فها هو يقول أوّلا أنّ ما سنّه الخلفاء أو أحدهم حجة لا يجوز العدول عنها، ثم يرجع ليقول أنّهم لم يلزموا أحداً العمل برأيهم!! هذا مع أنّه كان في ص 44 و69 من المجلد الأول نقل قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) بزعمه "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين"(2)، وقد مرّ عليك بيان اجتهاداتهم دون الفحص والاضطرار خصوصاً عمر بن الخطاب الذي كان يجتهد مقابل صريح القرآن والسنة النبوية كما تقدم.
5 - قال الكاتب الذي لم يميّز المرفوع والمنصوب والمجرور وهو في معرض ردّ شبهه رواية الحديث بالمعنى وأثرها السلبي على الحديث: زعم أعداء السنّة من غلاة الشيعة والمستشرقين ودعاه اللادينية أنّ تأخر تدوين السنة كان له ضرر كبير على السنة من روايتها بالمعنى... ولذلك لم يحتج النحاة بالأحاديث المروية ولم يستشهدوا بها في اثبات اللغة أو قواعد النحو، لأنّ ألفاظها مرهونة بالتأثر الشخصي للرواة.(3)
ولمّا أطلق هذه التهمة على الشيعة، واجهته مشكلة أنّ أوّل متّهم بعدم الاحتجاج بالسنة هو سيبويه النحوي السنّي، فراح يختلق له المعاذير، ويعزر ذلك إلى جهلة وعدم خبرته بعلم الرواية(4).
ثمّ عضّد ذلك بأنّ ابن مالك النحوي استشهد بالاحاديث النبوية لأنّه كان اماماً في الحديث بالاضافة إلى امامته في علم العربية.
____________
1- كتابه 1: 323.
2- أقول: إذا صح هذا الحديث فالمراد بالخلفاء الراشدين المهديين هم الأئمة الاثنا عشر في حديثه (صلى الله عليه وآله) : الخلفاء بعدي اثنا عشر كلّهم من قريش.
3- كتابه 1: 375.
4- انظر كتابه 1: 388 ـ 394. والعجيب انّه وصف سيبويه بالحماقة المطلقة حيث قال أنّ سيبويه عزا قول النّبي (صلى الله عليه وآله) "كل مولود يولد على الفطرة...إلى انّه من كلام العرب، ثم علل ذلك بما نقله عن الدكتور محمد فجال من انّه كان لاخبرة له بتلك الرواية، فهل وصل سيبويه إلى هذه الدرجة من الاسفاف في فهم الحديث والرواية!!!
قال الدكتور محمد ضاري حمادي: وتميّز الرضي بأمر آخر، وهو الأخذ بكلام أهل البيت عليهم السّلام حجّة لا تشكيك فيها من حيث الفصاحة والسلامة اللغوية، وفي ذلك يقول البغدادي المتوفي سنة 1093 هجرى: وأمّا الاستدلال بحديث النّبي (صلى الله عليه وآله) ، فقد جوزه ابن مالك وتبعه الشارح [أي الرضي شارح الكافية] المحقق في ذلك وزاد عليه بالاحتجاج بكلام أهل البيت(1).
هذا على أنّ ابن جنّي الشيعي(2) المتوفى سنة 392 هجرى، وابن فارس الشيعي المتوفى 395، والجوهري المتوفى 398 الشيعي، وابن سيده المتوفى سنة 458 هجرى، والسهيلي المالكي المتوفى سنة 581 هجري، وابن بري الشافعي المتوفى 582 هجري، وابن خروف المالكي المتوفى سنة 609 هجرى، كل هولاء كانوا قبل ابن مالك قد اعتمدوا والحديث النبوي حجة بلا تردّد، ولم يخالف في ذلك أحد بشكل صارخ إلاّ سيبويه وابن الضائع وأبو حيّان والسيوطي(3).
____________
1 ـ الحديث النبوي الشريف واثره في الدراسات اللغوية والنحوية: 339. وانظر خزانة الادب 1:9.
