93
حديث كتابة السنن
عن عروة: أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله وإني والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا (1).
وقد اقتفى أثر الخليفة جمع وذهبوا إلى المنع عن كتابة السنن خلافا للسنة الثابتة عن الصادع الكريم (2))،
94
رأي الخليفة في الكتب
أضف إلى الحوادث الأربعة: حادث مشكلات القرآن. وحادث السؤال عما لم يقع. وحادث الحديث عن رسول الله. وحادث كتابة السنن. رأي الخليفة واجتهاده حول الكتب والمؤلفات. أتى رجل من المسلمين إلى عمر فقال: إنا لما فتحنا المداين أصبنا كتابا فيه علم من علوم الفرس وكلام معجب. فدعا بالدرة فجعل يضربه بها ثم قرأ نحن نقص عليك أحسن القصص ويقول: ويلك أقصص أحسن من كتاب الله؟ إنما هلك من كان قبلكم لأنهم اقبلوا على كتب علمائهم وأساقفتهم وتركوا التوراة والانجيل حتى درسا وذهب ما فيهما من العلم.
صورة أخرى:
عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: أتى عمر بن الخطاب رضوان الله عليه رجل فقال:
____________
(1) طبقات ابن سعد 3 ص 206، مختصر جامع بيان العلم ص 33.
(2) راجع سنن الدارمي 1 ص 125، مستدرك الحاكم 1 ص 104 - 106، مختصر جامع العلم ص 36، 37.
إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون. إلى قوله تعالى: وإن كنت من قبله لمن الغافلين.
ثم قال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم وأساقفتهم وتركوا التوراة والانجيل حتى درسا وذهب ما فيهما من العلم.
وأخرج عبد الرزاق، وابن الضريس في فضائل القرآن والعسكري في المواعظ، والخطيب عن إبراهيم النخعي قال: كان بالكوفة رجل يطلب كتب دانيال وذلك الضريبة فجاء فيه كتاب من عمر بن الخطاب أن يرفع إليه فلما قدم على عمر علاه بالدرة ثم جعل يقرأ عليه: الر تلك آيات الكتاب المبين - حتى بلغ - الغافلين. قال: فعرفت ما يريد فقلت: يا أمير المؤمنين! دعني فوالله لا أدع عندي شيئا من تلك الكتب إلا أحرقته فتركه.
راجع سيرة عمر لابن الجوزي ص 107، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 122، كنز العمال 1 ص 95.
وجاء في تاريخ مختصر الدول لأبي الفرج الملطي المتوفى 684 ص 180 من طبعة بوك في اوكسونيا سنة 1663 م ما نصه:
وعاش (يحيى الغراما طيقي) إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الاسكندرية ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أنسة ما هاله ففتن به وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطت بحواصل الاسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها، فمالك به انتفاع فلا نعارضك فيه، وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به. فقال له عمرو: ما الذي تحتاج إليه؟ قال: كتب الحكمة التي في الخزائن الملوكية. فقال عمرو: هذا ما لا يمكنني أن آمر فيه إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فكتب إلى عمر وعرفه قول يحيى فورد عليه كتاب عمر يقول فيه:
وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما وافق كتاب الله؟ ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله؟ فلا حاجة إليه فتقدم بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الاسكندرية وإحراقها في مواقدها فاستنفدت في مدة ستة أشهر
هذه الجملة من كلام الملطي ذكرها جرجي زيدان في تاريخ التمدن الاسلامي 3 ص 40 برمتها فقال في التعليق عليها: النسخة المطبوعة في مطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت قد حذفت منها هذه الجملة كلها لسبب لا نعلمه.
وقال عبد اللطيف البغدادي المتوفى 629 الهجري في الافادة والاعتبار ص 28:
رأيت أيضا حول عمود السواري من هذه الأعمدة بقايا صالحة بعضها صحيح وبعضها مكسور ويظهر من حالها إنها كانت مسقوفة والأعمدة تحمل السقف وعمود السواري عليه قبة هو حاملها. وأرى إنه الرواق الذي كان يدرس فيه ارسطوطاليس وشيعته من بعده وأنه دار المعلم التي بناها الاسكندر حين بنى مدينته، وفيها كانت خزانة الكتب التي أحرقها عمرو بن العاص بإذن عمر رضي الله عنه.
