، وبين فضله ومقامه على الأمة ، ثم قال : معاشر الناس ! ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى . قال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه . ثم رفع يده نحو السماء ودعا له ولمن ينصره ويتولاه فقال : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله . ثم أمر (ص) ، فنصبوا خيمة وأجلس عليا (ع) فيها وأمر جميع من كان معه أن يحضروا عنده جماعات وأفرادا ليسلموا عليه بإمرة المؤمنين ويبايعوه ، وقال (ص) : لقد أمرني ربي بذلك ، وأمركم بالبيعة لعلي (ع) . ولقد بايع في من بايع أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير ، فأقام ثلاثة أيام في ذلك المكان ، حتى أتمت البيعة لعلي (ع) ، حيث بايعه جميع من كان مع النبي (ص) في حجة الوداع ، ثم ارتحل من خم وتابع سفره إلى المدينة المنورة . الحافظ : كيف يمكن أن يقع هكذا أمر هام وعظيم ولكن العلماء الكبار لم يذكروه في كتبهم المعتبرة ؟! قلت : ما كنت أنتظر منك ـ وأنت من حفاظ الحديث عند أهل السنة والجماعة ـ أن تجهل أو تتجاهل حديث الولاية في الغدير وهو أشهر من الشمس في رائعة النهار ، ومن أوضح الواضحات عند ذوي الأبصار ، ولا ينكره إلا الجاهل أو العالم المعاند ! ولكي يثبت عندك وعند الحاضرين زيف مقالك وبطلان كلامك حيث قلت : ولكن العلماء الكبار لم يذكروا هذا الحديث ! لا بد لي أن أذكر قائمة بأسماء بعض من رواه من علمائكم الأعلام وأشهر محدثي الإسلام ، وإلا فذكر جميعهم أمر لا يرام فأقول منهم : الفخر الرازي في تفسيره الكبير مفاتيح الغيب . الثعلبي في تفسيره كشف البيان . جلال الدين السيوطي / في تفسيره الدر المنثور . الحافظ أبو نعيم في كتاب ما نزل من القرآن في علي (ع) ـ وحلية الأولياء ـ . أبو الحسن الواحدي النيسابوري في تفسير غرائب القرآن . الطبري في تفسيره الكبير . نظام الدين النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن . " كلهم ذكروا الحديث في تفسير الآية الكريمة : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته )(41). محمد بن اسماعيل البخاري في تاريخه ج1 / 375 . مسلم بن الحجاج في صحيحه ج2 / 325 . أبو داود السجستاني في سننه . محمد بن عيسى الترمذي في سننه . ابن كثير الدمشقي في تاريخه . الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج4/281 و 371 . أبو حامد الغزالي في كتابه سر العالمين . ابن عبد البر في الاستيعاب . محمد بن طلحة في مطالب السؤل . ابن المغازلي في " المناقب " . ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة : ص 24 . البغوي في مصابيح السنة . الخطيب الخوارزمي في المناقب . ابن الأثير الشيباني في جامع الأصول . الحافظ النسائي في الخصائص وفي سنته . الحافظ الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودة . ابن حجر في الصواعق المحرقة ، بعدما ذكر الحديث في الباب الأول ص25 ط الميمنية بمصر ، قال ـ على تعصبه الشديد الذي اشتهر به ـ : إنه حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد ، وطرقه كثيرة جدا . الحافظ محمد بن يزيد المشهور بابن ماجة القزويني في سننه . الحاكم النيسابوري في مستدركه . الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني في الأوسط . ابن الأثير الجزري في كتابه أسد الغابة . سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة خواص الأمة : 17 . ابن عبد ربه في العقد الفريد . العلامة السمهودي في جواهر العقدين . ابن تيمية في كتابه منهاج السنة . ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب وفي فتح الباري . جار الله الزمخشري في ربيع الأبرار . أبو سعيد السجستاني في كتاب الدراية في حديث الولاية . عبيد الله الحسكاني في كتاب دعاة الهدى إلى أداء حق المولى . العلامة العبدري في كتاب الجمع بين الصحاح الستة . الفخر الرازي في كتاب الأربعين ، قال : أجمعت الأمة على هذا الحديث الشريف. العلامة المقبلي في كتاب الأحاديث المتواترة . السيوطي في تاريخ الخلفاء . المير علي الهمداني في كتاب مودة القربى . أبو الفتح النطنزي في كتابه الخصائص العلوية . خواجة بارسا البخاري في كتابه فصل الخطاب . جمال الدين الشيرازي في كتابه الأربعين . المناوي في فيض الغدير في شرح الجامع الصغير . العلامة الكنجي في كتابه كفاية الطالب / الباب الأول . العلامة النووي في كتابه تهذيب الأسماء واللغات . شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين . القاضي ابن روزبهان في كتاب إبطال الباطل . شمس الدين الشربيني في السراج المنير . أبو الفتح الشهرستاني الشافعي في الملل والنحل . الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد . ابن عساكر في تاريخه الكبير . ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة . علاء الدين السمناني في العروة لأهل الخلوة . ابن خلدون في مقدمته . المتقي الهندي في كنز العمال . شمس الدين الدمشقي في كتاب أسنى المطالب . الشريف الجرجاني الحنفي في شرح المواقف . الحافظ ابن عقدة في كتاب الولاية . ذكرت لكم المدارك والمصادر التي جاءت في خاطري وحضرت في ذهني ولو راجعنا كل مصادر هذا الحديث لوصلت إلى ثلاثمائة مصدر من كبار أعلامكم ومحدثيكم ، رووه بطرق شتى عن أكثر من مائة صحابي من أصحاب النبي (ص). ولو جمعناها لاحتاجت إلى مجلدات عديدة ، كما أن بعض علمائكم قام بهذا الأمر الهام وألف كتابا مستقلا في حديث الولاية ، منهم ابن جرير الطبري ، المفسر والمؤرخ المشهور من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري ، روى حديث الولاية عن خمس وسبعين طريقا في كتاب أسماه : " الولاية " . والحافظ ابن عقدة أيضا من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري ألف كتابا في الموضوع ، أسماه " الولاية " جمع فيه مائة وخمس وعشرين طريقا نقلا عن مائة وخمسة وعشرين صحابيا من أصحاب رسول الله (ص) مع تحقيقات وتعليقات قيمة . والحافظ بن حداد الحسكاني من أعلام القرن الخامس الهجري ألف كتابا أسماه : "الولاية " تطرق فيه إلى الحديث وإلى واقعة الغدير بالتفصيل . وذكر كثير من محدثيكم الأعلام : أن عمر بن الخطاب كان يظهر أو يتظاهر بالفرح ذلك اليوم فصافح عليا عليه السلام وقال : بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . تأكيد جبرئيل (ع) بالبيعة لعلي عليه السلام ذكر المير علي الهمداني ( وهو فقيه شافعي من أعلام القرن الثامن الهجري ) في كتابه مودة القربى / المودة الخامسة / روى عن عمر بن الخطاب أنه قال : نصب رسول الله (ص) عليا فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه واخذل من خذله وانصر من نصره ، اللهم أنت شهيدي عليهم . قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ! وكان في جنبي شاب حسن الوجه طيب الريح ، قال لي : يا عمر لقد عقد رسول الله عقدا لا يحله إلا منافق . فأخذ رسول الله (ص) بيدي فقال : يا عمر ! إنه ليس من ولد آدم ، لكنه جبرئيل أراد أن يؤكد عليكم ما قلته في علي عليه السلام !! فأسألكم أيها الحاضرون .. هل كان يحق للصحابة أن ينقضوا ذلك العهد والميثاق الذي عهده الله تعالى لهم ؟ وهل من الإنصاف أن ينكثوا بيعتهم لعلي عليه السلام التي عقدها خاتم النبيين (ص) لأمير المؤمنين وسيد الوصيين ؟! هل كان صحيحا أن يهجموا على بيت علي وفاطمة عليهما السلام ويشعلوا النار عند بابه ويهتكوا حرمة فاطمة سيد النساء ؟ هل كان يحق لهم أن يسحبوا عليا إلى المسجد ويهددوه بالقتل إن لم يبايع أبي بكر ويجردوا عليه سيوفهم ؟! وقد صدر كل ذلك منهم طلبا للدنيا ومتابعة للهوى ... ليس إلا !! الحافظ : نحن ما كنا نتوقع من حضرتكم أن تنسبوا لصحابة النبي (ص) المقربين ، متابعة الهوى وطلب الدنيا ، علما بأن رسول اله أمر أمته بمتابعتهم والاقتداء بهم . قلت : رجاء .. لا تكرروا الكلام ، لقد أثبتنا لكم أن الصحابة كغيرهم من أفراد البشر يجوز عليهم الخطأ والعصيان والطغيان ، ولم يأمر النبي الأكرم (ص) أمته بالاقتداء بمطلق الصحابة ، لأنه مناف للعقل السليم ، وإنما أمر أمته بالاقتداء بالصالحين من الصحابة ، فقد أثبتنا ضعف سند حديث " أصحابي كالنجوم" ونقلنا لكم كلام القاضي عياض المالكي وهو من أعلامكم حيث قال : حديث أصحابي كالنجوم ضعيف ولا نلتزم به لأن من رواته حارث بن قضين وهو مجهول الحال ، وحمزة بن أبي حمزة النصيبي وهو متهم بالكذب . وكذلك البيهقي وهو من كبار علمائكم ومن أشهر أعلامكم ، رد الحديث ورفضه لضعف إسناده . بعض الصحابة اتبعوا الهوى وأما قول الحافظ : بأني نسبت صحابة النبي (ص) المقربين إلى طلب الدنيا ومتابعة الهوى ، ولم يكن يتوقع مني هذا الأمر . فأقول له : أنا لم أنسب ذلك إليهم ، وإنما هو قول بعض أعلامكم ، منهم : العلامة سعد الدين التفتازاني حيث قال في كتابه شرح المقاصد : إن ما وقع بين أصحابه من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن الطريق الحق وبلغ حد الظلم والفسق ، وكان الباعث عليه الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب الملك والرياسات والميل إلى اللذات والشهوات ، إذ ليس كل صحابي معصوما ولا كل من لقي النبي (ص) بالخير مرسوما(42). هذا كلام أحد أعلامكم ، فإما أن تخضعوا لكلامه ، فتكونوا معنا في هذا الاعتقاد بأن كثيرا من الصحابة الذين حاربوا عليا عليه السلام وخالفوه وآذوه ، إنما آذوا رسول الله (ص) :" من سبك فقد سبني ومن آذاك فقد آذاني ومن حاربك فقد حاربني " وغير هذه الأحاديث التي تدل على أن عليا عليه السلام يمثل رسول الله (ص) في أمته ، وهذا لا ينكره أي فرد من علماء المسلمين ، وكتبكم ومسانيدكم مشحونة بهكذا أحاديث وأخبار وقد صححها علماؤكم ومحدثوكم ، فإما أن تقبلوها ، أو تطرحوها وتلغوها ، وهذا غير ممكن ، لأن ذلك ينتهي إلى إلغاء علمائكم وإبطال أقوال محدثيكم وأعلامكم ، فلا يبقى في مذهبكم حجر على حجر . فعندما نقول بأن بعض الصحابة فسقوا بعد رسول الله (ص) واتبعوا الباطل ، ما قلنا شططا ، ولم نكن منفردين في قولنا بل يوافقونا بعض أعلامكم أيضا كما نقلنا قول العلامة سعد الدين التفتازاني . وأنقل لكم أيضا قول الغزالي ، وهو أيضا من أشهر أعلامكم وأكبر علماؤكم . كلام الغزالي في نقض الصحابة عهد الولاية لقد تطرق الإمام الغزالي في كتابه " سر العالمين " إلى قضايا الإسلام وما حدث بعد رسول الله (ص) فقال في المقالة الرابعة : أسفرت الحجة وجهها ، و أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته ص في يوم غدير خم باتفاق الجميع و هو يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقال عمر : بخ بخ لك يا أبا الحسن ! لقد أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة !! هذا تسليم و رضى و تحكيم ، ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرئاسة ، و حمل عمود الخلافة و عقود البنود و خفقان الهواء في قعقعة الرايات و اشتباك ازدحام الخيول و فتح الأمصار ، سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول ( فنبذوه وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ)(43) !! ولما مات رسول الله (ص) قال قبل وفاته : إيتوني بدواة وبياض لأزيل عنكم إشكال الأمر وأذكر لكم من المستحق لها بعدي ! قال عمر : دعوا الرجل فإنه ليهجر !! وقيل يهذو !! فإذا بطل تعلقكم بتأويل النصوص أيضا ، فإن العباس وأولاده وعليا وزوجته وأولاده لم يحضروا حلقة البيعة وخالفكم أصحاب السقيفة في مبايعة الخزرجي ثم خالفهم الأنصار .انتهى . فانتبهوا أيها الحاضرون ! واعلموا بأن الشيعة لا يقولون إلا ما قاله بعض أعلامكم المشتهرين وعلماؤكم المعتبرين . ولكن لسوء ظنكم بل سوء نظركم بالنسبة إلى الشيعة .. لا تقبلون منهم حتى إذا كان مصدر كلامهم مسانيدكم وكتب علمائكم ! الشيخ عبد السلام : كتاب سر العالمين لم يكن من تأليف الإمام الغزالي وإنما أنتم تنسبونه إليه لتحتجوا به علينا . والإمام الغزالي هو أجل شأنا وأعظم قدرا ، من أن يتكلم بهذا الكلام على الصحابة . كتاب سر العالمين تأليف الغزالي قلت : لقد أيد بعض أعلامكم أن كتاب سر العالمين من مصنفات الإمام محمد بن محمد الغزالي ، منهم ـ كما يخطر ببالي ـ : سبط ابن الجوزي وهو من أعلامكم ، ولا يشك أحد في التزامه بمذهب السنة والجماعة ، بل تعصبه في ذلك ، وقد اشتهر بدقة النظر والاحتياط في صدور الحكم في مثل ما نحن فيه ، قد ذكر في كتابه تذكرة خواص الأمة في ص36 فنقل قول الغزالي في الموضوع من كتاب سر العالمين ونسبه إليه من غير تعليق أو تشكيك ونقل عنه العبارات التي نقلتها لكم حول الصحابة والخلافة . وحيث أن سبط ابن الجوزي لم يعلق على عبارات الغزالي بل استشهد بها فيعلم أنه أيضا موافق لذلك الكلام ومؤيد له . ولكن جناب الحافظ وأمثاله حينما يواجهون بالحقائق الناصعة والبراهين الساطعة ، لا يجدون مفرا إلا الإنكار ، فأما أن ينفي تأليف المؤلف ويقال بأن هذا الكتاب منسوب إليه ، وأما أن ينفي المؤلف نفسه من مذهبه ويقال أنه ليس منا بل هو شيعي منكم !! وفي بعض الأحيان يفسقون ويكفرون المؤلف وينسبونه إلى الإلحاد . ضريبة تجاهر السنة بالحق أ ـ اتهام ابن عقدة بالرفض ولقد يحدثنا التاريخ عن رجال من أعلامكم ، حاربهم أهل الزمان وهجرهم الإخوان وكتب ضدهم الخلان ، لأنهم كانوا ينطقون بالحق ويبينون الحقائق باللسان والبنان ، فحرم العلماء المتعصبون من أهل مذهبهم ، كتبهم ونسبوها إلى الضلال عن بغض وشنآن وحركوا ضدهم الجهلة والعوام وأبناء الوقت والزمان . الشيخ عبد السلام : هذه مفتريات الشيعة علينا وإلا فعلماؤنا الأعلام يحترمون كل عالم سواء من مذهبهم أو غير مذهبهم ويأمرون العوام باحترام العلماء لعلمهم ولا يسمحون لأحد من الجهلة أن يهتك عالما سواء أكان من أهل السنة والجماعة أم من غيرهم . قلت : لا داعي للشيعة أن يفتروا عليكم هذا الكلام ، ولو كنت تطلب مني شاهدا للكلام لأجبتك بأن أحد الرجال الأعلام الذي أشرنا إليهم ، هو الحافظ ابن عقدة ، أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني المتوفى عام 333 هجري ، وهو من كبار علمائكم ومن مشاهير أعلامكم وقد وثقه الرجاليون من علمائكم كالذهبي واليافعي وقالوا في ترجمته : إنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث مع إسنادها وكان ثقة وصادقا ، ولكن حيث كان في المجالس والمجتمعات في الكوفة وبغداد ، كان ينتقد الشيخين ويذكر معائبهم ومثالبهم ، اتهمه العلماء بالرفض وتركوا رواياته وطرحوا مروياته . قال ابن كثير والذهبي واليافعي في ترجمته : إن هذا الشيخ كان يجلس في جامع براثا ويحدث الناس بمثالب الشيخين ـ أبي بكر وعمر ـ ولذا تركت رواياته وإلا فلا كلام لأحد في صدقه وثقته !! والخطيب البغدادي في تاريخه ، يذكره بالخير والمدح وبعد ذلك يقول : إلا أنه خرج مثالب الشيخين وكان رافضيا ! ب ـ دفن الطبري في بيته ومقاطعة تشييعه !! محمد بن جرير الطبري وهو المفسر الشهير والمؤرخ الكبير ويعد من أشهر أعلام القرن الثالث الهجري بلغ من العمر ستا وثمانين عاما ومات سنة ثلاثمائة وعشر من الهجرة في مدينة بغداد فمنعوا تشييع جثمانه فدفن ليلا في داره !! كل ذلك لأنه كتب بعض الحقائق في تاريخه وتفسيره ونشر بعض الأخبار والوقائع التي أغاظت المتعصبين والمعاندين من أهل نحلته ، وإن أخفى كثيرا من الحقائق إلا أنهم لم يرضوا عليه وقاطعوه حيا وميتا !! ج ـ قتل النسائي ومن أعجب هذه الوقائع قتل الحافظ أحمد بن شعيب بن سنان النسائي وهو أحد الأعلام وأئمة الحديث وجامع أحد الصحاح الستة عندكم ، ورد مدينة دمشق سنة ثلاثمائة وثلاث من الهجرة النبوية فوجد أهلها سائرين على البدعة السيئة التي سنها معاوية وحزبه في البلاد ، ألا وهي لعن وسب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بعد كل صلاة وفي خطب الجمعة ! فتأسف لذلك الوضع الفجيع المزري وألزم نفسه أن ينشر ما وصله مسندا عن النبي (ص) في فضائل ومناقب الإمام علي عليه السلام فكتب كتابه المسمى بخصائص مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وكان يقرأه على المنبر في الملأ العام ، فهجم عليه في يوم من الأيام جماعة من الطغاة والجهلة اللئام فضربوه ضربا مبرحا وأنزلوه من على المنبر وسحقوه بأقدامهم حتى أغمي عليه وبعد قليل مات على أثر تلك الضربات واللكمات . فحملوا جثمانه إلى حرم الله سبحانه ودفن في مكة المكرمة حسب وصيته !! فهذه الوقائع بعض جرائم المتعصبين أهل العناد واللجاج والجهل الذين يقتلون علماءهم ويسحقون مفاخرهم بأقدامهم ، ليس لهم ذنب سوى أنهم نطقوا بالحق وكشفوا عن الواقع ومدحوا من مدحه الله تبارك وتعالى في كتابه . وقد غفل الجاهلون وما دروا بأنهم لم يتمكنوا من إخفاء الحق بهذه الأعمال الوحشية ولا يمكن حجب الشمس في الضحى بالحركات الهمجية . أعتذر إليكم لابتعادي عن موضوع البحث . والحاصل : إن حديث : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " مقبول لدى أعلامكم كما هو مقبول عند علمائنا ، واتفق محدثو الفريقين بأن النبي (ص) بأمر من الله تعالى أعلن يوم الغدير هذا الحديث الشريف في حضور ما لا يقل عن سبعين ألف . صعد النبي (ص) على منبر صنعوه له من أحداج الإبل ، وأصعد علي بن أبي طالب وأخذ بكفه والملأ ينظرون إليهما ، فنادى فيهم : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ... إلخ . ما معنى كلمة مولى ؟ الحافظ : نحن لا ننكر واقعة الغدير وحديث الولاية ، ولكن قضية الغدير ما كانت على النحو الذي تقولون به أنتم الشيعة ، وليس معنى المولى ما تقولون به أنتم بمعنى الأولى بالتصرف ، وإنما المولى كما ثبت في اللغة بمعنى المحب والناصر والصديق الحميم ، وحيث كان النبي (ص) يعلم بأن ابن عمه عليا له أعداء كثيرون فأراد أن يوصي به الأمة فقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، أي من كان يحبني فليحبب عليا ، ومن كان ينصرني فلينصر عليا " كرم الله وجهه " وقد قام النبي (ص) بهذا العمل حتى لا يتأذى علي من بعده من الأعداء . قلت : لو تنصفنا أيها الحافظ ، وتترك التعصب لمذهب الأسلاف ودين الآباء ، وتنظر إلى القرائن الموجودة في القضية والواقعة بدقة وإمعان لعرفت الحقيقة واعترفت بما نقول !! الحافظ : ما هذه القرائن التي تثبت قولكم في المقام ، بأن معنى المولى هو الأولى بالتصرف في الأمر العام وفي شؤون الإسلام ؟ قلت : القرينة الأولى : نزول الآية الكريمة : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس )(44). الحافظ : من أين تقولون بأن هذه الآية نزلت في يوم الغدير وبشأن تبليغ الولاية ؟ ما هو دليلكم على هذا القول ؟ قلت : دليلنا وحجتنا قول كبار علمائكم وأعلامكم ، منهم : 1ـ جلال الدين السيوطي في تفسير الدر المنثور : ج2 ص298 . 2ـ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه الولاية . 3ـ الحافظ أبو عبد الله المحاملي في أماليه . 4ـ الحافظ أبو بكر الشيرازي في " ما أنزل من القرآن في علي عليه السلام " . 5ـ الحافظ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية . 6ـ الحافظ ابن مردويه في تفسيره الآية الكريمة . 7ـ الحافظ ابن أبي حاتم في تفسير الغدير . 8ـ الحافظ أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل . 9ـ أبو الفتح التطنزي في الخصائص العلوية . 10ـ معين الدين المبيدي في شرح الديوان . 11ـ القاضي الشوكاني في فتح القدير :ج3 ص75 . 12ـ جمال الدين الشيرازي في الأربعين . 13ـ بدر الدين الحنفي في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ج8 ص584 . 14ـ الإمام الثعلبي في تفسير كشف البيان . 15ـ الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير : ج3 ص636 . 16ـ الحافظ أبو نعيم في " ما نزل من القرآن في علي (ع) " . 17 ـ شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين . 18ـ نظام الدين النيسابوري في تفسيره : ج6 ص170 . 19ـ شهاب الدين الآلوسي البغدادي في روح المعاني : ج2 ص348 . 20 ـ نور الدين المالكي في الفصول المهمة : ص 27 . 21ـ الواحدي في أسباب النزول : ص 150 . 22ـ محمد بن طلحة في مطالب السؤل . 23ـ المير سيد علي الهمداني في مودة القربى / المودة الخامسة . 24ـ القندوزي في ينابيع المودة / الباب 39 . وغير هؤلاء المذكورين في كثير من أشهر أعلامكم قد كتبوا ونشروا بأن هذه الآية نزلت يوم الغدير ، حتى أن القاضي فضل بن روزبهان المشهور بالتعصب والعناد ، كتب عن الآية : فقد ثبت هذا في الصحاح أن هذه الآية لما نزلت أخذ رسول الله (ص) بكف علي بن أبي طالب وقال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه . وأعجب من هذا الكلام أنه قال وروى ـ كما في كشف الغمة ـ عن رزين بن عبد الله أنه قال : كنا نقرأ هذه الآية على عهد رسول الله (ص) هكذا : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) أن عليا مولى المؤمنين ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) ! ورواه السيوطي في الدر المنثور عن ابن مردويه . وابن عساكر وابن ابي حاتم عن أبي سعيد الخدري وعن عبد الله ابن مسعود وهو أحد كتاب الوحي . ورواه القاضي الشوكاني في تفسير فتح القدير كذلك . والحاصل : إن تأكيد الله سبحانه لنبيه بالتبليغ وتهديده على أنه إن لم يفعل ما أمره تلك الساعة ، فكأنه لم يبلغ شيئا من الرسالة ، هذه قرينة واضحة على أن ذلك الأمر كان على أهمية كالرسالة فمقام الخلافة والولاية تالية لمقام النبوة والرسالة . القرينة الثانية وأما القرينة الثانية : الذي يؤيد ويوضح قولنا … أن نزول آية إكمال الدين كانت بعد ما بلغ رسول الله (ص) رسالته وأمر ربه في ولاية الإمام علي عليه السلام . الحافظ : اتفق علماؤنا أن آية إكمال الدين نزلت يوم عرفة . وبعض العلماء جمعوا بين القولين وقالوا بأن الآية نزلت مرتين منهم سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة / آخر الصفحة 18 حيث قال : احتمل أن الآية نزلت مرتين مرة بعرفة ومرة يوم الغدير كما نزلت ( بسم الله الرحمن الرحيم ) مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة . وأما الذين وافقونا من أعلامكم وقالوا بأن آية إكمال الدين نزلت في الغدير بعد نصب رسول الله (ص) عليا وليا من بعده . كثيرون منهم : 1ـ جلال الدين السيوطي في الدر المنثور : ج2 ص256 ، وفي الإتقان: ج1 ص31. 2ـ الإمام الثعلبي في كشف البيان . 3ـ الحافظ أبو نعيم في ما نزل من القرآن في علي عليه السلام . 4ـ أبو الفتح النطنزي في الخصائص العلوية . 5ـ ابن كثير في تفسيره : ج2 ص14 . 6ـ المؤرخ والمفسر الشهير محمد بن جرير الطبري في كتابه الولاية . 7ـ الحافظ أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل . 8ـ سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة : ص18 . 9ـ أبو اسحاق الحمويني في فرائد السمطين / الباب الثاني عشر . 10ـ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية . 11ـ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : ج8 ص290 . 12ـ ابن المغازلي في المناقب . 13ـ الخطيب أبو مؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب / فصل 14 ، وفي مقتل الحسين / الفصل الرابع . وكثير من أعلامكم غير من ذكرنا أيضا قالوا : بأن رسول الله (ص) بعدما نصب عليا وليا من بعده وعرفه للمسلمين فأمرهم وقال : سلموا على علي بإمرة المؤمنين ، فأطاعوا وسلموا على علي بن أبي طالب بإمرة المؤمنين وقبل أن يتفرقوا من المكان نزل جبريل على رسول الله (ص) بقوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (45). فصاح النبي (ص) : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي بن أبي طالب بعدي . ولو أحببتم توضيح القضية وكشف الحقيقة فراجعوا مسند أحمد بن حنبل وشواهد التنزيل للحافظ الحسكاني فإنهما شرحا الموضوع أبسط من غيرهما . فلو أمعنتم النظر ودققتم الفكر في الخبر لعلمتم و لأيقنتم أن النبي (ص) ما قصد من كلمة المولى إلا الإمامة والخلافة والأولوية وذلك بالقرائن التي ذكرتها وبقرينة كلمة " بعدي " في الجملة . ثم فكروا وأنصفوا ... هل الأمر بالمحبة والنصرة كان هاما إلى ذلك الحد بأن يأمر النبي (ص) الركب والقافلة وهم مائة ألف أو أقل أو أزيد ، فينزلوا في ذلك المكان القاحل وفي ذلك الحر الشديد ، ثم يأمر برجوع من سبق ولحوق من تأخر وينتظر حتى يجتمع كل من كان معه وتحت حرارة الشمس حتى أن كثيرا من الناس مد رداءه على الأرض تحت قدميه ليتقي حر الرمضاء وجلس في ناقته ليتقي أشعة الشمس ، ثم يصعد النبي (ص) المنبر الذي صنعوه له من أحداج الإبل ويخطب فيهم ويبين فضائل ومناقب ابن عمه علي بن أبي طالب كما ذكرها الخوارزمي وابن مردويه في المناقب والطبري في كتاب الولاية وغيرهم ، ثم يبقى (ص) ثلاثة أيام في المكان الذي كان معهودا بنزول القوافل وما كان قبل ذلك اليوم منزلا للمسافر ، ويتحمل هو والمسلمون الذين معه مشاقا كثيرة ، حتى بايع كلهم عليا (ع) بأمر رسول الله .. فهل كان من المعقول أنه (ص) كان يريد من كل ذلك ليبين للناس أن يحبوا عليا ويكونوا ناصريه !! مع العلم أنه (ص) قبل ذلك كان يبين للمسلمين كرارا ومرارا أن حب علي من الإيمان وبغضه نفاق ، وكان يأمرهم بنصرته وملازمته ، فأي حاجة إلى تحمل تلك المشاق ليبين ما كان مبينا ويوضح ما كان واضحا للمسلمين !! فإذا في تلك الظروف الصعبة التي كانت في قضية الغدير لم نقل بتبليغ الولاية والخلافة من بعده ونقول بما يقوله الحافظ وبعض العلماء من أهل السنة والجماعة ، لكان عمل النبي (ص) مع تلك الظروف سفها ولغوا ـ والعياذ بالله من هذا القول ـ بل النبي منزه من اللغو والسفاهة وأعماله كلها تكون على أساس العقل والحكمة . فنزول هذه الآيات التي ذكرناها في الغدير وتلك التشريفات الأرضية والسماوية ، كلها قرائن دالة عند العقلاء والعلماء بأن الأمر الذي بلغه خاتم الأنبياء هو أهم من أمر النصرة والمحبة ، بل هو أمر يساوي في الأهمية أمر الرسالة بحيث إذا لم يبلغه رسول الله (ص) لأمته في تلك الساعة فكأنه لم يبلغ شيئا من رسالة الله عز وجل . فهذا الأمر ليس إلا الإمامة على الأمة بعد النبي (ص) وتعيين رسول الله خليفته المؤيد من عند الله والمنصوب بأمر من السماء ، وتعريفه للناس ، لكي لا تبقى الأمة بلا راعي بعده ولا تذهب أتعابه أدراج الرياح . ولقد وافقنا بعض أعلام أهل السنة والجماعة في معنى كلمة المولى وأن المقصود منها ـ يوم الغدير ـ الأوْلى . منهم سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة خواص الأمة / الباب الثاني / ص20 فذكر لكلمة المولى عشر معاني وبعدها قال : لا يطابق أي واحد من هذه المعاني كلام رسول الله (ص) والمراد من الحديث الطاعة المحضة المخصوصة فتعين الوجه العاشر وهو الأوْلى ومعناه : من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به ... ودل عليه أيضا قوله (ص) : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ وهذا نص صريح في إثبات إمامته وقبول طاعته انتهى كلامه ويوافقنا في هذا المعنى أيضا ... الحافظ أبو الفرج الإصفهاني يحيى بن سعيد الثقفي في كتابه مرج البحرين ، حيث يروي باسناده عن مشايخه : أن النبي (ص) أخذ بكف علي (ع) وقال : من كنت وليه وأولى به من نفسه فعلي وليه . ويوافقنا في أن المولى بمعنى الأولى ... العلامة أبو سالم كمال الدين محمد بن طلحة القرشي العدوي ، إذ قال في كتابه مطالب السؤول / في أواسط الفصل الخامس من الباب الأول / قال بعد ذكره حديث " من كنت مولاه فهذا علي مولاه " : أثبت رسول الله (ص) لنفس علي (ع) بهذا الحديث ما هو ثابت لنفسه (ص) على المؤمنين عموما فإنه (ص) أولى بالمؤمنين وناصر المؤمنين وسيد المؤمنين وكل معنى أمكن إثباته مما دل عليه لفظ المولى لرسول الله (ص) فقد جعله لعلي (ع) وهي مرتبة سامية ومنزلة سامقة ودرجة علّية ومكانة رفيعة خصصه بها دون غيره ، فلهذا صار ذلك اليوم عيدا وموسم سرور لأوليائه ... إلخ . الحافظ : لاشك أن لكلمة المولى معاني متعددة وأنتم تعترفون بهذه الحقيقة ، فلماذا تخصصون معنى الأولوية للمولى ؟ وهذا تخصيص من غير مخصص . قلت : لقد اتفق العلماء في علم الأصول بأن الكلمة التي يفهم منها أكثر من معنى ، وكان أحد المعاني حقيقيا فالمعاني الأخر تكون مجازية . والمعنى الحقيقي مقدم على المجاز إلا أن يتضح بالقرائن أن المراد من الكلمة معناها المجازي . أو كان للكلمة معاني مجازية متعددة ، فنعين المراد منها بالقرينة . ونحن نعلم أن المعنى الحقيقي لكلمة المولى إنما هو الأولى في التصرف ، والمعاني الأخرى تكون مجازية . فمعنى ولــي النكـاح = الأولى في أمر النكاح . وولي المرأة زوجها = أي الأولى بها . وولي الطـفـل أبــوه = أي هو الأولى بالتصرف في شأن الطفل . وولــــي العــــهــــد = هو المتصرف في شؤون الدولة بعد الملك ، أي في غيابه ، وأكثر استعمال كلمة الولي جاء في هذا المعنى في اللغة العربية في الكتابات والخطابات . ثم هذا الاشكال يرد عليكم حيث إن لكلمة المولى معان متعددة ، فلماذا تخصصونها في معنى المحب والناصر وهذا تخصيص بلا مخصص على حد زعمكم ، فالتزامكم بهذا المعنى يكون باطلا من غير دليل . وأما نحن إذا خصصنا كلمة المولى بالمتصرف والأولى بالتصرف ، فإنما خصصناها للقرائن الدالة على ذلك من الآيات والروايات وأقوال كبار علمائكم مثل سبط ابن الجوزي ومحمد بن طلحة الشافعي ، كما مر . وقد ذكروا في تفسير الآية الكريمة : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) أي في ولاية علي وإمامة أمير المؤمنين ، وقد ذكر أحاديث كثيرة بهذا المعنى والتفسير ، العلامة جلال الدين السيوطي في ذيل الآية الشريفة في تفسيره المشهور ، الدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور . احتجاج علي (ع) بحديث الغدير لقد ذكر المؤرخون والمحدثون بأن الإمام علي (ع) احتج على خصمائه بحديث الغدير في مواطن متعددة ، يريد بذلك إثبات خلافته للنبي (ص) مباشرة ، ويستدل على إمامته على الأمة بعد رسول الله . فنفهم من احتجاجه (ع) بجملة " من كنت مولاه فعلي مولاه " أن المستفاد والمفهوم من المولى ، الإمامة والخلافة وهي التصرف في شئون الأمة والدولة الإسلامية . ذكر كثير من أعلامكم احتجاجه (ع) بحديث الغدير في مجلس الشورى السداسي الذي شكّله عمر بن الخطاب لتعيين خليفته وكان يريد باحتجاجه على القوم إثبات أولويته بمقام الخلافة والإمامة ، وأنه أولى من غيره بإمرة المؤمنين وإمامة المسلمين . منهم : الخطيب الخوارزمي في كتابه المناقب : ص 217 . وشيخ الإسلام الحمويني في كتابه فرائد السمطين / باب 58 . والحافظ ابن عقدة في كتابه الولاية . وابن حاتم الدمشقي في كتابه الدر النظيم . وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة : 6 ص 168 ، ط. دار إحياء التراث العربي . وقد ناشد (ع) مرة أخرى أصحاب رسول الله (ص) في رحبة مسجد الكوفة فقال : أنشدكم الله ! من سمع رسول الله (ص) يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه فليشهد ! فشهد قوم ، وفي بعض الأخبار فشهد له ثلاثون نفرا من الصحابة ، وفي رواية بضعة عشر رجلا من الصحابة . روى خبر مناشدته في الرحبة : أحمد بن حنبل في مسنده : ج1 ص 119 وج4 ص 370 . وابن الأثير الجزري في أسد الغابة : ج3 ص 307 وج5 ص 205 و 276 . وابن قتيبة في معارفه : ص 194 . والعلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب . وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج4 ص 74 ط. إحياء التراث العربي . والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء : ج5 ص 26 . وابن حجر العسقلاني في الاصابة : ج2 ص 408 . والمحب الطبري في ذخائر العقبي : ص 67 . والنسائي في الخصائص : ص 26 . والعلامة السمهودي في جواهر العقدين . وشمس الدين الجزري في أسنى المطالب : ص3 . والعلامة القندوزي الحنفي في ينابيع المودة / الباب 4 . والحافظ ابن عقدة في كتابه الولاية أو الموالاة . وغير هؤلاء الأعلام الأكابر رووا خبر احتجاج الإمام علي (ع) ـ في رحبة مسجد الكوفة ـ بحديث الغدير وناشد الحاضرين قائلا : أنشدكم الله ! من سمع منكم رسول الله (ص) يوم الغدير يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فليقم وليشهد ! فقام ثلاثون رجلا وشهدوا ، وكان إثنا عشر نفرا منهم ممن حضر بدرا ، كلهم شهدوا لعلي (ع) وقالوا : نحن رأينا النبي (ص) يوم غدير خم وسمعناه يقول للناس : أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : نعم ، قال (ص) : من كنت مولاه فعلي مولاه إلخ . ولم يشهد بعضهم وكتم منهم أنس بن مالك وزيد بن أرقم . فدعا عليهما الإمام علي (ع) فعمي زيد وأصيب أنس بالبرص في جبهته بين عينه لأن عليا (ع) قال : اللهم ارمه بيضاء لا تواريها العمامة(46). فاحتجاج أمير المؤمنين (ع) بحديث الغدير على خصومه لإثبات خلافته وإمامته على الأمة ، هو اكبر دليل على أن المقصود من كلمة المولى في حديث النبي (ص) الأولوية والتصرف في شئون الأمة والدولة الإسلامية . وهنا علا صوت المؤذن لصلاة العشاء وانقطع كلامنا . القرينة الرابعة وبعدما انتهى القوم من صلاة العشاء وشربوا الشاي وتناولوا الفاكهة ، ابتدأت بالكلام فقلت : وأما القرينة الأخرى التي تدل على أن معنى المولى في كلام رسول الله (ص) يوم الغدير هو الأولية في التصرف في شئون الأمة والدولة ، قوله (ص) : ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ ، يشير صلوات الله وسلامه عليه إلى الآية الشريفة : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم )(47). فقال الحاضرون كلهم : بلى يا رسول الله ! فقال حينئذ : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، فسياق الكلام واضح والمرام أوضح وهو تثبيت ولاية علي (ع) وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما أن النبي أولى بهم . الحافظ : لقد ذكر هذه الجملة بعض المحدثين وهم قليل فأكثر المحدثين وأعلامهم لم يذكروا بأن النبي (ص) قال : ألست أولى بكم من أنفسكم ! قلت : صحيح أن عبارات المحدثين وألفاظهم في نقل حديث الغدير وخطبة النبي (ص) في ذلك اليوم مختلفة ،ولكن الذين ذكروا جملة " ألست أولى بكم من أنفسكم " عن لسان رسول الله غير قليلين ، إضافة إلى جمهور علماء الشيعة ومحدثيهم وإجماعهم على ذلك . وأما أعلامكم الذين ذكروا هذه الجملة من حديث النبي (ص) وخطبته يوم الغدير فكثير منهم : 1ـ سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة : ص 18 . 2ـ أحمد بن حنبل في / المسند . 3ـ ابن الصباغ المالكي في / الفصول المهمة . 4ـ الحافظ أبو بكر البيهقي في / تاريخه . 5ـ أبو الفتوح العجلي في / الموجز في فضائل الخلفاء الأربعة . 6ـ الخطيب الخوارزمي في / المناقب / الفصل 14 . 7ـ والعلامة الكنجي الشافعي في / كفاية الطالب / الباب الأول . 8ـ والعلامة القندوزي الحنفي في / ينابيع المودة / الباب 4 . نقله من مسند الإمام أحمد ومشكوة المصابيح وسنن ابن ماجة وحلية الأولياء للحافظ أبي نعيم ومناقب ابن المغازلي الشافعي وكتاب الموالات لابن عقدة ، وكثير من أعلامكم غير من ذكرنا أسماءهم ، كلهم ذكروا فيما رووا عن النبي (ص) يوم الغدير أنه قال : ألست أولى بكم من أنفسكم؟ فقالوا : بلى ! قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ... الخ . والآن لكي يتبرك مجلسنا أنقل لكم نص ما رواه إمام أصحاب الحديث أحمد بن حنبل في مسنده ج4 ص 281 . أخرج بسنده عن البراء بن عازب قال : كنا مع رسول الله (ص) في سفره فنزلنا بغدير خم ونودي فينا بالصلاة جامعة فصلى الظهر وأخذ بيد علي فقال : ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى ، قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك ، فقال له : هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة . رواه المير علي الهمداني الشافعي في مودة القربى / المودة الخامسة . ورواه الحافظ القندوزي في ينابيع المودة / الباب الرابع . ورواه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء . رووه مع اختلاف يسير في ألفاظه والمعنى واحد . وروى ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة عن الحافظ أبي الفتح ما نصه ، فقال (ص) : أيها الناس ! إن الله تبارك وتعالى مولاي وأنا أولى بكم من أنفسكم ، ألا ومن كنت مولاه فعلي مولاه . وروى ابن ماجة في سننه والنسائي في خصائصه في باب / ذكر قول النبي : من كنت وليه فهذا وليه(48). أخرج بسنده عن زيد بن أرقم انه (ص) .. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قال : بلى نشهد ، لأنت أولى بكل مؤمن من نفسه . قال : فإني من كنت مولاه فهذا مولاه ، وأخذ بيد علي عليه السلام . ونقل ابن حجر خطبة النبي في يوم الغدير وذكر فيها قول النبي (ص) أنه قال : أيها الناس ! إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فهذا مولاه ـ يعني عليا ـ اللهم وال من والاه وعاد من عاداه / الصواعق المحرقة 25 / ط/ المطبعة الميمنية بمصر . وأخرج الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي المتوفي 463 هجرية في تاريخه : ج8 / 290 / بسنده عن أبي هريرة أنه قال : من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا ، وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي (ص) بيد علي بن أبي طالب فقال : ألست ولي المؤمنين ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : من كنت مولاه فعلي مولاه الخ(49). أظن أنه يكفي ما ذكرناه في خصوص قول رسول الله (ص) : " ألست أولى بكم من أنفسكم " ؟ فلما أقروا له قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فهذه الجملة بعد ذلك الإقرار ، دليل واضح على أن المراد من المولى الأولوية الثابتة للنبي (ص) بنص القرآن الحكيم . القرينة الخامسة لقد أثبت المؤرخون وسجل المحدثون أن حسان بن ثابت الأنصاري أنشأ أبياتا في محضر رسول الله (ص) يوم الغدير بعد أن نصب عليا بالخلافة والإمامة وشرح ذلك الموقف الخطير في شعره الشهير بمناسبة الغدير. فقال له رسول الله (ص) كما ذكر سبط ابن الجوزي وغيره : يا حسان لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا أو نافحت عنا بلسانك . وقد ذكر ذلك كثير من أعلامكم منهم : الحافظ ابن مردويه أحمد بن موسى المفسر والمحدث الشهير في القرن الرابع الهجري المتوفي سنة 352 في كتابه المناقب . وصدر الأئمة الموفق بن أحمد الخوارزمي وفي المناقب والفصل الرابع من كتابه مقتل الحسين عليه السلام . وجلال الدين السيوطي في كتابه " رسالة الأزهار " . والحافظ أبو سعيد الخركوشي في " شرف المصطفى " . والحافظ ابو الفتح النطنزي في الخصائص العلوية . والحافظ جمال الدين الزرندي في نظم درر السمطين . والحافظ أبو نعيم في ما نزل من القرآن في علي . وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين / باب 12 . والحافظ أبو سعيد السجستاني في كتابه الولاية . وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص /20 . والعلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب / الباب الأول . وغير هؤلاء الأعلام من علماء العامة ومؤرخيهم ذكروا عن أبي سعيد الخدري انه قال : أن حسان بن ثابت قام بعدما فرغ رسول الله (ص) من خطابه يوم الغدير ، فقال : يا رسول الله ! أتأذن لي أن أقول أبياتا ؟ فقال له النبي (ص) : قل على بركة الله تعالى . فصعد على مرتفع من الأرض وارتجل بهذه الأبيات : يناديهم يوم الغدير نبيــهم * بخـــم فاسمع بالرسول مناديــــا وقال فمن مولاكم و وليكم * فقالوا و لم يبدوا هناك التعاميا إلهك مولانا و أنت ولينــا * ولم تلف منا لك اليوم عاصــــيا فقال له قم يا علي فإننــي * رضيتك من بعدي إماما و هاديا من كنت مولاه فهذا وليـه * فكونوا له أتباع صدق مواليـــا هناك دعا اللهم وال وليـه * و كن للذي عادى عليا معاديـــا فيتضح لكل منصف من هذه الأبيات : أن الأصحاب والحاضرين في يوم الغدير فهموا من حديث النبي (ص) وخطابه وعمله أنه (ص) نصب عليا (ع) إماما وخليفة على الناس ، وأن رسول الله لم يقصد من كلمة المولى سوى الولاية الأولوية والتصرف في شئون العامة . فلذا صرح بذلك حسان في شعره بمسمع منه (ص) ومرأى : فقال له قم يا علي فإننــي رضيتك من بعدي إماما و هاديا(50) ولو كان النبي (ص) يقصد غير ما قاله حسان لأمر بتغير شعره ولكنه (ص) أيد شعر حسان وقال له : لا تزال مؤيدا بروح القدس . وفي بعض الأخبار : لقد نطق روح القدس على لسانك ! وهذا البيت يؤيد ويصدق ما رواه الطبري في كتابه الولاية من خطبة النبي (ص) في يوم الغدير فقال فيما قال (ص) : اسمعوا وأطيعوا فإن الله مولاكم وعلي إمامكم ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة . معاشر الناس هذا أخي ووصيي و واعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى تفسير كتاب ربي . الذين نقضوا العهد على أي تقدير ، سواء تفسرون حديث رسول الله (ص) بما نفسره نحن الشيعة ، أو بتفسيركم أنتم بأن النبي (ص) أراد من قوله : " من كنت مولاه فعلي مولاه " أي المحب والناصر ، فمما لاشك فيه أن الأصحاب خالفوا عليا (ع) بعد رسول الله في قضية الخلافة وخذلوه ولم ينصروه ، فنقضوا العهد الذي أخذه منه نبيهم في الإمام علي (ع) ، وهذا لا ينكره أحد من أهل العلم والاطلاع من الفريقين . فعلى تقدير معنى المولى وتفسيره بالمحب والناصر ، وأن النبي يوم الغدير أمر أصحابه أن يحبوا عليا وينصروه . فهل هجومهم على باب داره وإتيانهم النار ، وتهديدهم بحرق الدار ومن فيها ، وترويعهم أهل البيت الشريف ، وإيذاؤهم فاطمة وأبناءها ، وإخراجهم عليا من البيت كرها مصلتين سيوفهم عليه ، يهددونه بالقتل إن لم يبايع أبا بكر ، وضربهم حبيبة رسول الله وبضعته الزهراء حتى أسقطوا جنينها المحسن !! فهل هذه الجرائم والجنيات التي ارتكبها كثير من الصحابة كان امتثالا لأمر النبي (ص) يوم الغدير ؟! أم كان خلافا له وهل كل ما فعلوه من حين السقيفة وبعدها إلى السيدة فاطمة الزهراء (ع) ، يوافق ما فسرتموه من معنى المولى ؟ أم انبعثت وكشفت عن البغضاء والشحناء ؟! وهل هذه الأعمال الوحشية ، كانت المودة التي فرضها الله على المسلمين لقربى رسول الله (ص) ؟ ومن أقرب إلى رسول الله (ص) من فاطمة ؟! والله سبحانه يقول : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى )(51). وأمرهم النبي (ص) بصلة أقربائه وأمرهم النبي (ص) أن يصلوا أقرباءه ولا يقطعوهم كما جاء في حلية الأولياء لأبي نعيم ، وذكره الحمويني أيضا عن عكرمة عن ابن عباس كما نقله عنهما الحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودة / الباب الثالث والأربعون . ونقله عن حلية الأولياء ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج9 / 170 / الخبر الثاني عشر / ط. دار إحياء التراث العربي : قال رسول الله (ص) : من سره أن يحيا حياتي ، و يموت مماتي ، و يسكن جنة عدن التي غرسها ربي ، فليوال عليا من بعدي و ليوال وليه و ليقتد بالأئمة من بعدي ، فإنهم عترتي ، خلقوا من طينتي و رزقوا فهما و علما ، فويل للمكذبين من أمتي القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي . وكلهم عاهدوا رسول الله (ص) على مودة أهل بيته ولكنهم نقضوا العهد ، وكأنهم ما سمعوا ولم يقرءوا كتاب الله العزيز حيث يقول : ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار )(52). فاتركوا التعصب واتبعوا الحق تسعدوا ! الحافظ : لا نسمح لكم أن تنسبوا صحابة رسول الله (ص) إلى نقض العهد والميثاق ، وهم المجاهدون في سبيل الله والصابرون في سوح القتال والمتحملون ضربات السيوف وطعنات الرماح !! كيف تجيزون أنفسكم أن تنسبوا أولئك المؤمنين والمجاهدين إلى نقض العهد والميثاق ؟! إن تهجمكم على الصحابة الكرام وتجرؤكم عليهم بنسبة ما لا يليق إليهم سبب لتكفيركم عند أكثر أهل السنة . قلت : إن كان هذا الأمر سبب تكفيرنا ، فالصحابة كلهم كافرون ! وعلماؤكم وأعلامكم أكثرهم كافرون ! لأننا ننقل عنهم ، ولا نقول شيء بغير دليل ، وإنما دائما نذكر مصادر ما نقوله فيهم من كتبكم ومسانيدكم وهذا واضح للحاضرين في ما تحدثنا وناقشناه في المجالس السالفة . ولكننا نمتاز بأننا نضع النقاط على الحروف ونلفت أنظار المسلمين إلى أفعال الصحابة وأفعالهم ، فنمدح محسنهم ونؤيد حسناته ليرغب المؤمنون بالتأسي والاقتداء بهم ، ويحبونهم لحب الله وحب الخير والحق والإحسان . ونقدح بالمسيء من الصحابة ونذمهم لسيئاتهم ومنكراته وما عملوا من الباطل ، حتى يتبرأ المؤمنون منهم ، ويستنكروا أفعالهم المنافية للإيمان والوجدان وللسنة والقرآن !! لكي لا يرتكبوها ولا يكرروها بحجة الاقتداء بالصحابة ، فإن منهم الصاحون ومنهم الطالحون . ملخص الكلام : نحن إنما ننشر فضائل المحسنين وفضائح المسيئين من الصحابة ، من باب نشر المعروف وإنكار المنكر ، ولكي نعطي كل ذي حق حقه . فإن تنكرون علينا هذا الأمر وتكفرونا من أجله ، فالأحرى أن تنكروا على صحابة الرسول وتكفروهم حتى الشيخين ! لأنهم كانوا ينتقدون بعضهم بعضا ويطعن بعضهم في بعض وكانوا يتسابون ويتقاتلون !! وإن أحداث السقيفة وهجوم القوم على دار فاطمة (ع) وأحداث قتل عثمان وحرب الجمل وصفين أدل دليل على ذلك . وأنتم إما تجهلون الحقائق أو تتجاهلون ، ومحبتكم للصحابة وصلت إلى حد المثل الشائع : " حب الشيء يعمي ويصم " ، لذلك حينما تسمع مني بأن الصحابة بعضهم نقضوا عهد الله وميثاقه الذي أخذه عليهم رسول الله (ص) فتغضب وتتعصب للصحابة وتنكر الخبر !! ومقتضى الحال أن تطالبني بالدليل قبل أن تغضب وتتعصب . الحافظ : الآن أطالبك بدليلك ، فأت به إن كنت من الصادقين ! أكثرهم نقضوا العهد أولا : ثبت عند كل عالم ذي وجدان وصاحب ضمير ، أن النبي (ص) يوم الغدير أخذ العهد والميثاق من أصحابه على حب علي ونصرته وموالاته وطاعته ، فيا ترى هل نصروه في أحداث السقيفة وما بعدها أم خذلوه ؟ ونقضوا عهد الله وميثاقه الذي أخذه عليهم رسول الله (ص) في الغدير وخالفوه ؟! ثانيا : قد صدر منهم في حياة النبي (ص) نقض العهد أيضا ، فإنهم بايعوا رسول الله (ص) وعاهدوه على أن يقاتلوا دونه ولا يتركوه في المعركة ولا يولوا الدبر للأعداء ، بل يقابلوهم وجها لوجه حتى ينالوا إحدى الحسنيين . ولقد حذرهم الله سبحانه من الفرار والهزيمة في القتال والجهاد فقال : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير )(53). وقد ذكر كثير من محدثيكم ومؤرخيكم أن كثيرا من الأصحاب انهزموا وفروا يوم حنين ، وأجمعوا أن جلهم فروا يوم أحد وفي خيبر ومنهم الشيخان وعثمان : أخرج ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج15 / 24 / طبع دار إحياء التراث العربي عن الواقدي قال : ... و كان ممن ولى عمر و عثمان و الحارث بن حاطب و ثعلبة بن حاطب و سواد بن غزية و سعد بن عثمان و عقبة بن عثمان و خارجة بن عامر ... و لقيتهم أم أيمن تحثي في وجوههم التراب و تقول لبعضهم : هاك المغزل فاغزل به !! و احتج أيضا من قال بفرار عمر بما رواه الواقدي في كتاب المغازي في قصة الحديبية قال : قال عمر يومئذ : يا رسول الله ، أ لم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام و تأخذ مفتاح الكعبة و تعرّف مع المعرّفين و هدينا لم يصل إلى البيت و لا نحر ؟!! فقال رسول الله (ص) : أ قلت لكم في سفركم هذا ؟ قال عمر: لا . قال (ص) : أما إنكم ستدخلونه و آخذ مفتاح الكعبة و أحلق رأسي و رءوسكم ببطن مكة و أعرّف مع المعرّفين ، ثم أقبل (ص) على عمر و قال : أ نسيتم يوم أحد ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ )(54) و أنا أدعوكم في أخراكم! أ نسيتم يوم الأحزاب ( إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وتظنون بالله الظنونا )(55)! أ نسيتم يوم كذا ! و جعل (ص) يذكرهم أمورا . أ نسيتم يوم كذا ! فقال المسلمون صدق الله وصدق رسوله ، أنت يا رسول الله أعلم بالله منا . فلما دخل عام القضية و حلق رأسه قال : هذا الذي كنت وعدتكم به ، فلما كان يوم الفتح و أخذ مفتاح الكعبة قال (ص) : ادعوا لي عمر بن الخطاب ، فجاء فقال (ص) : هذا الذي كنت قلت لكم . قالوا : فلو لم يكن فر يوم أحد لما قال (ص) له : أ نسيتم يوم أحد ( إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ )(56). هذا الخبر ... حينما ينقله ابن أبي الحديد وغيره فلا بأس عليه ، ولكن نحن الشيعة إذا نقلناه ، فأنتم علماء العامة تتعصبون وتتهجمون علينا وتحركون الجهلة والعوام وتقولون بأن الرافضة يهينون الصحابة وينالون من الشيخين !! هذا لأنكم تسيئون بنا الظنون وعلى حد قول الشاعر : وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا ولذلك فلنا معكم موقف عسير في يوم القيامة إذا شكوناكم إلى الله العدل الحكيم ليحكم بيننا ويأخذ منكم حقنا ويعاقبكم على ظلمكم إذ تفتون علينا بالكفر ! وتؤيدون الذين ظلموا ، ومن رضي بعمل قوم حشر معهم ، ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون )(57). الحافظ : نحن ما ظلمناكم ولا نؤيد الظالمين ، وهذا افتراء علينا . قلت : الظلم الذي جرى علينا كثير ، ولو تغاضينا وعفونا عن بعضها فلا نعفو عن هجومهم على بيت أمي فاطمة الزهراء عليها السلام ، وإيذائها وغصبهم حقها ، فإني من ذراريها ويحق لي أن أقيم الدعوى على من ظلمها وضربها وأسقط جنينها واغتصب فدكها !! الحافظ : نحن ما كنا في ذلك الزمان حتى نعرف الحقائق وهذه الدعاوى تحتاج إلى الإثبات. قلت : نعم نحن ما كنا في ذلك الزمان ، ولكن الروايات والأحاديث التي نقلها المؤرخون والمحدثون تكون بمثابة شهود القضية والواقعة ، لا سيما إذا كان الرواة والمؤرخون من أعلامكم. فدك وما يدور حولها فدك وعوالي سبع قرى زراعية حوالي المدينة المنورة كانت تمتد من سفح الجبال إلى سيف البحر ومن العريش إلى دومة الجندل . قال ياقوت الحموي صاحب معجم البلدان في كتابه الآخر فتوح البلدان : ج6/343 . واحمد البلاذري في تاريخه . وابن أبي الحديد في شرح النهج : ج16 / 210 / واللفظ للأخير : عن كتاب السقيفة وفدك لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري بسنده عن الزهري قال : بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا فسألوا رسول الله ص أن يحقن دماءهم و يسيرهم ، ففعل ، فسمع ذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك ، و كانت للنبي ص خاصة ، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب . قال أبو بكر: و روى محمد بن إسحاق أيضا ، أن رسول الله ص لما فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك ، فبعثوا إلى رسول الله ص فصالحوه على النصف من فدك ، فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق ، أو بعد ما أقام بالمدينة فقبل ذلك منهم ، و كانت فدك لرسول الله (ص) خالصة له ، لأنه لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب. قال : و قد روى أنه صالحهم عليها كلها ، الله أعلم أي الأمرين كان! انتهى كلام الجواهري . وما نقله الطبري في تاريخه قريب من كلام الجوهري بل كلام كل المؤرخين والمحدثين عن فدك يقارب كلام الجوهري . فدك حق فاطمة عليها السلام
بعدما رجع النبي (ص) إلى المدينة نزل جبرئيل من عند الرب الجليل
بالآية الكريمة : فانشغل فكر النبي بذي القربى ، من هم ؟ وما حقهم ؟ فنزل جبرائيل ثانيا عليه (ص) وقال : إن الله سبحانه يأمرك أن تعطي فدكا لفاطمة (ع) فطلب النبي (ص) ابنته فاطمة (ع) وقال : إن الله تعالى أمرني أن أدفع إليك فدكا ، فمنحها وتصرفت هي فيها وأخذت حاصلها فكانت تنفقها على المساكين . الحافظ : هل هذا الحديث في تفسير الآية الكريمة موجود في كتب علمائنا أيضا ؟ أم يخص تفاسيركم ؟ قلت : لقد صرح بهذا التفسير كبار مفسريكم وأعلامكم منهم : الثعلبي في تفسير كشف البيان ، وجلال الدين السيوطي في الدر المنثور : ج4 رواه عن الحافظ ابن مردويه أحمد بن موسى المتوفى عام 352 ، وأبو القاسم الحاكم الحسكاني والمتقي الهندي في كنز العمال وابن كثير الدمشقي الفقيه الشافعي في تاريخه والشيخ سليمان الحنفي في ينابيع المودة / باب 39 نقلا عن الثعلبي وعن جمع الفوائد وعيون الأخبار أنه لما نزلت : ( وآت ذا القربى حقه ) دعا النبي (ص) فاطمة فأعطاها فدك الكبير . فكانت فدك في يد فاطمة (ع) يعمل عليها عمالها ، ويأتون إليها بحاصلها في حياة النبي (ص) وهي كانت تتصرف فيها كيفما شاءت ، تنفق على نفسها وعيالها أو تتصدق بها على الفقراء والمعوزين . ولكن بعد وفاة رسول الله (ص) أرسل أبو بكر جماعة فأخرجوا عمال فاطمة من فدك وغصبوها وتصرفوا فيها تصرفا عدوانيا ! الحافظ : حاشا أبو بكر أن يتصرف في ملك فاطمة تصرفا عدوانيا ، وإنما كان سمع من النبي (ص) قوله : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة " . وقد استند إلى هذا الحديث الشريف وأخذ فدك . هل الأنبياء لا يورّثون ؟ قلت : أولا : نحن نقول : بأن فدك كانت نحلة وهبة من النبي (ص) لفاطمة (ع) وهي استلمتها وتصرفت فيها فهي (ع) كانت متصرفة في فدك حين أخذها أبو بكر . وما كانت إرثا . ثانيا : الحديث الذي استند عليه أبو بكر مردود غير مقبول لأنه حديث موضوع لوجود اشكالات فيه . الحافظ : ما هي اشكالاتكم ؟ ولماذا يكون مردودا ؟ قلت : أولا : واضع الحديث عندما وضع على لسانه بأنه صلى الله عليه وآله قال : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " قد غفل عن آيات المواريث التي جاءت في القرآن الحكيم ، في توريث الأنبياء ، ولو كان يقول : سمعت النبي (ص) يقول : أنا لا أورث لكان له مخلص من آيات توريث الأنبياء في القرآن فالصيغة الأولى : نحن معاشر الأنبياء لا نورث تعارض نص القرآن الحكيم ، فتكذيب أبا بكر ورده أولى من نسبة النبي (ص) إلى ما يخالف كتاب الله عز وجل . كما أن فاطمة الزهراء (ع) أيضا احتجت على أبي بكر وردته وردت حديثه بالاستناد إلى القرآن الحكيم فإنه أقوى حجة وأدل دليل واكبر برهان . استدلال الزهراء عليها السلام وخطبتها نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج6 /211 / طبع دار إحياء التراث العربي ، عن أبي بكر الجوهري بإسناده عن طرق مختلفة تنتهي إلى زينب الكبرى بنت فاطمة الزهراء (ع) وإلى الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه (ع) وإلى الإمام الباقر بن جعفر ـ محمد بن علي ـ (ع) وإلى عبد الله بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط (ع) قالوا جميعا : لما بلغ فاطمة (ع) إجماع أبي بكر على منعها فدكا ، لاثت خمارها ، و أقبلت في لمة من حفدتها و نساء قومها تطأ في ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (ص) ، حتى دخلت على أبي بكر و قد حشد الناس من المهاجرين و الأنصار، فضرب بينها و بينهم ريطة بيضاء ـ و قال بعضهم : قبطية ، و قالوا قبطية بالكسر و الضم ـ ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم ، ثم قالت : أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد و الطول و المجد ، الحمد لله على ما أنعم و له الشكر بما ألهم . و ذكر خطبة طويلة جيدة قالت في آخرها : فاتقوا الله حق تقاته ، و أطيعوه فيما أمركم به ، فإنما يخشى الله من عباده العلماء ، و احمدوا الله الذي لعظمته و نوره يبتغي من في السموات و الأرض إليه الوسيلة . و نحن وسيلته في خلقه ، و نحن خاصته و محل قدسه ، و نحن حجته في غيبه ، و نحن ورثة أنبيائه .