2 ـ انظر تحقيقنا حول تشيع ابن جني في مقدمة تحقيقنا لكتابه "مختصر العروض والقوافي" 3 ـ انظر مقال محمد حسين الخضر في مجلة مجمع اللغة العربيه 3: 199 "مختصر العروض والقوافي في اللغة" وكتاب الخليل بن احمد الفراهيدني:79، ومدرسة الكوفة 58، كلاهما للدكتور مهدي المخزومي بالحديث.
6 ـ ذكر الكاتب تحت عنوان "نماذج من جراءة الصحابة في حفظ الشريعة" فجاء اولا بقضية نهي عمر عن المغالاة في المهور وجواب المرأة له، وهي دالة على جهل عمر.
وثانياً بعزم أبي بكر على محاربة الممتنعين من الزكاة ومعارضة عمر له ثم انصياع الثاني للأوّل وهي دالة أيضاً على جهل عمر أو مواطأته لأبي بكر.
وثالثاً بإرادة عمر رجم المرأة التي ولدت لستة أشهر ومنع علي (عليه السلام) له وبيانه حكم القضية من القرآن، فدلّ على جهل عمر أيضاً.
ورابعاً بإنكار أبي سعيد الحذري على مروان بن الحكم الفقيه بنظره، وحذف عدم اعتناء مروان بذلك الإنكار.
وخامساً بإنكار ابن عمر على الحجاج، وفاته ان ابن عمر مدّ يده لرجل الحجاج ليبايع الحجاج لعبد الملك(1)، والمهم في هذا المجال هو ذكره لثلاث مفردات دالة على جهل عمر دون وعي منه لذلك.
7 ـ قال الشربيني: واستدل بتلك الشبهة [أي شبهة نهي الخلفاء وأتباعهم عن التحديث والكتابة والتدوين] بعض غلاة الشيعة، حيث ذهبوا...إلى انّ النهي عن كتابة السنة والمنع
____________
1- انظر كتابه 1: 404 ـ 406.
كتب هذه العبارات، رافضاً هذا التعليل لمنع الشيخين عن التحديث والكتابة والتدوين، لكنه لمّا استعصى عليه أمر مرسل ابن أبي مليكة ـ الذي قال فيه: إنّ الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيّهم، فقال إنّكم تحدّثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم اشدّ اختلافاً فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه(3) عاد ليتخلص من الموقف بنفس الرؤية الشيعية التي تهجّم عليها الكاتب، فقال: فلو كان له [أي لمرسل ابن أبي مليكة] أصل، فكونه عقب الوفاة النبويّة كما جاء في الروّاية يشعر بأنّه يتعلّق بأمر الخلافة، كأن الناس عقب البيعة بقوا يختلفوا، يقول أحدهم: أبوبكر أهلها، لأنّ النّبي قال كيت وكيت، فيقول آخر: وفلان(4). قد قال له النّبي كيت وكيت(5)، فأحبّ أبوبكر صرفهم عن الخوض في ذلك(6)...
____________
1- لقد أوضحنا أن مبنى كتاب السيد الشهرستاني يدور على أنّ المنع يدور على محوري طمس الفضائل التي تمس الخلافة، ومحاولة الشيخين سدّ عجزهما وعوزهما العلمي، ولهذين السببين منعا التحديث والكتابة والتدوين وفتحاً باب الاجتهاد على مصراعية.
2- كتابه: 266 ـ 267. واعاد نفس النغمة في 1: 280 ـ 281 من كتابه.
3- نقل هذه الرواية في كتابه 1: 325 ـ 326.عن تذكرة الحفاظ 1: 2-3.
4- لاحظ ذكره لاسم أبي بكر، وتعويضه اسم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ب"فلان".
5- وهذا فيه اعتراف منه بأنّ من الصحابة آنذاك من كانوا يرون علياً أحق بالخلافة ويحتجون على ذلك بأحاديث يروونها عن النّبي (صلى الله عليه وآله) .
6- كتابه 1: 239، أخذاً من كتاب الأنوار الكاشفة للمعلمي ص 54.