صورة مفصلة
وقال القاضي الأكرم جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي المتوفى 646 في كتابه تراجم الحكماء المخطوط (1) في ترجمة يحيى النحوي:
وعاش (يحيى النحوي) إلى أن فتح عمرو بن العاص مصر والاسكندرية ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلم واعتقاده وما جرى له مع النصارى فأكرمه عمرو ورأى له موضعا وسمع كلامه في إبطال التثليث فأعجبه وسمع كلامه أيضا في انقضاء الدهر ففتن به وشاهد من حججه المنطقية وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم يكن للعرب بها أنسة ما هاله، وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكاد لا يفارقه، ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطت بحواصل الاسكندرية وختمت على كل الأجناس الموصوفة الموجودة بها، فأما مالك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وأما ما لا نفع لكم به فنحن أولى به، فأمر بالإفراج عنه. فقال له عمرو: وما الذي تحتاج إليه؟ قال: كتب الحكمة في الخزائن الملوكية وقد أوقعت الحوطة عليها ونحن محتاجون إليها ولا نفع لكم بها. فقال له: ومن جمع هذه الكتب وما قصتها؟ فقال له يحيى: إن
____________
(1) توجد نسخة في دار الكتب الخديوية مكتوبة سنة 1197 كما في تاريخ التمدن الاسلامي 3 ص 42.
دم على التحصيل فلم يزل على ذلك إلى أن مات، وهذه الكتب لم تزل محروسة محفوظة يراعيها كل من يلي الأمر من الملوك وأتباعهم إلى وقتنا هذا، فاستكثر عمرو ما ذكره يحيى وعجب منه وقال له: لا يمكنني أن آمر بأمر إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وكتب إلى عمر وعرفه بقول يحيى الذي ذكر، واستأذنه ما الذي يصنعه فيها؟
فورد عليه كتاب عمر يقول فيه: وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله؟
ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله تعالى؟ فلا حاجة إليها فتقدم بإعدامها.
فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الاسكندرية وإحراقها في مواقدها وذكرت عدة الحمامات يومئذ وأنسيتها، فذكروا انها استنفدت في مدة ستة أشهر، فاسمع ما جرى واعجب. ا هـ.
وفي فهرست ابن النديم المتوفى 385 إيعاز إلى تلك المكتبة المحروقة قال في صحيفة 334: وحكى إسحاق الراهب في تاريخه ابن بطولوماوس فيلادلفوس من ملوك الاسكندرية لما ملك فحص عن كتب العلم وولى أمرها رجلا يعرف بزميرة فجمع من ذلك على ما حكي أربعة وخمسين ألف كتاب ومائة وعشرين كتابا. وقال له: أيها الملك قد بقي في الدنيا شئ كثير في السند والهند وفارس وجرجان والارمان وبابل والموصل وعند الروم. ا هـ.
ومؤسس تلك المكتبة هو بطليموس الأول وهو الذي بنى مدرسة الاسكندرية المعروفة باسم الرواق وجمع فيها جميع علوم تلك الأزمان من فلسفة ورياضيات وطب وحكمة وآداب وهيئة وكانت المدرسة توصل للقصر الملكي، وبويع لولده بطليموس
وكان رأي الخليفة هذا عاما على جميع الكتب في الأقطار التي فتحتها يد الاسلام قال صاحب " كشف الظنون " 1 ص 446: إن المسلمين لما فتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شأنها وتنقيلها للمسلمين فكتب إليه عمر رضي الله عنه: أن اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها هدى؟ فقد هدانا الله تعالى بأهدى منه، وإن يكن ضلالا؟ فقد كفانا الله تعالى. فطرحوها في الماء أو في النار فذهبت علوم الفرس فيها.
وقال في ج 1 ص 25 في أثناء كلامه عن أهل الاسلام وعلومهم: إنهم أحرقوا ما وجدوا من الكتب في فتوحات البلاد.
وقال ابن خلدون في تاريخه 1 ص 32: فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الانساني متعددون، وما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصل، فأين علوم الفرس التي أمر عمر رضي الله عنه بمحوها عند الفتح؟.
