الصفحة 69
خُلق عليها، وقد بيّن سبحانه أنه خلق ضعيفاً.

2 ـ تعليق الرؤية على أمر غير واقع:

علّق سبحانه الرؤية على استقرار الجبل وبقائه على الحالة التي كان عليها عند التجلّي، وعدم تحوّله إلى ذرّات ترابية صغار بعده، والمفروض أنه لم يبقَ على حالته السابقة، وبطلت هويّته، وصارت تراباً مدكوكاً، فإذا انتفى المعلّق عليه (بقاء الجبل على حالته) ينتفي المعلّق، وهذا النوع من التعليق في كلامهم، طريقة معروفة حيث يعلِّقون وجود الشيء على ما يعلم عدم وقوعه وتحقّقه، والله سبحانه بما أنه يعلم أنّ الجبل لا يستقر في مكانه ـ بعد التجلّي ـ فعلّق الرؤية على استقراره، لكي يستدلّ بانتفائه على انتفائه، قال سبحانه: (وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) (الاعراف/40).

والحاصل: أنّ المعلّق عليه هو وجودُ الاستقرار بِغَضّ النظرِ عن كونهِ أمراً ممكناً أو مستحيلاً، والمفروض انّه لا يستقر، فبانتفائه ينتفي ما علّق عليه وهو الرؤية.

وبالامعان فيما ذكر تستغني عن جلّ ما ذكره المتكلّمون من المعتزلة والاشاعرة حول المعلّق عليه(1) .

ولارادة نموذج من كلامهم نأتي بما ذكره الرازي، قال: إنه تعالى علّق رؤيته على أمر جائز، والمعلّق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية

____________

(1) القاضي عبد الجبار، شرح الاُصول الخمسة: 265; والشريف الجرجاني، المواقف 8: 121; والرازي، مفاتيح الغيب 14: 231، ولا حاجة لنقل كلماتهم في المقام.


الصفحة 70
في نفسها جائزة بدليل قوله: (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) واستقرار الجبل أمرٌ جائزُ الوجود في نفسه، فثبت أنه تعالى علّق رؤيته على جائز الوجود في نفسه...(1) .

ويلاحظ على كلامه أنّ المعلّق عليه ليس إمكانُ الاستقرار وكونه أمراً ممكناً مقابل كونه أمراً مُحالاً عليه حتى يكون أمراً حاصلاً ويلزم منه وجود المعلّق، أعني الرؤية، مع أنّ المفروض عدمها، بل المعلّق عليه بقاء الجبل على ما كان عليه، إذ لو كان المعلّق عليه امكان الاستقرار يلزم نقض الغرض وتحقّق الرؤية لموسى (عليه السلام) بل المعلّق عليه هو بقاء الجبل على حالته التي كان عليها حين التكلّم، والمفروض أنّه لم يبقَ عليها، بل دُكَّ وصار تراباً مستوياً بالارض، فبانتفاءه انتفى المعلَّق، أعني الرؤية.

3 ـ تنزيهه سبحانه بعد الافاقة عن الرؤية:

تذكر الاية أن موسى لما أفاق فأوّلُ ما تكلّم به هو تسبيحه سبحانه وتنزيهه وقال: (سُبْحَانَكَ) وذلك لانّ الرؤية لا تنفكّ عن الجهة والجسمية وغيرهما من النقائص، فنزّه سبحانه عنها، فطلبها نوع تصديق لها.

ومن مصاديق التفسير بالرأي ما ربّما يقال: إنّ المراد ـ من التنزيه هنا ـ هو تنزيه الله وتعظيمه واجلاله عن أنْ يتحمّل رؤيته مَنْ كتب عليه

____________

(1) الرازي، مفاتيح الغيب 14: 231.


الصفحة 71
الفناء، حتى لا يتعارض مع ما ورد من إثبات الرؤية عن الله ورسوله في دار الاخرة، وليست الرؤية من النقائص على ما يدّعيه نفاتها، فهي ليست نقصاً في المخلوق، بل هي كمال، وكلّ كمال اتّصف به المخلوق وأمكن أنْ يتّصف به الخالق فالخالق أولى(1) .