8 - قال الكاتب وهو بصدد الدفاع عن نهي عمر واتباعه للصحابة عن الاكثار من الرواية: من الأسباب الّتي كان الصحابة يمتنعون أو ينهون من أجلها عن الاكثار من التحديث خوفهم الاشتغال بكثرة الحديث عن تدبره وتفهّمه، لأنّ المكثر لا تكاد تراه إلاّ غير متدبّر ولا متفقّه(2)...
فالمكثر عنده ـ بناء على هذا التعليل العليل ـ غير متدبّر ولا متفقه، لكنه عاد بعد صفحات ليقول إنّ عمر كان من المكثرين، قال: إنّ عمر قد حدث بحديث كثير عن النّبي (صلى الله عليه وآله) ...لأنه قد روى عنه (صلى الله عليه وآله) خمسمائة حديث ونيف على قرب موته من موت النّبي (صلى الله عليه وآله) ، فصح أنّه كثير الرواية والحديث عن النّبي، وما في الصحابة أكثر رواية عن النّبي (صلى الله عليه وآله) من عمر بن الخطاب إلاّ بضعة عشر منهم فقط فصحّ أنّه قد أكثر الرواية عن النّبي (صلى الله عليه وآله) (3).
وبناءً على هذين الكلامين الصادرين من جنابة الموقرّ، يكون عمر غير متدبّر ولا متفقّه، فهو أولى الناس بالمنع الذي روّع به الصحابة والمسلمين، وأضاع بسببه قسماً كبيراً من
____________
1- فقد هتفت الأنصار بأجمعها في السقيفة، لا نبايع إلاّ علياً.انظر تاريخ الطبري 2: 443، والكامل لابن الأثير 4: 220.
2- كتابه 1: 335 ـ 336. ونقل ذلك في الهامش عن ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2: 123.
3- كتابه 1: 340 ـ 341. نقل ذلك عن الاحكام لابن حزم 2: 266 ـ 267.
على أنّ تعليله هذا لنهي عمر عن الاكثار لا يصدّق على أكثر من حبسهم عمر في المدينة ـ أو وضعهم تحت الأقامة الجبرية كما يحلو للشربيني أن يقول به ـ لأنّ أبا مسعود الانصاري وأباذر(1)، وأباالدرداء(2)، وعقبة بن عامر، كلّهم أقل رواية عن النّبي (صلى الله عليه وآله) من عمر، فكان عليه أن يمنع نفسه أوّلا من الإكثار الذي أدى به إلى عدم التدبّر والتفقه ثم يمنع الاخرين الأقل رواية منه ثانياً، وكلّ هذا بناء على كلام هذا الرجل الالتقاطي.
9 ـ ادعى الكاتب الموضوعية في بحثه، وأنّه لم يتأثّر برأي احد، فقال: ولم اكتب شيئاً إلاّ بعد أن أعتقد صحته، واطمئن اليه، غير متأثر براي أحد ـ ممن كتب فيه ـ كائنا من كان... وإذا كانت الدراسة الموضوعية الصادقة هي تلك التي تعتمد على النصوص والوثائق، فقد التزمت في هذا الكتاب ـ إلى حد كبير ـ بايرادها كشواهد ودلائل على ما عالجته من فكر ومبادي(3)...
وقد وقفت أخي القاري على مقدار تأثره الأعمى بالذين كتبوا من قبله وأخذه بكلماتهم على علاّتها، وعرفت ما وقع فيه من تهافتات وتناقصات نتيجة لمنهجة الالتقاطي التقليدي ذلك، فهو في كل كتابه مقلّد لا غير، بل هو حاطب ليل وخاطب ويب وديل، كما وقفت على عدم امتلاك هذا المري لأبسط آلات المفكّر، فهو لا يجيد حتّى بدهيات علم النحو والصرف واللغة، وكتابه يعدّ من الطامّات الكبرى في بلد عريق في الثقافة كمصر.