قال الأميني: ليس النظر في كتب الأولين على إطلاقه محظورا ولا سيما إذا كانت كتبا علمية أو صناعية أو حكمية أو أخلاقية أو طبية أو فلكية أو رياضية إلى أمثالها، وأخص منها ما كان معزوا إلى نبي من الأنبياء عليهم السلام كدانيال إن صحت النسبة ولم يطرقه التحريف، نعم: إذا كان كتاب ضلال من دعاية إلى مبدء باطل، أو دين منسوخ، أو شبهة موجهة إلى مبادئ الاسلام يحرم النظر فيه للبسطاء القاصرين عن الجواب والنقد، وأما من له منة الدفع أو مقدرة الحجاج فإن نظره فيه لإبطال الباطل وتعريف الناس بالحق الصراح من أفضل الطاعات.
ولا منافاة بين كون القرآن أحسن القصص وبين أن يكون في الكتب علم ناجع،
____________
(1) راجع الكافي في تاريخ مصر 1 ص 208 - 210.
والله يعلم ما خسره المسلمون بإبادة تلك الثروة العلمية في الاسكندرية وتشتيتها في بلاد الفرس من حضارة راقية، وصنايع مستطرفة لا ترتبطان بهدى أو ضلال كما حسبه الخليفة في كتب الفرس، ولا تناطان بموافقة الكتاب أو مخالفته كما زعمه في أمر مكتبة الاسكندرية العامرة، وما كان يضر المسلمين لو حصلوا على ذلك الثراء العلمي؟ فأوقفهم على ثروة مالية، وبسطة في العلم، وتقدم في المدنية، ورقي في العمران، وكمال في الصحة، وكل منها يستتبع قوة في الملك، وهيبة عند الدول، وبذخا في العالم كله، وسعة في أديم السلطة، فهل يفت شئ من ذلك في عضد الهدى؟
أو يثلم جانبا من الدين؟ نعم أعقب ذلك العمل الممقوت تقهقرا في العلوم، وفقرا في الدنيا، وسمعة سيئة لحقت العروبة والاسلام، وفي النقاد من يحسبه توحشا، وفيهم من يعده من عمل الجاهلين، ونحن نكل الحكم فيه إلى العقل السليم، والمنطق الصحيح.
على أن الخليفة كان يسعه أن ينتقي من هذه الكتب ما أوعزنا إليه مما ينجع المجتمع البشري، ويتلف ما فيه الالحاد والضلال، لكنه لم يفعل ومضى التاريخ كما وقعت القصة.
95
الخليفة والقراءات
عن محمد بن كعب القرظي مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه " (1)فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أبي بن كعب. فقال: لا تفارقني حتى
____________
(1) سورة التوبة آية 100.
لا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم، قال: لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا.
وأخرج الحاكم وأبو الشيخ عن أبي سلمة ومحمد التيمي قالا مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ: والذين اتبعوهم بإحسان. بالواو، فقال: من أقرأك هذه؟ فقال: أبي.
فأخذ به إليه فقال: يا أبا المنذر أخبرني هذا إنك أقرأته هكذا. فقال: أبي: صدق وقد تلقنتها كذلك من في رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: أنت تلقنتها كذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال: نعم. فأعاد عليه فقال في الثالثة وهو غضبان: نعم والله لقد أنزلها الله على جبريل عليه السلام وأنزلها جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ولم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه. فخرج عمر رافعا يديه وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر.
وفي لفظ من طريق عمر بن عامر الأنصاري: فقال أبي: والله أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تبيع الخيط. فقال عمر: نعم إذن فنعم، إذن نتابع أبيا.
وفي لفظ: قرأ عمر: والأنصار (رفعا) اللذين بإسقاط الواو نعتا للأنصار، حتى قاله زيد بن ثابت: إنه بالواو فسأل عمر أبي بن كعب فصدق زيدا فرجع إليه عمر وقال:
ما كنا نرى إلا أنا رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد
وفي لفظ: فقال عمر: فنعم إذن نتابع أبيا. وفي لفظ الطبري: إذا نتابع أبيا.