يلاحظ عليه: بأنه من أين وقف على اختصاص النفي بمن كتب عليه الفناء، مع اطلاق الاية، ولماذا لا يجعل الموضوع لعدم تحمّلها الوجود الامكاني القاصر المحفوظ في كلتا الدارين.

وما ذكره في آخر كلامه من أنّ كلّ كمال اتّصف به المخلوق وأمكن أن يتّصف به الخالق فالخالق أولى به صحيح من حيث الضابطة والقانون، لكنّه باطل من حيث التطبيق على المورد، فإنّ ما يوصف به المخلوق على قسمين: فمنه ما يكون كمالاً له ككونه عالماً قادراً حيّاً سميعاً بصيراً، فالله أولى بأن يوصف به، ومنه ما لا يكون كمالاً له ككونه مرئياً للغير، فلا يوصف به سبحانه، ولو افترضنا كونه كمالاً للاوّل، لكنّه يكون موجباً للنقص في الثاني لاستلزامه التجسيم والتشبيه والجهة والحاجة إلى المكان، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وكان الاولى للكاتب وأشباهه أن لا يخوضوا غمار هذه المسائل التي تحتاج إلى قدر كبير من التفكّر والعناية الخاصّة.
إذا لم تستطع أمراً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع

____________

(1) الدكتور أحمد بن ناصر، رؤية الله تعالى: 47-48.


الصفحة 72

4 ـ توبته لاجل طلب الرؤية:

إنّ موسى (عليه السلام) بعدما أفاق، أخذ بالتنزيه أولاً والتوبة والانابة إلى ربّه ثانياً، وظاهر الاية أنه تاب من سؤاله، كما أنّ الظاهر من قوله: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) إنه أوّل المصدّقين بأنه لا يرى بتاتاً.

وللباقلاني أحد دعاة مذهب الامام الاشعري كلاماً في تفسير التوبة، أشبه بالتفسير بالرأي، قال:

يحتمل إنّ موسى تاب لاجل أنه ذكر ذنوباً له قد قدّم التوبة منها، فجدّد التوبة عند ذكرها لهول ما رأى، أو تاب من ترك استئذانه منه سبحانه في هذه المسألة العظيمة(1) .

لكن كلّ ما ذكره وجوه لا يتحمّلها ظاهر الاية، وإنّما تورّط فيها لاجل دعم المذهب، وهذا هو الذي ندّد به النبيّ الاكرم وقال: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار»، ومثله قول الرازي في تفسير قوله: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بأنه لا يراك أحدٌ في الدنيا، أو أوّل المؤمنين، بأنه لا يجوز السؤال منك إلاّ باذنك(2) .

* * *

شبهة المخالفين

قد تقدّم أنّ الاية استدلّ بها النافون والمثبتون، وقد تعرّفت على

____________

(1) الباقلاني (ت/403)، التمهيد: 270-271.

(2) الرازي، مفاتيح الغيب 14: 235 بتلخيص، لاحظ خاتمة المطاف تجد فيها كلمات السلف الصالح في تفسير التوبة.


الصفحة 73
استدلال النافين، وليس استدلال المثبتين للرؤية استدلالاً علمياً، وإنّما يرجع محصّل كلامهم إلى ابداء شبهتين هما:

الشبهة الاُولى: لو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها الكليم (عليه السلام)

إنّ الاية دالة على أنّ موسى (عليه السلام) سأل الرؤية، ولا شكّ أنّ موسى(عليه السلام) يكون عارفاً بما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها، وحيث سألها علمنا أنّ الرؤية جائزة على الله تعالى(1) .

والاستدلال بطلب موسى إنّما يكون متقناً إذا تبيّن أنه (عليه السلام) طلبها باختيار ومن غير ضغط من قومه، فعندئذ يصلح للتمسّك به ظاهراً، وأنّى للمستدلّ اثبات ذلك، مع انّ القرائن تشهد على أنه سأل الرؤية على لسان قومه حيث كانوا مصرّين على ذلك على وجه يأتي بيانه، وتوضيحه يتوقّف على بيان أُمور:

1 ـ أنه سبحانه ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية أولاً(2) .

2 ـ أنه سبحانه أتْبعها بذكر قصة العجل وما دار بين موسى وأخيه وقومه ثانياً(3) .