وأمّا الموضوعية الّتي ادّعاها فهي ـ والحمدلله ـ بيّنه جدّاً من خلال زفضه للأحاديث المتواترة بأسانيد صحيحة وحسنة، وإستدلاله بروايات الكذابين والوضّاعين والزّنادقة واليهود، ومن خلال جهلة بمثل "عن عدة من أصحابنا" ومن خلال تصحيحة رغم الأنف،
____________
1- فإنّه روى عن النبي 218 حديثاً. انظر كتاب اسماء الصحابة الرواة ومالكل واحد منهم من العدد لابن حزم الاندلسي.
2- روي 179 حديثاً.
3- مقدمة كتابه 1: 17.
وإذا أردت أن تعرف موضوعيته حقّ معرفتها فارجع إلى دفاعه عن حديث الذباب ورؤية الله وسحر النّبي، وطول آدم، وتقديسه لمعاوية المهدي، وليزيد هادم الكعبة ومستحل المدينة وقاتل الإمام السبط، ودفاعه عن خلفاء الجور ورميه للإمامية بأنواع الإفترات، وإطلاق عنان قلمه لتسطير أتفه العبارات وأقذع المشاتمات.
وإذا عذرنا الشربيني ـ وزوجته ام صلاح الدّين بارك الله فيها ـ لأنّه أقرّ بأن كتابه هذا باكورة أبحاثه(1)، فهو غير مشدود الوتر، ولا سديد الرمي، فإننا لا نعذر الأزهر ولا المشايخ والأساتذه في كليه أصول الدين، خصوصاً المشرفين والمناقشين، لأنّهم كان جدير بهم أن يدلّوا تلميذهم الناشىء هذا على كيفية الإستدلال والنقض والإبرام، وكيفية تنقيح المطالب والأخذ والردّ، ولا أقل من تصحيحهم له الأغلاط الفاحشة الّتي مهزلة وغرضاً مرصياً لمن اخترقوه بسهامهم.
10 - قال النّاصبي: ولقد أخذ هؤلاء المتشيّعون أعداء الإسلام يصنعون الأحاديث في أغراض شتي حسب أهوائهم ونحلهم...إلى غير ذلك من روايات مكذوبة تثبت النبوة لعلي طوراً، والخلافة والوصية بها طوراً آخر على حسب عقائد الوضاعين وآرائهم(2).
فأمّا مزعمة وجود مرويات عند الشيعة الامامية تثبت النبوة لعلي (عليه السلام) ، فهذه فرية عمياء وفتنة صلعاء أطلقها الحاقدون وليس لها عين ولا أثر إلاّ في خيالكم الجامع لا عند العقل الشيعي الامامي الحامل للفكر المحمدي الأصيل، والذي أراه أنّ القوم اختلقوا هذه الطامّة وبهتوا بها الشيعة ليغطّوا ـ كمن يحاول تغطية جبل من القاذورات وراء قماش شفاف خفيف ـ مروياتهم التي حاولوا أن يرفعوا بها عمر إلى مصاف الأنبياء.
مثل ما نسبوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّه قال: لم يبعث الله نبياً إلاّ كان في امته محدّث، وإن يكن
____________
1- انظر الاهداء من كتابه.
2- كتابه: 1: 99، نقل عن كتاب "الحديث والمحدثون": 93 لأبي زهو.
ومثل زعمهم أنّه (صلى الله عليه وآله) قال: لو كان نبي بعدي لكان عمر بن الخطاب(2).
ومثل زعمهم أنّه (صلى الله عليه وآله) قال: ما أبطأ عني جبريل إلاّ ظننت أنّه بعث إلى عمر(3).
ومثل: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر(4).
فهاهم وضّاعوا هذه الأحاديث من أبناء العامة يقولون بنبوّة عمر وأنّ الملائكة تتكلم على لسانه، وانّه نبىٌّ لولا أن تكون نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) مانعة من ذلك، ومن عمر وأتباعه انطلقت أفكار الغلو وتنبئة الجاهلين، ولعل الملائكة عندكم هي التي جعلت عمر ـ كما روت عائشةـ يقول بعد وفاة النّبي (صلى الله عليه وآله) : والله ما مات رسول الله، والله ما كان يقع في نفسي إلاّ ذاك، وليبعثنّه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم(5).