وفي لفظ: أن عمر سمع رجلا يقرأه بالواو فقال: من أقرأك؟ قال: أبي. فدعاه فقال: أقرأنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنك لتبيع القرظ بالبقيع. قال: صدقت وإن شئت قلت:
شهدنا وغبتم، ونصرنا وخذلتم، وآوينا وطردتم، ثم قال عمر: لقد كنت أرانا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا.
راجع تفسير الطبري 1 ص 7، مستدرك الحاكم 3 ص 305، تفسير القرطبي 8 ص 238، تفسير ابن كثير 2 ص 383، تفسير الزمخشري 2 ص 46، الدر المنثور 3 ص 269، كنز العمال 1 ص 287، ذكر لفظ أبي الشيخ ثم حكاه عن جمع من الحفاظ، وذكر تصحيح الحاكم إياه، وفي ص 285 نقله عن أبي عبيد في فضائله وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، تفسير الشوكاني 2 ص 379، روح المعاني طبع المنيرية 1 ص 8.
قال: نعم. قال: وسأله عما قال ابن عباس فصدقه.
وفي المسند عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى عمر يسأله فجعل ينظر إلى رأسه مرة وإلى رجليه أخرى هل يرى عليه من البؤس شيئا ثم قال له عمر: كم مالك؟ قال:
أربعون من الإبل. قال ابن عباس: فقلت: صدق الله ورسوله: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. فقال عمر: ما هذا؟ فقلت: هكذا أقرأنيها أبي. قال: فمر بنا إليه قال: فجاء إلى أبي فقال:
ما يقول هذا؟ قال أبي: هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أفأثبتها؟ فأثبتها.
وفي المحكي عن أحمد: قال " عمر ": إذا أثبتها في المصحف؟ قال: نعم.
وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: قلت: يا أمير المؤمنين إن أبيا يزعم إنك تركت من آيات الله آية لم تكتبها قال: والله لأسألن أبيا فإن أنكر لتكذبن فلما صلى صلاة الغداة غدا على أبي. فأذن له وطرح له وسادة وقال: يزعم هذا أنك تزعم أني تركت آية من كتاب الله لم أكتبها فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب فقال عمر: أفأكتبها؟ قال: لا أنهاك. قال: فكأن أبيا شك أقول من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قرآن منزل؟.
راجع مسند أحمد 5 ص 117، كنز العمال 1 ص 279 نقلا عن أحمد، وسعيد بن
3 - عن أبي إدريس الخولاني قال: كان أبي يقرأ: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية (1) ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام فأنزل الله سكينته على رسوله. فبلغ ذلك عمر فاشتد فبعث إليه فدخل عليه فدعا ناسا من أصحابه فيهم زيد ابن ثابت فقال: من يقرأ منكم سورة الفتح؟ فقرأ زيد على قرائتنا اليوم فغلظ له عمر فقال أبي، أأتكلم؟ قال: تكلم. فقال: لقد علمت أني كنت أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ويقرئني وأنت بالباب، فإن أحببت أن أقرئ الناس على ما أقرأني أقرأت وإلا لم أقرأ حرفا ما حييت؟ قال: بل اقرأ الناس.
وفي لفظ: فقال أبي: والله يا عمر إنك لتعلم أني كنت أحضر وتغيبون، وأدعى وتحجبون، ويصنع بي، والله لئن أحببت لألزمن بيتي فلا أحدث أحدا بشئ؟
راجع تفسير ابن كثير 4 ص 194، الدر المنثور 6 ص 79 حكاه عن النسائي والحاكم وذكر تصحيح الحاكم له، كنز العمال 1 ص 285 نقلا عن النسائي وابن أبي داود في المصاحف والحاكم. ثم قال: وروى ابن خزيمة بعضه.
4 - عن ابن مجلز قال: إن أبي بن كعب قرأ: من الذين استحق عليهم الأوليان (2) فقال عمر: كذبت. قال: أنت أكذب. فقال رجل: تكذب أمير المؤمنين؟ قال: أنا أشد تعظيما لحق أمير المؤمنين منك، ولكن كذبته في تصديق كتاب الله، ولم أصدق أمير المؤمنين في تكذيب كتاب الله. فقال عمر: صدق.
أخرجه ابن جرير الطبري وعبد بن حميد وابن عدي كما في الدر المنثور 2 ص 344، وكنز العمال 1 ص 285.