3 ـ ثمّ نقل اختيار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقاته سبحانه وقال: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةَ قَالَ

____________

(1) مفاتيح الغيب 14: 229.

(2) الاعراف: الاية 143.

(3) الاعراف: الايات 148-154.


الصفحة 74
رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) (الاعراف/155).

والاجابة الحاسمة تتوقّف على توضيح أمر آخر وهو: هل كان سؤال موسى الرؤية مستقلاً عن طلب القوم الرؤية، أم لا صلة له بطلبهم؟ من غير فرق بين القول بوقوع الطلبين في زمان واحد أو زمانين، بل المهم، وجود الصلة بين السؤالين وعدمها، وكون الثاني من توابع السؤال الاوّل.

والظاهر بل المقطوع به هو الاوّل، ويدلّ على ذلك أمران:

الاوّل: سياق الايات ليس دليلاً قطعياً

إنّ ذهاب موسى بقومه إلى الميقات كان قبل تحقُّق قصة العجل، لقوله سبحانه: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتِ فَعَفَوْنَا عَنْ ذلِكَ) (النساء/153)، فإن تخلل لفظة «ثم» حاك عن تأخّرها عن الذهاب، ومع ذلك كلّه فقد جاء ذكر ذهابهم إلى الميقات في سورة الاعراف بعد ذكر قصة العجل، وهذا لو دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ السياق ليس دليلاً قطعياً لا يجوز مخالفته، فكما جاز تأخير المتقدّم وجوداً في مقام البيان فكذلك يجوز تكرار ما جاء في أثناء القصة في آخره لنكتة سنوافيك بها.

فما نقله الرازي عن بعضهم من أنهم خرجوا إلى الميقات ليتوبوا


الصفحة 75
عن عبادة العجل فقالوا في الميقات: (أَعْطِنَا مَا لَمْ تُعطِهِ أَحَداً قَبْلنَا...)(1) ليس بشيء، وقد عرفت تصريح الاية على تقدّم سؤالهم الرؤية على عبادته.

الثاني: استقلال السؤالين غير معقول

انّ لاحتمال استقلال السؤالين صورتين:

الاُولى: أن يتقدّم موسى بسؤال الله الرؤية لنفسه ثمّ يَحدث ما حدث، من خروره صعقاً وإفاقته وإنابته ثمّ إنّه بعدما سار بقومه إلى الميقات سأله قومه أن يُرِي الله لهم جهرة، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون.

الثانية: عكس الصورة الاُولى، بأن يسير موسى بقومه إلى الميقات ثمّ يسألونه رؤية الله جهرة فيحدث ما حدث ثمّ هو في يوم آخر أو بعد تلك الواقعة يسأل الرؤية لنفسه فيُخاطب بقوله: (لَنْ تَرَانِي وَلكِن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) .

انّ العقل يحكم بامتناع كلتا الصورتين عادة حسب الموازين العادية.

أما الاُولى، فلو كان موسى متقدّماً في السؤال وسمع من الله ما خاطبه به بقوله (لَنْ تَرَانِي) كان عليه أن يذكّر قومه بعواقبِ السؤال، وأنه سألها ربّه ففوجئ بالغشيان، مع أنه لم يذكرهم بشيء مما جرى عليه

____________

(1) الرازي، مفاتيح الغيب 14: 239.


الصفحة 76
حين طلبهم، ولو ذكّرهم لما سكت عنه الوحي.

أمّا الثانية: فهو كذلك، لانه لو كان قد تقدّم سؤال قومه الرؤية وقد شاهد موسى ما شاهد حيث اعتبر عملهم سفهياً فلا يصحّ في منطق العقل أن يطلب الكليم ذلك لنفسه بعد ذلك مستقلاً.

وكل ذلك يؤكد عدم وجود ميقاتين ولا لقاءين ولا سؤالين مستقلّين، وإنّما كان هناك ميقات واحد ولقاء واحد وسؤالان بينهما ترتّب وصلة، والدافع إلى السؤال الثاني هو نفس الدافع إلى السؤال الاوّل، وعندئذ لا يدلّ سؤال موسى الرؤية على كونها أمراً ممكناً لاندفاعه إلى السؤال من قبل قومه.