وروى أبو هريرة عن عمر انّه قال: إن رجالا من المنافقين يزعمون ان رسول الله توفى، وإنّ رسول الله ما مات، ولكن ذهب الى ربّه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه اربعين ليلة ثم رجع اليهم بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعني رسول الله كما رجع موسى فليقطعن ايدي رجال وارجلهم زعموا ان رسول الله مات بل كان عمر نفسه يقول: من قال أنّه مات(6)...علوت رأسه بسيفي، وانّما ارتفع إلى السماء(7).
____________
1- المعجم الأوسط للطبراني 7: 18، ومجمع الزوائد 9: 69.
2- سنن الترمذي5: 281 / ح 3769، والرياض النضرة 1: 278، مسند أحمد 4: 154، مستدرك الحاكم 3: 86.
3- شرح النهج 12: 178، المسترشد للطبري: 549.
4- شرح النهج 12: 178، المعيار والموازنة: 222. كنز العمال 11: 581، تذكرة الموضوعات للقيني: 94.
5- صحيح البخاري 4: 194.
6- الدر المنثور 2: 81، تاريخ الطبري 3: 200 - 201.
7- تاريخ أبي الفداء 1: 164.
فها هو عمر يستحق النبوة عندكم، وما أبطأ جبرئيل عن النّبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ ظن أنّه بعث إلى عمر، ومع ذلك يجهل موت النّبي والايات القرانية الناصّة على ذلك، ويقول برجعة النّبي وتقطيعه أرجل وأيدي من قال بموته، فهو إذن نبي أو مشارف للنبوة، مغال قائل بالرجعة!! لم يعرف الايات الناصة على موت النّبي (صلى الله عليه وآله) ، هذا كلّه عندكم، ونتحداكم أن تذكروا رواية واحدة على ما تزعمون من أن الشيعة وضعوا روايات تثبت النبوة لعلي (عليه السلام) .
وأمّا روايات الخلافة والوصية فهي إجماعية عند الشيعة وعندكم أيضاً تعدّ من أثبت الروايات وأصحّها أسانيد، ورأسها حديث غدير خمّ، وقد تقدم إثبات تواتره، وفصّل العلماء دلالته بنفسه ظاهر ناطق بالخلافة "من كنت مولاه فعلىّ مولاه" اللهم وآل من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله".
وأمّا أحاديث الوصيّة،فلا يختلف إثنان في أصل ثبوتها لأمير المؤمنين (عليه السلام) ، إنما الكلام يقع في أنّ الشيعة تحمل الوصاية له على عمومها، والعامة يخصصونها ويضيقون دائرتها، أمّا ثبوت أصل الوصيّة لعلي فلا ينكره إلاّ من طفح كيل قلبه بالحقد، فكيف تعدّ روايات الوصية كلها مكذوبة أو موضوعة!!!
قال الشريف المرتضى في شرح القصيدة المذهبة: وأمير المؤمنين (عليه السلام) وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وقد أجمع الناس على إطلاق هذا الاسم له، ووصفه بهذا الوصف، حتّى صار علماً مشهوراً ووصفاً مميزاً، وان اختلف في معناه، فذهب قوم إلى أنه وصيّته في أهله وامته، والأمر متظاهرة متواترة...وخبر يوم الدار مشهور(2)، هو ان النّبي جمع عبدالمطلب فخطبهم،
____________
1- انظر تاريخ الطبري 3: 201، وسيرة ابن هشام 4: 107.
2- شرح القصيدة المذهبّة: 119 ـ 120.
وقال العلامة ابن منظور الافريقي بعد ذكره لمعاني الوصية: وقيل لعلي (عليه السلام) وصيّي لاتصّال نسبه وسببه وسمته بنسب سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسببه وسمته.
ثم قال: قلت: كرمّ الله وجه أمير المؤمنين عليّ وتسلّم عليه، هذه صفاته عند السلف الصالح (رحمهم الله) ، ويقول فيه غيرهم: لولا دعابة فيه.