5 - عن خرشة بن الحر قال: رأى معي عمر بن الخطاب لوحا مكتوبة فيه: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله (3) فقال: من أملى عليك هذا؟ قلت:
أبي بن كعب. قال: إن أبيا أقرأنا للمنسوخ قرأها فامضوا إلى ذكر الله.
عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا فامضوا إلى ذكر الله.
____________
(1) سورة الفتح آية 26.
(2) سورة المائدة آية 107.
(3) سورة المائدة آية 9.
أخرجه أبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، وعبد الرزاق، والشافعي، والفرباني، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في السنن كما في الدر المنثور 6 ص 219، وكنز العمال 1 ص 285.
6 - عن بجالة قال: مر عمر بن الخطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم (1) وهو أب لهم. فقال: يا غلام حكها. قال:
هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله فقال له أبي: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالاسواق. وأغلظ لعمر.
أخرجه سعيد بن منصور، والحاكم، والبيهقي في السنن 7: 69، والقرطبي في تفسيره 14 ص 126، وحكى عن الأولين في كنز العمال 1 ص 279.
7 - قرأ أبي بن كعب: ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إلا من تاب (2) فإن الله كان غفورا رحيما. فذكر لعمر فأتاه فسأله عنها قال: أخذتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لك عمل إلا الصفق بالبيع.
أخرجه ابن مردويه وعبد الرزاق كما في كنز العمال 1 ص 278.
8 - عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة؟ فإنا لم نجدها. قال: أسقط فيما أسقط من القرآن.
أخرجه أبو عبيد كما في الاتقان 2 ص 42، وكنز العمال 1 ص 278.
9 - عن ابن عباس وعدي بن عدي عن عمر إنه قال: إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم. أو: أن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم. ثم قال لزيد بن ثابت: أكذلك؟ قال: نعم.
____________
(1) سورة الأحزاب آية 6.
(2) سورة النساء آية 22.
الشيخ والشيخة فارجموهما البتة. فإنا قد قرأنا ها.
وفي لفظ أحمد عن عبد الرحمن بن عوف: لولا أن يقول قائلون أو يتكلم متكلمون أن عمر رضي الله عنه زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت.
وفي لفظ البخاري عن ابن عباس: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى أن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فضيلة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو كان الاعتراف.
وفي لفظ ابن ماجة عن ابن عباس: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: ما أجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة من فرائض الله. ألا وإن الرجم حق إذا أحصن الرجل وقامت البينة أو كان حمل أو اعتراف وقد قرأتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده.
وفي لفظ أبي داود: وأيم الله لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها.
وفي لفظ البيهقي: ولولا أني أكره أن أزيد في كتاب الله لكتبته في المصحف، فإني أخاف أن يأتي أقوام فلا يجدونه فلا يؤمنون به.
راجع مسند أحمد 1 ص 29، 50، اختلاف الحديث للشافعي المطبوع هامش كتاب الأم له 7 ص 251، موطأ مالك 2 ص 168، صحيح البخاري 10 ص 43، صحيح مسلم 2 ص 33، صحيح الترمذي 1 ص 229، سنن الدارمي 2 ص 179، سنن ابن ماجة 2 ص 115، سنن أبي داود 2 ص 230، مسند الطيالسي ص 6، سنن البيهقي 8 ص 211 - 213، أحكام القرآن للجصاص 3 ص 317.
قال الأميني: كل هذه تكشف عن انحسار علم الخليفة عن ترتيل القرآن الكريم
ما بال الخليفة - وهو القدوة والأسوة في الكتاب والسنة - يتبع آراء الناس في كتاب الله؟ ويمحو ويثبت في المصحف بقول أناس آخرين؟ ولم يفرق بين الكتاب و السنة؟ ويعير سمعه إلى هذا وذلك؟ ويقبل من هذا قوله: أثبتها. ويصدق لآخر رأيه في إسقاط شئ من القرآن، ويرى آيا محرفة من الكتاب تمنعه عن إدخالها فيه خشية قول القائلين وتكلم المتكلمين، وهذا هو التحريف الذي يعزونه إلى الشيعة، ويشنون به عليهم الغارات، والشيعة عن بكرة أبيهم براء من تلكم الخزاية، فقد أصفق المحققون منهم على نفي ذلك نفيا باتا كما أسلفناه في الجزء الثالث ص 101.