ثم قالت : أنا فاطمة ابنة محمد ، أقول عودا على بدء ، و ما أقول
ذلك سرفا و لا شططا ، فاسمعوا بأسماع واعية و قلوب راعية ! ثم قالت : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم
حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم )(58) فإن تعزوه تجدوه
أبي دون آبائكم و أخا ابن عمي دون رجالكم ... ثم ذكرت كلاما طويلا تقول في آخره :
ثم أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي ! يا بن أبي قحافة ! أفي كتاب الله أن ترث أباك و لا أرث أبي !! لقد جئت شيئا فريا !! إلى آخر خطبتها(60). وجاء في بعض الروايات كما في كتاب السقيفة وفدك لأبي بكر الجوهري وغيره ، أنها قالت في خطبتها: أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ! إذ يقول الله جل ثناؤه : ( وورث سليمان داود )(61). واقتص من خبر يحيى وزكريا إذ قال : ( رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا )(62). وقال تبارك وتعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين )(63). فزعمتم أن لا حظ لي و لا أرث لي من أبي ! أ فخصّكم اللّه بآية أخرج منها أبي ؟! أم تقولون أهل ملّتين لا يتوارثان ؟ أ و لست أنا و أبي من أهل ملّة واحدة أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي (ص) . ( أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(64) ـ انتهى كلام الجوهري ـ . احتجاج علي عليه السلام في فدك روى المحدثون أن عليا عليه السلام جاء إلى أبي بكر وهو في المسجد، و حوله حشد من المهاجرين و الأنصار. فقال (ع) : يا أبا بكر لم منعت فاطمة نحلتها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وقد ملكتها في حياته ؟! فقال أبو بكر : فدك فيء للمسلمين، فإن أقامت شهودا أن رسول الله أنحلها فلها و إلا فليست حقّ لها فيه. قال علي (ع) : يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى ؟ قال : لا . قال (ع) : فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ، فادعيت أنا فيه، من تسأل البينة ؟ قال : إيّاك أسأل . قال : فما بال فاطمة سألتها البينة منها على ما في يديها ! وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) وبعده . فسكت أبو بكر هنيئة ، ثم قال : يا علي ! دعنا من كلامك ، فإذا لا نقوى على حجتك ، فإن أتيت بشهود عدول ، وإلا فهي فيء للمسلمين ، لا حق لك ولا لفاطمة فيها !! فقال علي عليه السلام : يا أبا بكر تقرأ كتاب الله ! قال : نعم . قال (ع) : أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ : ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )(65) فيمن نزلت ؟ فينا أو في غيرنا ؟ قال : بل فيكم ! قال (ع) : فلو أنّ شهودا شهدوا على فاطمة بنت رسول الله عليها السلام بفاحشة ـ والعياذ بالله ـ ما كنت صانعا بها ؟ قال : أقمت عليها الحد كما أقيم على نساء المسلمين !! قال (ع) : كنت إذا عند اللّه من الكافرين ! قال : و لم ؟ قال : لأنّك رددتّ شهادة اللّه بطهارتها و قبلت شهادة الناس عليها ! كما رددت حكم الله وحكم رسوله أن جعل لها فدك وزعمت أنها فيئ للمسلمين ، وقد قال رسول الله (ص) : البينة على المدعي ، واليمين على من ادعي عليه . فدمدم الناس وأنكروا على أبي بكر ، وقالوا : صدق ـ والله ـ علي . رد الخليفة على فاطمة وعلي عليهما السلام نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج : 16/ 214 ـ 215/ ط دار إحياء التراث العربي عن أبي بكر الجوهري بإسناده إلى جعفر بن محمد بن عمارة قال : فلما سمع أبو بكر خطبتها شق عليه مقالتها فصعد المنبر و قال : أيها الناس ! ما هذه الرعة إلى كل قالة أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله (ص) ؟! ألا من سمع فليقل ! و من شهد فليتكلم ! إنما هو ثعالة ، شهيده ذنبه ، مربّ لكل فتنة ، هو الذي يقول : كروها جذعة بعد ما هرمت ، يستعينون بالضعفة ، و يستنصرون بالنساء ، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي ، ألا إني لو أشاء أن أقول لقلت و لو قلت لبحت ، إني ساكت ما تركت . ثم التفت إلى الأنصار فقال : قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم ، و أحق من لزم عهد رسول الله ( ص ) أنتم ! فقد جاءكم فآويتم و نصرتم ، ألا إني لست باسطا يدا و لا لسانا على من لم يستحق ذلك منا . ثم نزل فانصرفت فاطمة (ع) إلى منزلها . بالله عليكم أنصفوا !!! أيليق هذا الكلام البذيء والبيان الرديء لمدعي خلافة النبي (ص) ؟! أيجوز لشيخ كان صاحب رسول الله (ص) أن يمثل بنت رسول الله وبضعة لحمه ، بالثعلب أو بأم طحال الفاجرة ؟! ويمثل الإمام علي عليه السلام بذنب الثعلب وهو الذي عظم الله قدره وأكبر شأنه في كتابه وجعله نفس رسول الله (ص) في آية المباهلة بلا منكر !! إلى متى تغمضون أعينكم وتصمون آذانكم وتختمون على قلوبكم بالتغافل والتعصب ؟! فتنكرون ضوء الشمس في الضحى وتعيشون الجهل والعمى !! افتحوا أعينكم وآذانكم وقلوبكم ، واخرجوا عن الغفلة والتعصب ، وادخلوا مدينة العلم والحكمة من بابها التي فتحها النبي (ص) واعرفوا الحق وتمسكوا به وكونوا أحرارا في دنياكم ! أيها الحافظ : فلو إن قائلا في هذا المجلس يقول بأن الحافظ كالثعلب والشيخ عبد السلام ذنبه ، ويقول : أن زوجة الحافظ تكون مثل فلانة الفاجرة !! ما كنت تصنع به ؟ أ كنت تسكت على تجاسر ؟ أم تقولون : إن كلامه ليس بتجاسر ؟! حتما تحسب كلام القائل بالنسبة إليك سبا صريحا وشتما وقيحا ، يستحق أن ترده بأخشن جواب ! وربما أمرت أتباعك ومحبيك بضربه وتأديبه وتعذيبه وتأنيبه ، والكل يعطونك الحق في ذلك ، إذا .. كيف تريدون منا أن نصبر على تجاسر أبي بكر وسبه وشتمه لأبينا أمير المؤمنين وجدتنا فاطمة عليهما السلام ؟ كيف نتحمل من أبي بكر وهو يدعي خلافة جدنا النبي فيصعد منبره ويعبر بتلك التعابير الركيكة عن جدتنا الزهراء وأبينا أمير المؤمنين ، فيشتمهم ذلك الشتم القبيح ويسبهم السباب الوقيح ، ملوحا أو مصرحا ؟! استغراب ابن أبي الحديد(66) يستغرب ابن أبي الحديد ويتعجب من جواب أبي بكر فلذلك يقول : قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري ، و قلت له : بمن يعرض ؟ فقال : بل يصرح. قلت لو صرح لم أسألك . فضحك و قال : بعلي بن أبي طالب (ع) . قلت : هذا الكلام كله لعلي يقوله ؟! قال : نعم ، إنه الملك يا بني ! قلت : فما مقالة الأنصار ؟ قال : هتفوا بذكر علي ، فخاف من اضطراب الأمر عليهم ، فنهاهم . فسألته عن غريبه ، فقال : أما الرعة بالتخفيف أي : الاستماع و الإصغاء ، و القالة : القول ، و ثعالة : اسم الثعلب ، علم ممنوع من الصرف ، و مثل : ذؤالة للذئب ، و شهيده ذنبه ، أي : لا شاهد له على ما يدعي إلا بعضه و جزء منه ... و مرب : ملازم ، أرب بالمكان ، و كروها جذعة : أعيدوها إلى الحال الأولى ، يعني الفتنة و الهرج . و أم طحال : امرأة بغي في الجاهلية ، و يضرب بها المثل فيقال : أزنى من أم طحال !! لا أدري كيف تسنى لأبي بكر أن يتكلم بذلك الكلام البذيء ؟ وكيف سنحت له نفسه أن يعبر بذلك التعبير المسيء ويؤذي فاطمة ويغضبها وقد سمع قول رسول الله (ص) : فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن أغضبها فقد أغضبني ؟! وهل بذلك يجاب احتجاج الإمام علي (ع) ؟ أشتمه علي وسبه ؟ أم استدل له بحكم الله وبالعقل والمنطق ؟ ما ضره لو قبل الحق وعمل به ، ولا سيما وقد سمع رسول الله (ص) يقول : علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق حيثما دار علي (ع) . ليت شعري بأي دليل ولماذا يسب عليا وفاطمة ويشتمهما وقد سمع قول النبي (ص) فيهما وفي أبنائهما : أنا سلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم ؟؟(67) عقاب من سب عليا عليه السلام لا شك أن الله سبحانه يعذب ساب علي عليه السلام أشد العذاب ، كائنا من كان ، وقد فتح العلامة الكنجي الشافعي بابا في كتابه كفاية الطالب وهو الباب العاشر في كفر من سب عليا عليه السلام ، روى بسنده عن يعقوب بن جعفر بن سليمان قال حدثنا أبي عن أبيه قال : كنت مع أبي عبد الله بن عباس و سعيد بن جبير يقوده ، فمر على صفة زمزم فإذا قوم من أهل الشام يشتمون علي بن أبي طالب عليه السلام ! فقال لسعيد بن جبير ردني إليهم ، فوقف عليهم ، فقال : أيكم الساب لله عز و جل ؟ فقالوا : سبحان الله ما فينا أحد سب الله ، فقال : أيكم الساب رسول الله ؟ قالوا : ما فينا أحد سب رسول الله ص . قال : فأيكم الساب علي بن أبي طالب ع ؟ فقالوا : أما هذا فقد كان !! قال : فأشهد على رسول الله ص سمعته أذناي و وعاه قلبي يقول لعلي بن أبي طالب : من سبك فقد سبني و من سبني فقد سب الله و من سب الله أكبه الله على منخريه في النار . وروى كثير من أعلامكم ومحدثيكم أن النبي (ص) قال في علي وفاطمة : من آذاهما فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله . وقال (ص) : من آذى عليا فقد آذاني . وقال (ص) : من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله(68). الدليل الثاني في رد أبي بكر قلنا بأن الدليل الأول على رد الحديث الذي نقله أبو بكر عن النبي (ص) : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، أنه مخالف لنص القرآن ، فإن الآيات الكريمة صريحة في توريث الأنبياء . وأما الدليل الثاني في رده : هو أننا نعلم بأن الإمام علي (ع) هو عَيْبَة علم رسول (ص) وهو الذي قال فيه النبي (ص) كما نقله علماء الفريقين : " أنا مدينة العلم وعلي بابها ، وأنا دار الحكمة وعلي بابها ، ومن أراد العلم والحكمة فليأت الباب " . والحديث النبوي الآخر ، الذي اشتهر أيضا بين المحدثين من الفريقين قوله (ص) : " علي أقضاكم " . فكيف يمكن أن يبين النبي (ص) حكما خاصا في الإرث وقاضي دينه وباب علمه ، لا يعلم ذلك ؟ ولا سيما الحكم الذي يكون في شأن فاطمة (ع) وهي زوجة علي (ع) وهو وصي رسول الله (ص) . فكيف يقبل عقلكم أن النبي (ص) يكتم هذا الأمر عن أخص الناس إليه وعمن يخصهم الحكم وقوله لأبي بكر الذي لا يرتبط بالموضوع ؟! والمفروض أنه (ص) يقول ذلك الحكم لوارثه أو وصيه ، وهذا أمر بديهي يعرفه كل أحد حتى عامة الناس والسوقيين ، فكيف بسيد المرسلين وخاتم النبيين ؟! الشيخ عبد السلام : أما حديث أنا مدينة العلم ، غير مقبول عند محدثينا ، وكذلك لم يثبت عند جمهور علمائنا بأن عليا وصي رسول الله (ص) ، وهذا الأمر غير مقبول ، بل عندنا مردود ما رواه الشيخان البخاري ومسلم عن عائشة (رض) أنه ذكر عندها أن رسول الله (ص) أوصى . قالت : ومتى أوصى ؟ ومن يقول ذلك ؟ إنه دعا بطست ليبول ، وإنه بين سحري ونحري ، فانخنث في حجري فمات وما شعرت بموته . فكيف يمكن أن يوصي رسول الله (ص) لأحد ويخفى ذلك على أم المؤمنين عائشة(رض)؟! قلت : أما نفيك الحديث أنا مدينة العلم وعلي بابها فهو تحكم وتعصب ، لأن كثيرا من أعلامكم ذكروه في كتبهم وإسنادهم وحسنوه وصححوه ، منهم : الثعلبي ، والحاكم النيسابوري ، ومحمد الجزري وبن جرير الطبري والسيوطي والسخاوي والمتقي الهندي والعلامة الكنجي ومحمد بن طلحة والقاضي فضل بن روزبهان والمناوي وابن حجر المكي والخطيب الخوارزمي والحافظ القندوزي والحافظ أبو نعيم وشيخ الإسلام الحمويني وابن أبي الحديد المعتزلي والطبراني وسبط بن الجوزي والنسائي وغيرهم(69). الإمام علي وصي النبي (ص) وأما أن النبي (ص) اتخذ عليا وصيا لنفسه فهو أمر ثابت للنصوص المتوافرة والروايات المتكاثرة حتى عده العلماء من الأمور المتواترة ، ولا ينكره إلا المعاند الحقود والمتعصب العنود . النواب : خليفة رسول الله هو الذي ينفذ وصاياه ، وينظم شئون أهله وزوجاته ، كما أن الخلفاء الراشدين كانوا يضمنون لزوجات النبي كلما احتجن وكانوا يتكفلون بمعاشهن ورزقهن . فلماذا تخصصون عليا كرم الله وجهه بالوصاية ؟ قلت : نعم ... لا ريب أن وصي النبي خليفته ، وقد ذكرت لكم في المجالس السابقة النصوص الواردة في أن عليا هو خليفة رسول الله (ص) ، والآن أذكر لكم النصوص المتظافرة والأحاديث المتوافرة في أن عليا (ع) هو وصي النبي (ص) وليس غيره ، والجدير بالذكر أني أنقل هذه الأخبار من كتب أعلامكم وإسناد علمائكم الموثقين لديكم ، فلا يصح بعد ذلك أن يقول الشيخ عبد السلام : أن خبر تعيين النبي عليا بالوصاية مردود عند علمائنا للخبر المروي عن أم المؤمنين عائشة ، فإن الخبر الواحد لا يمكن أن يعارض مجموع الأخبار المقبولة عند الأعلام والمروية عن الطرق الموثقة عن الأصحاب الكرام ، فيؤخذ بالجمع ويسقط الواحد . 1ـ روى الثعلبي في تفسيره وفي كتابه المناقب ، و ، وروى ابن المغازلي الفقيه الشافعي في كتابه المناقب ، والمير علي الهمداني في مودة القربى / المودة السادسة ، كلهم عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله (ص) لما عقد المؤاخاة بين أصحابه ، قال : هذا علي أخي في الدنيا والآخرة وخليفتي في أهلي ووصيي في أمتي ووارث علمي وقاضي ديني ، ماله مني مالي منه ، نفعه نفعي وضره ضري ، من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني . 2ـ خصص الحافظ سليمان القندوزي في كتابه ينابيع المودة بابا في الموضوع وهو : الباب الخامس عشر " في عهد النبي (ص) لعلي (ع) وجعله وصيا " هكذا عنونه ، ثم نقل فيه عشرين خبرا ورواية عن طريق الثعلبي وشيخ الإسلام الحمويني والحافظ أبي نعيم ، وأحمد بن حنبل وابن المغازلي والخوارزمي والديلمي ، وأنا أنقل إليكم بعضها : عن مسند أحمد بن حنبل بسنده عن أنس بن مالك قال : قلنا لسلمان : سل النبي (ص) عن وصيه . فقال سلمان : يا رسول الله من وصيك ؟ فقال : يا سلمان ! من وصي موسى ؟ فقال : يوشع بن نون ، قال (ص) : وصيي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي ، علي بن أبي طالب . هذا الحديث ! أخرجه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / 26 ، وأخرجه أيضا ابن المغازلي في مناقبه . 3ـ وينقل عن موفق بن أحمد الخوارزمي بسنده عن بريدة قال : قال النبي (ص) : لكل نبي وصي ووارث وإن عليا وصيي ووارثي . هذا الحديث أخرجه العلامة الكنجي أيضا في كتابه كفاية الطالب بسنده عن بريدة عن أبيه ، وبعد نقله قال : هذا حديث حسن ، أخرجه محدث الشام في تاريخه ، كما أخرجناه سواء . 4ـ ونقل شيخ الإسلام الحمويني عن أبي ذر قال : قال رسول الله (ص) : أنا خاتم النبيين ، وأنت يا علي خاتم الوصيين إلى يوم الدين . ونقل عن موفق بن أحمد الخوارزمي أيضا بسنده عن أم سلمة ـ أم المؤمنين ـ قالت : قال رسول الله (ص) : إن الله اختار من كل نبي وصيا ، وعلي وصيي في عترتي وأهل بيتي وأمتي بعدي . 6ـ ونقل عن مناقب ابن المغازلي بسنده عن الأصبغ بن نباتة قال : قال علي (ع) في بعض خطبه : أيها الناس ! أنا إمام البرية ، ووصي خير الخليقة ، وأبو العترة الطاهرة الهادية ، أنا أخو رسول الله (ص) ووصيه ووليه وصفيه وحبيبه ، أنا أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين وسيد الوصيين . حربي حرب الله وسلمي سلم الله وطاعتي طاعة الله وولايتي ولاية الله ، وأتباعي أولياء الله ، وأنصاري أنصار الله . 7ـ وروى أيضا ابن المغازلي بسنده عن ابن مسعود عن النبي (ص) أنه قال : انتهت الدعوة إلي وإلى علي ، لم يسجد أحدنا لصنم قط ، فاتخذني نبيا واتخذ عليا وصيا . 8ـ روى المير علي الهمداني الشافعي في كتابه مودة القربى / المودة الرابعة / عن عتبة بن عامر الجهني قال : بايعنا رسول الله (ص) على قول : أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا نبيه وعليا وصيه فأي من الثلاثة تركناه كفرنا الخ ... ، وبعدها روى عن علي (ع) عن رسول الله (ص) قال : إن الله تعالى جعل لكل نبي وصيا ، جعل شيث وصي آدم ، ويوشع وصي موسى ، وشمعون وصي عيسى ، وعليا وصيي ، ووصيي خير الأوصياء الخ .... 9ـ نقل القندوزي في الباب الخامس عشر من ينابيعه عن أبي نعيم الحافظ انه روى في حلية الأولياء بسنده عن أبي برزة الأسلمي قال : قال رسول الله ( ص ) : إن الله عهد إلي في علي عهدا وقال عز وجل : إن عليا راية الهدى ، و إمام أوليائي ، و نور من أطاعني ، و هو الكلمة التي ألزمتها المتقين . من أحبه أحبني و من أبغضه أبغضني . فبشره بذلك ، فجاء علي فبشره بذلك ، فقال : يا رسول الله ! أنا عبد الله و في قبضته فإن يعذبني فبذنبي ، و إن يتم الذي بشرني به فالله أولى بي وأكرم بي . قال (ص) : قلت : اللهم أجل قلبه و اجعله ربيعة الإيمان فقال جل شأنه : قد فعلت به ذلك . ثم قال تعالى : إن عليا مستخص بشيء من البلاء لم يكن لأحد من أصحابك ! فقلت : يا رب ، إنه أخي ووصيي ، فقال عز وجل : إن هذا شيء قد سبق في علي ، إنه مبتلى و مبتلى به . 10ـ ونقل القندوزي أيضا في الباب عن مناقب الموفق بن أحمد الخوارزمي روى بسنده عن أبي أيوب الأنصاري قال : أن فاطمة سلام الله عليها أتت في مرض أبيها (ص) وبكت ، فقال رسول الله ( ص ) : يا فاطمة ! إن لكرامة الله إياك زوجتك من أقدمهم سلما و أكثرهم علما و أعظمهم حلما، إن الله عز وجل اطلع إلى أهل الأرض اطلاعة فاختارني منهم فبعثني نبيا مرسلا ، ثم اطلع اطلاعة فاختار منهم بعلك فأوحى إلي أن أزوجه إياك و أتخذه وصيا . قال القندوزي : وزاد ابن المغازلي في المناقب : يا فاطمة ! إنا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين و لا يدركها أحد من الآخرين ، منا أفضل الأنبياء و هو أبوك ، و وصينا خير الأوصياء و هو بعلك ، و شهيدنا خير الشهداء و هو حمزة عمك ، و منا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء و هو جعفر ابن عمك ، ومنا سبطان وسيدا شباب أهل الجنة ابناك ، والذي نفسي بيده إن مهدي هذه الأمة يصلي عيسى بن مريم خلفه وهو من ولدك . قال القندوزي : وزاد الحمويني : يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما ، يا فاطمة ! لا تحزني و لا تبكي فإن الله عز وجل أرحم بك و أرأف عليك مني و ذلك لمكانك مني و موقعك من قلبي . قد زوجك الله زوجا وهو أعظمهم حسبا و أكرمهم نسبا ، و أرحمهم بالرعية و أعدلهم بالسوية و أبصرهم بالقضية. انتهى ما نقله القندوزي(70). مات النبي (ص) ورأسه في حجر علي عليه السلام أما ما نقله الشيخ عبد السلام عن عائشة : إن رسول الله (ص) مات ورأسه بين سحري ونحري ، فهو مردود عند أهل البيت (ع) لأنهم رووا إلى حد التواتر وأيده كثير من أعلامكم أن النبي (ص) مات ورأسه في حجر علي يناجيه . الشيخ عبد السلام : لا أظن أحدا من علمائنا الأعلام ينقل هذا الخبر ويؤيده ، لأنه معارض لرواية أم المؤمنين عائشة ! قلت : إذا أحببت أن تعرف حقيقة الأمر وينكشف لك الواقع فراجع : 1ـ كنز العمال : ج4/55 و ج6/392 و400 . 2ـ طبقات ابن سعد : ج2 /51 . 3ـ مستدرك الصحيحين للحاكم : ج3 /139 . 4ـ وتلخيص الذهبي وسنن ابن أبي شيبة والجامع الكبير للطبراني ومسند أحمد بن حنبل : ج3 ، وحلية الأولياء / ترجمة الإمام علي (ع) ، ومصادر كثيرة أخرى ، رووا بألفاظ مختلفة والمعنى واحد ، عن أم سلمة وعن جابر بن عبد الله الأنصاري وحتى عن عائشة وغيرهم : أن رسول الله (ص) حينما قبض كان رأسه في حجر الإمام علي عليه السلام ، وقد أشار الإمام في نهج البلاغة إلى هذا الأمر حيث يقول (ع) : و لقد قبض رسول الله ( ص) و إن رأسه لعلى صدري و قد سالت نفسه في كفي ، فأمررتها على وجهي ، و لقد وليت غسله (ص) و الملائكة أعواني ، إلى آخر خطبته الشريفة ، ومن أراد أن يطلع عليها كاملة ويعرف رموزها ومغزاها فليراجع شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد : ج10/179 / ط دار إحياء التراث العربي . وفي صفحة 365 من نفس المجلد ، قال : ومن كلام له (ع) عند دفن سيدة النساء فاطمة (ع) ، كالمناجي به رسول الله (ص) عند قبره : السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك .. على أن يقول : فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ ، وَ فَاضَتْ َ بَيْنَ نَحْرِي وَ صَدْرِي نفسك فإِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، إلى آخر كلامه(71) . ولقد أيد هذا الكلام والمعنى كل من شرح نهج البلاغة من ابن أبي الحديد ومن قبله ومن بعده الى الشيخ محمد عبده . هذه دلائل كافية لرد الخبر المروي عن عائشة ، ولا يخفى أن عائشة كانت تحمل حقدا وبغضا على الإمام علي (ع) بحيث كانت ترى جواز وضع روايات تنفي بها فضائل علي عليه السلام ومناقبه !! مفهوم الوصاية وأهميتها نعرف مفهوم الوصاية من الروايات والأحاديث التي ذكرناها فالمعنى هو الذي تداعى للنواب إذ قال : الخليفة هو الذي يقوم بتنفيذ وصايا النبي (ص) ولا حاجة إلى آخر . وصحابة النبي (ص) أيضا كانوا يفهمون أن الوصي هو الذي يقوم مقام النبي (ص) ، لذلك قام بعض المتعصبين المعاندين من أهل السنة بإنكار وصاية الإمام علي لأنهم عرفوا بأن الإقرار بذلك يلازم الإقرار بخلافته عليه السلام . قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج1 / 139 و140 / ط دار إحياء التراث العربي : أما الوصية فلا ريب عندنا أن عليا عليه السلام كان وصي رسول الله (ص) ، وإن خالف في ذلك من هو منسوب عندنا إلى العناد . ثم نقل في صفحة 143 وما بعدها أبياتا وأراجيز في إثبات وصاية علي (ع) ، منها و قال عبد الله بن العباس حبر الأمة : وصي رسول الله من دون أهله * و فارسه إن قيل هل من منازل وقول خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين يخاطب عائشة ، منها : وصي رسول الله من دون أهله * و أنت على ما كان من ذاك شاهده و قال أبو الهيثم بن التيهان إن الوصي إمامنا و ولينا * برح الخفاء و باحت الأسرار وأنا أكتفي بهذا المقدار ومن رام الإكثار فليراجع شرح النهج حتى يجد الأراجيز والأشعار في هذا الإطار(72) . الشيخ عبد السلام : إذا كانت هذه الأخبار صحيحة ، فلماذا لا نجد في كتب التاريخ والحديث وصية رسول الله (ص) لعلي كرم الله وجهه كما نقلوا وصية أبي بكر وعمر وقت موتهما رضي الله عنهما ؟ قلت : روى أئمة أهل البيت (ع) وصايا النبي (ص) للإمام علي (ع) ، نقلها علماء الشيعة وسجلوها في كتبهم ، ولكني حيث التزمت من أول نقاش أن لا أنقل خبرا وحديثا إلا من كتب علمائكم وأعلامكم ، فأشير في هذا الموضوع أيضا وأجيب سؤالك من مصادركم الموثقة وأسانيدكم المحققة . فأقول : لكي يتضح لكم الأمر وينكشف لكم الحق ، راجعوا الكتب الآتية : 1ـ طبقات ابن سعد : ج2 / 61 و63 . 2ـ كنز العمال : ج4 / 54 وج 6 /155 و393 و403 . 3ـ مسند أحمد بن حنبل : ج4 /164 . 4ـ مستدرك الحاكم : ج3 /59 و111 . وسنن البيهقي ودلائله ، والاستيعاب والجامع الكبير للطبراني ، وتاريخ ابن مردويه ، وغير هؤلاء رووا عن النبي وصاياه لعلي بعبارات مختلفة وفي مناسبات عديدة ، خلاصتها قوله (ص) : يا علي أنت أخي ووزيري ، تقضي ديني وتنجز وعدي وتبري ذمتي ، وأنت تغسلني وتواريني في حفرتي . إضافة إلى ما نقله علماء الحديث في هذا المجال ، فقد أجمعوا على أن الذي قام بتغسيل النبي (ص) وتكفينه وباشر دفنه فأنزله في قبره وواراه في لحده ، هو الإمام علي (ع) . وذكر الحافظ عبد الرزاق في كتابه الجامع : أنه كان على النبي خمسمائة ألف درهم ،ن فأداه علي بن أبي طالب (ع) . الشيخ عبد السلام : قال الله سبحانه : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين)(73) وبناء عليها كان يلزم أن يوصي النبي عند الاحتضار حينما تيقن بموته كما أوصى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . قلت : أولا ... لم يكن مراد الآية الكريمة من ( إذا حضر أحدكم الموت ) أي : حال الاحتضار واللحظات الأخيرة من الحياة . فإنه في تلك الحالة قل من يكون في حالة استقرار نفسي وتمهيد روحي بحيث يتمكن من بيان وصاياه ، وإنما المراد من الآية الكريمة ، أي إذا ظهرت علامات الموت من الضعف والشيخوخة والمرض وما إلى ذلك فليبين وصاياه . ثانيا : ... لقد ذكرني كلامك بأمر فجيع ، إذا ذكرته هاج حزني وتألم قلبي وذلك أن كلنا نعلم أن رسول الله كثيرا ما كان يؤكد على المسلمين في أن يوصوا ولا يتركوا الوصية بحيث إنه قال (ص) : من مات بغير وصية مات ميتة الجاهلية . ولكنه (ص) لما أراد أن يكتب وصيته في مرضه الذي توفي فيه ، وأراد أن يؤكد كل ما كان طيلة أيام رسالته الشريفة يوصي بها عليا (ع) في تنفيذ أمور تتضمن هداية الأمة واستقامتها وعدم انحرافها وضلالتها ، فمنعوه من ذلك وحالوا بينه وبين كتابة وصيته !! الشيخ عبد السلام : لا أظن أن يكون هذا الخبر صحيحا والعقل لا يقبله بل يأباه ، لأن المسلمين كانوا في طاعة رسول الله وذلك لأمر الله سبحانه إذ يقول : ( ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )(74) ، ولقوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول )(75). ولا ريب أن مخالفة كتاب الله عز وجل ومعاندة رسول الله كفر بالله سبحانه . وكان أصحابه على هذا الاعتقاد . فكيف يخالفوه ويعاندوه ؟! فهذا الخبر ليس إلا كذبا وافتراء على الصحابة الكرام ، وأنا على يقين بأن الملحدين وضعوا هذا الخبر ونشروه حتى يصغروا شأن النبي وينزلوا مقامه بأن محمدا ما كان مطاعا في أمته ، وأن نبيا لا تطيعه أمته لجدير بأن لا يطيعه الآخرون ! خبر إن الرجل ليهجر قلت : هذا ظنكم ( وإن الظن لا يغني من الحق شيئا )(76). والخبر الذي تقولون : بأنه كذب وافتراء ، رواه أعلامكم وحتى أصحاب الصحاح لا سيما البخاري ومسلم ، وهما عندكم على مكانة عظيمة من الاحتياط في نقل الأحاديث ، ولقد كانا يحتاطان أن لا يرويا حديثا يستند إليه الشيعة في طعن الصحابة ، وتضعيف خلافة الثلاثة الذين سبقوا عليا (ع) . فقد اتفق المحدثون وأجمعوا على أن النبي قال لمن حضر عنده وهو في مرضه الذي توفي فيه : إئتوني بورق ودواة لأكتب لكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي !! فعارضه جماعة فقال أحدهم : إن الرجل ليهجر كفانا كتاب الله !! وعارضه آخرون فقالوا : دعوا رسول الله (ص) ليوصي . فكثر اللغط ، فقال (ص) : قوموا عني فإنه لا ينبغي النزاع عند نبي ! الشيخ عبدالسلام : أكاد أن لا أصدق هذا الخبر ! من كان يتجرأ من الصحابة أن يعارض رسول الله (ص) ويقابله بهذا الكلام ؟! وهم يتلون كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار حيث يقول تعالى : ( بسم الله الرحمن الرحيم والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى )(77). فلا أدري لماذا خالفوا النبي (ص) وعارضوه أن يوصي ، علما أن أي مؤمن ومؤمنة لا يحق لهما أن يمنعا أحدا من الوصية ، وإن الوصية حق على كل مسلم ومسلمة ، فكيف بالنبي (ص) الذي طاعته واجبة على الأمة ، ومخالفته عناد كفر وإلحاد ؟ فلذلك يصعب علي قبول هذا الخبر وتصديقه ! قلت : نعم إنه خبر ثقيل على مسامع كل مؤمنين ، ومؤلم لقلوب كل المسلمين ، وإنه يثير تعجب كل إنسان و يستغربه كل صاحب وجدان وإيمان !! فإن العقل يأبى أن يقبله ويصعب على قلب أن يتحمله . إذ كيف يروم لجماعة ، يدعون بأنهم أتباع نبي الله ، ثم يمنعوه من أن يوصي عند وفاته بشيء يكون سبب سعادتهم ، ويضمن لهم هدايتهم ويمنعهم عن الضلال والشقاء بعده أبدا ؟! ولكن هذا ما حدث !! تأسف ابن عباس إنه مؤسف لكل غيور ، فإن كل مسلم إذا سمع الخبر يتأسف ويتألم كما كان عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله (ص) إذا تذكر ذلك اليوم يتأسف ويبكي . ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج2/ 54 و 55 / ط. دار إحياء الثراث العربي قال : و في الصحيحين ، خرجاه معا عن ابن عباس أنه كان يقول : يوم الخميس و ما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى . فقلنا : يا ابن عباس ، و ما يوم الخميس ؟ قال : اشتد برسول الله (ص) وجعه ، فقال : ائتوني بكتاب أكتبه لكم لا تضلوا بعدي أبدا . فتنازعوا ، فقال (ص) : إنه لا ينبغي عندي تنازع ، فقال قائل : ما شأنه ؟ أ هجر؟!(78). الشيخ عبد السلام : هذه الرواية مبهمة ، لا تصرح بأن النزاع لأي شيء حدث ؟ ثم من هو القائل ؟ : ما شأنه ؟ أهجر ؟ قلت : لإن كانت هذه الرواية مبهمة فإن هناك روايات صريحة على أن القائل هو عمر بن الخطاب ، وأنه هو الذي منع بكلامه من أن يأتوا للنبي (ص) بالقرطاس والدواة ليوصي ! الشيخ عبدالسلام : هذا بهتان عظيم ! نعوذ بالله تعالى من هذا الكلام ، وأنا على يقين أن هذا البهتان على الخليفة عمر ما هو إلا من أقاويل الشيعة وأباطيلهم ، فأوصيك أن لا تعدها ! قلت : وأنا أوصيك يا شيخ : أن لا تفوه بكلمة من غير تفكر ، فإن لسان المؤمن خلف قلبه وقلب المنافق خلف لسانه ، يعني ينبغي للمؤمن أن يفكر قبل أن يتكلم ، فإن المنافق يتكلم قبل أن يفكر في مقاله ومعنى كلامه ، ثم ينكشف له بطلانه وزيفه ، وكم رميتم الشيعة المؤمنين ، في هذه المناقشات ، ونسبتم كلامنا للأباطيل والأقاويل ، ثم انكشف للحاضرين أنها ما كانت كذلك وإنما كان كلامنا من مصادر ومنابع أهل السنة وعلمائهم وأعلامهم !! وسأثبت لكم أننا لسنا أهل افتراء وبهتان ولا أهل الأقاويل والبطلان ، وإنما ذاك غيرنا !! ولكي يظهر لك الحق ويتضح الأمر ، بأن القائل : أهجر ؟ أو يهجر ! وأن المانعين من أن يكتب النبي (ص) وصيته ، هو عمر . فراجع المصادر التي سأذكرها من علمائكم : 1ـ صحيح البخاري : ج2/ 118 . 2ـ صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية . 3ـ الحميدي في الجمع بين الصحيحين . 4ـ أحمد بن حنبل في المسند : ج1 / 222 . 6ـ والنووي في شرح صحيح مسلم ، وغيرهم كابن حجر في صواعقه ، والقاضي أبو علي ، والقاضي روزبهان ، والقاضي عياض ، والغزالي ، وقطب الدين الشافعي ، والشهرستاني في الملل والنحل وابن الأثير ، والحافظ أبو نعيم ، وسبط ابن الجوزي . وجل علمائكم أو كل من كتب من أعلامكم عن وفاة النبي (ص) ذكر هذا الأمر العظيم والخطب الجسيم والخبر الأليم . نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج2 / 55 / ط. دار إحياء التراث العربي بيروت قال : و في الصحيحين أيضا ، خرجاه معا عن ابن عباس رحمه الله تعالى قال : لما احتضر رسول الله (ص) و في البيت رجال منهم عمر بن الخطاب ، قال النبي (ص) : هلم أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده ، فقال عمر : إن رسول الله (ص) قد غلب عليه الوجع ، و عندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله ! فاختلف القوم و اختصموا ، فمنهم من يقول قربوا إليه يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ، و منهم من يقول : القول ما قاله عمر ، فلما أكثروا اللغو و الاختلاف عنده (ع) ، قال لهم : قوموا فقاموا . فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية : ما حال بين رسول الله (ص) و بين أن يكتب لكم ذلك الكتاب . ونقل سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص / 64 و65 / ط. مؤسسة أهل البيت بيروت ، قال : وذكر أبو حامد الغزالي في كتاب " سر العالمين " : ولما مات رسول الله (ص) قال قبل وفاته بيسير : إئتوني بدواة وبياض لأكتب لكم كتابا لا تختلفوا فيه بعدي ، فقال عمر : دعوا الرجل فإنه يهجر !! إن هذه المخالفة والمعارضة من عمر لرسول الله (ص) ما كانت أول مرة بل كانت مسبوقة بمثلها كما في صلح الحديبية وغيرها ... ولكن هذه المرة سببت اختلاف المسلمين وتنازعهم في محضر رسول الله (ص) ، وكان أول نزاع وتخاصم وقع بين المسلمين في حياة النبي (ص) ودام ذلك حتى اليوم ، فعمر بن الخطاب هو مسبب هذه الاختلافات والضلالات التي أدت بالمسلمين إلى القتال والحروب ، وسفك الدماء وإزهاق النفوس ، لأنه منع النبي (ص) من كتابة ذلك الكتاب الذي كان يتضمن اتحاد المسلمين وعدم ضلالتهم إلى يوم الدين !! الشيخ عبدالسلام : لا ننتظر من جنابكم هذا التجاسر على مقام الخليفة الفاروق ! وأنت صاحب الخلق البديع والأدب الرفيع فكيف لا تراعي الأخلاق والآداب ؟! قلت : بالله عليكم ! اتركوا التعصب ! وتجردوا عن حب ذا وبغض ذاك ! وأنصفوا ! هل تجاسر الخليفة على سيد المرسلين وخاتم النبيين (ص) ومخالفته ومعارضته للنبي (ص) ونسبته رسول الله (ص) إلى الهجر والهذيان أعظم أم تجاسري على الخليفة كما تزعمون ؟! ولعمري ما كان تجاسري إلا كشف الواقع وبيان الحقيقة ! وليت شعري ... أنا لا أراعي الأخلاق والآداب أم عمر بن الخطاب ؟ إذ سبب النزاع والصياح ، وتخاصم الأصحاب عند رسول الله (ص) حتى رفعوا أصواتهم وأزعجوا النبي (ص) بحيث أخرجهم وأبعدهم وغضب عليهم لأنهم خالفوا الله سبحانه إذ يقول : ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون )(79). الشيخ عبد السلام : لم يقصد الخليفة من كلمة الهجر معنى سيئا وإنما قصد أن النبي (ص) بشر مثلنا ، وكما نحن في مثل تلك الحالة نفقد مشاعرنا ، فرسول الله (ص) كان كذلك ! لأن الله تعالى يقول : ( قل إنما أنا بشر مثلكم )(80) ... فهو (ص) إذا مثلنا في جميع النواحي : في الغرائز والعواطف ، ويعرض عليه من العوارض الجسمية كضعف القوى والأعضاء كما يعرض على غيره من البشر ، وحالة الهجر والهذيان في حال المرض أيضا من عوارض الجسد البشري ، فربما يعرض عليه كما يعرض على كل أفراد البشر !! قلت : أولا : إني أتعجب من انقلابك واستغرب تبدل حالك ! إذ كنت قبل هذا تقول : لا ريب إن مخالفة كتاب الله كفر ومعاندة رسول الله (ص) إلحاد ، والآن طفقت توجه كلام معانديه وعمل مخالفيه ! فما عدا مما بدا ؟! ثانيا : أتعجب أيضا أنك لا تتأثر من كلام عمر على رسول الله (ص) وهو سيد الأولين والآخرين . وتتغير هذا التغير الفظيع من كلامي على عمر ، وهو إنسان عادي غاية ما هنالك أن أحد صحابة رسول الله وكم له في الصحابة من نظير !! والجدير بالذكر أنه بعد تلك الصحبة الطويلة ما عرف النبي (ص) حق معرفته وكان جاهلا بمقامه المنيع وشأنه الرفيع فنسب إليه الهجر ، وهذا رأي بعض أعلامكم مثل القاضي عياض الشافعي في كتاب الشفاء والكرماني في شرح صحيح البخاري والنووي في شرح صحيح مسلم فإنهم يعتقدون من ينسب الهجر والهذيان إلى رسول الله (ص) فقد جهل معنى النبوة والرسالة ، ولا يعرف قدر النبي وشأنه ، لأن الأنبياء العظام كلهم في زمان تبليغ رسالتهم وإرشادهم للناس يكونون معصومين عن الخطأ والزلل ، لأنهم يأخذون عن الله تعالى ومتصلون بعالم الغيب والملكوت ، سواء أكانوا في حال الصحة أم المرض . فيجب على كل فرد من الناس أن يطيعهم ويمتثل لأوامرهم . فمن خالف النبي (ص) في طلبه البياض والدواة ليكتب وصيته (ص) وخاصة بمثل ذلك الكلام الشنيع : " إن رسول الله يهجر " ! " إنما هو يهجر " ! " قد غلب عليه الوجع " ! وما إلى ذلك من كلام فجيع وبيان فظيع ، إنما يدل على جهل قائله وعدم معرفته لمقام النبي وشخصيته العظيمة ! ثالثا : أطلب من جناب الشيخ أن يراجع كتب اللغة في تفسير كلمة " يهجر " حتى يعرف مدى تجاسر قائلها على رسول الله (ص) !! فقد قال اللغويون : الهُجر بالضم = الفُحش ، وبالفتح = الخلط والهذيان ، وهو بعيد عن مقام النبوة وقد عصم الله سبحانه رسوله عن ذلك بقوله عز وجل : ( بسم الله الرحمن الرحيم والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى )(81) لذلك أمر المسلمين بالإطاعة المحضة له من غير ترديد وإشكال ، فقال سبحانه : ( ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )(82). وقال تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول )(83). فمن استشكل في كلام رسول (ص) أو تردد في إطاعته وامتثال أمره ، فقد خالف الله تعالى وأصبح من الخاسرين . الشيخ عبد السلام : ولو فرضنا بأن عمرا قد أخطأ ، فهو خليفة رسول الله (ص) وكان يقصد بذلك حفظ الدين والشريعة ولكنه اجتهد فأخطأ فيعفى عنه والله خير الغافرين . قلت : أولا : حينما تكلم عمر بذلك الكلام الخاطئ لم يكن خليفة رسول الله ، بل شأنه شأن أحد الناس العاديين . ثانيا : قد قلت : إنه اجتهد فأخطأ ! فلعمري هل الرأي أو الكم المخالف لنص القرآن ، اجتهاد ؟ أم ذنب لا يغفر ! ثالثا : وقلت : إنه كان يقصد حفظ الدين والشريعة . فمن أين تقول هذا ؟ والله من وراء القصد . ثم هل أن النبي (ص) كان أعرف بحفظ الشريعة أم عمر بن الخطاب ؟ فإن رسول الله (ص) كان موكلا من الله في ذلك وكان (ص) حريصا على الدين وحفظ الشريعة أكثر من غيره ، ولأجل ذلك أراد أن يوصي ويكتب كتابا لا يضل المسلمون بعده أبدا . ولكن عمر منع من ذلك وصار سببا لضلالة من ضل إلى يوم القيامة ، فأي عفو وغفران يشمل هذا المجتهد الخاطئ !! الشيخ عبد السلام : ربما الخليفة الفاروق رضي الله عنه كان يعرف الأوضاع الاجتماعية والظروف الراهنة ، وثبت عنده بأن الوصية وكتاب النبي (ص) يحدث فتنة عظيمة من بعده (ص) ، فكان بمنعه ورفضه الكتاب والوصية ، ناصحا للنبي و ناويا الخير للإسلام والمسلمين . قلت : إن أستاذي المرحوم الشيخ محمد علي الفاضل القزويني وكان يحوي علم المعقول والمنقول ، كان ينصحني ويقول : توجيه الخطأ يولد أخطاء أخرى ، فلو اعترف العاقل بخطئه لكان أسلم له وأجمل ، وقالوا قديما : الاعتراف بالخطأ فضيلة . وأنا أراك هويت في مهوى توجيه خطأ من تهوى فنسيت كلام الله تعالى حيث يقول : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا )(84). الشيخ عبد السلام : تظهر نية الفاروق الحسنة من آخر كلامه حيث قال : حسبنا كتاب الله !! قلت : هذه الجملة تدل على عدم معرفة الخليفة لمقام النبوة وعدم معرفته بحقيقة كتاب الله أيضا ، لأن القرآن كلام ذو وجوه وله بطون ، ولابد من مفسر(85) وموضح يعرف الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والمتشابه والمحكم منه ، وهذا لا يكون إلا من أفاض الله عليه من الحكمة وفتح في قلبه ينابيع علومه ، فلذا قال سبحانه : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم )(86) . فإذا كان القرآن وحده يكفي لما قال سبحانه : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )(87) . ولما قال تعالى : ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم )(88). ولقد عرف رسول الله (ص) لأمته الراسخين في العلم وأولي الأمر الذين يرجع إليهم في تفسير القرآن وتوضيحه ، في حديثه الذي كرره على مسامع أصحابه وقد وصل حد التواتر في النقل ، إذ قال حتى عند وفاته : إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، إن تمسكتم بهما نجوتم ـ لن تضلوا أبدا(89). فرسول الله (ص) لا يقول لأمته : كفاكم كتاب الله وحسبكم . بل يضم إلى القرآن أهل بيته وعترته . أيها الحاضرون ! فكروا وأنصفوا أي القولين أحق أن يؤخذ به قول عمر : حسبنا كتاب الله . أم قول النبي (ص) : كتاب الله وعترتي ؟ لا أظن أحدا يرجح قول عمر على قول رسول الله (ص) ، فإذا كان كذلك ، فلماذا أنتم تركتم قول النبي (ص) وأخذتم بقول عمر ؟! فإذا كان كتاب الله وحده يكفينا ، فلماذا يأمرنا الله تعالى ويقول : ( فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )(90) والذكر سواء كان القرآن أو رسول الله (ص) فأهل الذكر هم عترة رسول الله وأهل بيته الطيبين . وقد مر الكلام حول الموضوع في الليالي السالفة ، ونقلت لكم عن السيوطي وغيره من أعلامكم أنهم رووا بأن أهل الذكر هم عترة رسول الله (ص) الذين جعلهم النبي (ص) عدل القرآن ونظيره . وأنقل لكم ـ الآن ـ مضمون كلام أحد أعلامكم وهو قطب الدين الشيرازي ، قال في كتابه كشف الغيوب : لابد للناس من دليل ومرشد يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم ، ولذا أتعجب من كلام الخليفة عمر (رض) : حسبنا كتاب الله ! وبهذا الكلام رفض الهادي والمرشد فمَثَله كمن يقبل علم الطب وضرورته ولزومه للناس إلا أنه يرفض الطبيب ويقول حسبنا علم الطب وكتبه ولا نحتاج لطبيب ! من الواضح إن هذا الكلام مردود عند العقلاء ، لأن الطبيب وجوده لازم لتطبيق علم الطب كما يلزم علم الطب الناس ، والعلم من غير عالم وعارف بمصطلحاته ورموزه ، يبقى معطلا لا يمكن أن يستفاد منه ، فكما لا يمكن لآحاد البشر أن يعرفوا علم الطب ورموزه ، ولا بد من أطباء في كل مجتمع يعالجون المرضى بمعرفتهم لعلم الطب ورموز العلاج ، كذلك القرآن الكريم وعلومه لا يعقل بأن الناس كلهم يعرفون علومه ورموزه ومصطلحاته ، فلا بد أن يرجعوا إلى العالم لعلومه ورموزه والمتخصص بتفسيره وتأويله وقد قال سبحانه : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم )(91). وقال عز وجل : ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم )(92). فالكتاب المبين وحقيقته إنما يكون في قلوب أهل العلم ، كما قال سبحانه : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم )(93) . ولهذا كان علي كرم الله وجهه يقول : أنا كتاب الله الناطق والقرآن كتاب الله الصامت . انتهى مضمون مقال وخلاصة مقال قطب الدين . أقول : كل عاقل منصف ، وكل صاحب وجدان وإيمان يعرف أن عمر بن الخطاب ارتكب ظلما كبيرا بمنعه النبي (ص) أن يكتب لأمته كتابا لن يضلوا بعده أبدا !! وأما قولك أيها الشيخ : إن أبا بكر وعمرا أوصيا ولم يمنعهما أحد من الصحابة : فهو قول صحيح وهذا الأمر يثير تعجبي واستغرابي . كما يهيج حزني ويبعث الألم في قلبي ، فقد اتفق المؤرخون والمحدثون على إن أبا بكر أملا وصيته على عثمان ، وهو كتبها في محضر بعض أصحابه وعرف عمر بن الخطاب ذلك ولم يمنعه ، وما قال له : لا حاجة لنا بوصيتك وعهدك ، حسبنا كتاب الله ! ولكنه مع رسول الله (ص) عن الوصية وكتابة عهده لأمته ، قائلا : أنه يهجر .. كفانا أو حسبنا كتاب الله !! وقد كان ابن عباس وهو حبر الأمة كلما يتذكر ذلك اليوم يبكي ويقول : إن الرزية كل الرزية : ما حال بين رسول الله (ص) و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم / صحيح البخاري بحاشية السندي : ج4 / كتاب المرضى باب قول المريض قوموا عني وج 4 / 271 / باب كراهية الخلاف . نعم كان ابن عباس يتأسف ويبكي ، ويحق لكل مسلم منصف أن يتأسف ويبكي ، وأن يتألم ويتأثر ويتغير ، ونحن على يقين أنهم لو تركوا رسول الله (ص) يكتب وصيته ، لبين أمر الخلافة من بعده وعين خليفته مؤكدا عليهم بأن يطيعوه ولا يخالفوه ، ولذكرهم كل ما قاله في هذا الشأن وفي شأن وصيه وخليفته ووارثه من قبل . والذين منعوا من ذلك ، كانوا يطمعون في خلافته كما كانوا يعلمون أنه يريد أن يسجل خلافة ابن عمه علي بن أبي طالب ، ويكتبه ويأخذ منهم العهد والبيعة له في آخر حياته ، كما أخذ عليهم ذلك في يوم الغدير ، لذلك خالفوه بكل وقاحة ومنعوه من ذلك بكل صلافة ! الشيخ عبد السلام : كيف تدعي هذا ومن أين تبين لك أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يوصي في أمر الخلافة ويعين علي بن أبي طالب لهذا الأمر من بعده ؟! قلت : من الواضح أنه (ص) بين جميع أحكام الدين للمسلمين ، وما ترك صغيرة ولا كبيرة من الفرائض السنن إلا بينها ، حتى قال تعالى في كتابه : ( اليوم أكملت دينكم )(94)، فكان من هذه الجهة مرتاح البال ، ولكن الذي كان يشغل باله هو موضوع خلافته وولي الأمر بعده ، لأنه (ص) كان يعرف عداوة كثير من الناس لعلي بن أبي طالب ، وكان يعلم حقدهم وحسدهم له (ص) وكان يعرف طمع بعض الصحابة ، وحرصهم على خلافته في أمته ، لذلك كان يتخوف من مناوئي الإمام علي عليه السلام ومخالفيه ، أن لا يخضعوا لإمارته ولا يقبلوا خلافته ، فأراد أن يؤكدها عليهم في آخر ساعات حياته ، إضافة على ما بينه في هذا الأمر طول حياته كرارا ومرارا ، كما روى الغزالي في كتابه " سر العالمين " في المقالة الرابعة ، أنه (ص) قال : إيتوني بدوات وبياض لأزيل عنكم إشكال الأمر ، وأذكر لكم من المستحق لها بعدي . ثم كلنا نعلم أن الأمر الذي آل اختلاف المسلمين بعد رسول الله (ص) وكان سبب سفك وإزهاق النفوس ، إنما هو أمر الخلافة لا غير ، فتبين أنه (ص) أراد أن يوضح أمر الخلافة لا غير ، فيتبين أنه (ص) أراد أمر الخلافة للمسلمين ويوصي بها لرجل منهم يستحقها ، حتى يبايعوه ويخضعوا لإمارته وخلافته ولكي لا يؤول أمرهم إلى التخاصم والتنازع ، ولا يقعوا من بعده في هوة الاختلاف ومزلة الانحراف . ثم إن النبي (ص) في مواطن كثيرة عين وصيه وعرفه للناس ، وقد نقلنا لكم بعض الأخبار والأحاديث في هذا الشأن ولا حاجة لتكرارها . ولا ينكر أحد من المسلمين المنصفين بأن النبي (ص) عين عليا وصيا لنفسه وأودعه الوصايا التي أراد أن يكتبها حتى لا يضلوا من بعده أبدا ، ولكنهم منعوه ورفضوها بقولهم : إنه ليهجر . كفانا أو حسبنا كتاب الله !! الشيخ عبد السلام : خبر تعيين النبي (ص) عليا وصيا لنفسه غير متواتر فلا يصح الاستناد به . قلت : هو خبر متواتر عن طريق العترة النبوية الطاهرة والأمر ثابت من غير شك ولا ترديد . وأما عن طرقكم ، فربما لم يكن لفظه متواترا ولكن معناه قد تواتر عن طرقكم في ألفاظ متفاوتة وجمل متعددة . ثم إذا كان التواتر عندكم مهما إلى هذا الحد بحيث لو كان الخبر واصلا عن طريق موثوق وبسند حسن وقد صححه العلماء المتخصصون ، ومع ذلك ترفضونه بحجة أنه غير متواتر ، فأسألكم هل كان حديث : " لا نورث ما تركناه صدقة " متواترا ؟! لا .. بل هو خبر واحد رواه أبو بكر(95) ، وصدّقه عصابة كانت لهم منفعة ومصلحة في تصديقهم إياه ! ولكن في كل عصر ينكره ملايين المسلمين ويرفضه آلاف العلماء الصالحين . وقد أنكره الإمام علي (ع) وهو باب علم الرسول ، ورفضته فاطمة الزهراء (ع) بضعة رسول الله الطاهرة المطهرة التي عصمها الله من الزلل وطهرها من الرجس والدنس بالدلائل القاطعة والبراهين الساطعة المستندة على كتاب الله الحكيم والمنطق القويم والعقل السليم . ولو لم يورث الأنبياء فكيف قال النبي (ص) : لكل نبي وصي ووارث ، وأن عليا وصيي ووارثي ؟(96) وأثبتنا أن المقصود وراثة المال والمقام . وحتى إذا كان المقصود وراثة العلم فوارث علم النبي (ص) أحق بخلافته من فاقد علمه . والجدير بالذكر أن أبا بكر وعمر في كثير من القضايا رجعا إلى الإمام علي (ع) وعملا برأيه وأخذا بقوله ، ولكن في هذه القضية بالذات خالفوه ، ولم يقبلوا حتى شهادته في فدك بأنها منحة رسول الله (ص) لفاطمة (ع) ، فرفضوا شهادته وشتموه بقولهم : إنما هو ثعالة شهيده ذنبه ، مرب لكل فتنة الخ . الحافظ : إن أبا بكر وعمر كانا في غنى عن علي وعلمه ولم يرجعا إليه في بعض الأحكام لجهلهما بالحكم بل كانا يحترمانه ويشاورانه . قلت : إن قولك هذا منبعث عن حبك للشيخين وقد قالوا : حب الشيء يعمي ويصم . وإن قولك رأي شخصي لم يقل به قائل ، بل هو مخالف لصريح ما نقله أعلامكم عن نفس أبي بكر وعمر . وإليكم نماذج منها : الحكم في امرأة ولدت لستة أشهر نقل المحدثون منهم أحمد بن حنبل في مسنده والمحب الطبري في ذخائر العقبى وابن أبي الحديد في شرح النهج والشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودة / الباب السادس والخمسون فصل : في ذكر كثرة علم علي ، قال : وروي أن عمر أراد رجم المرأة التي ولدت لستة أشهر! فقال علي (ع) في كتاب الله: ( وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً )(97) ثم قال:( وفصاله في عامين)(98) فالحمل ستة أشهر ، فتركها عمر ، وقال عمر : لو لا علي لهلك عمر . قال القندوزي : أخرجه أحمد والقلعي وابن السمان . ونقل القندوزي في الباب قبل هذا الخبر بقليل فقال : وأخرج أحمد [ ابن حنبل ] في المناقب : أن عمر بن الخطاب إذا أشكل عليه شيء اخذ من علي رضي الله عنه . ولو تصفحنا كتب التاريخ والحديث لوجدنا كثيرا من هذه القضايا المشكلة التي كان يعجز عن حكمها الخلفاء فيرجعون فيها إلى علي (ع) ويأخذون بقوله ويعملون برأيه . فيا أيها العلماء ! وأيها الجمع ! فكروا : لماذا رفضوا شهادة علي (ع) في أمر فدك ولم يقبلوا حكمه في قضية فاطمة (ع) وقالوا ما قالوا وافتروا عليه وشتموه !! ثم إذا كان الحديث الذي رواه أبو بكر صحيحا وكان قد سمعه من رسول الله (ص) فلماذا لم يحكم في سائر ممتلكات النبي (ص) بحكم فدك ولم يضمها إلى بيت المال لعامة المسلمين ، أو يجعلها صدقات ينتفع بها المساكين . بل ترك حجرة فاطمة (ع) لها ، وترك حجرات زوجات الرسول لكل واحدة منهن حجرتها ، من باب الإرث(99). إضافة على هذا : إذا كان أبو بكر يؤمن بما يقول ويعتقد بالحديث الذي رواه : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة " وعلى هذا المبنى أخذوا فدك وأخرجوا عمال فاطمة منها . فلماذا رد فدك ـ بعد أيام ـ على فاطمة وكتب لها كتابا في ذلك إلا أن عمر أخذ منها الكتاب ومزقه ، ومنعها من التصرف في فدك ؟! الحافظ : هذا كلام جديد لم نسمع به من قبل ! فمن أي مصدر وبأي دليل تقول : بأن أبا بكر (رض) رد فدك على فاطمة ثم منعها عمر في خلافة أبي بكر ومزق كتابه ؟!! قلت : يبدو أن مشاغل الحافظ كثيرة بحيث لا يجد فرصة ليطالع كتب أعلام السنة من أهل مذهبه ونحلته ، وإلا لما كان هذا الخبر جديدا على مسامعه ، فقد روى هذا الخبر كثير من المؤرخين والمحدثين منهم علي بن برهان الدين الشافعي في السيرة الحلبية : ج3/391وابن أبي الحديد في شرح النهج : ج16 / 247/ ط دار إحياء التراث العربي / قال : روى إبراهيم بن سعيد الثقفي عن إبراهيم بن ميمون ، قال : حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب (ع) عن أبيه عن جده عن علي (ع) قال : جاءت فاطمة (ع) إلى أبي بكر و قالت : إن أبي أعطاني فدك ، و علي و أم أيمن يشهدان فقال : ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق قد أعطيتكها ، و دعا بصحيفة من أدم فكتب لها فيها ، فخرجت فلقيت عمر فقال : من أين جئت يا فاطمة ؟ قالت جئت من عند أبي بكر. أخبرته أن رسول الله (ص) أعطاني فدك و أن عليا و أم أيمن يشهدان لي بذلك فأعطانيها و كتب لي بها . فأخذ عمر منها الكتاب . ثم رجع إلى أبي بكر ، فقال : أعطيت فاطمة فدك و كتبت بها لها؟ قال : نعم فقال : إن عليا يجر إلى نفسه ، و أم أيمن امرأة ، و بصق في الكتاب فمحاه و خرقه ! والعجب إن عمر الذي كان بهذه الشدة في قضية فدك أيام خلافة أبي بكر ، لما وصلت أيامه وصارت الخلافة في يده رد فدك على أولاد فاطمة وكذلك بعض الخلفاء من بعده ! الحافظ : إن هذا الخبر من أعجب الأخبار لتناقضه ، وإني حائر في تصديقه ورده ! قلت : لا تتحير ولا ترد الخبر بل راجع كتاب وفاء الوفاء في تاريخ مدينة المصطفى للعلامة السمهودي وهو من أعلامكم ، ومعجم البلدان لياقوت الحموي . رويا أن أبا بكر أخذ فدك من فاطمة ، ولكن عمر في خلافته رده على العباس وعلي بن أبي طالب ، فإذا كان فدك فيء المسلمين وقد أخذه أبو بكر حسب الحديث الذي سمعه من النبي (ص) ، فبأي سبب رده عمر وجعله في يد علي والعباس دون سائر المسلمين ؟! الشيخ عبد السلام : لعله جعلهما من قبله حتى يأخذا حاصله ويصرفاه في مصالح المسلمين . قلت : ولكن ظاهر بعض العبارات التاريخية أنهما ادعيا عند عمر ميراثهما فأعطاهما فدك وكانا يتصرفان فيها تصرف المالك في ملكه(100). الشيخ عبد السلام : لعل مراد المؤرخين من عمر هو عمر بن عبدالعزيز ! رد عمر بن عبد عبدالعزيز فدك فتبسمت ضاحكا من قوله وقلت : علي (ع) والعباس ما كانا في خلافة عمر بن عبدالعزيز ، وحكم عمر بن عبدالعزيز فدك على أولاد فاطمة (ع) خبر آخر وقد ذكره العلامة السمهودي أيضا ، وذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج16 / 216 قال : ... فلما ولي عمر ابن عبد العزيز الخلافة الأموية كانت أول ظلامة ردها ، [ أنه ] دعا الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) و قيل بل دعا علي بن الحسين (ع) فردها عليه ، و كانت بيد أولاد فاطمة ع مدة ولاية عمر بن عبد العزيز . فلما ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم ، فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها ، حتى انتقلت الخلافة عنهم فلما ولي أبو العباس السفاح ردها على عبد الله بن الحسن بن الحسن ، ثم قبضها أبو جعفر لما حدث من بني الحسن ما حدث ، ثم ردها المهدي ـ ابنه ـ على ولد فاطمة (ع) ثم قبضها موسى بن المهدي و هارون أخوه ، فلم تزل أيديهم حتى ولي المأمون . المأمون ورده فدك نقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج16 في صفحة 217 : قال أبو بكر [ الجوهري ] حدثني محمد بن زكريا قال : حدثني مهدي بن سابق قال : جلس المأمون للمظالم فأول رقعة وقعت في يده نظر فيها و بكى ، و قال للذي على رأسه : ناد أين وكيل فاطمة ؟ فقام شيخ عليه دراعة و عمامة و خف تعزى ، فتقدم فجعل يناظره في فدك و المأمون يحتج عليه و هو يحتج على المأمون ، ثم أمر أن يسجل لهم بها ، فكتب السجل و قرئ عليه ، فأنفذه ، فقام دعبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أولها : أصبح وجه الزمان قد ضحكا برد مأمون هاشم فدكا ونقل ياقوت الحموي في معجم البلدان في كتاب المأمون إلى واليه على المدينة في شأن فدك ، جاء فيه : كان رسول الله (ص) أعطى ابنته فاطمة رضي الله عنها فدكا وتصدق عليها بها ، وأن ذلك كان أمرا ظاهرا معروفا عند آله عليهم الصلاة والسلام . فدك كانت نحلة فاطمة (ع) لقد ثبت في موضعه أن فدكا كانت نحلة لفاطمة أنحلها رسول الله (ص) وذا كان بعض الخلفاء يردونها على أولاد فاطمة وكان آخرون يغصبونها اقتداء بأبي بكر !! الحافظ : إن كانت فدكا ، نحلة أنحلها رسول الله فاطمة ، فلماذا ادعتها من بابا الإرث ولم تدعيها نحلة ؟ قلت : لا شك أنها ادعت فدكا بادئ الأمر من بابا النحلة وأقامت شهودا على ذلك ، فلما ردوا شهودها ادعتها من باب الإرث . الحافظ : هذا كلام جديد لم نسمع به من قبل ولعلك مشتبه ! قلت : إني على يقين فيما أقول ولست مشتبها ، ولم تنفرد الشيعة بهذا الخبر بل نقله كثير من أعلامكم منهم : علي بن برهان الدين في كتابه السيرة الحلبية ، والفخر الرازي في تفسير الكبير ، وياقوت الحموي في معجم البلدان ، وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج : ج16 / 214 / ط. دار إحياء التراث العربي ، يروي عن أبي بكر الجوهري ، قال : و روى هشام بن محمد عن أبيه قال : قالت فاطمة لأبي بكر : أن أم أيمن تشهد لي أن رسول الله (ص) أعطاني فدك ، فقال لها يا ابنة رسول الله .... إن هذا المال لم يكن للنبي (ص) ، و إنما كان مالا من أموال المسلمين(101)، يحمل النبي به الرجال و ينفقه في سبيل الله فلما توفي رسول الله ص وليته كما كان يليه . قالت : و الله لا كلمتك أبدا ! قال : و الله لا هجرتك أبدا ! قالت : و الله لأدعون الله عليك ! قال : و الله لأدعون الله لك . فلما حضرتها الوفاة أوصت ألا يصلي عليها فدفنت ليلا ... الخ . توجيه العامة عمل أبي بكر الحافظ : نحن نعلم أن أبا بكر أسخط فاطمة رضي الله عنها ، وماتت بنت رسول الله (ص) وهي واجدة عليه ، ولكنه أبا بكر برئ ، لأنه عمل بحكم الله وطالبها بالشهود لإثبات حقها ، وأنت جد خبير بأنه يجب في هذه القضايا أن يشهد رجلان أو رجل وامرأتان ، وهذا حكم عام وفاطمة جاءت برجل وامرأة وما أكملت الشهود ، ولذا لم يصدر أبو بكر الحكم لها ، فغضبت !! قلت : فلنختم مجلسنا وندع الجواب إلى الليلة القابلة فإن الحاضرين تعبوا ، وأخاف أن يطول الكلام فيملوا . النواب : كلنا شوق وشغف لنعرف حقيقة الأمر ، فإن موضوع فدك مهم جدا وحساس ، وإذا أنتم ما تعبتم ، فنحن راغبون إلى الاستماع لكلامكم وجوابكم . قلت : أنا لا أتعب من هذه المجالس والمناقشات الدينية أبدا ، بل مستعد أن أبقى معكم حتى الصباح . وأما الجواب : فقد قال الحافظ : بأن أبا بكر عمل بحكم الله وطالب فاطمة بالشهود لإثبات حقها ! قلت : لقد كانت فاطمة (ع) متصرفة في فدك ، وكانت في يدها فبأي شرع وقانون يطالب ذو اليد بإقامة الشهود على إثبات حقه فيما يكون تحت تصرفه وفي يده ؟! فإن الأصل المجمع عليه في قانون القضاء الإسلام ي أن ذو اليد هو المالك فإذا ادعى أحد على ما في يده فعلى المدعي إقامة الشهود والبينة ، وليس على المنكر إلا اليمين ، فأبو بكر كان مدعيا لفدك التي كانت في يد فاطمة (ع) وتحت تصرفها ، فحينئذ كان عليه أن يأتي بالبينة لإثبات ما يدعي ، وليس له أ، يطالب السيدة الزهراء (ع) بالشهود والبينة . ولكن .. إذا كان خصمي حاكمي فكيف أصنع ؟! فأبو بكر خالف حكم الله سبحانه وسحق القانون وقلب أصول القضاء !! وأما قول الحافظ : بأن الحق يثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، وهذا حكم عام . فأقول : ما من عام إلا وقد خص . الحافظ : هذه القاعدة لا تجري في القضاء ، فإن قوانين القضاء تجري على الأغنياء والفقراء وعلى الفساق والأولياء ، على حد سواء ، ولا يستثنى حتى الأنبياء . قلا : إن هذا الكلام يخالف سنة رسول الله (ص) وسيرته المسجلة في صحاحكم ، والثابتة في مسانيدكم . خزيمة .. ذو الشهادتين ذكر ابن أبي الحديد ترجمة ذي الشهادتين في شرح النهج :ج10 / 108 و109 ط دار إحياء التراث العربي / قال : هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الخطمي الأنصاري من بني خطمة من الأوس ، جعل رسول الله ( ص ) شهادته كشهادة رجلين ، لقصة مشهورة الخ . والقصة كما ذكرها الأعلام في ترجمته وفي كتب الحديث وأنا أنقلها من كتاب أسد الغابة لابن الأثير قال : روى عنه ابنه عمارة أن النبي (ص) اشترى فرسا من سواء بن قيس المحاربي ، فجحده سواء ! فشهد خزيمة بن ثابت للنبي (ص) فقال له رسول الله : ما حملك على الشهادة ، ولم تكن حاضرا معنا ؟ قال : صدقتك بما جئت ، وعلمت أنك لا تقول إلا حقا . فقال رسول الله (ص) : من شهد له خزيمة أو عليه فهو حسبه . فما ظنك برسول الله (ص) لو كان علي يشهد عنده في قضية هل كان يصدقه أم يرده ؟! وهو القائل في حقه : " علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق حيث ما دار علي " فكما أن النبي (ص) خصص شهادة خزيمة وأحله محل شاهدين وصارت شهادته بشهادتين ، كذلك أصحاب آية التطهير الذين عصمهم الله تعالى وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . فقولهم لا يرد ، فإن الراد عليهم كالراد على الله سبحانه ، وقد أثبتنا فيما سبق أن عليا (ع) شهد لها بأن رسول الله (ص) أنحلها فدك ، ولكنهم ردوا شهادته بحجة أن عليا يجر إلى نفسه ، فكذبوه وصدقه الله في كتابه الحكيم بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين )(102). الحافظ : من أين تقول هذه الآية نزلت في شأن علي كرم الله وجهه ؟ من هم الصادقون قلت : أجمع علماء الشيعة استنادا على الروايات الواصلة عن طريق أهل البيت (ع) والعترة الهادية ، بأن الصادقين هم خاتم النبيين وعلي أمير المؤمنين والعترة ، وقد وافقنا كثير من أعلامكم وذهبوا إلى هذا الرأي ، منهم : الثعلبي في تفسيره كشف البيان وجلال الدين السيوطي في تفسيره الدر المنثور ، عن ابن عباس ، والحافظ أبو سعد عبد الملك بن محمد الخركوشي في كتاب شرف المصطفى عن الأصمعي . والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء رووا عن النبي (ص) أنه قال : الصادقون أنا وعلي . وقال القندوزي في ينابيع المودة / الباب التاسع والثلاثون : أخرج موفق بن أحمد الخوارزمي عن أبي صالح عن ابن عباس (رض) قال : الصادقون في هذه الآية محمد (ص) وأهل بيته . أيضا أبو نعيم الحافظ والحمويني أخرجاه عن ابن عباس بلفظه ، انتهى . وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين والعلامة الكنجي في كفاية الطالب / الباب 62/وابن عساكر في تاريخه رووا بإسنادهم عن النبي (ص) قال : كونوا مع الصادقين أي مع علي بن أبي طالب. وهناك آيات أخرى أنقلها إليكم بالمناسبة : 1ـ ( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون )(103) روى جماعة من أعلامكم عن مجاهد عن ابن عباس قال : الذي جاء بالصدق محمد (ص) ، والذي صدق به علي بن أبي طالب (ع) . منهم جلال الدين السيوطي في تفسيره الدر المنثور ، والحافظ ابن مردويه في المناقب ، والحافظ ابو نعيم في الحلية ، والعلامة الكنجي في كفاية المطالب / باب 62 ، وابن عساكر في تاريخه يروي عن فئة من المفسرين . 2ـ ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم )(104). روى أحمد بن حنبل في المسند والحافظ أبو نعيم في كتابه : " ما نزل في علي من القرآن (ع) " عن ابن عباس أنها نزلت في شأن علي بن أبي طالب (ع) فهو من الصديقين . 3ـ ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا )(105). وقد صرحت الأحاديث المروية عن طرقكم والتي نقلها أعلامكم في كتبهم ومسانيدهم : بأن عليا (ع) أفضل الصديقين ، ولكي تعرفوا حقيقة مقالنا راجعوا ... مناقب ابن المغازلي الحديث 293 و294 ، والتفسير الكبير للفخر الرازي في تفسير قوله تعالى : ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه )(106). والدر المنثور للسيوطي في تفسير قوله تعالى : ( واضرب لهم مثلا )(107) في سورة ياسين ... وقال : اخرجه أبو داود وأبو نعيم وابن عساكر والديلمي عن أبي ليلى وفيض القدير للمناوي : ج4/238 في المتن وقال في الشرح ـ بعد لفظة وابن عساكر عن أبي ليلى ـ : وابن مردويه والديلمي من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أبي ليلى ، وذخائر العقبى : ص 56 والرياض النضرة : ج2/ 153 للمحب الطبري ، وقال فيهما رواه احمد بن حنبل في كتاب المناقب. هؤلاء كلهم رووا بإسنادهم عن رسول الله (ص) أنه قال : الصديقون ثلاثة : حبيب النجار مؤمن آل يس .. وحزقيل مؤمن آل فرعون .. وعلي بن أبي طالب ، وهو أفضلهم . ورواه ابن حجر في الصواعق المحرقة في ضمن الأربعين حديثا في فضائله (ع) ـ الحديث الحادي والثلاثون ـ ونقله القندوزي في ينابيع المودة / الباب الثاني والأربعون قال : الإمام أحمد في مسنده وأبو نعيم وابن المغازلي وموفق الخوارزمي أخرجوا بالاسناد عن أبي ليلى وعن أبي أيوب الأنصاري (رض) قال : قال رسول الله (ص) : الصديقون ثلاثة : حبيب النجار مؤمن آل يس .. وحزقيل مؤمن آل فرعون .. وعلي بن أبي طالب ، وهو أفضلهم . ورواه العلامة الكنجي إمام الحرمين في كتابه كفاية الطالب الباب الرابع والعشرون بسنده المتصل عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال : قال رسول الله (ص) : سباق الأمم ثلاثة لم يشركوا بالله طرفة عين علي بن أبي طالب وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون فهم الصديقون ، حبيب النجار مؤمن آل ياسين و حزئيل مؤمن آل فرعون وعلي بن أبي طالب ع و هو أفضلهم . ثم قال : هذا سند اعتمد عليه الدار قطني واحتج به(108). انظروا إلى هذه الأحاديث والأخبار المروية عن رسول الله (ص) في كتبكم ومسانيدكم واتقوا الله بترك التعصب والعناد ، ومزقوا الغشاوة التي ضربها أسلا فكم على قلوبكم وعقولكم ، واكسروا الأقفال التي جعلوها على أفهامكم وبصائركم ، وحرروا أنفسكم من قيود وأغلال التقليد من آبائكم وأجدادكم ، ثم فكروا واعقلوا بقلوب متفتحة ، وبعقول متنورة ، وانظروا هل يحق أن تلقبوا أحدا غير علي بن أبي طالب بالصديق ؟! ليت شعري بأي دليل من القرآن الحكيم لقبتم أبا بكر بالصديق ، بعد أن كذب أفضل الصديقين ، ورد شهادة الصديق الأكبر في حق الصديقة الطاهرة فاطمة (ع) ؟! وبأي دليل لقبتم الذي مالأ أبا بكر وسانده على غصب حق الزهراء (ع) ، وأطلقتم عليه لقب الفاروق ؟! ( إن هي إلا أسماء سميتموهما أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان )(109). علي (ع) مدار الحق والقرآن معه أما قال رسول الله (ص) : علي مع الحق والحق معه ، وعلي مع القرآن والقرآن معه ؟ هل من المعقول أن من كان مع الحق ومع القرآن وهما لا يفارقانه ، يكون كاذبا ؟! أو يشهد باطلا ؟! النواب : إنني كثيرا أجالس علماءنا وأستمع إلى حديثهم ، ولا أغيب عن خطب الجمعة أبدا ، ولكني ما سمعت منهم هذين الحديثين ، فهل نقلهما علماؤنا الأعلام ومحدثونا الكرام في كتبهم ؟ قلت : نعم نقلها كثير من أعلامكم ، وقد أعلنت كرارا بأني لا أنقل لكم حديثا انفرد بنقله علماء الشيعة ، بل كل ما أذكره في هذه المناقشات منقول من مصادر علمائكم وكتب أعلامكم ، حتى يصدق عليه اسم الاحتجاج ويكون أوقع في نفوسكم وأرضى لقلوبكم وألزم لكم . وأذكر لك بعض المصادر المقبولة لديكم حول الحديثين الشريفين ، وهي كثيرة منها : في تاريخ بغداد : ج4 / 321 ذكر الخطيب البغدادي ، والحافظ ابن مردويه في المناقب ، والديلمي في الفردوس ، والمتقي الهندي في كنز العمال : ج6 / 153 ، والحاكم النيسابوري في المستدرك : ج3 / 124 ، وأحمد بن حنبل في المسند ، والطبراني في الأوسط والخطيب الخوارزمي في المناقب ، والفخر الرازي في تفسيره : ج1 / 111 ، وابن حجر المكي في الجامع الصغير : ج2/74 و 75 و 140 ، وفي الصواعق المحرقة / الفصل الثاني / من الباب التاسع / الحديث الحادي والعشرين من الأربعين حديثا التي نقلها في فضل الإمام علي (ع) ، ونقل الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودة / الباب 65 / 185 / ط. إسلامبول نقل عن الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي ، ونقل أيضا في الباب العشرين عن جمع الفوائد والأوسط والصغير للطبراني ، ونقل الحمويني في الفرائد وعن ربيع الأبرار للزمخشري عن ابن عباس وعن أم سلمة. والسيوطي في تاريخ الخلفاء / 116 والمناوي في فيض القدير : ج4 / 356 عن ابن عباس أو أم سلمة . وفي مجمع الزوائد ج9 / 134 ، وج 7 / 236 ، والشبلنجي في نور الأبصار : ص 72 رووا عن أم سلمة ، وبعضهم عن ابن عباس عن رسول الله (ص) أنه قال : علي مع القرآن والقرآن مع علي ، لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض . ونقل ابن حجر في الصواعق أيضا في أواخر الفصل الثاني من الباب التاسع(110) . قال : وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته : أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا ، فينطلق بي و قد قدمت إليكم القول معذرة إليكم : ألا إني مخلف فيكم كتاب الله ربي عز و جل ، و عترتي أهل بيتي ، ثم أخذ بيد علي (ع) فرفعها فقال هذا علي مع القرآن و القرآن مع علي لا يفترقا حتى يردا علي الحوض فاسألوهما ما خلفت فيهما . وجاء في بعض الروايات : الحق لن يزال مع علي وعلي مع الحق لن يختلفا ولن يفترقا . وحديث : " علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار " قد نقله أكثر محدثيكم(111) . وفي كتاب تذكرة الخواص(112) عند نقله حديث : " من كنت مولاه فعلي مولاه " ، قال : ... وكذا قوله (ص) : " وأدر الحق معه حيثما دار وكيف ما دار " ، فيه دليل على أنه ما جرى خلاف بين علي (ع) وبين أحد الصحابة إلا وكان الحق مع علي (ع) وهذا بإجماع الأمة . من أطاع عليا فقد أطاع الله ورسوله وكذلك نرى في كتب أعلامكم وأسناد محدثيكم حديثا مرويا عن رسول الله (ص) إذ قال : من أطاع عليا فقد أطاعني ، ومن أطاعني فقد أطاع الله ، ومن أنكر عليا فقد أنكرني ، ومن أنكرني فقد أنكر الله (113). ونقل أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل أن رسول الله (ص) قال : لقد كان علي على الحق في جميع أحواله يدور معه الحق حيثما دار . كيف وبماذا توجهون عمل أبي بكر ورده شهادة علي (ع) في حق الزهراء (ع) مع وجود هذه الأخبار في كتبكم المعتبرة ؟! فلا بد أن تعترفوا بأن عمل أبي بكر كان مخالفا لكتاب الله ولسنة رسول الله (ص) وأنه جحد حق فاطمة ومنعها فدكا من غير حق ، وأنه كذب الله (ص) وأنه جحد حق فاطمة ومنعها فدكا من غير حق ، وأنه كذب تلك الصادقة المصدقة ، وكذب عليا (ع) وأهانه برد شهادته والهجوم على داره وسحبه من البيت إلى المسجد لأخذ البيعة منه كرها .... فأين هذه الأعمال مما رواه أبو المؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب ، ومحمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، أن رسول الله (ص) قال : من أكرم عليا فقد أكرمني ، ومن أكرمني فقد أكرم الله ، ومن أهان عليا فقد أهانني ، ومن أهانني فقد أهان الله ؟!! أيها الحاضرون ، وخاصة أنتم العلماء ، قايسوا أحداث السقيفة وما بعدها وما جرى على آل رسول الله (ص) من بعده ، قايسوها مع هذه الأخبار والأحاديث المروية في كتب أعلامكم ، ثم أنصفوا واحكموا : هل الصحابة عملوا بأوامر رسول الله (ص) ووصاياه في حق عترته وأهل بيته أم خالفوها ؟؟! وهل عمل أبو بكر بحكم الله والشرع المبين في قضية فدك أم أنه أجحف فاطمة وجحد حقها ؟! لأننا قلنا : أولا .. ما كان له أن يطالب البينية من فاطمة لأنها كانت متصرفة في فدك ، وكانت فدك في يدها ، فكان هو المدعي وعليه البينة ، لا على فاطمة (ع) . ثانيا : إذا كان أبو بكر محتاطا في القضية كما تزعمون ، وأنه أراد أن يتيقن من تمليك رسول الله (ص) فاطمة فدكا ، فطالبها بالشهود والبينة ، فلماذا ترك هذا الاحتياط حينما ادعى الصحابة الآخرون مالا بوعد من رسول الله (ص) وعده ، فأعطاه أبو بكر ذلك المبلغ من بيت مال المسلمين ولم يطالبه بالبينة والشهود ؟ فكيف يحكم في قضيتين متشابهتين بحكمين متناقضين ؟! ولعمري .. لماذا يحتاط في أمر فاطمة (ع) ؟ أكان أبو بكر يظن كذبها ؟! وهي التي يشهد الله سبحانه بطهارتها من كل رجس ، وكانت عند عامة الناس أيضا صادقة ومصدقة ، فقد قال أبو نعيم في حلبة الأولياء : ج2 / 42 / راويا عن عائشة قال : ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة غير أبيها . وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ج16 / 284 / ط. دار إحياء التراث العربي : و سألت علي بن الفارقي ، مدرس المدرسة الغربية ببغداد ، فقلت له : أ كانت فاطمة صادقة ؟ قال : نعم . قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة ؟ فتبسم .. ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته ، قال : لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها ، لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة ، و زحزحته عن مقامه ، و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشيء ، لأنه يكون قد سجل على نفسه أنها صادقة فيها تدعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بينة و لا شهود . و هذا كلام صحيح ، و إن كان أخرجه مخرج الدعابة و الهزل . " انتهى كلام ابن أبي الحديد " . فالحقيقة التي هي اليوم ظاهرة ومكشوفة لعلمائكم كيف كانت مبهمة وغير منكشفة يوم أمس عند معاصريها والذين أدركوها من قريب ؟! فكانت أوضح لهم وأظهر ، إلا أن السياسة وحب الرياسة اقتضت منهم إنكار الحقيقة وجحد حق الزهراء المظلومة (ع) !! الحافظ : لمن أعطى الخليفة (رض) مال المسلمين بغير بينة وشهود ؟ قلت : ادعى جابر بعد وفاة النبي (ص) أنه وعده بأن يعطيه من مال البحرين حين وصوله . فأعطاه أبو بكر ألف وخمسمائة دينار ، من مال المسلمين الذي وصل من البحرين ، وما طلب من جابر بينة وشهودا على ما ادعاه . الحافظ : أولا : ما وجدت هذا الخبر في كتب علمائنا ، ولعلكم انفردتم أنتم الشيعة به ! وثانيا : من أين عرفتم أن الخليفة ما طالب جابرا بالبينة والشهود على ما ادعاه ؟ قلت : إني أتعجب من قولك ! كيف ما وجدت هذا الخبر في كتب علمائكم ؟ وهم يستدلون ويستشهدون بهذا الخبر على أنه خبر الصحابي الواحد العادل مقبول . كما أن شيخ الإسلام الحافظ أبا الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني طرحه في كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري / باب من يكفل عن ميت ديْنا ـ وبعد نقله الخبر قال : إن هذا الخبر فيه دلالة على قبول خبر العدل من الصحابة ولو جر ذلك نفعا لنفسه ، لأن أبا بكر لم يلتمس من جابر شاهدا على صحة دعواه . ونقل البخاري هذا الخبر أيضا في صحيحه : ج5 / 218 / ط. دار إحياء التراث العربي تحت عنوان " قصة عمان والبحرين " : روى بسنده عن جابر بن عبد الله قال : قال لي رسول الله (ص) : لو قد جاء مال البحرين ، لقد أعطيتك هكذا وهكذا وثلاثا . فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله (ص) . فلما قدم على أبي بكر ، أمر مناديا فنادى من كان له عند النبي (ص) ديْن أو عدة فليأتني . قال جابر : فجئت أبا بكر فأخبرته أن النبي (ص) قال : لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثا . قال : فأعطاني ..... ـ وفي آخر الرواية ـ فقال لي أبو بكر : عدها . فعددتها فوجدتها خمسمائة . فقال خذ مثلها مرتين . ونقله السيوطي أيضا في كتابه تاريخ الخلفاء / قسم خلافة أبي بكر . والآن أيها الحاضرون ... فكروا وأنصفوا ! لماذا هذا التبعيض ؟ يصدق جابر على ما مدعاه من غير بينة وشهود ، وترد بنت رسول الله (ص) وشهودها ! وقد شهد الله تعالى لها ولبعلها وابنيهما في آية التطهير ! إشكال في شمول آية التطهير الحافظ : إن سياق الآية خطاب لزوجات الرسول (ص) ولذا ذهب البيضاوي والزمخشري وغيرهما من أئمة التفسير إن الآية تشمل زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقولكم بأنها تشمل عليا وفاطمة وابنيهما قول ضعيف لأنه خارج عن سياق الآية وظاهرها ، فإن صدر الآية وآخرها يخاطب نساء النبي . آية التطهير لا تشمل زوجات النبي (ص) قلت : كلامك مردود من جهات عديدة . أولا : كلامك بأن صدر الآية آخرها يخاطب نساء النبي (ص) فيقتضي أن يكون وسطها أيضا ـ وهو آية التطهير ـ خطابا لنساء النبي (ص) . أقول : أولا : إن البلاغة تقتضي غير ذلك ، فقد ثبت عند العلماء إن من فنون البلاغة في القرآن الحكيم ، أن يتوسط كلام جديد بين الجمل المتناسقة ، اتقاء من أن يمل السامع من الكلام المسجع والجملات المرتبة على نسق واحد ، فتغير الأسلوب يكون تنويعا في الكلام ، وقد تكرر نمط هذا الأسلوب في القرآن الكريم . ثانيا : إذا كان المقصود من أهل البيت هم زوجات الرسول (ص) لاقتضى أن يكون الضمير ضمير جمع المؤنث المخاطب على نسق الضمائر التي وردت قبلها وبعدها ، فيكون " ليذهب عنكن الرجس ويطهركن " ، ولكن الله سبحانه ذكر الضمائر في هذه القطعة من الآية على صيغة جمع المذكر المخاطب فقال تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(114)، فأخرجها عن مخاطبة زوجات النبي ونسائه . النواب : فإذا كان الخطاب متوجها إلى أهل البيت بصيغة جمع المذكر المخاطب، فمن أين تقولون أنها تشمل فاطمة وهي أنثى ؟ فتكون خارجة من الآية . قلت : علماؤكم يعرفون أن ضمير الجمع المذكر إنما جاء هنا للتغليب ، وهذا لا ينافي شمول الآية الكريمة لفاطمة (ع) . فهي واحدة مقابل أبيها وبعلها وابنيها ، فعدد الذكور في الجمع غالب ، ولذا جاء الضمير مخاطبا لهم بصيغة " عنكم " و " يطهركم " . وقد أشار إلى هذا ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة / الباب الحادي عشر / الفصل الأول في الآيات الواردة في أهل البيت / الآية الأولى : قال الله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ، قال أكثر المفسرين : على أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين ، لتذكير ضمير " عنكم" وما بعده ، انتهى كلامه . واكثر المفسرين والمحدثين على أن الآية الكريمة لا تشمل زوجات النبي (ص) كما جاء في صحيح مسلم : ج2/237 ـ 238 / روى بسنده عن يزيد بن حيان قال : دخلنا على زيد بن أرقم ـ والخبر طويل وفيه أنه حدثهم ـ عن رسول الله (ص) قال : ألا وإني تارك فيكم الثقلين : أحدهما : كتاب الله ، هو حبل الله ، من أتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة . وفيه : فقلنا : من أهل بيته ؟ نساؤه ؟ قال : لا و ايم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها و قومها ، أهل بيته : أصله و عصبته الذين حرموا الصدقة بعده . ثم هناك روايات كثيرة مروية في كتبكم ، واصلة عن طرقكم بألفاظ متعددة ومعنى واحد ، على أن آية التطهير تشمل النبي والوصي وفاطمة والحسن والحسين (ع) لا سادس لهم . ولكي تعرفوا ذلك فراجعوا مصادركم المعتبرة عندكم والتي منها : 1ـ كشف البيان في تفسير القرآن للثعلبي ، عند تفسيره الآية . 2ـ التفسير الكبير للفخر الرازي : ج6/783 . 3ـ الدر المنثور لجلال الدين السيوطي : ج5/199 . 4ـ والنيسابوري في المجلد الثالث من تفسيره . 5ـ وتفسير رموز الكنوز لعبد الرزاق الرسعني . 6ـ الخصائص الكبرى : ج2 / 264 . 7ـ الإصابة لابن حجر العسقلاني : ج4 /207 . 8ـ تاريخ ابن عساكر : ج4 / 204 و206 . 9ـ مسند أحمد بن حنبل ج1/331. 10ـ الرياض النضرة : ج2/188 للمحب الطبري . 11ـ صحيح مسلم : ج2/331 وج7/130 . 12ـ الشرف المؤبد للنبهاني : ص10 طبع بيروت . 13ـ كفاية الطالب للعلامة الكنجي الشافعي / الباب المائة . 14ـ الحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودة / الباب 23 ، نقل عن صحيح مسلم وعن شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني عن عائشة أم المؤمنين ، ونقل أخبارا أخرى عن الترمذي والحاكم السمناني والبيهقي والطبراني ومحمد بن جرير وأحمد بن حنبل وابن أبي شيبة وابن منذر وابن سعد والحافظ الزرندي والحافظ ابن مردويه رووا عن أم سلمة أم المؤمنين وعن ولدها عمر بن أبي سلمة وعن أنس بن مالك وسعد بن أبي وقاص وواثلة بن اسقع وأبي سعيد الخدري قالوا : إن آية التطهير نزلت في شأن الخمسة الطيبة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين . 15ـ وابن حجر المكي على تعصبه الغريب نقل في كتابه الصواعق /85 و86 / ط المطبعة الميمنية بمصر / عن سبع طرق واعترف بأن الآية الكريمة نزلت في شأن الخمسة الطيبة ولا تشمل غيرهم وذلك في تحقيق عميق وطويل . 16ـ ونقل السيد أبو بكر بن شهاب الدين العلوي في كتابه رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي في الباب الأول / نقل عن الترمذي وابن جرير وابن منذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي وابن أبي حاتم والطبراني وأحمد بن حنبل وابن كثير ومسلم بن الحجاج وابن أبي شيبة والسمهودي ، مع ذكر تحقيقات عميقة من أكابر علمائكم ، على أن الآية الكريمة لا تشمل غير الخمسة الطيبة الذين شملهم كساء رسول الله (ص) وعرفوا بأصحاب الكساء . 17ـ وفي الجميع بين الصحاح الستة نقل عن الموطأ لمالك بن أنس الأصبحي ، وعن صحاح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والسجستاني والترمذي وجامع الأصول . وفي كلمة أقول : إن عامة علمائكم وأعلامكم من المفسرين والمحدثين والفقهاء والمؤرخين وغيرهم ، أجمعوا على أن الآية الشريفة ـ آية التطهير ـ نزلت في شأن محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . وقد وصل هذا المعنى إلى قريب حد التواتر عندكم ، والمخالف لهؤلاء شاذ معاند متمسك بأخبار ضعيفة لا اعتبار بها ، ولا وزن لها في قبال تلك الأخبار المتكاثرة والروايات المتظافرة . عودا إلى فدك فلنعد لما كنا عليه من البحث والحوار ، أقول : أنصفونا ! هل بعد ثبوت التطهير الإلهي لفاطمة وعلي (ع) ، وعلم القوم بأن الله تعالى طهرهما وابنيهما من الأرجاس والمساوئ الظاهرية والباطنية ، وعصمهم من كل صغيرة وكبيرة بنص القرآن الحكيم ، فهل كان يجدر بأبي بكر أم كان يحق له أن يرد فاطمة ، ويرد شهادة الإمام علي (ع) في حقها !!؟ أما كان ردهما ردا على الله سبحانه وتعالى ؟! فكيف يقبل ادعاء جابر بن عبدالله الأنصاري وهو ـ مع تقديرنا لمواقفه واحترامنا له ـ ليس إلا صحابي جليل ، ولم ينزل قرآن في شأنه ، ولا طهره الله تعالى من الرجس ؟! ولكنه يرد فاطمة وعليا (ع) ولا يقبل كلامهما في حق ثابت كثبوت الشمس في وسط النهار !! الحافظ : لا يمكن لنا أن نقبل ، بأن أبا بكر .. وهو ذلك الصحابي الجليل والمؤمن الصديق ، غصب فدكا !! أو أنه أخذه من فاطمة بغير دليل !! إذ أن كل إنسان عاقل يعمل من وراء القصد ، فالخليفة أبو بكر بعد أن كانت أموال بيت المال تحت تصرفه ، ما كان بحاجة إلى فدك وغيرها ، حتى نقول انه اخذ فدكا لحاجة إليها ، فما عسانا أن نقول فيه إلا أنه أخذها ليحق الحق ، ولأنه كان يعتقد بأنها فيء المسلمين . قلت : أولا : أثبتت فاطمة (ع) في خطبها وكلامها وبإقامة الشهود ، أن فدكا لها وليست فيئا للمسلمين ، وأنها نحلة من رسول الله (ص) لها . وقد مر ذلك في حوارنا وهو أمر ثابت عند كل ذي وجدان وذي إنصاف وإيمان . ثانيا : لم يقل أحد بأن أبا بكر غصب فدكا لاحتياجه إليها ، وإنما غصبها ليترك أهل البيت وهم فاطمة وبعلها وابناهما الحسن والحسين ضعفاء ماديا ليس في أيديهما شيء من المال ، فأبو بكر وأعوانه كانوا يعلمون أن عليا (ع) غني بالمعنويات وكفته راجحة في الدين والإيمان والعلم والعقل والفضائل والمناقب وما إلى ذلك . فلو ملك المال واستغنى به إلى جنب الغناء المعنوي ، التف الناس حوله ولم يرضوا بغيره ، فلذلك غصبوهم فدكا وحرموهم من الخمس الذي خصه الله تعالى في كتابه الحكيم لهم فقال سبحانه : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )(115) الخ . وقد جعل الله تعالى ذلك ليرفع شأنهم ومقامهم بين الناس فلا يحتاجون ولا يفتقرون إليهم بل يعيشون معززين ومكرمين بالحق الذي جعل الله عز وجل لهم ، ولأنه حرم عليهم الصدقات والزكوات فعوضهم بالخمس ، ولكن شاء الله ... وشاءوا !! فمنعوهم الخمس بحجة أن الخمس يجب أن يصرف في شراء الأسلحة ولوازم الحرب والجهاد(116). قال محمد بن إدريس الشافعي في كتاب الأم ص 69 : وأما آل محمد الذين جعل لهم الخمس عوضا من الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات شيئا قل أو كثر ، لا يحل لهم أن يأخذوها ولا يجزي عمن يعطيهموها إذا عرفهم . إلى أن يقول : وليس منعهم حقهم في الخمس يحل لهم ما حرم عليهم من الصدقة . الحافظ : الإمام الشافعي رحمه الله يقول : يجب أن يقسم الخمس إلى خمسة أقسام سهم لرسول الله (ص) وهو يصرف في مصالح المسلمين ، وسهم يعطى لذوي القربى وهم آل محمد (ص) وثلاثة سهام تصرف على الأيتام والمساكين وأبناء السبيل . قلت : أجمع العلماء والمفسرون أن آية الخمس حين نزلت قال رسول الله (ص) : أبشروا آل محمد بالغنى . فالآية نزلت في حق آل محمد وتخصص خمس الغنائم لآل محمد (ص) . وكان النبي يقسم خمس الغنائم على آله وأهل بيته ، ولذلك فإن رأي علماء الإمامية تبعا لأئمة أهل البيت (ع) هو أن الخمس يقسم إلى ستة سهام سهم الله سبحانه وتعالى ، وسهم للنبي (ص) وسهم لذوي القربى . هذه السهام الثلاثة باختيار النبي (ص) ومن بعده تكون باختيار الإمام والخليفة الذي نص عليه ، وهو يصرفها في مصالح المسلمين حسب رأيه الصائب ، والسهام الثلاثة الأخرى تصرف على الأيتام والمساكين وأبناء السبيل من الهاشميين لا غيرهم ، ولكن بعد وفاة رسول الله (ص) منعوا سهم بني هاشم وحقهم من الخمس ، كما يصرح بذلك كثير من أعلامكم ومفسريكم في تفسير آية الخمس ، منهم : جلال الدين السيوطي في تفسير الدر المنثور : ج3 ، والطبري في تفسيره ، والثعلبي في كشف البيان ، وجار الله الزمخشري في تفسيره الكشاف ، والقوشجي في شرح التجريد ، والنسائي في كتابه الفيء وغيرهم . فكلهم يعترفون بأنه بعد وفاة النبي (ص) حرموا بين هاشم من الخمس ، وقد كان رسول الله (ص) يعطيهم في حياته ويقسم الخمس عليهم . الحافظ : أما تجيزون للمجتهد أن يعمل برأيه ؟ ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما مجتهدين فعملا بنظرهما وهو انضمام فدك لبيت مال المسلمين وصرف حاصله في المصالح العامة ، وكذلك الخمس !! قلت : أولا : من أين ثبت اجتهاد الشيخين ؟ هذا ادعاء يحتاج إلى دليل ، إذ ليس كل الصحابة كانوا مجتهدين . ثم إن رأي المجتهد يجزي إذا لم يكن نص بخلافة فإذا كان هناك نص في القرآن واجتهد أحد على خلاف ذلك وهو يعلم بوجود ذلك النص ، فقد تبع الهوى وضل عن الحق ، ومن حاول توجيه ذلك الاجتهاد مقابل النص فهو ضال أيضا ، لقوله عز وجل : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا )(117). ثم لا بد للمجتهد من إقامة دليل معقول على أساس الكتاب والسنة الشريفة على رأيه ، فإذا أبدى رأيا من غير دليل معقول وغير مستند إلى القرآن والسنة النبوية ، فهو غير مجتهد قطعا . والمجتهد الذي يجوز للمسلمين أن يتبعوه ويأخذوا برأيه ، إنما هو المجتهد الذي يكون مطيعا لله عز وجل عاملا بكتاب الله سبحانه وآخذا بما جاء به النبي الكريم (ص) ، ويكون صائنا لنفسه مخالفا لهواه ومجانبا للدنيا وزينتها ، فقيها وعالما تقيا ، عارفا بأحكام الدين ومصالح المسلمين . ليت شعري ، بأي دليل اجتهادي رد أبو بكر شهادة علي (ع) وهو الذي جعله الله شاهدا على ما جاء به النبي (ص) وكفى به شاهدا . إذ قال سبحانه : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) (118). فالنبي (ص) على بينة من ربه والشاهد الإمام علي (ع) . الحافظ : ولكن الروايات تقول : إن رسول الله هو صاحب البينة وشاهده القرآن الكريم . فلا أدري بأي دليل قلتم : بأن الشاهد علي كرم الله وجهه ؟ قلت : أعوذ بالله تعالى من أن أفسر القرآن برأيي ، وإنما نقلت لكم قول أئمة أهل البيت (ع) ، وهو أيضا رأي كثير من أعلامكم ومفسريكم ، وهم قد نقلوا في ذلك ما يقارب من ثلاثين حديثا ، منهم : أبو اسحاق الثعلبي في تفسيره روى ثلاثة أحاديث في ذلك ، والسيوطي في الدر المنثور ، عن ابن مردويه وابن أبي حاتم وأبي نعين الحافظ ، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين روى ذلك بثلاثة أسانيد ، والحافظ سليمان القندوزي روى ونقل في الباب 26 عن الثعلبي والحمويني والخطيب الخوارزمي وأبي نعيم والواقدي وابن المغازلي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهما . والحافظ أبو نعيم روى ذلك عن ثلاث طرق ، والطبري وابن المغازلي وابن أبي الحديد ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في الباب 62 من كتاب كفاية الطالب وغير هؤلاء جمع كبير كلهم ذهبوا إلى أن الشاهد في الآية الكريمة هو الإمام علي (ع) وقد قال النبي (ص) : علي مني وأنا من علي ، وقال الله سبحانه : ( ويتلوه شاهد منه ) ومع هذا كله ، لا أدري بأي وجه شرعي ردوا شهادة علي في حق فاطمة (ع) ؟ ردوه بحجة : أنه يجر النفع إلى نفسه !! وهو الذي طلق الدنيا ثلاثا ، وكان أزهد الناس فيها ، يشهد له ذلك الصديق والعدو . ولكن الذين حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها وحرصوا على الرئاسة والملك ، افتروا عليه واتهموه ، وقالوا فيه ما لا يليق إلا بهم . فتارة قالوا : إنه ثعالة شهيده ذنبه !! وتارة قالوا : إنه يجر النفع إلى نفسه ! ولكنه كظم غيظه وصبر على مضض ، حتى قال (ع) في الخطبة الشقشقية المروية في نهج البلاغة وهي الخطبة رقم 3 : فطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَ يَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَ يَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ!! فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَذا أَحْجَى ، فَصَبَرْتُ وَ فِي الْعَيْنِ قَذًى وَ فِي الْحَلْقِ شَجًا أَرَى تُرَاثِي نَهْباً ... الخ . ويقول في الخطبة رقم 5 من نهج البلاغة : ... وَ اللَّهِ لَا بْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ !! من هذا الكلام والبيان نعرف مدى انضجاره من الوضع المؤسف وهو في محراب العبادة وفي حال الصلاة نادى : فزت ورب الكعبة ! نعم بهذه الجملة القصيرة عبر عن حقائق كثيرة ، وبين انه ارتاح من هموم وغموم كانت متراكمة على قلبه الشريف ، من جفاء قوم آخرين وتحريف الدين وتغيير سنن سيد المرسلين !! ارتاح من هموم وغموم تراكمت على فلبه المقدس من أعمال الناكثين ، وجنايات القاسطين ، وجرائم المارقين . وكم تحمل من الأذى والظلم من الذين كانوا يدعون صحبة رسول الله ومرافقته !! وكم خالفوه وقاتلوه وسبوه وشتموه ولعنوه على منابر الإسلام وفي مجاميع المسلمين !! وأنتم أيها العلماء تعرفون كل ذلك ، وتعلمون علم اليقين أن عليا كان نفس رسول الله (ص) بنص القرآن الحكيم وحديث الرسول الكريم حيث قال : " من آذى عليا فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن أحب عليا فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ، ومن سب عليا فقد سبني ، ومن سبني فقد سب الله " . إن السلف سمعوا ذلك من رسول الله (ص) في حق علي (ع) إلا أنهم أخفوه عن المسلمين وألبسوا عليهم الحقائق وأضلوهم عن سبيل الله وعن الصراط المستقيم !! وقد آل الأمر اليوم إليكم ، فأنصفوا واتقوا الله واليوم الآخر ، ولا تتبعوا الهوى واتركوا التعصب لدين الآباء ومذهب السلف ، ( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون )(119) ! فإن الناس من العامة ينظرون إليكم ويأخذون بأقوالكم فلا تسكنوا عن بيان الحقائق ، انقلوا للناس ما رواه علماؤكم ، وحدثوهم بما حدث أعلامكم وكتبوا في كتبهم في شأن الإمام علي (ع) وأهل بيته المظلومين ! من آذى عليا فقد آذى الله لقد بين كثير من أعلام محدثيكم وكبار علمائكم ، ورووا بأسنادهم عن الرسول (ص) في حق (ع) أحاديث هامة ولكنكم لا تذكرونها للعامة ، وتخفوها عنهم ، والمفروض بيانها وإعلانها في الإذاعات وخطب الجمعات ، وفي الاجتماعات الدينية والمناسبات الإسلامية . روى أحمد بن حنبل في المسند بطرق عديدة ، والثعلبي في تفسيره ، وشيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين ، بأسنادهم عن رسول (ص) أنه قال : " من آذى عليا فقد آذاني ، أيها الناس ! من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا " . وروى ابن حجر المكي في الصواعق / الباب التاسع / الفصل الثاني / الحديث السادس عشر / عن سعد بن أبي وقاص عن رسول (ص) قال : من آذى عليا فقد آذاني . رواه العلامة الكنجي الشافعي أيضا في كتابه كفاية الطالب / الباب الثامن والستون / مسندا عن رسول الله (ص) . وذكرت حديثا آخر عن النبي (ص) أنقله لكم فان استماع حديث رسول الله (ص) عبادة . روى أحمد بن حنبل في مسنده ، والمير علي الهمداني الشافعي في مودة القربى ، والحافظ أبو نعيم في كتاب " ما نزل من القرآن في علي " ، والخطيب الخوارزمي في المناقب والحاكم أبو القاسم الحسكاني عن الحاكم أبي عبد الله عن أحمد بن محمد بن أبي داود الحافظ عن علي بن أحمد العجلي عن عباد بن يعقوب عن أرطاط بن حبيب عن أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي ابن الحسين عن أبيه الإمام الحسين الشهيد السبط عن أبيه الإمام علي بن أبي طالب (ع) عن رسول الله (ص) قال : يا علي من آذى شعرة منك فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فعليه لعنه الله. وروى السيد أبو بكر بن شهاب الدين العلوي في كتابه رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبي الهادي ص 6 / الباب الرابع عن الجامع الكبير للطبراني وعن صحيح ابن حيان ـ وصححه الحاكم ـ كلهم عن مولانا أمير المؤمنين (ع) عن رسول الله (ص) قال : من آذاني في عترتي فعليه لعنة الله . بعد هذه الأحاديث الشريفة والتفكر في معانيها ، انظروا إلى أحداث السقيفة وهجوم القوم على دار الإمام علي وفاطمة الزهراء (ع) وهتكهم حرمتها ، وفكروا في تلك الأعمال الشنيعة والأفعال الفظيعة التي ارتكبها القوم حتى مرضت سيدة نساء العالمين بسببها وتوفيت على أثرها في أيام شبابها ، فماتت وهي ساخطة على أبي بكر وعمر وعلى كل من آذاها !! الحافظ : نعم سخطت فاطمة الزهراء بادئ الأمر ، ولكنها رضيت بعد ذلك لأنها علمت بأن الخليفة (رض) حكم بالحق ، فرضيت عن الشيخين (رض) وعن جميع الصحابة الكرام حين توفيت. قلت : إنكم تحبون أن تصلحوا بين سيدة النساء فاطمة (ع) وبين من ظلمها في عالم الخيال ، ولكن الواقع خلاف الخيال والمقال ، فقد صرح أعلامكم وكبار علمائكم مثل الشيخين مسلم والبخاري في صحيحهما فكتبا ورويا عن عائشة بنت أبي بكر : " ... فهجرته فاطمة ولم تكلمه في ذلك حتى ماتت . فدفنها علي ليلا ، ولم يؤذن بها أبا بكر "(120). رواه العلامة الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب ، في أواخر/الباب التاسع والتسعون . وقال ابن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة / 14 و 15 / طبع مطبعة الأمة بمصر : فقال عمر لأبي بكر (رض) انطلق بنا إلى فاطمة فإنا قد أغضبناها ، فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما ، فأتيا عليا فكلماه ، فأدخلهما عليها ، فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط ، فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام !! فقالت : أ رأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله (ص) ، تعرفانه و تفعلان به ؟ قالا : نعم ، فقالت : نشدتكما الله ! أ لم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي و سخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني و من أرضى فاطمة فقد أرضاني و من أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ قالا نعم سمعناه من رسول الله (ص) . قالت فإني أشهد الله و ملائكته أنكما أسخطتماني و ما أرضيتماني و لئن لقيت النبي (ص) لأشكونكما إليه . فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله من سخطه و سخطك يا فاطمة ثم انتحب أبو بكر يبكي ، حتى كادت نفسه أن تزهق و هي تقول : و الله و اللَّه لأدعونّ اللَّه عليك في كلّ صلاة أصلّيها !!(121). وبعد استماع هذا الأخبار ، أرجوكم ! استمعوا إلى روايات المحدثين التي تخبرنا عن مدى تعلق النبي (ص) بابنته فاطمة بحيث جعلها كنفسه وقال : من آذاها فقد آذاني فقد آذى الله ، وإليكم بعض المصادر المعتبرة لديكم : وروى أحمد بن حنبل في المسند ، والحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودة ، والمير سيد علي الهمداني الشافعي في مودة القربى ، وابن حجر في الصواعق نقلا عن الترمذي والحاكم عن رسول الله (ص) قال : فاطمة بضعة مني وهي نور عيني وثمرة فؤادي وروحي التي بين جنبي ، من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن أغضبها فقد أغضبني . ونقل ابن حجر العسقلاني في الإصابة في ترجمة فاطمة (ع) ، عن صحيحي البخاري ومسلم أن رسول الله (ص) قال : فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويريبني ما أرابها . وفي مطالب السؤل لمحمد بن طلحة الشافعي ص 16 طبع دار الكتب التجارية / نقلا عن الترمذي بسنده عن ابن الزبير عن رسول الله (ص) قال : فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها وينصبني ما ينصبها . وفي محاضرات الأدباء للعلامة الراغب الاصبهاني ج2 / 214 عن رسول الله (ص) قال : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني . وروى الحافظ أبو موسى بن المثنى البصري المتوفي سنة 252 ، في معجمه ، وابن حجر العسقلاني في الاصابة ج4 / 375 ، وأبو يعلى الموصلي في سننه ، والطبراني في المعجم ، والحاكم النيسابوري في المستدرك ج3 / 154 ، والحافظ أبو نعيم في فضائل الصحابة ، وابن عساكر في تاريخه ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة / 279 / طبع مؤسسة أهل البيت بيروت ، ومحب الدين الطبري في ذخائر العقبي / 39 ، وابن حجر المكي في الصواعق / 105 ، وأبو العرفان الصبان في إسعاف الراغبين / 171 ، كلهم رووا عن رسول الله (ص) أنه قال لابنته فاطمة (ع): يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك . وروى محمد بن اسماعيل البخاري في الصحيح في باب / مناقب قرابة رسول الله (ص) ، عن مسور بن مخرمة عن رسول الله (ص) أنه قال : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني. وفي التذكرة / 279 روى سبط ابن الجوزي فقال : وقد أخرج مسلم عن المسور بن مخرمة أن رسول الله (ص) قال : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني . أيها الحاضرون ! وخاصة أنتم العلماء فكروا ! في ما يحصل من هذه الأخبار وانظروا نتيجتها ، أليست صريحة في أن الله ورسوله يغضبان على من تغضب فاطمة عليه ؟ وطائفة من الأخبار ـ التي نقلتها لكم عن صحاحكم ومسانيدكم المعتبرة ـ صريحة بأن فاطمة (ع) ماتت وهي ساخطة على جمع من الصحابة منهم أبو بكر وعمر . حتى أوصت أن لا يشيّعاها ولا يصليا عليها!! فالنتيجة الحاصلة : أن الله ورسوله ساخطين على أبي بكر وعمر ، لأن فاطمة (ع) ماتت ساخطة عليهما !! الشيخ عبد السلام : هذه الأخبار صحيحة ولكن رسول الله (ص) نطق بها حينما سمع أن عليا كرم الله وجهه يريد أن يتزوج بابنة أبي جهل ، فغضب رسول الله (ص) وقال : من آذى فاطمة فقد آذاني ، ومن أغضبها فقد أغضبني ، ومن أغضبني فقد أغضب الله . وكان علي كرم الله وجهه هو الهدف والمقصود من هذه الأحاديث الشريفة !! خطبة علي (ع) ابنة أبي جهل كذب وافتراء قلت : يمتاز الإنسان عن سائر أنواع الحيوان بلُبِّه وعقله . فإذا سمع خبرا فهو لا يقبله إلا بعد ما يمضغه بفكره ويهضمه عقله ولبه ، فإذا كان معقولا قبله ، وإذا كان غير معقول رده ، ولذا قال تعالى في كتابه الكريم : ( فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب )(122). هذا الخبر وهو خطبة علي (ع) ابنة أبي جهل ، وغضب النبي (ص) لذلك ، نقله بعض أسلافكم في كتبهم وأنتم على عاداتكم تلقيتم الخبر وتزنوه بعقولكم حتى تجدوه مردودا غير معقول ولا مقبول عند ذوي الألباب ، وذلك لجهات منها : أولا : اجمع علمائكم وأعلام مفسريكم أن عليا (ع) داخل في من شملتهم آية التطهير ، فهو بعيد وبرئ من كل رجس ورذيلة . ثانيا : أن الله سبحانه جعله في آية المباهلة نفس النبي (ص) كما نقلت لكم أخبارها في الليلة الماضية . ثالثا : كان علي (ع) باب علم الرسول كما أعلن ذلك هو صلى الله عليه وآله وسلم ، ولقد نقلت لكم أخباره من مصادركم . فكان (ع) أعلم الأمة بعد رسول الله (ص) بالقرآن وأحكامه وبالإسلام وفرائضه ، وكان (ع) أحوط الناس في العمل بالقرآن وأجهدهم في كسب مرضات الله ورسوله (ص) ؟ والله سبحانه يقول : ( وما كان لكم أن توذوا رسول الله )(123). ثم كيف قبلت عقولكم أن رسول الله (ص) وهو صاحب الخلق العظيم يغضب على أفضل عباد الله بعده والذي يحب الله تبارك وتعالى كما عرفه حين أعطاه في خيبر ، فيغضب عليه لا لشيء سوى أنه أراد أن يرتكب أمرا مباحا ، أباحه الله سبحانه في كتابه لكل المسلمين من غير استثناء فقال : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع )(124) ؟ وعلى فرض أن عليا (ع) خطب ابنة أبي جهل ، هل كان يحرم عليه ذلك أم يجوز ؟! فكيف تقبل عقولكم أن يغضب سيد المرسلين وصاحب الخلق العظيم على سيد كريم مثل ابن عمه أمير المؤمنين لهذا الأمر المباح المشروع الذي سنه الله تعالى وعمل به هو أيضا (ص) ؟ فالنبي صلوات الله وسلامه عليه أجل وأكرم من ذلك ، ونفسه القدسية أزكى وأعظم من أن تتأثر بهكذا أمور . لذا فكل إنسان مؤمن وعاقل ، يعرف كذب هذا الخبر وأنه افتراء على رسول الله (ص) ، وهذا الخبر يحط من شخصيته وكرامته ، صلوات الله عليه قبل أن يحط من شخصية الإمام علي (ع) وكرامته . لذلك أقول : لا شك ولا ريب أن هذا الخبر وضعه بنو أمية لأنهم أعداء النبي (ص) وأعداء علي (ع) . وهذا ليس هو رأينا فحسب بل هو رأي بعض أعلامكم أيضا . فقد نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج4 / 63 / طبع دار إحياء الكتب العربية / تحت عنوان [ فصل في ذكر الأحاديث الموضوعة في ذم علي (ع) ] قال : وذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي رحمه الله تعالى ... أن معاوية وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (ع) ، تقتضي الطعن فيه و البراءة منه ، و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله ، فاختلقوا ما أرضاه منهم أبو هريرة و عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة و من التابعين عروة بن الزبير ـ وبعد ما نقل نماذج من أحاديث كل واحد منهم قال ـ : و أما أبو هريرة فروي عنه الحديث الذي معناه أن عليا (ع) خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله (ص) ، فأسخطه ، فخطب على المنبر و قال : " لاها الله ! لا تجتمع ابنة ولي الله و ابنة عدو الله أبي جهل ! إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ، فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي ، و ليفعل ما يريد " ، أو كلاما هذا معناه ، و الحديث مشهور من رواية الكرابيسي . ثم قال ابن أبي الحديد : هذا الحديث أيضا مخرج في صحيحي مسلم و البخاري عن المسور بن مخرمة الزهري ، و قد ذكره المرتضى في كتابه المسمى " تنزيه الأنبياء و الأئمة " و ذكر أنه رواية حسين الكرابيسي ، و أنه مشهور بالانحراف عن أهل البيت (ع) و عداوتهم و المناصبة لهم ، فلا تقبل روايته . انتهى كلام ابن أبي الحديد . إضافة على ما نقلته في الموضوع أقول : الأخبار التي تصرح بأن إيذاء فاطمة (ع) يكون إيذاء للنبي (ص) لا تختص بخبر خطبة (ع) ابنة أبي جهل ! بل كما ورد في مصادركم وكتبكم أن النبي (ص) في موارد كثيرة ومناسبات عديدة صرح بهذا المعنى بعبارات مختلفة . كما نقبنا بعضها . أنقل إليكم الآن خبرا ما نقلته من قبل : روى أحمد بن حنبل في مسنده ، والخواجة بارسا البخاري في كتابه فصل الخطاب ، والمير سيد علي الهمداني الشافعي في المودة الثالثة عشر من كتابه مودة القربى ، عن سلمان الفارسي عن رسول الله (ص) قال : حب فاطمة ينفع في مائة من المواطن ، أيسر تلك المواطن الموت و القبر و الميزان و الصراط و الحساب ، فمن رضيت عنه ابنتي فاطمة رضيت عنه و من رضيت عنه رضي الله عنه و من غضبت عليه ابنتي فاطمة غضبت عليه و من غضبت عليه غضب الله عليه ، ويل لمن يظلمها و يظلم بعلها عليا (ع) و ويل لمن يظلم ذريتهما و شيعتهما . فليت شعري ! ما هو تحليلكم للخبر الذي نقله جل أعلامكم وأصحاب الصحاح حتى البخاري ومسلم بأن فاطمة (ع) ماتت وهي ساخطة على أبي بكر وعمر ؟! الحافظ : هذه الأخبار صحيحة ، بل يوجد أكثر تفصيلا وأشمل منها في مصادرنا ، وأنا بفضل كلامكم عرفت زيف حديث الكرابيسي في خطبة علي كرم الله وجهه ابنة أبي جهل ، وقد كان في قلبي شيء على الإمام علي بسبب هذا الخبر ، فزال والحمد لله ، وأنا أشكركم كثيرا على توجيهاتكم وتحليلكم للموضوع . ولكن بقي أمر يختلج في قلبي ، وهو أن هذه الأخبار والأحاديث المصرحة بأن إيذاء فاطمة إيذاء النبي (ص) وأن من أغضبها فقد أغضب رسول الله (ص) . مقبولة ومحمولة فيما إذا كان غضبها لأمر ديني لا دنيوي ، وأنتم تقولون أنها غضبت على أبي بكر وعمر من أجل فدك ، إذ إنها ادعت تملكها فرداها ولم يقبلا منها ، فكان سخطها لأمر شخصي وهذا أمر طبيعي فكل إنسان إذا أراد شيئا ولم يصل إليه فيتأثر نفسيا ، وكان سخط فاطمة من هذا القبيل ، وهي بعد ما عادت المياه إلى مجاريها وسكنت الفورة ، ورضيت بحكم الخليفة وسكتت ، ولذلك لما بويع علي كرم الله وجهه بالخلافة وتمكن من استرداد فدك ، لم يحرك ساكنا ولم يغير حكم أبي بكر وما استرد فدك وإنما تركه على ما كان في عهد الخلفاء الراشدين قبله . وهذا دليل على أنه كان راضيا بحكم أبي بكر لأنه كان حقا . قلت : لقد طال مجلسنا وأخشى من أن يتعب الحاضرون ويملوا ، فلو توافقون على تأجيل حديثنا إلى غد وفي الليلة الآتية إن شاء الله نستمر في الموضوع . ـ فأجابوا جميعا : إننا ما تعبنا ولا مللنا بل كلنا شائقون إلى استماع حديثكم حتى نعرف نتيجة البحث ويظهر لنا الحق ـ . قلت : ما دمتم كذلك وتحبون ظهور النتيجة وانكشاف الحقيقة فأقول : أولا : الموضوع في الأحاديث النبوية صريحة ومطلقة فتشمل الأمور الدنيوية وغيرها ، فلا أدري من أين جاء الحافظ حفظه الله بهذا التفصيل ؟ ثانيا : كل علماء المسلمين من الشيعة وأهل السنة قد أجمعوا على أن فاطمة الزهراء (ع) كانت امرأة مثالية ، وكانت في أعلا مرتبة من مراتب الإيمان بحيث أنزل الله تعالى في شأنها آيات من الذكر الحكيم وشملتها آية التطهير وآية المباهلة وسورة الدهر ، وقد مدحها رسول الله (ص) وعرفها بأنها سيدة نساء العالمين ، وسيدة نساء أهل الجنة ، وأنها امتلأت إيمانا ، ومثلها لا تسخط لأجل أمر دنيوي ومادي ، بذلك السخط الذي لا يزول إلى آخر حياتها . وهي تعلم بأن كظم الغيظ والعفو عن الخاطئين من علائم الإيمان والمؤمن ليس بحقود ، إلا أن يكون السخط من أجل الله تعالى ، فإن المؤمن حبه وبغضه في الله ولله سبحانه وتعالى ، فكيف بفاطمة وهي سيدة نساء العالمين ـ كما في الحديث الشريف ـ وقد طهرها الله عز وجل من الأرجاس والرذيلة والصفات الذميمة ولقبها أبوها بالطاهرة المطهرة ، وهي ماتت ساخطة على أبي بكر وعمر ، كما هو إجماع أهل الصحاح والمحدثين ؟ فما كان سخطها إلا لأمر ديني لا دنيوي ، وإنها غضبت عليهما لأنهما غيرا دين الله وخالفا كتاب الله كما احتجت عليهما في خطبتها التي مر ذكرها بالآيات القرآنية . وأما قولك أيها الحافظ : إن فاطمة رضيت فسكتت ، لا والله ما رضيت ، ولكن حين رأت القوم الخصماء لها لا يلتفتون إلى كلامها ولا يسمعون دلائلها وهم مصرون على باطلهم وظلمهم فسكتت ، وما كان لها إلا أن تسكت ، ولكن أبدت سخطها عليهم ، بأن أوصت إلى زوجها الإمام علي (ع) أن لا يحضر جنازتها وتشييعها أحد ممن آذاها وظلمها ، ولا يدع أحدا يصلي عليها . وأما قولك ـ أيها الحافظ ـ : بأن عليا (ع) حيث لم يرد فدكا إلى أولاد فاطمة . فقد أمضى حكم الخليفة ، فهو خطأ ، لأنه (ع) ما تمكن من أن يغير ما ابتدعه الخلفاء قبله ، فكان (ع) مغلوبا على أمره من طرف المخالفين والمناوئين وهم الناكثين والقاسطين فكانوا له بالمرصاد حتى يأخذوا عليه نقطة خلاف فيكبروها ضده ويجعلوا من تلك النقطة منطلقا إلى تضعيف حكومته الحقة ، كما ظهر ذلك في بعض القضايا مثل تغيير مكان المنبر ، حيث إن الخلفاء قبله غيروا مكان منبر رسول الله (ص) ونقلوه إلى مكان آخر في المسجد ، فلما جاء الإمام علي (ع) وتسلم أمر الخلافة أراد أن يرجع المنبر إلى مكانه الذي كان على عهد النبي (ص) فضج المخالفون له وأحدثوا بلبلة حتى منعوه . وكذلك مثالا آخر ، أراد (ع) أن يمنع الناس من إقامة صلاة التراويح جماعة ، لأن النبي (ص) منع أن تقام النوافل جماعة ، وإنما تختص الجماعة بالفرائض اليومية وغيرها من الفرائض ، وإذا بالمناوئين ضجوا واجتمعوا يهتفون وا سنة عمراه !! وصلاة التراويح ـ كما روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عبد القاري ـ ابتدعها عمر بن الخطاب ، وقد عين أُبي بن كعب إمام لأهل المسجد في ليالي رمضان المبارك ليصلي بهم النوافل جماعة ، فلما دخل المسجد ورأى الناس امتثلوا أمره ، فقال : نعمة البدعة هذه!! فتركهم علي وشأنهم ، لما رأى المنافقين اتخذوا هذا الأمر مستمسكا ضده لخلق الفتن . وكذلك في الكوفة لما أراد أن يمنعهم من إقامة صلاة التراويح جماعة ، فهتفوا ضده ، فتركهم !! فما تمكن علي (ع) في أيام خلافته أن يغير هذه الأمور البسيطة التي لا تنفعهم ، فكيف كان يمكن له أن يسترد فدكا وقد انضمت إلى بيت المال ؟! ولكي تعرفوا أن عليا (ع) ما أمضى حكم أبي بكر بل وكل وفوض حكم فدك ومحاكمة فاطمة وخصمائها إلى الله الحكم العدل . فراجعوا نهج البلاغة / كتابه إلى عثمان بن حنيف ال،صاري وكان عامله على البصرة وهو الكتاب رقم 45 . يقول فيه الإمام (ع) بالمناسبة : " ... فَوَاللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً ، وَ لا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً ، وَ لا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً ، بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ ، وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ آخَرِينَ ، وَ نِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ ... " . فهذا كلام الإمام علي (ع) يقول : " وَ نِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ " ... ومعناه : أنني سوف أطالبهم حقي يوم الحساب ... يوم لا تظلم نفس عن شيئا ... والحكم يومئذ لله . وأما سيدتنا فاطمة (ع) فقد قالت لأبي بكر وعمر : فإني أشهد الله و ملائكته أنكما أسخطتماني و ما أرضيتماني ، و لئن لقيت النبي (ص) لأشكونكما إليه ـ وقد مر تفصيل الكلام من رواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ـ . وكما نقل بعض المؤرخين كانت في أواخر أيام حياتها تخرج إلى قبر أبيها رسول الله (ص) وهناك تشكو اهتضامها وتقول : أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين ، و أصبحت الناس عنا معرضين !! ثم تأخذ تراب القبر فتشمه وتنشد : ماذا على من شم تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علي مصائب لـو أنهــا * صبت على الأيام صرن لياليــا فماتت مقهورة مظلومة ، في ربيع العمر وعنفوان الشباب ، وأوصت إلى علي (ع) أن يغسلها ويجهزها ليلا ، ويدفنها ليلا إذا هدأت الأصوات ونامت العيون ، وأوصت أن لا يشهد جنازتها أحد من ظلمها وآذاها . وامتثل الإمام علي (ع) أمرها وعمل بوصيتها . ولما وضعها في لحدها وأهال عليها التراب ، هاج به الحزن فتوجه إلى قبر رسول الله (ص) يقول : السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك ، والسريعة اللحاق بك ... إلى أن يقول : فإنا لله و إنا إليه راجعون ، فلقد استرجعت الوديعة ، و أخذت الرهينة ! أما حزني فسرمد ، و أما ليلي فمسهد ، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ، و ستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها ، فأحفها السؤال ، و استخبرها الحال ، هذا و لم يطل العهد ، و لم يخل منك الذكر ، و السلام عليكما سلام مودع ، لا قال و لا سئم ... الخ . كنت في أواخر حديثي هذا مستعبرا باكيا ، وكذلك أكثر أهل المجلس بل كلهم ، وكان الحافظ حفظه الله منكسا رأسه إلى الأرض ودموعه تجري ويستغفر الله ويردد الآية الكريمة : ( إنا لله وإنا إليه راجعون )(125). وبعد ذلك المجلس ما تكلم الحافظ أبدا وإنما حضر المجالس التالية مستمعا لا مناقشا ، فكأنه أنصف واقتنع ، وكان ظاهر أمره في آخر ليلة حينما وادعني وفارقني ، أنه تشيع ـ وإن لم يبد ذلك لمرافقيه وأصحابه ـ . وبعد دقائق ولحظات وإذا بصوت المؤذن يعلن طلوع الفجر ويؤذن لصلاة الصبح فافترق الجمع وفارقناهم .
|
(1) سورة آل عمران ، الآية 103. (2) سورة الأنفال ، الآية 16 . (3) سورة الحجرات ، الآية 14 . (4) سورة البقرة ، الآية ،10 (5) سورة النساء ، الآية 94 . (6) مورد الاجتماع : المسلم المؤمن . ومورد الافتراق : المسلم غير المؤمن ، ولا يوجد مؤمن غير مسلم . (7) سورة الانفال ، الآية 74 . (8) الخصال : 2/168 ، الحديث رقم 8 . (9) سورة النساء ، الآية 136 . (10) سورة الحجرات ، الآية 13 . (11) سورة العصر . (12) سورة الزلزلة ، الآية 7 و8 . (13) سورة الصافات ، الآية 24 . (14) سورة الزمر ، الآية 17 ـ 18 . (15) سورة الشعراء ، الآية 214 . (16) قال المقريزي : فلما كانت سلطنة الظاهر بيبرس البندقداري ولى بمصر أربعة قضاة : شافعي ، ومالكي ، وحنفي ، وحنبلي ، فاستمر ذلك من سنة 665 هجرية حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة ... وعودي من تمذهب بغيرها وأنكر عليه ، ولم يول قاضي ولا قبلت شهادة أحد ولا قدم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب ، وأفتى فقهاء الامصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها . وسبقه إلى ذلك الخليفة العباسي في بغداد ، وهو المستنصر ، فقد أنشأ المدرسة المستنصرية سنة 625 هجرية وتم بناؤها سنة 631 هجرية فاحتفل بافتتاحها احتفالا عظيما حضره بنفسه وحضر معه نائب وزيره والولاة والحجاب والقضاة والمدرسون والفقهاء والقراء والوعاظ والشعراء وأعيان التجار والنقباء . وحصر الخليفة التدريس في المستنصرية على المذاهب الأربعة ، وجعل لها ستة عشر وقفا تجري عائداتها عليها ، لكل مذهب ربع العوائد ، وجعل ربع القبلة الأيمن للشافعي ، وجعل ربع القبلة الأيسر للحنفي ، والربع الذي على يمين الداخل للحنابلة ، والربع الذي على يسار الداخل للمالكية . وسبقه إلى اختيار بعض المذاهب و إعلان رسميته ، جده أبو جعفر المنصور الوانيقي حيث أمر الإمام مالك بوضع كتاب في الفقه يحمل الناس عليه بالقهر ! فوضع الموطأ . / شرح الموطأ للزرقاني ج1 ص 8 . فأعلن المنصور أن مالكا أعلم الناس . وقد أمر الرشيد عامله على المدينة بأن لا يقطع أمرا دون مالك ، ومنادي السلطان كان ينادي أيام الحج : أن لا يفتي إلا مالك . أما في بغداد فقد ولى الرشيد أبا يوسف منصب رآسة القضاة العامة و أبو يوسف هو تلميذ أبي حنيفة . وكان الرشيد لا ينصب أحدا في بلاد العراق وخراسان والشام ومصر ، بالولاية والقضاء إلا من أشار به القاضي أبو يوسف وذلك لمكانته في الدولة ومنزلته عند الرشيد . فكان القاضي أبو يوسف أقوى عوامل انتشار المذهب الحنفي ورسميته في الدولة . ومن أراد التفصيل في هذا الباب فليراجع كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج1 تأليف المحقق الشيخ أسد حيدر ( قدس سره ) . (17) مر هذا البحث في أوائل المجلس الرابع . (18) سورة يونس ، الآية 35 . (19) أقول : ومما يناسب المقام كلام ابن أبي الحديد المعتزلي في مقدمة شرحه على نهج البلاغة فقد قال : و من العلوم علم الفقه و هو عليه السلام ـ أي الإمام علي ـ أصله و أساسه و كل فقيه في الإسلام فهو عيال عليه و مستفيد من فقهه أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف و محمد و غيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة و أما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة و أما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة و أبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد ع ـ أي الصادق ـ . ويقول الالوسي البغدادي وهو من أعلام العامة ، في كتابه التحفة الاثنا عشرية ص8 : هذا أبو حنيفة وهو من أهل السنة يفتخر ويقول بأفصح لسان : " لولا السنتان لهلك النعمان " يعني السنتين اللتين جلس فيهما لأخذ العلم عن الإمام الصادق ... الخ . وجاء في كتاب مناقب أبي حنيفة للخوارزمي ج1 /173 وفي جامع أسانيد أبي حنيفة ج1 / 222 . وفي تذكرة الحفاظ للذهبي : ج1 /157 . قال أبو حنيفة : ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد ، لما أقدمه المنصور بعث إلي فقال : يا أبا حنيفة إن الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد ، فهيئ له من المسائل الشداد . فهيأت له أربعين مسألة ، ثم بعث إلي أبو جعفر و هو بالحيرة فأتيته فدخلت عليه و جعفر بن محمد جالس عن يمينه ، فلما أبصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد ما لم يدخلني لأبي جعفر (المنصور) فسلمت عليه، فأومأ إلي ، فجلست ثم التفت إليه ، فقال : يا أبا عبد الله أ هذا أبو حنيفة ، قال جعفر : نعم ، ثم أتبعها : قد أتانا ، كأنه كره ما يقول فيه قوم انه إذا رأى الرجل عرفه . ثم التفت المنصور إلي فقال : يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك ! فجعلت ألقي عليه فيجيبني ، فيقول : أنتم تقولون كذا و أهل المدينة يقولون كذا و نحن نقول كذا ، فربما تابعهم و ربما خالفنا جميعا حتى أتيت على الأربعين مسألة . ثم قال أبو حنيفة: أ لسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس ؟ وقال ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب ج2 /103 تحت رقم 156 : جعفر بن محمد ... وروى عنه شعبة والسفيانان ومالك وابن جريح و أبو حنيفة وابنه موسى (ع) ووهيب بن خالد والقطان و أبو عاصم وخلق كثير ، وروى عنه يحيى بن سعيد الانصاري وهو من اقرانه ، ويزيد بن الهاد ... الخ . وقال الخطيب التبريزي العمري في اكمال الرجال طبع دمشق /623 . جعفر الصادق ... سمع منه الأئمة الاعلام نحو يحيى بن سعيد وابن جريح ومالك بن أنس والثوري وابن عيينة و أبو حنيفة ... الخ . وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ ج1 /166 ط حيدر آباد : حعفر بن نحند .. احد السادة الاعلام وعنه اخذ ـ مالك والسفيانان وحاتم بن اسماعيل ويحيى القطان و أبو عاصم النبيل وخلق كثير .. وعن أبي حنيفة قال : ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الخ . وقال أبو نعيم في حلية الأولياء ج3/198 ط مصر : روى عن جعفر (ع) عدة التابعين ، منهم يحيى بن سعيد الانصاري و أبو السختياني وابان بن تغلب و أبو عمر بن العلاء ويزيد بن عبدالله بن الهاد .الخ . وقال محمد بن عبد الغفار في كتابه أئمة الهدى ص 117 ط القاهرة : لقد كان جعفر الصادق (ع) بحرا زاخرا في اللم حيث اخذ عنه أربعة آلاف شيخ ، فرووا عنه الحديث الشريف ومنهم أعلام العلم ، كالإمام الاعظم أبي حنيفة والإمام مالك بن أنس والإمام سفيان الثوري وغيرهم من اجلة العلماء الخ . وقال الشبراوي في كتابه الاتحاف بحب الاشراف ص 54 ط مصر : السادس من الأئمة جعفر الصادق (ع) ذو المناقب الكثيرة والفضائل الشهيرة روى عنه الحديث أئمة كثيرون مثل مالك بن أنس وأبي حنيفة ويحيى بن سعيد وابن جريح والثوري وابن عيينة وشعبة وغيره الخ . وقال ابن حجر الهيتمي في كتابه الصواعق المحرقة : ص 120 ط مصر : جعفر الصادق (ع) نقل عنه الناس من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان ، وروى عنه الأئمة الاكابر كيحيى بن سعيد وابن جريح ومالك والسفيانين وأبي حنيفة وشعبة وايوب السختياني الخ . وجاء في كتاب رسائل الجاحظ ص 106 قوله : جعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه ، ويقال : ان أبا حنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري ، وحسبك بهما في هذا الباب . وقال جمال الدين أبو المحاسن في كتاب النجوم الزاهرة : ج2ص8 جعفر الصادق (ع) بن محمد الباقر .. حدث عنه أبو حنيفة وابن جريح وشعبة والسفيانان ومالك وغيرهم الخ . وقال الزركلي في الاعلام ج1 /186 : جعفر الصادق .. سادس الأئمة الاثنى عشر عند الإمامية ، كان من اجل التابعين وله منزلة رفيعة في العلم ، اخذ عنه جماعة ، منهم أبو حنيفة ومالك وجابر بن حيان ، ولقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب قط الخ . وقال محمود بن وهيب البغدادي في كتاب جواهر الكلام ص13 جعفر الصادق .. نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان وروى عنه الأئمة الكبار كيحيى ومالك وأبي حنيفة الخ ... ." المترجم " (20) سورة الرعد ، الآية 7 . (21) عمران بن حطان السدوسي البصري المتوفى سنة 84 هـ كان من رؤوس الخوارج والمعلنين عداء الإمام علي (ع) ، والمادح ابن ملجم المرادي لعنه الله بقوله : يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا مع العلم أن رسول الله (ص) وصف ابن ملجم بأنه أشقى الأولين والآخرين . ويروي البخاري عن أبي الأحمر السائب بن فروخ وكان شاعرا فاسقا ومبغضا لآل محمد (ص) وهو القائل لأبي عامر بن وائلة الصحأبي المعروف بأبي الطفيل من شيعة الإمام علي (ع) : لعمرك إنني وأبا الطفيــل * لمختلفـــان والـلـــه شهيــــد لقد ضلوا بحب أبي تراب * كما ضلت عــن الحق اليهود مع العلم أن النبي (ص) قال : علي مع الحق والحق مع علي . ويروي أيضا عن حريز بن عثمان الحمصي ، المشهور بالنصب والمعلن عداءه لعلي (ع) . ويروي عن اسحاق بن سويد التميمي وعبدالله بن سالم الأشعري وزياد بن علاقة الكوفي ، وأمثالهم الذين عرفوا واشتهروا بعدائهم للإمام علي (ع) ." المترجم " (22) سورة الفتح ، الآية 18 . (23) سورة النجم ، الآية 3 و 4 . (24) أن الله سبحانه لعن كثيرا من الناس في القرآن الحكيم كقوله تعالى : ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولائك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) البقرة 159 ، وكقوله تعالى : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) الأحزاب 57 ، وكذلك غير اللعن كما في قوله تعالى : ( ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم ) القلم 10 ـ 13 . " المترجم " (25) لقول النبي (ص) : " سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر " صحيح البخاري ج8/18 من حديث ابن مسعود . فالشيعة لا يلعنون مؤمنا وإنما يلعنون الذين كفروا من أصحاب رسول الله (ص) وارتدوا بعده ، وهم الذين أشار الله سبحانه إليهم في قوله : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) آل عمران /144 ، وهؤلاء هم الذين قاتلوا عليا (ع) وأصحابه المؤمنين ، إذ كان هو (ع) يومئذ خليفة رسول الله (ص) وأمير المؤمنين الذي بايعه أهل الحل والعقد وأجمعوا على ولايته وخلافته ، فالذين خرجوا عليه وخالفوه ، شقوا عصى المسلمين وقاتلوا المؤمنين ، وأصبحوا بعملهم هذا كافرين . والعجب ... أنكم تكفرون الشيعة لسبهم ولعنهم معاوية وعائشة وطلحة وابن العاص وأمثالهم الذين قادوا الناس لقتال المسلمين ومحاربة أمير المؤمنين (ع) ولا تكفرونهم مع وجود هذا النص الصريح والحديث النبوي الصحيح : سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر / صحيح البخاري ج 8 /18 . " المترجم " (26) أقول : لقد ارتئا إمام الأشاعرة هذا الرأي الباطل ليبرر ساحة معاوية وأنصاره ، وعائشة وجنودها الذين حاربوا الله ورسوله بقتالهم أمير المؤمنين عليا (ع) وبسفكهم دماء المؤمنين والمسلمين ، وكذلك بسبهم ولعنهم إمام المتقين وسيد الوصيين عليا (ع) ، وهو نفس النبي (ص) كما في كتاب الله العزيز في آية المباهلة ولذلك حكم العلماء المحققون بكفر من سبه (ع) وقالوا : إن ساب علي (ع) ساب لرسول الله (ص) وقد أفرد العلامي الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب ـ الباب العاشر بعنوان " كفر من سب عليا (ع) " ـ روى بسنده عن عبد الله بن عباس : أشهد على رسول الله على رسول الله (ص) سمعته أذناي ووعاه قلبي ، يقول لعلي بن أبي طالب من سبك فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله أكبه على منخريه في النار . " المترجم " (27) قال ابن أبي الحديد : قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصريّ. فقلت له : بمن يعرّض. ؟ فقال بل يصرّح. قلت لو صرّح لم أسألك. فضحك و قال بعليّ بن أبي طالب عليه السلام. قلت أ هذا الكلام كلّه لعليّ عليه السلام ؟ قال نعم إنّه الملك يا بنيّ! قلت فما مقالة الأنصار؟ قال هتفوا بذكر عليّ ، فخاف من اضطراب الأمر عليه فنهاهم. فسألته عن غريبه، فقال : .... و ثعالة اسم للثعلب علم غير مصروف ... و أمّ طحال : امرأة بغي في الجاهلية، فضرب بها المثل، يقال أزنى من أمّ طحال. " المترجم " (28) سورة الفتح ، الآية 18 . (29) كم يحدث القرآن الكريم ويحدثنا التاريخ عن أناس من أصحاب رسول الله (ص) كانوا بادئ أمرهم مؤمنين ثم انقلبوا كافرين . وقد صرح العزيز الحكيم بذلك في قوله : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) آل عمران 144 وقوله تعالى : ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) التوبة 74 . وأما الذين فسقوا منهم فلا يعلم عددهم إلا الله عز وجل حيث يقول : ..( وإن كثيرا من الناس لفاسقون * أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) المائدة 49 ـ 50 . وإن كثيرا منهم هجروا القرآن وتركوا العمل به حتى ان النبي (ص) يشكوهم عند الله سبحانه كما اخبر القرآن عن ذلك بقوله : ( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) الفرقان 30 . ومن المناسب نقل الخبر الذي رواه العلامة الكنجي الشافعي في الباب العاشر من كتابه الطالب ، بسنده المتصل عن ابن عباس قال : قال رسول الله : إنكم تحشرون حفاة عراة عزلا ... الا وان أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : أصحابي أصحابي قال : فيقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم .. الخ . قال العلامة الكنجي : هذا حديث صحيح متفق على صحته من حديث المغيرة بن النعمان ، ورواه البخاري في صحيحه عن محمد بن كثير عن سفيان ، ورواه مسلم في صحيحه عن محمد بن بشار "بندار" عن محمد بن جعفر "غندر" عن شعبة ، رزقناه عاليا بحمد الله من هذا الطريق . انتهى كلام العلامة الكنجي الشافعي . أقول ورواه أيضا البخاري عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة في الجزء الرابع من صحيحه في كتاب الرقاق في باب / كيف الحشر / ص82 / ط مصر سنة 1320 . (المترجم ) (30) وهي التي تروي كما نقل عنها الهمداني في كتاب مودة القربى / في المودة الثالثة / قال رسول الله (ص) : إن الله عهد إلي : من خرج على علي فهو كافر في النار ! قيل (لها) : لم خرجت عليه ؟! قالت : أنا نسيت هذا الحديث يوم الجمل حتى ذكرته بالبصرة وأنا استغفر الله. ويروي الهمداني عن عطاء عن عائشة / في اول المودة الثالثة : سئلت عائشة عن علي قالت : ذلك خير البشر ما شك فيه الا كافر . اقول : وخرجه العلامة الكنجي الشافعي في كفاية الطالب الباب الثاني في تخصيص علي بمائة منقبة دون سائر الصحابة . وبعد نقله الحديث من طرق متعددة ينتهي الى حذيفة أو جابر ، نقل الحديث عن عطاء عن عائشة ثم قال : هكذا ذكره الحافظ ابن عساكر في ترجمة علي (ع) في تاريخه في المجلد الخمسين ، لان كتابه مائة مجلد فذكر منها ثلاث مجلدات في مناقبه (ع) انتهى كلام الكنجي . أقول : وهذا حديث خرجه كثير من الاعلام عن عائشة وغيرها . وللاطلاع راجع كنوز الحقائق للمناوي / مطبوع بهامش الجامع الصغير للسيوطي ج2/20و21 ـ والمتقي في كنز العمال ج6 /156 ـ ونقله الخطيب في تاريخ بغداد والعلامة القندوزي في ينابيع المودة ، وقد جمع ألفاظ هذا الحديث الشريف وطرقه أحد علمائنا الاعلام في كتاب خاص ، أسماه ـ نوادر الاثر في علي خير البشر ـ طبع في طهران سنة 1360 هجرية . وعائشة هي التي تروي ـ كما في كفاية الطالب / الباب الحادي والتسعون ـ أنها قالت : ما خلق الله خلقا كان أحب الى رسول الله (ص) من علي بن أبي طالب ، ثم قال الكنجي : هذا حديث حسن رواه ابن جرير في مناقبه ، وأخرجه ابن عساكر في ترجمته . وأخرج الحاكم النيسابوري في مستدرك الصحيحين ج154 /3 : حديثا عن عائشة بنفس المعني وخرج الترمذي في صحيحه ج2/475 ـ والمحب الطبري في ذخائر العقبى ص35 ـ حديثا عن عائشة أيضا بنفس المعنى وهو : سئلت عائشة أي الناس كان أحب الى رسول الله (ص) ؟ قالت : فاطمة ، فقيل : من الرجال ؟ قالت : زوجها الخ . . وعن بريدة قال : كان أحب النساء الى رسول الله (ص) فاطمة ومن الرجال علي . خرجه أبو عمر ـ انتهى كلام المحب في الذخائر ـ . اقول : وخرج الحديث الحاكم في المستدرك ج3 /157 وابن الاثير في اسد الغابة ج3/522 ـ وابن عبد البر في الاستيعاب ج2/772 والترمذي في صحيحه ج2/471 ـ والخوارزمي في مقتل الحسين (ع) ج1/57 ـ والمتقي في كنز العمال ج6 /450 وابن حجر في الصواعق 72 / ط المطبعة الميمنية بمصر ، نقلا من كتب عديدة لعلماء السنة . وتروي عائشة عن النبي (ص) انه قال : النظر الى وجه علي عبادة رواه كثير من الصحابة وعائشة ، كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ج7 /357 وقال : روى هذا الحديث من حديث أبي بكر الصديق وعمر وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعمران بن حصين وانس وثوبان وعائشة وأبي ذر وجابر ان رسول الله (ص) قال : النظر الى وجه علي عبادة ، قال : وفي حديث عائشة : ذكر علي عبادة . اقول واخرجه المحب الطبري في الذخائر ص95 عن ابن مسعود وعمرو بن العاص وجابر وأبي هريرة وعائشة واخرجه المتقي في كنز العمال ج6/152 عن عائشة والصواعق المحرقة 106 / ط الميمنية بمصر : وكان أبو بكر يكثر النظر الى وجه علي فسألته عائشة : فقال : سمعت رسول الله (ص) يقول : النظر الى وجه علي عبادة . وهذا حديث حسن . وروى ابن المغازلي الفقيه الشافعي في المناقب بسنده عن عائشة ان النبي (ص) قال : النظر الى وجه علي عبادة. رواه عن عائشة بطرق مختلفة في احاديث رقم 245 و252 و253 وفي حديث رقم 243 روى بسنده عن عائشة أنها قالت : قال رسول الله (ص) ذكر علي عبادة . اقول واخرجه ابن كثير عن عائشة / في البداية والنهاية ج7 ص357 واخرجه عنها المتقي الهندي في منتخب كنز العمال ج5 /30 . ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب 252 والسيوطي في الجامع الصغير ج1/583 وأخرجه الديلمي في فردوس الاخبار . وتروي عائشة عن النبي (ص) لأنه قال : زينوا مجالسكم بذكر علي (ع) . رواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي في المناقب حديث رقم 255 بسند متصل عن عائشة . وهي التي تروي عنها العلامة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب بسند متصل في الباب الثاني والستون / ص/ 133 ط مطبعة الغري أنها أن قالت : قال رسول الله ص و هو في بيتها لما حضره الموت : ادعوا لي حبيبي ! فدعوت له أبا بكر ، فنظر (ص) إليه ثم وضع رأسه، ثم قال : ادعوا لي حبيبي ! فدعوت له عمر ، فلما نظر إليه وضع رأسه ، ثم قال : ادعوا لي حبيبي ! فقلت : ويلكم ادعوا له عليا فو الله ما يريد غيره ! فلما رآه أفرج الثوب الذي كان عليه ثم أدخله فيه و لم يزل محتضنه حتى قبض و يده عليه . قال العلامة الكنجي : هكذا رواه محدث الشام في كتابه . انتهى كلامه . ليس بعجيب أن عائشة مع كل ما سمعته وترويه عن سيد المرسلين (ص) في حق الإمام علي (ع) وفي مناقبه وفضائله ، فتخرج عليه تقاتله وتخالفه ! فيا ترى ما يكون جزاؤها اذ قدمت هوى نفسها على الحق واليقين ؟ والله تعالى يقول : ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون * فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ) سورة المؤمنون 101 ـ103 . وهناك روايات كثيرة غير ما ذكرناه ، رواها المحدثون وأعلام السنة عن عائشة في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ، وفي فضائله ومناقبه عن النبي (ص) ولو أردنا استقصاءها لانفرد لها مجلد كامل ، فندع هذا الأمر إلى فرصة أخرى إن شاء الله تعالى . ( المترجم ) . (31) هذا الحديث الشريف وما بمعناه بين علماء العامة وأعلامهم ، وقد نقلوه في مسانيدهم ، منهم العلامة الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب / الباب العاشر في كفر من سب عليا (ع) / روى بسنده عن يعقوب بن جعفر بن سليمان " قال " حدثنا أبي عن أبيه قال : كنت مع أبي ـ عبد الله بن عباس ـ و كان سعيد بن جبير يقوده فمر على صفة زمزم فإذا قوم من أهل الشام يشتمون عليا ع ، فقال لسعيد بن جبير ردني إليهم ! فوقف عليهم ، فقال : أيكم الساب لله عز و جل ؟ فقالوا : سبحان الله ما فينا أحد سب الله . فقال : أيكم الساب رسول الله؟ قالوا : ما فينا أحد سب رسول الله ص قال : فأيكم الساب علي بن أبي طالب ؟ فقالوا : أما هذا فقد كان . قال : فأشهد على رسول الله ص سمعته أذناي و وعاه قلبي يقول لعلي بن أبي طالب يا علي من سبك فقد سبني و من سبني فقد سب الله و من سب الله فقد كبه على منخريه في النار ... إلخ . وذكره العلامة الهمداني في كتاب مودة القربى / آخر حديث من المودة الثالثة . وروى أحمد بن حنبل في المناقب ج2/100 : بسنده عن أبي عبدالله الجدلي قال : دخلت على أم سلمة (رض) فقالت لي : أيسب رسول الله (ص) يقول : من سب عليا فقد سبني . ورواه العلامة النسائي في الخصائص 24 ط. التقدم بمصر : بسنده عنها . ورواه الحاكم النيسابوري في المستدرك ج 3/121/ ط. حيدر آباد بسنده عنها . وفي صفحة 121 من الطبع المذكور ، بسنده عنها قالت : سمعت رسول الله (ص) يقول : من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله تعالى ورواه الخطيب الخوارزمي في المناقب 89/ ط. تبريز والمحب الطبري في الرياض النضرة ج2/166/ ط. مكتبة الخانجي بمصر في ذخائر العقبي 65 ط. مكتبة القدس بمصر . والحافظ الذهبي في تاريخ الاسلام ج2 / 197 ط. مصر . وابن كثير في البداية والنهاية ج7 / 354/ط. حيدر آباد . والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ج9/129 / ط. مكتبة القدس بالقاهرة . والسيوطي في تاريخ الخلفاء 67/ط. الميمنة بمصر . وفي الجامع الصغير ج2/525 حديث رقم 8736 . وفي الصواعق المحرقة 74/ ط. الميمنة بمصر / الحديث 18 من الفصل الثاني . ورواه جمع كثير غير هؤلاء المذكورين لا مجال لذكر أسماءهم . " المترجم " (32) سورة المائدة ، الآية 91 . (33) سورة البقرة ، الآية 219 . (34) سورة النساء ، الآية 43 . (35) جاء في كتاب المستطرف ج2/260 وفي كتاب تاريخ المدينة المنورة لابن شبة ج3/863 : قد أنزل الله في الخمر ثلاث آيات ... إلى أن قال : فشربها من شربها من المسلمين وتركها من تركها حتى شربها عمر (رض) فأخذ بلحى بعير وشج به رأس عبدالرحمن بن عوف ، ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر يقول : وكائن بالقليب قليـــب بــــدر * من الفتيان والعـرب الكرام أيوعدني ابن كبشة أن سنحيا * وكيف حياة أصداء وهــام ألا من مبــلغ الرحمان عنــي * بأني تارك شهــر الصيــام فقــل لله يمنعــني شــرابي * وقــــل لله يمنعـــنــي طعامــي فبلغ ذلك رسول الله فخرج مغضبا يجر رداءه ، فرفع شيئا في يده فضربه . فقال : أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله . فأنزل الله تعالى : ( إنما يريد الله أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ) إلخ فقال عمر : انتهينا ، انتهينا . " المترجم " (36) سورة المائدة ، الآية 90 . (37) سورة النحل ، الآية 91 . (38) سورة الرعد ، الآية 25 . (39) سورة التوبة ، الآية 119 . (40) قال العلامة سبط الجوزي في ـ التذكرة ـ ص20 ط. النجف : قال علماء السير : معناه كونوا مع علي (ع) وأهل بيته . وقال العلامة الخركوشي في كتاب شرف المصطفى : روي أي مع محمد وآل محمد (ص) . وقال العلامة محمد صالح الكشفي الترمذي في " مناقب مرتضوي " /43 ط. بمبئ ، مطبعة محمدي : روي عن ابن عباس : أي كونوا مع علي بن أبي طالب . وقال العلامة الآلوسي في تفسير " روح المعاني " ج11/41 ط. المنيرية بمصر : روي أن المراد كونوا مع علي كرم الله وجهه بالخلافة . " المترجم " (41) سورة المائدة ، الآية 67 . (42) أرى من المناسب نقل بقية كلامه لتتم الفائدة .. قال : إلا أن العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول الله ص ذكروا لها محامل و تأويلات بما يليق و ذهبوا إلى أنهم محفوظون عما يوجب التضليل و التفسيق صونا لعقائد المسلمين من الزيغ و الضلالة في حق كبار الصحابة سيما المهاجرين منهم و الأنصار المبشرين بالثواب في دار القرار ! وأما ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبي (ص) فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء ، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء ، ويكاد يشهد به الجماد العجماء ويبكي له من في الأرض والسماء وتنهدم منه الجبال وتنشق منه الصخور ويبقى سوء عمله على كر الشهور والدهور ، فلعنة الله على من باشر أو رضى أو سعى ، و ( لعذاب الآخرة أشد وأبقى ) . سورة طه ، الآية 127 انتهى . ( المترجم ) (43) سورة آل عمران ، الآية 187 . (44) سورة المائدة ، الآية 67 . (45) لقد نقل كثير من أعلام أهل السنة خبر دعاء الإمام علي (ع) على من كتم شهادته لحديث الغدير ولأهميته ننقله بالنصوص التي ذكروها ، منها : ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : ج4 ص 74 ط. إحياء التراث العربي بيروت ، تحت عنوان [ فصل في ذكر المنحرفين عن علي ] قال : و ذكر جماعة من شيوخنا البغداديين أن عدة من الصحابة و التابعين و المحدثين كانوا منحرفين عن علي (ع) قائلين فيه السوء و منهم من كتم مناقبه و أعان أعداءه ميلا مع الدنيا و إيثارا للعاجلة فمنهم أنس بن مالك . ناشد علي ع الناس في رحبة القصر ـ أو قال رحبة الجامع بالكوفة ـ : أيكم سمع رسول الله ص يقول : " من كنت مولاه فعلي مولاه " ؟ فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا بها و أنس بن مالك في القوم لم يقم ، فقال له يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد و لقد حضرتها ! فقال : يا أمير المؤمنين كبرت و نسيت . فقال : اللهم إن كان كاذبا فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة . قال :طلحة بن عمير : فو الله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه. [ أي أصيب بالبرص ] . و روى عثمان بن مطرف أن رجلا سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن علي بن أبي طالب فقال : إني آليت ألا أكتم حديثا سئلت عنه في علي بعد يوم الرحبة ذاك رأس المتقين يوم القيامة سمعته و الله من نبيكم ـ وقال ابن أبي الحديد ـ : روى أبو إسرائيل عن الحكم عن أبي سليمان المؤذن أن عليا ع نشد الناس من سمع رسول الله ص يقول من كنت مولاه فعلي مولاه فشهد له قوم و أمسك زيد بن أرقم فلم يشهد و كان يعلمها فدعا علي ع عليه بذهاب البصر فعمي ، فكان يحدث الناس بالحديث بعد ما كف بصره. انتهى كلام ابن أبي الحديث . أقول : وروى ابن الأثير في أسد الغابة : ج3 ص321 عن ابن عقدة بسنده عن هاني بن هاني عن أبي اسحاق أنه قال : حدثني من لا أحصي ، أن عليا نشد الناس في الرحبة : من سمع قول رسول الله (ص) " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه " ؟ فقام نفر فشهدوا أنهم سمعوا ذلك من رسول الله (ص) وكتم قوم ، فما خرجوا من الدنيا حتى عموا وأصابتهم آفة . منهم : يزيد بن وديعة ، وعبد الرحمن بن مدلج . روى هذا الخبر جمع من أعلم القوم منهم : الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد : ج9 ص 104 . وابن كثير في تاريخه : ج5 ص209 وج7 ص 347 . والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب : ص 94 . أقول : وروى احمد بن حنبل في مسنده : ج1 ص119 . بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه : شهد عليا رضي الله عنه في الرحبة ، قال أنشد الله رجلا سمع رسول الله (ص) وشهده يوم غدير خم إلا قام ؟ ولا يقوم إلا من قد رآه . فقام إثنا عشر رجلا فقالوا : قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول : اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، فقام إلا ثلاثة لم يقوموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته . وأخرج ابن كثير في تاريخه : ج5/211 وج7/346 من طريق أبي يعلى وأحمد بأسناديه ثم قال : وهكذا رواه أبو داود الطهوي ... ورواه السيوطي في جمع الجوامع والمتقي في كنز العمال : ج6/397 عن الدار قطني ، ولفظه : خطب علي فقال : أنشد الله امرء نشدة الإسلام سمع رسول (ص) يوم غدير خم أخذ بيدي يقول : ألست أولى بكم يا معشر المسلمين من أنفسكم ؟ قالوا بلى يا رسول الله ! قال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، إلا قام فشهد ؟ فقام بضعة عشر رجلا فشهدوا ، وكتم قوم فما فنوا من الدنيا إلا عموا وبرصوا . وأخرج الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: ج5/26 : بسنده عن عميرة بن سعد قال : شهدت عليا ع على المنبر ناشد أصحاب رسول الله و فيهم أبو سعيد و أبو هريرة و أنس بن مالك و هم حول المنبر و علي ع على المنبر و حول المنبر اثنا عشر هو منهم فقال علي ع : نشدتكم بالله هل سمعتم رسول الله ص يقول من كنت مولاه فعلي مولاه ؟ فقاموا كلهم فقالوا : اللهم نعم . و قعد رجل. فقال : ما منعك أن تقوم ؟ قال كبرت و نسيت يا أمير المؤمنين : فقال : اللهم إن كان كاذبا فاضربه ببلاء حسن . قال : فما مات حتى رأيت بين عينيه نكتة بيضاء لا تواريها العمامة . اعلم أيها القارئ الكريم أن مصادر العامة في هذا الخبر وأمثاله أكثر مما ذكرت ولكن رعاية للاختصار أعرضت عن ذكرها جميعا . وإني أتعجب من هذا الأمر ، فإن الاسلام يحكم لكل مدع يستند بشاهدين لإثبات حقه ومدعاه ، والإمام علي (ع) شهد له كما في بعض الروايات ثلاثون رجلا ، كما في رواية أحمد في مسنده : ج4/370 وأخرجه الحافظ الهيثمي في مجمعه وصححه ، وأخرجه سبط بن الجوزي في التذكرة ص 17 والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 65 والسيرة الحلبية : ج3/302 . وهو مع ذلك مغلوب على أمره ! وإلى اليوم لا يعترف له كثير من المسلمين ويرفضون حقه الثابت في إمامته وفي خلافته لرسول الله (ص) مباشرة من غير فصل فهو الخليفة الأول ، ومن تقدم عليه غاصب لحقه من غير شك وريب . وأما الكلام في الروايات التي ذكرت عدد الشهود في مناشدة الإمام علي (ع) المسلمين في حديث الغدير لأهميته . أو نقول : أن كلا من الرواة ذكر من عرفه أو التفت إليه ، أو أنه ذكر من كان في جانبي المنبر أو من كان إلى جنبه ولم يلتفت إلى غيرهم كما نقل النسائي في كتابه خصائص مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) 26/ طبع مطبعة التقدم بالقاهرة أخرج بسنده عن سعد بن وهب قال : قال علي كرم الله وجهه في الرحبة : أنشد بالله من سمع رسول الله (ص) يوم غدير خم يقول : إن الله ورسوله ولي المؤمنين ومن كنت وليه فهذا وليه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره . قال : فقال سعيد : قام إلى جنبي ستة ، قال زيد بن منيع : قام عندي ستة . فالشاهد في الخبر والمقصود ، العبارة الأخيرة ، أو لحساسية الموقف وأهميته وكثرة الحاضرين ذهل بعض عن بعض فنقل كل راو من ضبطه من الشهود ، إلى غير ذلك من الاحتمالات . وأود أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى هذا الأمر وهو : أن المناشدة كانت بعدما يقارب من خمسة وعشرين عاما منن يوم الغدير ، وفي هذه المدة كان كثير من الصحابة قد قضى نحبه وكثير منهم انتشروا في البلاد وكثير منهم يوم المناشدة في المدينة المنورة بعيدين عن الكوفة ، ثم إن المناشدة كانت من ولائد الساعة بالاتفاق والصدفة من غير أية سابقة وإعلام وكان في الحاضرين من يكتم شهادته سفها أو بغضا كما مرت الروايات فيها ، ومع ذلك شهد للإمام علي (ع) جم غفير ، فكيف ما لو لم تكن الموانع ؟ " المترجم " (46) سورة الأحزاب ، الآية 6 . (47) خصائص مولانا علي بن أبي طالب (ع) : ص 22 / ط مطبعة التقدم بالقاهرة . ( المترجم) . (48) أرى نقل خبر أبي هريرة بكامله من تاريخ بغداد أتم للفائدة قال أبو هريرة بعد ذكره حديث رسول الله (ص) " من كنت مولاه فعلي مولاه " فقال فقال عمر بن الخطاب : بخ بخ لك يا بن لأبي طالب : أصبحت مولاي ومولى كل مسلم . فأنزل الله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) الخ . فيا ترى ما هذا الأمر الذي أكمل الله به الدين وأتم النعمة به على المسلمين ، ومن يرفضه فإن الله تعالى لا يقبل منه الإسلام ويحاسبه محاسبة الكفار والمنافقين ؟ أليس ذلك ولاية علي بن أبي طالب (ع) وإمامته التي نقول إنها من أصول الدين ؟ وهي التي سوف نسأل عنها وتسألون يوم القيامة ، كما يسأل عن التوحيد والنبوة وسائر المعتقدات والفرائض . وقد جاء في تفسير قوله تعالى : ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) الصافات / 24 / روى عن النبي (ص) قال : أي مسؤولون عن ولاية علي سلام الله عليه ، كما رواه شيخ الاسلام الحمويني في فرائد السمطين . وابن حجر في الصواعق المحرقة : ص89 / ط المطبعة الميمنية بمصر والحضرمي في رشفة الصادي / 24 ، والعلامة الآلوسي في تفسيره روح المعاني روى عن ابن جبير وابن عباس وأبي سعيد الخدري قال : يسئلون عن ولاية علي كرم الله وجهه وقال الآلوسي في تفسيره : ج 23 / 74 في تفسيره للآية الشريفة وبعد أن عد الاقوال فيها : وأولى هذه الأقوال أن السؤال عن العقائد والأعمال ورأس ذلك لا إله إلا الله ومن أجله ولاية علي كرم اله وجهه. والكشفي الترمذي في ( مناقب مرتضوي ) وأحمد بن حنبل في المسند عن أبي سعيد الخدري أنه يسئل في القيامة عن ولاية علي بن أبي طالب وروى الديلمي في الفردوس عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري قال في قوله تعالى : أي يسئلون عن الاقرار بولاية علي بن أبي طالب . وفي أرجح المطالب ص 63 : يسئلون عن ولاية علي (ع) . والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء ، روى بسنده عن الشعبي عن ابن عباس : أي يسئلون عن ولاية علي بن أبي طالب . وقال الحافظ الواحدي في تفسير السبط ونقل عنه ابن حجر في الصواعق المحرقة 89/ في الفصل الأول / الآية الرابعة أنه قال : روي في قوله تعالى : ( و قفوهم إنهم مسؤولون ) أي عن ولاية علي و أهل البيت ع لأن الله تعالى أمر نبيه ص أن يعرف الخلق أنه لا يسألهم عن تبليغ الرسالة أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى و المعنى أنهم يسألون هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي ص أم أضاعوها و أهملوها فتكون عليهم المطالبة و التبعة انتهى . والفرقة بين المحبة والمودة ، ان المحبة مكنونة في القلب والمودة اظهار المحبة المكنونة وذلك بإطاعة المحب للمحبوب وزيارته والسعي في مسرته وكسب مرضاته ، وقد قيل : .. ان كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع وروى الخطيب الخوارزمي الحنفي في المناقب / 222 / ط ايران سنة 1312 هجرية وأخرجه أيضا في كتابه مقتل الحسين (ع) : ج2 / 39 / ط النجف الأشرف سنة 1367 هجرية بسند آخر عن الحسن البصري عن عبد الله قال قال رسول الله ص إذا كان يوم القيامة يقعد علي بن أبي طالب على الفردوس و هو جبل قد علا على الجنة و فوقه عرش رب العالمين و من سفحه تنفجر أنهار الجنة و تتفرق في الجنان و هو جالس على كرسي من نور تجري بين يديه التسنيم فلا يجوز أحد على الصراط إلا و معه براءة بولايته و ولاية أهل بيته يشرف على الجنة فيدخل محبيه الجنة و مبغضيه النار . ومن طريق البيهقي عن الحاكم النيسابوري بإسناده عن رسول الله (ص) : اذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة و نصب الصراط على جسر جهنم لم يجزها أحد إلا من كانت معه كتاب ولاية علي بن أبي طالب ع ، وأخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة : ج2 /172 . فيا ترى ما هذه الولاية التي لولاها لم يدخل احد الجنة ومن فقدها فمصيره جهنم وبئس المصير ؟! ثم اعلم ايها القارئ الكريم ! لقد فسر رسول الله (ص) كلمة المولى وأوضح مراده وكشف مقصده حينما سئل عن المعنى ، ولفد أخرج القرشي علي بن حميد في شمس الأخبار /38 نقلا عن " سلوة العارفين " للموفق بالله الحسين بن اسماعيل الجرجاني والد المرشد بالله ، باسناده عن النبي (ص) أنه لما سئل عن معنى قوله : من كنت مولاه فعلي مولاه ؟ قال : الله مولاي أولى بي من نفسي لا أمر لي معه و أنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معي و من كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي فعلي بن أبي طالب مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معه . وقد ذكرنا أن ابن حجر نقل في صواعقه صفحة 25 / خطبة النبي (ص) في غدير خم ومن جملة حديثه الشريف : ايها الناس ! ان الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه ... الخ . ولا يخفى عليك أهمية فاء التفريع في قوله تعالى : ـ فمن كنت مولاه فهذا مولاه ـ . ولا يخفى عليك أهمية فاء التفريع في قوله : ـ فمن كنت مولاه فهذا مولاه ـ فيكون معناه : أنه كلما يكون لي من الأولوية يكون لعلي (ع) . وهناك بعض الأخبار التي ذكرها بعض أعلام السنة يصرح فيها عمر بن الخطاب بأن عليا كان أولى من غيره بهذا الأمر . ذكر الرغب في محاضراته : ج7 / 213 : عن ابن عباس ، قال كنت أسير مع عمر بن الخطاب في ليلة و عمر على بغل و أنا على فرس ، فقرأ آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال : أما و اللّه يا بني عبد المطلب لقد كان علي فيكم أولى بهذا الأمر منّي و من أبي بكر!! فقلت في نفسي لا أقالني اللّه إن أقلته . فقلت : أنت تقول ذلك يا أمير المؤمنين؟ و أنت و صاحبك وثبتما و انتزعتم منّا الأمر دون الناس. فقال إليكم يا بني عبد المطلب! أما إنّكم أصحاب عمر بن الخطاب، فتأخّرت و تقدّم هنيئة، فقال : سر.. لا سرت، فقال : أعد عليّ كلامك. فقلت : إنّما ذكرت شيئا فرددت جوابه، و لو سكت سكتنا. فقال : و اللّه إنّا ما فعلنا ما فعلنا عداوة، و لكن استصغرناه و خشينا أن لا تجتمع عليه العرب و قريش لما قد وترها، فأردت أن أقول : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يبعثه في الكتيبة فينطح كبشها فلم يستصغره فتستصغره أنت و صاحبك؟ فقال: لا جرم، فكيف ترى ؟ و اللّه ما نقطع أمرا دونه، و لا نعمل شيئا حتّى نستأذنه. وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج6/50 و51 / ط دار احياء التراث العربي بيروت : يروي عن عمر بن شبه بسنده عن ابن عباس أنه قال : ... قال لي ـ أي عمر بن الخطاب ـ يا ابن عباس أما و الله إن صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله ص إلا أنا خفناه على اثنين . قال ابن عباس : فجاء بكلام لم أجد بدا من مسألته عنه . فقلت : ما هما يا أمير المؤمنين ؟ قال : خفناه على حداثة سنه و حبه بني عبد المطلب! كفى للمصنف هذه التصريحات في أولوية الإمام علي (ع) بالخلافة والإمامة على الأمة ، وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما كان رسول الله (ص) . ( المترجم ) . (49) نجد لغير حسان أيضا من الصحابة أبياتا تتضمن هذا المعنى منهم الصحابي الجليل سيد الخزرج قيس بن سعد الخزرجي الأنصاري ، كما ذكر أبيات شعره سبط ابن الجوزي في كتابه تذكرة خواص الأمة / 20/ فقال : إن قيس أنشدها بين يدي علي (ع) في صفين : قلت لنا بغى العدو علينـــــا : * حسبنا ربنا ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح البصرة * بالأمس والحديث طويل ويقول فيها : وعلـــــــي إمامــــــنا وإمـــــام * لســـوانا أتى به التنزيــل يوم قال النبي: من كنت مولاه * فهذا مولاه خطب جــــليل إنما قاله النبـــي على الأمـــــة * حتم ما فيـــه قـال وقيـــل ومنهم عمرو بن العاص مع ما كان يحمله من البغضاء والعداء على أمير المؤمنين (ع) ، لكنه حينما تشاجر مع معاوية حول ولاية مصر وخراجه رد على كتاب معاوية بقصيدة معروفة بالجلجلية ، ولكي تعرف مصادرها من كتب العامة راجع كتاب الغدير للعلامة الكبير والحبر الخبير الأميني قدس سره : ج2 ص114 وما بعد . قال فيها: .... نصرناك من جهلنا يا ابن هند * على النــبأ الأفضـــل الأعظم وحيث رفعناك فوق الرؤوس * نـــزلنا إلى أسفـــل الأســـفــل وكم قد سمعنا من المصطفى * وصايا مخـــصصة في علي ؟ وفي يوم " خم " رقى منـــبرا * يـــبلغ والركـــب لم يرحــــل وفــي كفّــهِ كَفّــــهُ معلنــــــا * ينادي بأمر العزيـز العـــــلـــي ألست بكم منكم في النفــوس * بأولى ؟ قالوا : بـلى فافعـــل فأنحــلـــه إمــرة المؤمنيــــن * من الله مستخـلــف المنحـــل وقال : من كنت مولـــى لـــه * فهــذا لـــه اليــوم نـعم الولي فوال مواليـــه يـا ذا الجـــلال * وعاد معادي أخ المـــرســـل ولا تنقضوا العهد من عترتي * فقاطِعُهــــم بــيَ لم يــوصـــل وقــال وليــكم فاحفـــــظـــوه * فمَدخلــــه فيكـــم مُدخـــــلـــي فبخبـــخ شيخــــك لــمـا رأى * عُـــرى عَقْدِ حـــيْدَرَ لم تحــلّل إلى آخر قصيدته التي يقول فيها مخاطبا لمعاوية : فأنـــك فــي إمــرة المؤمنيـــن * ودعــوى الخلافــــة في معزل ومـــا لـــك فـــيــهــــا ولا ذرة * ولا لـــــجــــــــــــدودك بـــالأول فـإن كـــان بينـــكـــم نسبـــــة * فــــأيـن الحسام من المنجل ؟! وأين الحصى من نجوم السما ؟ * وأيــــن معاوية من علي ؟! أيها القارئ الكريم فكر في معنى البيتين وأنصف ! فأنحــلـــه إمــرة المؤمنيــــن * من الله مستخـلــف المنحــل وقــال وليــكم فاحفـــــظـــوه * فـــمَدخلــــه فيكـــم مُدخــلـــي هكذا فهم عمرو بن العاص حديث النبي وخطابه في الغدير ." المترجم " (50) سورة الشورى ، الآية 23 . (51) سورة الرعد ، الآية 25 . (52) سورة الأنفال ، الآية 15 و 16 . (53) سورة آل عمران ، الآية 153 . (54) سورة الأحزاب ، الآية 10 . (55) سورة آل عمران ، الآية 153. قال الله سبحانه في سورة التوبة الآية 25 : ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) . فيا ترى من هؤلاء الذين ولو مدبرين ؟ أخرج البخاري في : ج3 / 67 / طبع عيسى البابي الحلبي بمصر : عن أبي محمد مولى أبي قتادة قال : لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين ، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله ، فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني وأضرب يده فقطعتها ... وانهمزمت معهم فإذا بعمر بن الخطاب في الناس ! فقلت له : ما شأن الناس ؟ قال : أمر الله ... وقال سبحانه وتعالى : ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض مما كسبوا ) آل عمران / 155 . اتفق المفسرون الآية تشير إلى الفارين يوم أحد وكان منهم عمر وعثمان . ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج15 / 20 / طبعة دار إحياء التراث العربي عن الواقدي قال : و بايعه يومئذ على الموت ثمانية : ثلاثة من المهاجرين علي و طلحة و الزبير ، و خمسة من الأنصار أبو دجانة و الحارث بن الصمة و الحباب بن المنذر و عاصم بن ثابت و سهل بن حنيف ، و لم يقتل منهم ذلك اليوم أحد و أما باقي المسلمين ففروا و رسول الله ص يدعوهم في أخراهم . قال ابن أبي الحديد : قلت قد اختلف في عمر بن الخطاب هل ثبت يومئذ أم لا مع اتفاق الرواة كافة على أن عثمان لم يثبت ، فالواقدي ذكر أنه [ أي عمر ] لم يثبت إلخ . وقال الفخر الرازي في مفاتيح الغيب : ج9 / 52 : ومن المنهزمين : عمر ، إلا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين ... ومنهم عثمان انهزم مع رجلين من الأنصار يقال لهما : سعد وعقبة انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيدا ، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام ! وقال الألوسي في تفسيره روح المعاني : ج4 / 99 : فقد ذكر أبو القاسم البلخي أنه لم يبق مع النبي (ص) يوم أحد إلا ثلاثة عشر نفسا ، خمسة من المهاجرين : أبو بكر وعلي وطلحة وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ، والباقون من الأنصار ... وأما سائر المنهزمين فقد اجتمعوا على الجبل ، وعمر بن الخطاب (رض) كان من هذا االصنف كما في خبر ابن جرير . وقال النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن : ج4 /112 ـ 113 بهامش تفسير الطبري الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفرا قليلا تولوا ، وأبعدوا فمنهم من دخل المدينة ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب ... ومن المنهزمين عمر . وقال السيوطي في تفسيره الدر المنثور : ج2/ 88 ـ 89 : قال : [ أي عمر ] : لما كان يوم أحد هزمناهم ، ففررت حتى صعدت الجبل ، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى . ثم قال السيوطي : أخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال : كان الذين ولوا الدبر يومئذ : عثمان بن عفان وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان من الأنصار من بني زريق . أقول : وأخرجه الطبري أيضا في تفسيره جامع البيان : ج4/ 95 ـ 96 . قال الزمخشري : استزلهم ، طلب منهم الزلل ، ودعاهم إليه ببعض ما كسبوا من ذنوبهم . فمعناه الذين فروا يوم أحد إنما أطاعوا الشيطان إذ دعاهم إلى نفسه بالفرار من الجهاد في سبيل الله ، ففروا من الله سبحانه إلى حيث أمرهم الشيطان !! وقال السيوطي في الدر المنثور : ج2 / 88 ـ 89 : عن سعيد بن جبير : إن الذين تولوا منكم ، يعني : انصرفوا عن القتال منهزمين يوم التقى الجمعان ، يوم أحد حين التقى جمع المسلمين وجمع المشركين ، فانهزم المسلمون عن النبي (ص) وبقي في ثمانية عشر رجلا ، انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ، يعني : تركوا المركز . أقول : وقد اشتهر بين المحدثين والمؤرخين فرار الشيخين في أحد ، فكما قرأت أقوالهم عن فرار عمر وعثمان هلم معي إلى ما نقلوه عن أبي بكر . قال المتقي الهندي في كنز العمال : ج5 / 274 : عن عائشة قالت : كان أبو بكر إذا ذكر أحد بكى ـ إلى أن قالت ـ ثم أنشأ ـ يحدث ، قال : كنت أول من فاء يوم أحد ... ( الحديث ) . أقول : الفئ الرجوع ، ومع الواضح أنه لا رجوع إلا بعد الهزيمة والفرار . قال في كنز العمال : أخرجه الطيالسي وابن سعد وابن السني والشاشي والبزاز والطبراني في الأوسط وابن حبان والدار قطني في الافراد و أبو نعيم في المعرفة وابن عساكر والضياء المقدسي ، انتهى . أقول : ونقل كثير من أعلام السنة روايات في فرار أبي بكر وعمر يوم خيبر ، فقد أخرج علي بن أبي بكر الهيثمي في مجمع الزوائد : ج9/ 124 / عن ابن عباس أنه قال : بعث رسول الله (ص) إلى خيبر ـ فسار بالناس ، فانهزم بالناس ، حتى انتهى إليه إلخ . قال في كنز العمال : أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وابن ماجه والبزار وابن جرير وصححه والطبراني في الأوسط والحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل والضياء المقدسي . وفي مستدرك الصحيحين : ج3 / 38 : روى بسنده عن جابر أن النبي (ص) دفع الراية يوم خيبر إلى عمر فانطلق فرجع يجبن أصحابه ويجبنونه ، قال هذا حديث صحيح على شرط مسلم . أقول : لقد أفتى كثير من العلماء وفقهاء الفريقين ، أن الفرار من الزحف ، من الذنوب الكبيرة التي لا كفارة لها . كالشرك . مستندين إلى ما رواه المحدثون : " خمس ليس لهن كفارة : الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق ـ إلى أن قال ـ والفرار من الزحف . أخرجه المناوي في فيض القدير : ج3 ص 458 في شرح الجامع الصغير للسيوطي . قال : أخرجه أحمد بن حنبل في المسند و أبو الشيخ في التوبيخ عن أبي هريرة ( وقال في الشرح ) ورواه عنه الديلمي . أقول : أيها القارئ الكريم بالله عليك ! أنصف !! أين هؤلاء الفارون من حيدرة الكرار ؟! الذي روى في حقه ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج 14 ص 250 ـ 251 / طبع دار إحياء التراث العربي قال : وسمع ذلك اليوم ـ أي يوم أحد ـ صوت من قبل السماء لا يرى شخص الصارخ به ينادي مرارا : لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي فسئل عنه رسول الله (ص) عنه ، فقال : هذا جبرائيل . وبعد نقله الخبر قال ابن أبي الحديد : و قد روى هذا الخبر جماعة من المحدثين و هو من الأخبار المشهورة و وقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن إسحاق ، و سألت شيخي عبد الوهاب بن سكينة عن هذا الخبر فقال خبر صحيح ، فقلت له : فما بال الصحاح لم تشتمل عليه ؟ قال : أو كل ما كان صحيحا تشتمل عليه كتب الصحاح ، كم قد أهمل جامعوا الصحاح من الأخبار الصحيحة ! أقول : وأما فتح خيبر على يد الإمام علي (ع) فهو " نار على علم " وليس له منكر في العالمين . فأين هذا المجاهد الفاتح والصابر الناجح عن أولئك المنهزمين الجبناء . فإن يك بينهما نسبة فأين الحسام من المنجل ؟ وأين الحصى من نجوم السماء ؟ وأين أولئكم من علي (ع) ؟ " المترجم " (56) سورة الشعراء ، الآية 227 . (57) سورة الاسراء ، الآية 26 . (58) سورة التوبة ، الآية 128 . (59) سورة المائدة ، الآية 50 . (60) أقول : وروى ابن أبي الحديد هذه الخطبة عن طريق عروة عن عائشة ، في شرح النهج 16/251لا / طبع دار إحياء التراث العربي ، فقد روت عائشة خطبة فاطمة مشابهة لما مر وفيها قالت فاطمة : ... حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت حسيكة النفاق و شمل جلباب الدين و نطق كاظم الغاوين ... و نبغ خامل الآفكين و هدر فنيق المبطلين فخطر في عرصاتكم و أطلع الشيطان رأسه صارخا بكم فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين و لقربه متلاحظين ثم استنهضكم فوجدكم خفافا و أحمشكم فألفاكم غضابا فوسمتم غير إبلكم و وردتم غير شربكم هذا و العهد قريب و الكلم رحيب و الجرح لما يندمل إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة ( ألا في الفتنة سقطوا و إن جهنم لمحيطة بالكافرين) فهيهات ! و أنى بكم و أنى تؤفكون !! و كتاب الله بين أظهركم زواجره بينة و شواهده لائحة و أوامره واضحة أ رغبة عنه تريدون أم لغيره تحكمون بئس للظالمين بدلا و من يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها تسرون حسوا في ارتغاء و نحن نصبر منكم على مثل حز المدى و أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا( أ فحكم الجاهلية يبغون و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) يا ابن أبي قحافة ! أ ترث أباك و لا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله و الزعيم محمد و الموعد القيامة و عند الساعة يخسر المبطلون إلى آخر الخبر . "المترجم" (61) سورة النمل ، الآية 16 . (62) سورة مريم ، الآية 6 . (63) سورة النساء ، الآية 11 . (64) سورة المائدة ، الآية 50 . (65) سورة الاحزاب ، الآية 33 . (66) أقول : حق لابن أبي الحديد أن يستغرب من ذلك البيان فإن كل غيور من المسلمين والمسلمات يستغرب ويتعجب بل يجب على المؤمنين كافة أن ينكروا على أبي بكر مقاله القيبح وكلامه الوقيح على سيد نساء العالمين وبعلها سيد الوصيين وأمير المؤمنين (ع) ، كما أن السيد الجليلة أم سلمة أم المؤمنين أنكرت على أبي بكر وردت عليه ، كما في دلائل الإمامة لابن جرير : ص39 قالت : أ لمثل فاطمة يقال هذا و هي الحوراء بين الإنس و الأنس للنفس ربيت في حجور الأنبياء و تداولتها أيدي الملائكة و نمت في المغارس الطاهرات نشأت خير منشأ و ربيت خير مربا أ تزعمون أن رسول الله حرم عليها ميراثه و لم يعلمها و قد قال الله له وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ فأنذرها و جاءت تطلبه و هي خيرة النسوان و أم سادة الشبان و عديلة مريم ابنة عمران و حليلة ليث الأقران تمت بأبيها رسالات ربه فو الله لقد كان يشفق عليها من الحر و القر فيوسدها يمينه و يدثرها شماله رويدا فرسول الله بمرأى لأعينكم و على الله تردون فواها لكم و سوف تعلمون قال فحرمت أم سلمة عطاءها تلك السنة !! " المترجم ". (67) في مناقب الخطيب الموفق بن أحمد الخوارزمي الحنفي : 206 أخرج بسنده عن يونس بن سليمان التميمي عن زيد بن يثبع قال سمعت ابا بكر يقول : رأيت رسول الله (ص) خيم خيمة و هو متكئ على قوس عربية و في الخيمة علي و فاطمة و الحسن و الحسين ع ، فقال رسول الله (ص) : يا معشر المسلمين !