وتوضيح ذلك: أنّ الكليم لمّا أخبر قومه بأنّ الله كلّمه وقرّبه وناجاه، قال قومه: لن نؤمن بك حتى نسمع كلامه كما سمعتَ، فاختار منهم سبعين رجلاً لميقاته وسأله سبحانه أن يكلِّمه، فلما كلّم الله وسمع القوم كلامه قالوا: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً) فعند ذلك أخذتهم الصاعقة بظلمهم، وإلى هذه الواقعة تشير الايات التالية:

1 ـ (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (البقرة/151).

2 ـ (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة/55).

3 ـ (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) (النساء/153).


الصفحة 77
4 ـ (وَاخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) (الاعراف/155).

إلى هذه اللحظة الحساسة لم يتكلّم موسى (عليه السلام) حول الرؤية ولم ينبس بها ببنت شفة ولم يطلب شيئاً، وإنّما طلب منه سبحانه أن يحييهم حتى يدفع عن نفسه اعتراض قومه إذا رجع إليهم، وهو القائل: (قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ) .

فلو كان هناك سؤال فإنّما كان بعد هذه المرحلة وبعد اصابة الصاعقة السائلين، وعودتهم إلى الحياة بدعاء موسى، وعندئذ نتساءل هل يصح للكليم أن يطلب السؤال لنفسه وقد رأى بأُمّ عينيه ما رأى؟ كلا، وكيف يصحّ له أن يسأله وقد وصف السؤال بالسفاهة، فلم يبق هناك إلاّ احتمال آخر، وهو انّه بعدما عاد قومه إلى الحياة أصرّوا على موسى وألحّوا عليه أن يسأل الرؤية لنفسه لا لهم حتى تحلّ رؤيته لله مكان رؤيتهم فيؤمنوا به بعد اخباره بالرؤية(1) ، وهذا هو المعقول والمرتقب من قوم موسى الذين عرفوا بالعناد واللجاج، وبما أنّ موسى لم يُقْدِم على السؤال إلاّ باصرار منهم لكي يسكتهم، لذلك لم يتوجه إلى الكليم أيُّ تَبَعة ولا مؤاخذة، بل خوطب بقوله (لَنْ تَرَانِي وَلكِنْ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ

____________

(1) أو لتستمعوا النصّ باستحالة ذلك من عند الله كما سيوافيك في كلام الزمخشري.


الصفحة 78
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) .

وللامام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) هنا كلام حول سؤال موسى:

قال عليّ بن محمّد بن الجهم: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليّ بن موسى (عليهما السلام)، فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أليس من قولك انّ الانبياء معصومون؟ قال: بلى، فسأله عن آيات من القرآن، فكان فيما سأله أن قال له: فما معنى قول الله عزّ وجلّ (وَلَمَّا جَاءَ مُوسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي) كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران (عليه السلام) لا يعلم أنّ الله ـ تعالى ذكره ـ لا تجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال؟

فقال الرضا (عليه السلام): «إنّ كليم الله موسى بن عمران (عليه السلام) علم أنّ الله تعالى عن أن يُرى بالابصار، ولكنّه لما كلّمه الله عزّ وجلّ وقرّ به نجيّاً، رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ الله عزّ وجلّ كلّمه وقرّبه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفاً، ثمّ اختار منهم سبعة آلاف ثمّ اختار منهم سبعمائة ثمّ اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سينا، فأقامهم في سفح الجبل، وصعد موسى (عليه السلام) إلى الطور وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلّمه ويسمعهم كلامه، فكلّمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام، لانّ الله عزّ وجلّ أحدَثَه في الشجرة، ثمّ جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن لك بأنّ هذا الذي سمعناه كلامَ الله حتى نرى الله جهرةً، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عزّ وجلّ عليهم


الصفحة 79
صاعقةً فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا ربّ ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعتُ إليهم وقالوا: إنّك ذهبت بهم فقتلتهم لانّك لم تكن صادقاً فيما ادّعيت من مناجاة الله إيّاك، فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إنّك لو سألت الله أن يريك أن تنظر إليه لاجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حقّ معرفته، فقال موسى (عليه السلام): يا قوم إنّ الله لا يُرى بالابصار ولا كيفية له، وإنّما يعرف بآياته ويعلم باعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى (عليه السلام): يا ربّ إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا موسى إسألني ما سألوك فلن أُؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى (عليه السلام): (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكِ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلكِنْ أُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ (بآية من آياته) جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيكَ (يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي) وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) منهم بأنّك لا تُرى».

فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة(1) .

وللزمخشري في المقام تفسير رائع قال: ما كان طلب الرؤية إلاّ ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضُلاّلاً وتبرأ من فعلهم، وذلك أنّهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبّههم على الحقّ فلجّوا وتمادوا في لجاجهم، وقالوا لابدّ، ولن نؤمن حتى نرى الله جهرةً، فأراد

____________

(1) الصدوق، التوحيد: 121 برقم 24 باب ما جاء في الرؤية.


الصفحة 80
أن يسمعوا النصّ من عند الله باستحالة ذلك وهو قوله: (لَنْ تَرَانِي) ليتيقّنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)(1) .

وعلى كلّ تقدير فما ذكره صاحب الكشّاف قريب ممّا ذكرناه، وكلا البيانين يشتركان في أنّ السؤال لم يكن بدافع من نفس موسى، بل بضغط من قومه.

ولكن الرازي ناقش في هذه المقالة وقال:

ظاهر الحال يقتضي أنْ تكون هذه القصة مغايرة للقصة المتقدّمة، لانّ الالْيَق بالفصاحة إتمام الكلام في القصة الاُولى في وضع واحد ثمّ الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها، فأمّا ذكر بعض القصة (سؤال موسى الرؤية) ثمّ الانتقال منها إلى قصة أُخرى (اتّخاذ العجل ربّاً) ثمّ الانتقال منها بعد تمامها إلى بقيّة الكلام في القصة الاُولى (سؤال قوم موسى) يوجب نوعاً من الخَبْط والاضطراب، والاَولى صون كلام الله تعالى عنه(2) .

والجواب: أنّه سبحانه أخذ ببيان قصة مواعدة موسى ثلاثين ليلة من آية 241 وختمها في الاية 551، فالمجموع قصة واحدة كسبيكة واحدة، ولكن سبب العود إلى ما ذكر في أثناء القصة في آخرها هو ابراز العناية بسؤال الرؤية باعتباره مسألة مهمّة في حياة بني إسرائيل.

فقد اتّضح ممّا ذكرنا عدم دلالة الاية على إمكان رؤيته سبحانه بطلب موسى.

* * *

____________

(1) الزمخشري، الكشّاف 1: 573-574 ط مصر.

(2) الرازي، مفاتيح الغيب 15: 70.


الصفحة 81

الشبهة الثانية: تجلّيه على الجبل

إنّ تجلّيه سبحانه للجبل هو رؤية الجبل له، فلمّا رآه (سبحانه) اندكّت أجزاؤه، فإذا كان الامرُ كذلك ثبت أنه تعالى جائز الرؤية، وأقصى ما في الباب أنْ يقال: الجماد جماد، والجماد يمتنع أن يَرى شيئاً، إلاّ أن نقول لا يمتنع أن يقال: إنّه تعالى خلق في ذلك الجبل الحياة والعقل والفهم ثمّ خلق فيه الرؤية متعلّقة بذات الله(1) .

لكن يلاحظ على هذا الكلام: انّ ما ذكره من رؤية الجبال لله تعالى مع افتراضه الحياة والعقل والفهم للجبل شيء نسجه فكره، وليس في الاية أيّ دليل عليه، والحافز إلى هذه الفكرة هو الدفاع عن الموقف المسبق والعقيدة التي وَرِثها، وظاهر الاية أنّه سبحانه تجلّى للجبل وهو لم يتحمّل تجلّيه لا أنّه رآه وشاهده.