وشتان بين من هذا شأنه وبين من قال فيه التابعي العظيم أبو عبد الرحمن السلمي القارئ المجع على ثقته وجلالته: ما رأيت ابن أنثى أقرأ لكتاب الله تعالى من علي.
وقال أيضا: ما رأيت أقرأ من علي عرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو من الذين حفظوه أجمع بلا شك عندنا (1). وقد مر بعض أحاديث علمه عليه السلام بالكتاب ص 193.
96
إجتهاد الخليفة في الأسماء والكنى
1 - عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب ابنا له تكنى أبا عيسى، وإن المغيرة بن شعبة تكنى بأبي عيسى فقال له عمر: أما يكفيك أن تكنى بأبي عبد الله؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني أبا عيسى فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإنا في جلستنا (2) فلم يزل يكنى بأبي عبد الله حتى هلك.
صورة أخرى:
إن المغيرة استأذن على عمر فقال: أبو عيسى. قال: من أبو عيسى؟ فقال: المغيرة بن شعبة. قال: فهل لعيسى من أب؟ فشهد له بعض الصحابة إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكنيه بها. فقال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غفر له وإنا لا ندري ما يفعل بنا وكناه أبا عبد الله.
____________
(1) طبقات القراء 1 ص 546، مفتاح السعادة 1 ص 351.
(2) وفي لفظ أبي داود: جلجننا.
2 - جاءت سرية لعبيد الله بن عمر إلى تشكوه فقالت: يا أمير المؤمنين! ألا تعذرني من أبي عيسى؟ قال: ومن أبو عيسى؟ قالت: ابنك عبيد الله. قال: ويحك! وقد تكنى بأبي عيسى؟ ودعاه وقال: أيها اكتنيت بأبي عيسى؟ فحذر وفزع فأخذ يده فعضها حتى صاح ثم ضربه وقال: ويلك هل لعيسى أب؟ أما تدري ما كنى العرب؟ أبو سلمة. أبو حنظلة أبوعرفطة. أبو مرة.
راجع شرح ابن أبي الحديد 3 ص 104، عمدة القاري 7 ص 143.
3 - كان عمر رضي الله عنه كتب إلى أهل الكوفة: لا تسموا أحدا باسم نبي، و أمر جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم المسمين بمحمد حتى ذكر له جماعة من الصحابة إنه صلى الله عليه وسلم أذن لهم في ذلك فتركهم. (عمدة القاري 7 ص 143)
4 - عن حمزة بن صهيب: إن صهيبا كان يكنى أبا يحيى، ويقول: إنه من العرب، ويطعم الطعام الكثير. فقال له عمر بن الخطاب: يا صهيب مالك تتكنى أبا يحيى وليس لك ولد؟ وتقول إنك من العرب، وتطعم الطعام الكثير، وذلك سرف في المال فقال صهيب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني أبا يحيى، وأما قولك في النسب فأنا رجل من النمر بن قاسط من أهل الموصل، ولكني سبيت غلاما صغيرا قد عقلت أهلي وقومي.
وأما قولك في الطعام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: أطعم الطعام، ورد السلام.
فذلك الذي يحملني على أن أطعم الطعام.
وفي لفظ لأبي عمر: قال عمر: ما فيك شئ أعيبه يا صهيب! إلا ثلاث خصال لولاهن ما قدمت عليك أحدا، هل أنت مخبري عنهن؟ فقال صهيب: ما أنت بسائل عن شئ إلا صدقتك عنه. قال: أراك تنسب عربيا ولسانك أعجمي، وتتكنى بأبي يحيى اسم نبي، وتبذر مالك. قال: أما تبذير مالي فما أنفقه إلا في حقه، وأما اكتنائي بأبي يحيى فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني بأبي يحيى أفأتركها لك؟ وأما انتسابي إلى العرب فإن الروم سبتني صغيرا فأخذت لسانهم وأنا رجل من النمر بن قاسط لو انفلقت عني
أخرجه أحمد في مسنده 6 ص 16، والحاكم في المستدرك 4 ص 288، وابن ماجة شطرا منه في سننه 2 ص 406، وأبو عمر في الاستيعاب في ترجمة صهيب ج 1 ص 315، والهيثمي في مجمع الزوائد 8 ص 16.