وقال الزبيدي: والوصىّ ـ كغنّي ـ لقب علي (رحمهم الله) ، سمّي به لاتصال سببه ونسبه وسمته بنسب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسببه وسمته(2).
وقد خاطب شعراء المسلمين من الصحابة ووصفوا عليّاً ب "الوصي"، وتجاوزت أشعارهم في ذلك العشرات وربّما بلغت حدّ المئات(3)، ونقلت هذه الأشعار بالتواتر عن الرواة الأثبات في الشعر والأدب واللغة.
ولكي لا يخلوا المقام من روايات الخلافة الوصاية لعلي (عليه السلام) المروية في كتب ومسانيد العامة، نذكر هنا بعضها تيمّناً وتبركاً بها، لأنّ احاديث الخلافة والوصية تستعرق في جمعها المجلدات والأسفار، وهي مروية عند العامة بكثرة كاثرة فضلا عن الشيعة.
فقد روى أحمد بسنده عن ابن عباس، قال لِمَ وقعوا في علىّ: أفّ وتفّ، وقعوا في رجل له
____________
1- انظر خبر يوم الدّار وبيعة العشيرة في فرائد السمطين 1: 85 ـ 86، وشواهد التنزيل 1: 542 ـ 547، ونظم درر السمطين: 82 ـ 83، وكفاية الطالب: 205 ـ 206، وطبقات ابن سعد 1: 187، وتاريخ ابي الفداء 2: 116، ومسند أحمد 1:111، والدر المنثور 5: 97، والسيرة الحلبية 1: 46، واسنى المطالب: 12، وتاريخ دمشق 1: 97 ـ 99، رواه بسبعة طرق، ومروج الذهب 2: 283، والرياض النضرة 2: 125، وتاريخ الطبري 2: 217، والكامل لابن الاثير 2: 62، والأخيران بدلا لفظة "وصيي وخليفتي" ب"كذا وكذا" 2- تاج العروس 10: 394.
3- انظر سلسلة دواوين الشعراء من أصحاب علي أمير المؤمنين مادة بصنعتنا "وصي".
وفي مجمع الزوائد: عن علي (عليه السلام) أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) قال: خلفتك أن تكون خليفتي، قال: أتخلف عنك يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: ألا ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبىّ بعدي.
قال الهيتمي: رواه الطبراني في الاوسط ورجاله رجال الصحيح(2).
وروى عمرو بن أبي عاصم بسنده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) : انت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ انك لست نبياً، إنّه لا ينبغي أن اذهب إلاّ وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي(3).
ورووا عن سلمان الفارسي، قال: قلت: يا رسول الله لكل نبي وصىّ، فمن وصيّك؟ فسكت عنّي، فلما كان بعد رآني فقال: يا سلمان، فاسرعت إليه، قلت: لبيك، قال: تعلم من وصي موسى؟ قلت: نعم، يوشع بن نون،...قال: فإنّ وصيي وموضع سرّي وخير من اترك بعدي، ينجز عدّتي ويقضي ديني علي بن أبي طالب(4).
ثم قال الطبراني: قوله "وصيي" يعني أنّه أوصاه في أهله لا بالخلافة. وقوله "خير من أترك بعدي" يعني من أهل بيته(5).
____________
1- مسند أحمد1: 331، المستدرك على الصحيحين 3: 133. فالأفّ والتفّ من ابن عباس على من وقع في علي وأنكر الخلافة والولاية له.
2- مجمع الزوائد 9:111. وانظر المعجم الاوسط 4: 296.
3- كتاب السنة: 551، قال: اسناده حسن.
4- المعجم الكبير 6: 221، ومجمع الزوائد 9: 113، وكنز العمال 11: 61 وشواهد التنزيل 1: 98، وتاريخ دمشق 42: 393 عن بريدة عن النّبي (صلى الله عليه وآله) . وانظر في تخريجاته هامش شواهد التنزيل.