وأمّا التجلّي، فكما يحتمل أن يكون بالذات كذلك يحتمل أن يكون بالفعل، فمن لم يتحمّل تجلّيه بفعله وقدرته فالاولى أن لا يتحمّل تجلّيه بذاته، وعندئذ فمن المحتمل جداً أن يكون تجلّيه بآثاره وقدرته وأفعاله، فعند ذلك لا يدلّ أنّ تجلّيه للجبل كان بذاته.

أضِفْ إلى ذلك أنّ أقصى ما تُعطيه الاية هو الاشعار بذلك، لذا لا

____________

(1) الرازي، مفاتيح الغيب 24: 232.


الصفحة 82
يمكن التمسك به وطرح الدلائل القاطعة عقلاً ونقلاً على امتناع رؤيته.

إلى هنا تمّ ما أردناه من دلالة الذكر الحكيم على امتناع الرؤية، وقد استنطقنا الايات السالفة بوجه تفصيلي، وتعرّفت فيه على موقفه من الرؤية بالعيون والابصار.


الصفحة 83
رؤية الله في الذكر الحكيم

دراسة أدلة المثبتين

7
الاية الاُولى: إلى ربّها ناظرة

استدلّ القائلون بجواز الرؤية بآيات متعدّدة والمهم فيها هو الاية التالية، أعني قوله سبحانه: (كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الاْخِرَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ * تَظنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) (القيامة/20-25).

يقول الشارح القوشجي في شرحه لتجريدالاعتقاد: إنّ النظر إذا كان بمعنى الانتظار يستعمل بغير صلة ويُقال انتظرته، وإذا كان بمعنى التفكّر يستعمل بلفظة «في»، وإذا كان بمعنى الرأفة يستعمل بلفظة «اللام»، وإذا كان بمعنى الرؤية استعمل بلفظة «إلى»، فيحمل على الرؤية(1) .

أقول: لقد طال الجدال حول ما هو المقصود من النظر في الاية، بين مثبتي الرؤية ونافيها، ولو أتينا بأقوالهم لطال بنا المقام، فإنّ

____________

(1) القوشجي، شرح التجريد: 334.


الصفحة 84
المثبتين يُركّزون على أنّ الناظرة بمعنى الرؤية، كما أنّ نافيها يفسّرونها بمعنى الانتظار، مع أنّ تسليم كونه بمعنى الرؤية غير مؤثّر في اثبات مدّعيها كما سيظهر، والحقّ عدم دلالتها على جواز رؤية الله بتاتاً، وذلك لامرين:

الاول: أنّه سبحانه استخدم كلمة «وجوه» لا «عيون»، فقسم الوجوه إلى قسمين: وجوه ناضرة، ووجوه باسرة، ونسب النظر إلى الوجوه لا العيون، فلو كان المراد هو الرؤية لكان المتعيّن استخدام العيون بدل الوجوه، والعجب أنّ المستدلّ غفل عن هذه النكتة التي تحدّد معنى الاية وتخرجها عن الابهام والتردّد بين المعنيين، وأنت لا تجد في الادب العربي القديم ولا الحديث مورداً نسب فيه النظر إلى الوجوه وأُريد منه الرؤية بالعيون والابصار، بل كلما أُريد منه الرؤية نُسب إليهما.

الثاني: لا نشك أنّ «الناظرة» في قوله (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بمعنى الرائية، ونحن نوافق المثبتين بأنّ النظر إذا استعمل مع «إلى» يكون بمعنى الرؤية، لكن الذي يجب أن نُلفت إليه نظر المستدل هو أنه ربما يكون المعنى اللغوي ذريعة لتفهيم معنى كنائي، ويكون هو المقصود بالاصالة لا المدلول اللغوي، فلو قلنا: زيد كثير الرماد، فالجملة مستعملة في معناها اللغوي، ولكن كثرة الرماد مراد استعماليّ لا جِدّيّ، والمراد الجِدّي هو ما اتّخذ المعنى الاستعمالي وسيلة لافهامه للمخاطب، والمراد هنا هو جوده وسخاؤه وكثرة إطعامه، فإذا قال الرجل: زيد كثير الرماد، فلا نقول: إنّ القائل أخبرنا عن كثرة الرماد في


الصفحة 85
بيت زيد الذي يعدّ أوساخاً ملوثة لبيته، فيكون قد ذمّه دون أن يمدحه، بل يجب علينا أن نقول: بأنه أخبر عن جوده وسخائه، والعبرة في النسبة المراد الجدي لا الاستعمالي، وهذه هي القاعدة الكلية في تفسير كلمات الفصحاء والبلغاء.