أنا سلم لمن سالم أهل هذه الخيمة و حرب لمن حاربهم ولي لمن والاهم لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب الولادة و لا يبغضهم إلا شقي الجد رديء الولادة قال : فقال رجل لزيد : يا زيد ! أنت سمعت أبا بكر يقول هذا ؟ قال : إي و رب الكعبة ! وأخرج هذا الحديث عبيد الله الحنفي في كتابه أرجح المطالب : ص 309 وقال : أخرجه المحب الطبري الشافعي في الرياض النضرة . " المترجم " . (68) أقول : أخرج حديث ابن عباس الذي رواه العلامة الكنجي الشافعي كثير من أعلام العامة منهم : المحب الطبري في الرياض النضرة : ج2 ص 166 ، والموفق بن أحمد الخطيب الخوارزمي في المناقب 81 ، والعلامة الزرندي في نظم درر السمطين / 105 ، والعلامة ابن المغازلي الشافعي في مناقبه / 394 / حديث رقم 447 . وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة / 72 / طبع المطبعة الميمنية بمصر : قال : ( الحديث الثامن عشر ) أخرج أحمد الحاكم وصححه عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله (ص) يقول : من سب عليا فقد سبني . وقال : ( الحديث السادس عشر ) أخرج أبو يعلى والبزار عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول (ص) : من آذى عليا فقد آذاني . والاحاديث في هذا الباب كثيرة بحيث لا منكر لها بين المسلمين ، وقد ورد مثلها في حق فاطمة (ع) : روى العلامة الهمداني الشافعي في كتابه مودة القربى / المودة الحادية عشرة / عن عائشة أن النبي (ص) قد قال : فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني . وفي الصواعق /112 طبع مطبعة الميمنية بمصر الحديث الثالث والعشرون ، أخرج أحمد والحاكم عن مسور أن النبي (ص) قال : فاطمة بضعتي يغضبني ما يغضبها ويبسطني ما يبسطها . وفي صفحة 114 / الحديث الخامس ، أخرج أحمد والترمذي والحاكم ، عن ابن الزبير أن النبي (ص) قال : إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها . وروى في صفحة 108 / : فاطمة بضعة من يسرني ما يسرها . وروى القندوزي في ينابيع المودة / الباب الخامس والخمسون ، قال : وفي صحيح البخاري عن المسور بن مخرمة أن رسول الله (ص) قال : فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني . قال : وفي صحيح مسلم ، إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني من آذاها ويسرني ما أسرها . قال القندوزي : وفي الترمذي ، عن مسور : إنها بضعة مني يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها ، حديث حسن صحيح ، وفي الترمذي أيضا عن ابن الزبير : إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها ، حديث حسن صحيح . وفي الترمذي ايضا وابن ماجة ، عن صبيح مولى أم سلمة وزيد بن أرقم قالا : أن رسول الله (ص) قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين : أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم . قال القندوزي : وفي كنوز الدقائق للمناوي : إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ، قال : ورواه الديلمي . وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة / 143 / باب التحذير من بغضهم وسبهم / : عن رسول الله (ص) : من سب أهل بيتي فإنما يرتد عن الله و الإسلام ، ومن آذاني في عترتي فعليه لعنة الله ، ومن آذاني في عترتي فقد آذى الله ، إن الله حرم الجنة على من ظلم أهل بيتي أو قاتلهم أو أعان عليهم وسبهم . بعد نقل هذه الأحاديث من صحاح السنة ومسانيدهم ، ألفت نظر القارئ الكريم إلى الخبر الذي رواه ابن قتيبة في كتابه المشهور الامامة والسياسة / 14 و 15 / طبع مطبعة الأمة بمصر سنة 1328 هجرية في عيادة أبي بكر وعمر لفاطمة (ع) : ... فقالت : أ رأيتكما إن حدثتكما حديثا من رسول الله (ص) تعرفانه و تفعلان به ؟ قالا : نعم ، فقالت : نشدتكما الله أ لم تسمعا من رسول الله (ص) يقول : رضا فاطمة من رضاي و سخط فاطمة من سخطي فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني و من أرضى فاطمة فقد أرضاني و من أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ قالا : نعم سمعناه من رسول الله (ص) ، قالت : فإني أشهد الله و ملائكته ، أنكما أسخطتماني و ما أرضيتماني و لئن لقيت النبي (ص) لأشكونكما إليه . فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله من سخطه و سخطك يا فاطمة ! ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق ، و هي تقول : و الله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها !! ومشهور المحدثين قالوا : أن فاطمة ماتت وهي ساخطة على أبي بكر وعمر ، منهم : البخاري في صحيحه / ج5 / 5 باب فرض الخمس / روى عن عائشة ... فغضبت فاطمة بنت رسول الله (ص) فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرة حتى توفيت . وفي ج6 / 196 / باب غزوة خيبر / عن عائشة ... فوجدت [ أي غضبت ] فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته ، فلم تكلمه حتى توفيت . ومثله لفظا أو معنى ، في صحيح مسلم : ج2 / 72 ، ومسند أحمد : ج1 / 6 و 9 ، ومثله لفظا أو معنى ، وتاريخ الطبري : ج3 / 202 ، ومشكل الآثار للطحاوي : ج1 / 48 ، وسنن البيهقي : ج6 / 300 و 301 ، والعلامة الكنجي في كفاية الطالب / الباب التاسع والتسعون / في أواخره ، ثم قال : هذا حديث صحيح متفق على صحته ، وتاريخ ابن كثير : ج5 / صفحة 285 وقال في ج6 / 333 : لم تزل فاطمة تبغضه مدة حياتها ـ أي تبغض أبا بكر ـ وذكره بلفظ الصحيحين أي عن عائشة . والديار البكري في تاريخ الخميس : ج2 / 193 ، ورواه عنها أيضا بلفظ الصحيحين ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج6 / 46 ، وقال في صفحة 50 : والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر ، وأنها أوصت ألا يصليا عليها . أقول : والحر تكفيه الإشارة . " المترجم " (69) من الضروري أن أضع النقاط على الحروف وأذكر مصادر الحديث الشريف : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " بشكل أدق وأوضح ، رواه الحاكم بسنده عن مجاهد عن ابن عباس في مسترك الصحيحين : 3/ 126 وقال : هذا حديث صحيح الاسناد ورواه بطريق آخر في صفحة 127 عن جابر بن عبدالله الأنصاري ، والخطيب البغدادي في تاريخه ج4 / 348 وبطريق آخر في 7/ 172 وبطريق آخر في ج11 / 48 وبطريق رابع في ج11 / 49 ثم قال : قال القاسم : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال هو صحيح . رواه ابن الأثير في أسد الغابة ج4 / 22 وابن حجر في تهذيب التهذيب : ج6/320 . وج7 / 427 ، وفي كنز العمال ج6/ 152 والمناوي في فيض القدير ج3/46 ، وقال أخرجه العقيلي وابن عدي والطبراني والحاكم عن ابن عباس ، ورواه الهيثمي في المجمع ج9/ 114 ورواه المتقي في كنز العمال ج6 /156 قال أخرجه الطبراني في صفحة 401 حكاه عن ابن جرير وفي صفحة 156 قال أخرجه أبو نعيم في المعرفة ، ورواه المناوي أيضا في كنوز الحقائق / 43 قال أخرجه الديلمي ورواه المحب الطبري في الرياض النضرة ج2 / 193 قال أخرجه في المصابيح في الحسان ، ورواه ابن حجر في الصواعق / 73 ط. المطبعة الميمنية قال : أخرجه البزار والطبراني في الأوسط عن جابر ، وأخرجه الحاكم والعقيلي وابن عدي عن ابن عمر ، والترمذي والحاكم عن علي (ع) وأما حديث : أنا مدينة الحكمة وعلي بابها .. الخ أو قال أنا دار الحكمة ... الخ فقد رواه الترمذي في صحيحه ج2 /299 وفي تاريخ بغداد ج 11 / 204 بسنده عن ابن عباس ، وفي كنز العمال ج6 / 401 قال : قال الترمذي وابن جرير معا الخ وقال : أخرجه أبو نعيم في الحلية ، ثم قال المتقي : وقال ابن جرير : هذا خبر عندنا صحيح بسنده وذكره المناوي في فيض القدير في المتن وقال : أخرجه الترمذي ، ثم قال في الشرح : وفي رواية أنا مدينة الحكمة وعلي بابها .. الخ وقال أيضا في شرح ( علي بابها ) : أي علي بن أبي طالب (ع) هو الباب الذي يدخل منه إلى الحكمة ، فناهيك بهذه المرتبة ما أسناها ، وهذه المنقبة ما أعلاها ، ومن زعم أن المراد بقوله (ص) : وعلي بابها أنه مرتفع من العلو وهو الارتفاع فقد تنحل لغرضه الفاسد بما لايجزيه ، ولا يسمنه ولا يغنيه . " انتهى كلام المناوي " . " المترجم " (70) اذكر القارئ الكريم مزيدا من مصادر العامة في اتخاذ النبي (ص) عليا وصيا لنفسه ، وذلك لأهمية الموضوع : 1ـ مستدرك الصحيحين : ج3/ 172 . 2ـ مجمع الزوائد : ج9/113 و146 و165 . 3ـ ذخائر العقبى : 135 و138 . 4ـ الرياض النضرة : ج2 /178 . 5ـ تهذيب التهذيب : ج3 /106 . 6ـ كنز العمال : ج6/ 153 و154 و392 و397 وج 8/ 215 . 7ـ كنوز الحقائق : 42 و121 . 8ـ حلية الأولياء : ج1/63 . 9ـ تاريخ بغداد : ج11 /112 وج12 /305 . 10 ـ كفاية الطالب : الباب الرابع والخمسون . ثم اعلم إن المصادر الموثوقة تحتوي على روايات كثيرة وردت بمعنى الوصاية ، أعرضنا عنها خشية الإطالة . " المترجم " . (71) من المناسب ذكر الخبر المروي عن عائشة في هذا المجال وهو معارض لما رواه الشيخ عبد السلام من الصحيحين : روى العلامة محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعي المتوفى سنة 658 هجرية ، في كتابه كفاية الطالب / الباب الثاني والستون قال في اواسطه : أخبرنا ابو محمد عبد العزيز بن محمد بن الحسن الصالحي ، أخبرنا الحافظ ابو القاسم الدمشقي ، أخبرنا أبو غالب بن البنا ، أخبرنا أبو الغنائم بن المأمون ، اخبرنا غمام أهل الحديث ابو الحسن الدار قطني ، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن بشر البجلي ، حدثنا علي بن الحسين بن عبيد بن كعب ، حدثنا اسماعيل بن ريان ، حدثنا عبد الله بن مسلم الملائي عن أبيه ، عن ابراهيم ، عن علقمة والأسود عن عائشة قالت : قال رسول الله ص ـ وهو في بيتها لما حضره الموت ـ ادعوا لي حبيبي ! فقلت ادعوا له أبابكر فنظر إليه ثم وضع راسه ، ثم قال : ادعوا لي حبيبي ! فقلت ادعوا له عمر فلما نظر إليه وضع رأسه ، ثم قال ادعوا لي حبيبي ! فقلت : ويلكم ادعوا له عليا فو الله ما يريد غيره ! فلما رآه أخرج الثوب الذي كان عليه ثم أدخله فيه فلم يزل محتضنه حتى قبض و يده عليه . قال العلامة الكنجي : هكذا رواه محدث الشام في كتابه كما أخرجناه ثم قال : والذي يدل على أن عليا كان أقرب الناس عهدا برسول الله (ص) عند وفاته ، ما ذكره أبو يعلى الموصلي في مسنده والامام أحمد في مسنده ، فنقل الخبر بسنده أيضا عن أم سلمة قالت : والذي أحلف به كان علي أقرب الناس عهدا برسول الله (ص) ... إلى آخر الخبر فراجع . " المترجم " . (72) أيها القارئ الرشيد ! انظر الى بعض ما نقله ابن أبي الحديد من الشعر والقول السديد في وصاية الامام علي (ع) و مما رويناه من الشعر المقول في صدر الإسلام المتضمن كونه ع وصي رسول الله قول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: و منا عــــلي ذاك صاحــــب خيــبر * وصاحب بــــدر يــوم سالت كتائبه وصي النبي المصطفى و ابن عمه * فمــــن ذا يدانيــه و من ذا يقاربـه و قال عبد الرحمن بن جعيل : لعمري لقــــد بايعتم ذا حفيظة على * الدين معــــروف العــــفاف مـوفقا عـليا وصي المصطفى و ابن عمه * و أول من صلى أخا الدين و التقى و قال رجل من الأزد يوم الجمل: هذا علي و هو الوصي آخاه يوم النجوة النبي و قال هذا بعدي الولي وعاه واع و نسي الشقي و خرج يوم الجمل غلام من بني ضبة من عسكر عائشة و هو يقول : نحن بني ضبة أعداء علي ذاك الذي يعرف قدما بالوصي و فارس الخيل على عهد النبي ما أنا عن فضل علي بالعمي و قال حجر بن عدي الكندي في ذلك اليوم أيضا : يا ربنا سلم لنا عليا سلم لــــنا المبارك المــــضيا المؤمن الموحد التقيا لا خطل الرأي و لا غــــويا بل هاديا موفقا مهديا و احفظه ربي و احفظ النبيا فيه فقــــد كان له وليــــا ثم ارتـــضاه بعده وصيا و قال خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين في يوم الجمل أيضا : ليس بين الأنصار في جحمة الحرب و بين العداة إلا الطعان فادعها تستجب فليس من الخز رج و الأوس يا علي جبان يا وصي النبي قد أجلت الحرب الأعادي و سارت الأظعان و قال زحر بن قيس الجعفي يوم الجمل أيضا: أضربكم حتى تقروا لعلي خير قــــريش كلها بعـــــد النبي من زانه الله و سماه الوصي إن الولي حافظ ظهر الولي و روي عن نصر بن مزاحم : ومن الشعر المنسوب إلى الأشعث : أتانا الرسول رسول الوصي علي المهذب من هاشم وزير النبي و ذو صهره و خير البــــرية و العــــالــم و قول جرير بن عبد الله البجلي يصف الامام علي عليه السلام : .. وصي رسول الله من دون أهله و فارسه الحامي به يضرب المثل و قال النعمان بن عجلان الأنصاري : كيف التفرق و الوصي إمامنا لا كيف إلا حــــيرة و تخاذلا و ذروا معاوية الغوي و تابعوا دين الوصي لتحمدوه آجلا و قال المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب: يا عصبة الموت صبرا لا يهولكم جيش ابن هند فإن الحق قد ظهرا و أيقنوا أن من أضحى يخالفكم أضحى شقيا و أمسى نفسه خسرا فيكم وصي رسول الله قائدكم وصهــــره وكتــــاب الله قــــد نـــشرا وقال ابن أبي الحديد في نهاية ما نقله من الأشعار والأراجيز : و الأشعار التي تتضمن هذه اللفظة ـ أي كلمة الوصي ـ كثيرة جدا و لكنا ذكرنا منها هاهنا بعض ما قيل في هذين الحزبين فأما ما عداهما فإنه يجل عن الحصر و يعظم عن الإحصاء و العد و لو لا خوف الملالة و الإضجار لذكرنا من ذلك ما يملأ أوراقا كثيرة . انتهى كلام ابن ابي الحديد " المترجم " (73) سورة البقرة ، الآية 180 . (74) سورة الحشر ، الآية 7 . (75) سورة النساء ، الآية 59 . (76) سورة النجم ، الآية 28 . (77) سورة النجم ، الآية 1 ـ 4 . (78) أظن أن أتباع عمر بن الخطاب ومحبيه أرادوا أن يصلحوا عبارته فزادوا قبل كلمة " هجر " الهمزة الاستفهامية ! ولكن ... هل يصلح العطار ما أفسد الدهر ؟! فإن أكثر الروايات صريحة في أن عمر نسب الهجر إلى النبي (ص) ! ففي صحيح البخاري عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .... فقالوا : هجر رسول الله (ص) / صحيح البخاري : ج2 / 178 بحاشية السندي وج6 / 9 / باب مرض النبي (ص) . ورواه مسلم بنفس الللفظ في صحيحه : ج11 / 89 ـ 93 بشرح النووي ، وفي ج3 / 1256 تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .... فقالوا : إن رسول الله (ص) يهجر !! وأخرجه ابن سعد في الطبقات ج2 /2/ 37 عن سعيد عن ابن عباس ... فقالوا : إنما يهجر رسول (ص) ! ، وفي صفحة 36 روى عن ابن عباس ... فقال بعض من كان عنده : إن نبي الله ليهجر ! وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده ج1 / 222 عن سعيد عن ابن عباس ... فقالوا : ما شأنه يهجر !! قال سفيان يعني : هذى !! وأخرج أيضا في المسند ج3 / 346 : إن النبي (ص) دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده قال : فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها !! وأخرجه ابن سعد أيضا في الطبقات ج2 / 36 ." المترجم " (79) سورة الحجرات ، الآية 2 . (80) سورة الكهف ، الآية 110 . (81) سورة النجم ، الآية 1 ـ 4 . (82) سورة الحشر ، الآية 7 . (83) سورة النساء ، الآية 59 . (84) سورة الأحزاب ، الآية 36 . (85) نقل الحافظ سليمان القندوزي في ينابيع المودة / الباب الخامس والستون / عن كتاب فصل الخطاب للعلامة محمد خواجه البخاري عن ابن عباس قال :وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها إلا و له ظهر و بطن و إن علي بن أبي طالب علم الظاهر و الباطن . ورواه العلامة الكنجي القرشي الشافعي في كتابه كفاية الطالب في الباب الرابع والسبعون عن ابن مسعود ، وقال رواه أبو نعيم في حلية الأولياء . وروى الخواجه البخاري بعده عن ابن عباس أيضا قال : أتي عمر بن الخطاب بامرأة مجنونة حبلى قد زنت ، فأراد عمر بن الخطاب ،أن يرجمها فقال له علي : أ ما سمعت ما قال رسول الله (ص): رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون حتى يبرأ و عن الغلام حتى يدرك ، و عن النائم حتى يستيقظ . فخلى عنها، ثم قال العلامة محمد خواجه البخاري : وفي عدة من المسائل رجع ـ أي عمر ـ إلى قول علي رضي الله عنه . فقال عمر : عجزت النساء أن يلدن مثل علي ، لو لا علي لهلك عمر ، ويقول أيضا : أعوذ بالله من معضلة ليس فيها علي ! انتهى كلام البخاري . وروى العلامة مير علي الهمداني الشافعي في كتابه مودة القربى / المودة السابعة عن أبي ذر عن رسول الله (ص) أنه قال : علي باب علمي و مبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي ، حبه إيمان و بغضه نفاق و النظر إليه رأفة عبادة . قال رواه أبو نعيم الحافظ باسناده . ونقل الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودة تحت عنوان " هذه المناقب السبعون في فضائل أهل البيت " الحديث التاسع والعشرون عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ص) : علي باب علمي و مبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي ، حبه إيمان و بغضه نفاق و النظر إليه رأفة ، ومودته عبادة . رواه صاحب الفردوس . أقول : لا يخفى أن جملة " ما أرسلت به " تشمل القرآن والسنة الشريفة وجميع أحكام الإسلام . " المترجم " (86) سورة آل عمران ، الآية 7 . (87) سورة الحشر ، الآية 7 . (88) سورة النساء ، الآية 83 . (89) " نقلت لكم مصادره في البحوث الماضية " . (90) سورة النحل ، الآية 43 . (91) سورة آل عمران ، الآية 7 . (92) سورة النساء ، الآية 83 . (93) سورة العنكبوت ، الآية 49 . (94) سورة المائدة ، الآية 3 . (95) شرح النهج لابن أبي الحديد ج16/ 221 / ط دار احياء التراث العربي / : المشهور أنه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلا أبو بكر وحده. وقال في صفحة 227 : أكثر الروايات أنه لم يرو هذا الخبر إلا أبو بكر وحده ذكر ذلك أعظم المحدثين حتى إن الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد . " المترجم " (96) نقلت لكم مصادره فيما سبق . (97) سورة الأحقاف ، الآية 15 . (98) سورة لقمان ، الآية 14 . (99) كما ونقل ابن أبي الحديد في شرح النهج ج16/214لا / ط دار إحياء التراث العربي إن أبا بكر قال فيما قال بعد خطبة فاطمة (ع) : أما بعد فقد دفعت آلة رسول الله (ص) ـ أي سيفه واجهزته الخاصة ـ و دابته و حذاءه إلى علي ع و أما ما سوى ذلك فإني سمعت رسول الله ص يقول إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا و لا فضة و لا أرضا و لا عقارا و لا دارا الخ . أقول : لقد كان علي (ع) أحق الناس برسول الله (ص) حتى عند أبي بكر ، ولذلك دفع إليه الآلات والأجهزة الخاصة برسول الله ولم يدفعها إلى العباس بن عبد المطلب وهو عم النبي (ص) فتأمل . " المترجم " (100) روى ابن أبي الحديد في شرح النهج ، ج 16 / 229 / ط. دار إحياء التراث العربي عن أبي بكر الجوهري قال : حدثنا أبو زيد ـ عمر بن شبة ـ ثم عن بإسناده إلى مالك بن أوس بن الحدثان ، قال : سمعت عمر و هو يقول للعباس و علي .... ثم توفي أبو بكر فقبضتها ـ يعني فدك ـ فجئتما تطلبان ميراثكما ! أما أنت يا عباس فتطلب ميراثك من ابن أخيك ، و أما علي فيطلب ميراث زوجته من أبيها .... قال أبو زيد : قال أبو غسان : فحدثنا عبد الرزاق الصنعاني عن معمر بن شهاب عن مالك بنحوه و قال في آخره : فغلب علي عباسا عليها ، [ وذلك لأنه لا يرث العم مع وجود فرد من الطبقة الأولى وهي بنت النبي (ص) ، وبوفاة الصديقة الطاهرة يرثها زوجها وأولادها (ع) ] ، فكانت بيد علي ثم كانت بيد الحسن ثم كانت بيد الحسين ثم علي بن الحسين ثم الحسن بن الحسن ثم زيد بن الحسن. ثم قال ابن أبي الحديد : و هذا الحديث يدل صريحا على أنهما جاءا يطلبان الميراث لا الولاية الخ . " المترجم " (101) قال ابن أبي الحديد في صفحة 225 : فلقائل أن يقول له : أ يجوز للنبي ص أن يملك ابنته أو غير ابنته من أفناء الناس ضيعة مخصوصة أو عقارا مخصوصا من مال المسلمين ، لوحي أوحى الله تعالى إليه ، أو لاجتهاد رأيه ـ على قول من أجاز له أن يحكم بالاجتهاد ـ أو لا يجوز للنبي ص ذلك ؟ فإن قال لا يجوز قال ما لا يوافقه العقل و لا المسلمون عليه . و إن قال يجوز ذلك قيل : فإن المرأة ما اقتصرت على الدعوى بل قالت : أم أيمن تشهد لي فكان ينبغي أن يقول لها في الجواب : شهادة أم أيمن وحدها غير مقبولة . و لم يتضمن هذا الخبر ذلك . بل قال لها لما ادعت و ذكرت من يشهد لها : هذا مال من مال الله . لم يكن لرسول الله (ص) . و هذا ليس بجواب صحيح . " المترجم " (102) سورة التوبة ، الآية 119 . (103) سورة الزمر ، الآية 33 . (104) سورة الحديد ، الآية 19 . (105) سورة النساء ، الآية 69 . (106) سورة غافر ، الآية 28 . (107) سورة يس ، الآية 13 . (108) خصائص النسائي /3/ط مطبعة التقدم بالقاهرة وتاريخ الطبري ج2 /56 ، والمحب الطبري في الرياض النضرة ج2/155 و158 ، كلهم رووا باسنادهم عن الامام علي (ع) قال : أنا عبد الله و أخو رسول الله ص و أنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب ، آمنت قبل الناس سبع سنين . وفي الاصابة ج7 القسم 1 ص167 قال ابن حجر : واخرج أبو أحمد وابن مندة وغيرهما من طريق إسحاق بن بشر الأسدي حدثنا خالد بن الحارث عن عوف عن الحسن عن أبي ليلى الغفارية قال: سمعت رسول الله ص يقول: سيكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب فإنه أول من آمن بي و أول من يصافحني يوم القيامة و هو الصديق الأكبر و هو فاروق هذه الأمة و هو يعسوب المؤمنين و المال يعسوب المنافقين . أقول : ذكره أيضا ابن عبد البر في استيعابه ج2/657 وذكره ابن الاثير الجزري في اسد الغابة ج5/287 ، وروى المحب الطبري في الرياض النضرة ج2/155 قال وعن أبي ذر قال : سمعت رسول الله (ص) يقول لعلي (ع) : أنت الصدّيق الأكبر ، و أنت الفاروق الأعظم الذي يفرّق بين الحقّ و الباطل وفي رواية وأنت يعسوب الدين . ثم قال : خرجهما الحاكمي . وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج9/102 قال : وعن أبي ذر وسلمان قالا : أخذ النبي (ص) بيد علي (ع) فقال : إن هذا أول من آمن بي ، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة ،وهذا الصديق الأكبر وهذا فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل ، وهذا يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الظالمين، قال : رواه الطبراني والبزار عن أبي ذر وحده . أقول وذكر المناوي في فيض القدير ج4/ ص358 في الشرح وقال : رواه الطبراني والبزار عن أبي ذر وسلمان وذكره المتقي الهندي في كنز العمال ج6 ص156 وقال: رواه الطبراني عن سلمان وأبي ذر معا ، والبيهقي وابن عدي عن حذيفة . وفي كنز العمال ج6/405 عن سليمان بن عبدالله عن معاذة العدوية قالت: سمعت علياع وهو يخطب على منبر البصرة يقول : أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر و أسلمت قبل أن يسلم . قال : أخرجه محمد بن أيوب الرازي في جزئه والعقيلي . أقول : ونقله الذهبي أيضا في ميزان الاعتدال ج1 ص417 مختصرا عن كتاب العقيلي عن معاذة العدوية . ونقله المحب الطبري في الرياض النضرة ج2/157 وقال : خرجه ابن قتيبة في المعارف . وفي كنز العمال أيضا ج6 /406 قال : عن علي (ع) قال : قال رسول الله ص : يا علي ليس في القيامة راكب غيرنا و نحن أربعة فقام رجل من الأنصار و قال : فداك أبي و أمي فمن هم ؟ قال : أنا على البراق و أخي صالح على ناقته التي عقرت و عمي حمزة على ناقتي العضباء و أخي علي على ناقة من نوق الجنة بيده لواء الحمد ينادي لا إله إلا الله محمد رسول الله فيقول الآدميون ما هذا إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو حامل عرش رب العالمين ! فيجيبهم ملك من بطنان العرش : يا معشر الآدميين : ليس هذا ملكا مقربا و لا نبيا مرسلا و لا حامل العرش بل هذا الصديق الأكبر علي بن أبي طالب . " المترجم " (109) سورة النجم ، الآية 23 . (110) صفحة 75 / ط. المطبعة الميمنية بمصر ، "المترجم " . (111) مر في ما سبق ذكر بعض مصادر الحديث ، منها صحيح الترمذي ج2/ 298 ، قال (ص) : " رحم الله عليا ، اللهم أدر الحق معه حيثما دار " . ورواه الحاكم أيضا في المستدرك : ج3/ 124 ، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم . وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير عند البسملة : أما إن علي بن أبي طالب (ع) كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر ، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى ، والدليل عليه قوله (ص) : الله أدر الحق مع علي حيث دار ، وقال أيضا ـ بعد حوالي ستين صفحة ـ : ومن اتخذ عليا إماما لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه . وفي تاريخ بغداد : ج14 / 221 بسنده عن أبي ثابت عن أم سلمة عن النبي (ص) قال : علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة . وفي مجمع الزوائد ج7/ 235 في خبر مفصل جاء فيه أن سعد بن أبي وقاص قال في مجلس معاوية : ... فإني سمعت رسول الله (ص) يقول : علي مع الحق ـ أو الحق مع علي ـ حيث كان . وفي صفحة 234 قال : وعن أبي سعيد قال : كنا عند بيت النبي (ص) في نفر من المهاجرين والأنصار ـ إلى أن قال ـ ومر علي بن أبي طالب فقال (ص) : الحق مع ذا ، الحق مع ذا . قال الهيثمي : رواه أبو يعلى ورجاله ثقات ، أقول : وذكره المناوي في كنوز الحقائق 65 مختصرا عن أبي يعلى. والمتقي في كنز العمال ج6 / 157 وقال لأبي يعلى وسعيد بن منصور . وفي كنز العمال ج6 / 157 وقال : لأبي يعلى وسعيد بن منصور . وفي كنز العمال ج6 / 57 قال : تكون بين الناس فرقة واختلاف فيكون هذا وأصحابه على الحق ـ يعني عليا ـ قال : أخرجه الطبراني عن كعب بن عجره . وذكر ابن قتيبة في الامامة والسياسة / 70 / ط. مطبعة الأمة بمصر قال : وأتى محمد بن أبي بكر فدخل على أخته عائشة ، قال لها : أما سمعت رسول الله .... يقول : علي مع الحق والحق مع علي ؟ ثم خرجت تقاتلينه بدم عثمان ! ونقل الشيخ القندوزي في ينابيع المودة / الباب العشرون / عن الحمويني بسنده عن أزرق بن قيس عن ابن عباس (رض) قال : قال رسول الله : الحق مع علي حيث دار . " المترجم " (112) تذكرة الخواص : 39 / ط. مؤسسة أهل البيت بيروت . (113) أقول : ما وجدت حديثا عن النبي (ص) في مصادر العامة بهذا اللفظ وان كان ما جاء بهذا المعنى كثيرا ، ولقد ذكر بعضها العلامة مير علي الهمداني الشافعي في كتاب مودة القربى في المودة السادسة وعنونها : " في أن عليا (ع) أخو رسول الله (ص) ووزيره وأن طاعته طاعة الله تعالى " وروى فيها ، عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله (ص) لما عقد المؤاخاة بين أصحابه قال : هذا علي أخي في الدنيا والآخرة ، وخليفتي في أهلي ووصيي في أمتي ، ووارث علمي ، وقاضي ديني ، ماله مني مالي منه ، نفعه نفعي وضره ضري ، ومن أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني . وكذلك ذكر بعض الأحاديث بالمعنى المقصود ، القندوزي في كتابه ينابيع المودة / الباب الحادي والاربعون " في الأحاديث الوارثة في سعادة من أحب عليا و ... " جاء فيه أخرج الحمويني بسنده عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة والأسود قالا : أتينا أبا أيوب الأنصاري فقلنا : يا أبا أيوب إن الله أكرمك بنبيه (ص) وصفى لك من فضله أخبرنا بمخرجك مع علي تقاتل أهل لا إله إلا الله ! فقال أبو أيوب : أقسم لكما بالله لقد كان رسول الله (ص) في هذا البيت الذي أنتما فيه معي . و علي جالس عن يمينه و أنا عن يساره و أنس بين يديه وما في البيت غيرنا إذ حرك الباب ، فقال (ص) لأنس : افتح لعمار ! ففتح الباب ودخل عمار فسلم على النبي (ص) فرحب به . ثم قال (ص) : يا عمار ستكون بعدي في أمتي هنات ، حتى يختلف السيف فيما بينهم و حتى يقتل بعضهم بعضا ، وحتى يتبرأ بعضهم من بعض ! فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني ، يعني عليا ، فإن سلك الناس كلهم واديا و سلك علي واديا فاسلك وادي علي و خل عن الناس ! يا عمار إن عليا لا يردك عن هدى و لا يدخلك على ردى ، يا عمار طاعة علي طاعتي و طاعتي طاعة الله جل شأنه . وكذا الباب الرابع والأربعون " في حديث لحمك لحمي ودمك دمي ... " . جاء أيضا ... أخرج الحمويني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله (ص) : يا علي ...و كذب من زعم أنه يحبني و يبغضك ، لأنك مني و أنا منك ، لحمك من لحمي و روحك من روحي ، و سريرتك من سريرتي و علانيتك من علانيتي ، و أنت إمام أمتي و وصيي ، سعد من أطاعك و شقي من عصاك و ربح من تولاك و خسر من عاداك و فاز من لزمك و هلك من فارقك ... الخ . " المترجم " (114) سورة الاحزاب ، الآية 33 . (115) سورة الانفال ، الآية 41 . (116) إن هذا الموضوع وهو منع ذوي القربى حقهم من الخمس موضوع مهم ، اذ نرى المانعين خالفوا أمر الله سبحانه وظلموا آل محمد (ص) . وإنا لأهمية الموضوع نذكر بعض ما ذكره ورواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج16/ص230 و231 / طبع دار احياء الكتب العربية / قال : واعلم أنالناس يظنون أن نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين في الميراث و النحلة و قد وجدت في الحديث أنها نازعت ونقل عن ابي بكر الجوهري بسنده عن أبي الاسود عن عروة قال : أرادت فاطمة أبا بكر على فدك وسهم ذوي القربى ، فأبى عليها وجعلهما في مال الله تعالى . في أمر ثالث ، ومنعها أبو بكر إياها أيضا وهو سهم ذوي القربى . ونقل ايضا عن الجوهري بسنده عن أبي الضحاك عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب (ع) : أن أبا بكر منع فاطمة وبني هاشم سهم ذوي القربى وجعله في سبيل الله في السلاح والكراع . أقول : وهناك روايات كثيرة في الموضوع ذكرها المحدثون في كتبهم لا مجال لذكرها ، ورعاية للاختصلر اكتفينا بهذا القليل . (117) سورة الاحزاب ، الآية 36 . (118) سورة هود ، الآية 17 . (119) سورة البقرة ، الآية 42 . (120) صحيح البخاري : ج2/ 186 ، ومسلم ج3 / 1380 مع اختلاف في لفظ الحديث والمعنى ." المترجم " (121) قال ابن أبي الحديد ـ ولا يخفى سعة اطلاعه في مثل هذه المواضيع ـ قال في شرح نهج البلاغة : ج6 / 50 / طبع دار إحياء الكتب العربية / : والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر ، وأنها أوصت ألا يصليا عليها !! (122) سورة الزمر ، الآية 17 ـ 18 . (123) سورة الأحزاب ، الآية 53 . (124) سورة النساء ، الآية 3 . (125) سورة البقرة ، الآية 156 . |