5 - سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا ينادي رجلا: يا ذا القرنين. قال:
أفرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة؟.
راجع حياة الحيوان 2 ص 21، فتح الباري 6 ص 295.
قال الأميني: تكشف هذه الروايات عن موارد من الجهل.
1 - نهي الخليفة عن التسمية باسم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وأمره المسمين به بتغيير أسمائهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ولد له ثلاثة أولاد فلم يسم أحدهم محمدا فقد جهل. (1)
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا سميتم محمدا فلا تضربوه ولا تحرموه. (2)
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه، وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبحوا له وجها. طب 3 ص 91.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله ليوقف العبد بين يديه يوم القيامة إسمه أحمد أو محمد فيقول الله تعالى له: عبدي أما استحيتني وأنت تعصيني وإسمك إسم حبيبي محمد. فينكس العبد رأسه حياء ويقول: أللهم إني قد فعلت، فيقول الله عز وجل: يا جبريل خذ بيد عبدي وأدخله الجنة فإني أستحي أن أعذب بالنار من إسمه إسم حبيبي. (3)
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من ولد له مولود فسماه محمدا حبا لي وتبركا بإسمي كان هو ومولوده في الجنة. (4)
وقالت عائشة رضي الله عنها: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله
____________
(1) أخرجه الطبري وابن عدي والهيثمي في مجمع الزوائد 8 ص 49، والسيوطي في الجامع الصغير في حرف الميم.
2 - مجمع الزوائد 8 ص 48، السيرة الحلبية 1 ص 89.
(3) المدخل لابن الحاج 1 ص 129.
(4) أخرجه ابن عساكر، وذكره المناوي في فيض القدير 6 ص 237، والحلبي في السيرة النبوية 1 ص 89.
ما الذي أحل إسمي وحرم كنيتي؟ أو: ما الذي حرم كنيتي وأحل إسمي؟. (1)
وقد سمى صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن طلحة بن عبيد الله محمدا وكناه بأبي القاسم (2) ومحمد هذا كان ممن هم عمر أن يغير إسمه. (3)
م - وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير واحد من ولدان عصره محمدا منهم:
محمد بن ثابت بن قيس الأنصاري (4) و
محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري. (5) و
محمد بن عمارة بن حزم الأنصاري. (6) و
محمد بن أنس بن فضالة الأنصاري. (7) و
محمد بن يفديدويه " بالمهملتين " الهروي. (8)
وقال صلى الله عليه وآله وسلم لرجل أنصاري هم بأن يسمي ابنه محمدا فكرهوه وسألوه صلى الله عليه وآله وسلم: سموا باسمي. (9)
وفي رجل ولد له غلام فسماه القاسم فقالوا له: لا نكنيك به فسأله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي. (10)
على أن تحسين الأسماء مما رغبت فيه الشريعة المطهرة ومحمد أحسنها، وخير الأسماء ما عبد به وحمد فجاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله: إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم. (11)
____________
(1) السنن الكبرى للبيهقي 9 ص 310، مصابيح السنة 2 ص 149، زاد المعاد 1 ص 262.
(2) الاستيعاب 1 ص 236، أسد الغابة 4 ص 322.
(3) مجمع الزوائد 8 ص 48، 49.
(4) الاستيعاب 1 ص 233، أسد الغابة 4 ص 313، الإصابة 3 ص 472.
(5) الاستيعاب 1 ص 237، أسد الغابة 4 ص 327، الإصابة 3 ص 476.
(6) الإصابة 3 ص 476.
(7) الاستيعاب 1 ص 234، أسد الغابة 4 ص 312، الإصابة 3 ص 370.
(8) أسد الغابة 4 ص 332، الإصابة 2 ص 385.
(9) مسند أحمد 3 ص 369، 385.
(10) مسند أحمد 3 ص 303.
(11) سنن أبي داود 2 ص 307، سنن البيهقي 9 ص 306، مصابيح السنة 2 ص 148.