5- المعجم الكبير 6: 221. فلاحظ تلقيه الحديث بالقبول ثم صرفة الوصية عمومها إلى خصوص الوصاية بالأهل.
وقال العلّامة السيد مرتضى العسكري: روت الصحابة روايات متعددة موثوقة ومعتبرة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: علي وصيي ووزيري ووارثي، وفي بعضها وخليفتي، واشتهر الامام علي بلقب الوصي من بين هذه الألقاب، وأصبح علماً له، ولم يعرف غيره بهذا اللقب... ثم أكثرت الصحابة والتابعون ومن جاء بعدهم من الشعراء ذكره بالوصىّ في أشعارهم(3)...
فأسانيد الوصاية موثوقة ومعتبرة، وقد بحثها العلماء مفصّلا وبيّنوا وجه اعتبارها، بل التاريخ والأدب والشعر والسيرة كلّها شاهدة على ثبوت الوصية لأمير المؤمنين (عليه السلام) ، ومنكر ذلك لا يمكن أن يكون إلاّ حاقداً أو جاهلا.
وختاماً
فإنّ هذا الكتاب ما هو إلاّ ملاحظات ورسالة مفتوحة للأزهر الشريف، نودّ أن لا يغيظهم ما فيها، لأنّ من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق(4) ولأنّنا معشر الشيعة الامامية ـ
____________
1- كنز العما ل/ كتاب الفضائل ـ الفصل الثاني، فضائل علي/ 12: 209/ح 1192.
2- مسند أبي يعلى 4: 345.
3- معالم المدرستين 1: 243. وانظر ص 216 ـ 217، و246 و249 ـ 250 و 295 منه.
4- نهج البلاغة: 46 / الخطبة 15.
لقد بداً الهجوم على الشيعة الامامية بعد وفاة النّبي (صلى الله عليه وآله) ، فغصبت خلافة علي (عليه السلام) ، وسلبت فدك من فاطمة الزهراء، وامتد الظلم عليهم في عهد الخليفة الثاني والثالث بأبشع أنواعه، وجاء معاوية فجاءت البلايا وقحة فاضحة، فكتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البدان "انظروا من قامت عليه البينة انّه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه" وشفع ذلك بنسخة اخرى "من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به، وأهدموا داره"...وفي العهد السلجوقي ـ وقبله بنحو قرن ـ كان أعداء الحسين يحملون حملات مسعورة على الشيعة بسبب تعزيتهم النّبي (صلى الله عليه وآله) بقتل ولده الحسين وأهل بيته، حتّى أحرقوا ضريح موسى بن جعفر ونهبوه، وأخرجوا جماعة من موتي الشيعة الإمامية فأحرقوهم، واستمرّ هذا العداء لآل محمّد وشيعتهم حتّى أخذت الأقلام الحاقدة تتهجم علينا بانواع الفري، فكتب الجاحظ كتابه "العثمانيّة" وهاجم فيه الشّيعة، فتصدي له علماؤنا فكتبوا في ردّه أكثر من عشرة كتب وردود، واستمرّ المجتهدون وذيول الظالمين بنهج الهجوم وكيل التهم، ووقف نهج المتعبدين شاخصاً صلباً مدافعاً، وهكذا سار النهجان هجوماً ودفاعاً حتى يومنا الحاضر(2).
ومن هذا المنطق والمسار التاريخي، كتبنا بعض ملاحظاتنا حول كتاب "السنة النبوية في كتابات اعداء الاسلام" ووجّهنا العتاب واللوم بالدرجة الأولى على الأزهر الشريف ـ لما
____________
1- من كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) قاله لابنه الامام الحسن (عليه السلام) . انظره في نهج البلاغة 4: 52/ قصار الحكم ـ الحكمة 233.
2- انظر مقالة "موقف الشيعة من هجمات الخصوم" للعلامة المرحوم السيد عبد العزيز الطباطبائي وهي مطبوعة في مجلة تراثنا: العدد (6) ص32 ـ 61، السنة 1407 هجري
وآخر دعوانا أن الحمدلله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.