والان سنوضح مفاد الاية ونبيّن ماهو المراد الاستعمالي والجدي فيها، وذلك لا يعلم إلاّ برفع ابهام الاية بمقابلها، فنقول: إنّ هناك ستة آيات تقابلها ثلاثة، وهي كالاتي:

1 ـ (كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةِ) يقابلها: (وَتَذَرُونَ الاْخِرَةِ) .

2 ـ (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ) يقابلها: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ) .

3 ـ (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) يقابلها: (تَظنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) .

فلا شك أنّ الايات الاربع الاُول واضحة لا خفاء فيها، وانّما الابهام وموضع النقاش هو الشق الاول من التقابل الثالث، فهل المراد منه جداً هو الرؤية، أو انها كناية عن انتظار الرحمة؟ والذي يعيّن أحد المعنيين هو الشقّ الثاني من التقابل الثالث، أعني (تَظنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) فهو صريح في أنّ أصحاب الوجوه الباسرة ينتظرون العذاب الكاسر لظهرهم، ويظنّون نزوله. وهذا الظن لا ينفكّ عن الانتظار، فكلّ ظانّ لنزول العذاب منتظر، فيكون قرينة على أنّ أصحاب الوجوه المشرقة ينظرون إلى ربهم، أي يرجون رحمته، وهذا ليس تصرّفاً في


الصفحة 86
الايات ولا تأويلاً لها، وإنّما هو رفع الابهام عن الاية بالاية المقابلة لها، وترى ذلك التقابل والانسجام في آيات أُخرى، غير أنّ الجميع سبيكة واحدة.

1 ـ (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ مُسْفِرَةٌ) يقابلها: (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) .

2 ـ (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) يقابلها: (تَرْهَقُهَا قَترَةٌ)(1) .

فإنّ قوله (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) قائم مقام قوله (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) فيرفع ابهام الثاني بالاوّل.

3 ـ (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ خَاشِعَةٌ) يقابلها: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةٌ) (الغاشية/2-4).

4 ـ (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاعِمَةٌ) يقابلها: (لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّة عَالِيَة) الغاشية/8-10).

أُنظر إلى الانسجام البديع، والتّقابل الواضح بينهما، والهدف الواحد، حيث الجميع بصدد تصنيف الوجوه يوم القيامة، إلى ناضر ومسفر، وناعم وإلى باسر، وأسود (غبرة) وخاشع.

أما جزاء الصنف الاول فهو الرحمة والغفران، وتحكيه الجمل التالية:

إلى ربّها ناظرة، ضاحكة مستبشرة، في جنة عالية.

وأمّا جزاء الصنف الثاني فهو العذاب والابتعاد عن الرحمة،

____________

(1) عبس: 38-40.


الصفحة 87
وتحكيه الجمل التالية:

تظنّ أن يفعل بها فاقرة، ترهقها قترة، تصلى ناراً حامية.

أفبعْدَ هذا البيان يبقى شكّ في أنّ المراد من (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) هو انتظار الرحمة!! والقائل بالرؤية يتمسّك بهذه الاية، ويغضّ النظر عمّا حولها من الايات، ومن المعلوم أنّ هذا من قبيل محاولة اثبات المدّعى بالاية، لا محاولة الوقوف على مفادها.

ويدلّ على ذلك أنّ كثيراً ما تستخدم العرب النظر بالوجوه في انتظار الرحمة أو العذاب، وإليك بعض ما ورد في ذلك:
وجوه بها ليل الحجاز على الهوى إلى ملك كهف الخلائق ناظرة
وجوه ناظرات يوم بدر إلى الرحمن يأتي بالفلاح
فلا نشكّ أنّ قوله: وجوهٌ ناظرات بمعنى رائيات، ولكن النظر إلى الرحمن هو كناية عن انتظار النصر والفتح.
إنّي إليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغني الموسر
فلا ريب أنّ اللفظين في الشعر وإن كانا بمعنى الرؤية، ولكن نظر الفقير إلى الغني ليس بمعنى النظر بالعين، بل الصبر والانتظار حتى يعينه.

قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الاْخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران/77)، والمراد من قوله: (لاَ يَنْظُرْ إِلَيْهِمْ) هو طردهم عن ساحته وعدم شمول رحمته لهم وعدم تعطّفه عليهم، لا عدم مشاهدته إيّاهم، لانّ رؤيته وعدمها ليس أمراً مطلوباً لهم


الصفحة 88
حتى يهدّدوا بعدم نظره سبحانه إليهم، بل الذي ينفعهم هو وصول رحمته إليهم، والذي يصح تهديدهم به هو عدم شمول لطفه لهم، فيكون المراد عدم تعطّفه إليهم، على أنّ تفسير قوله (لاَ يَنْظُرْ إِلَيْهِمْ) بـ «لا يراهم» يستلزم الكفر، فإنّه سبحانه يرى الجميع (وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ) .

والحاصل: أنّ النظر إذا أُسند إلى العيون يكون المعنى بالمراد الاستعمالي والجدّي هو الرؤية على أقسامها، وإذا أُسند إلى الشخص كالفقير أو إلى الوجوه فيراد به الرؤية استعمالاً والانتظار جدّاً.

ثمّ إنّ لصاحب الكشاف هنا كلمةٌ جيدة، حيث يقول بهذا الصدد: يقال: «أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي» يريد معنى التوقّع والرجاء، ومن هذا القبيل قوله:
وإذا نظرت إليك من ملك والبحر دونك زدتني نعماً
وقال: سمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلُق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم تقول: عُيينتي نويظرة إلى الله واليكم، تقصد راجية ومتوقّعة لاحسانهم إليها، كما هو معنى قولهم: أنا أنظر إلى الله ثمّ إليك، وأتوقّع فضل الله ثمّ فضلك(1) .

____________

(1) الزمخشري، الكشّاف 3: 294.


الصفحة 89
رؤية الله في الذكر الحكيم

دراسة أدلة المثبتين

8
خمس آيات على طاولة التفسير

اتّفق المحقّقون على أنه لا يُستدلُّ بآية على عقيدة إسلامية إلاّ إذا كانت الاية واضحة الدلالة جليّة المرمى، لما عرفت من أنّ المطلوب في باب العقائد هو الاعتقاد، وهو متوقّف على الاذعان، ولا يحصل إلاّ اذا كان هناك سبب قطعي له.

وعلى ذلك الاصل، كان المرتقب من أصحاب القول بالرؤية التمسّك بما له ظهور على مدّعاهُم ولو كان ذلك الظهور بدائياً أو زائلاً حين التمعّن به، ولكن من المؤسف إنّنا نراهم يتمسّكون بما لا دلالة له على مدّعاهم، بل لا صلة بينه وبين القول بالرؤية، وعلى ذلك سنتناول في هذاالفصل هذا القسم من الايات ونفصّله عمّا سبق للفرق بين أدلّتهم.

الاية الاُولى: أمره سبحانه موسى بالشكر له

(قَالَ يَا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ


الصفحة 90
مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الاعراف/144).

قال الرازي: إعلم إنّ موسى (عليه السلام) لمّا طلب الرؤية ومنعهُ الله منها، عدّد اللهُ عليه وجوه نِعَمه العظيمة التي له عليه، وأمره أن يشتغلَ بذكرها كأنّه قال: إن كنتُ قد منعتُك الرؤية فقد أعطيتُك من النِعم كذا وكذا، فلا يضيقُ صدرُك بسبب منع الرؤية، وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصّصتُك بها، واشتغِل بشكرها، والمقصود تسلية موسى (عليه السلام) عن منع الرؤية، وهذا أيضاً أحد ما يدلُّ على أنّ الرؤية جائزةٌ على الله تعالى، إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة(1) .

وقد تبعه اسماعيل البروسي فقال في تفسير قوله (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) : أن اشكُر، يبلغك إلى ما سألتَ من الرؤية، لانّ الشكر يستدعي الزيادة، لقوله تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ) (ابراهيم/7) والزيادة هي الرؤية لقوله تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيَادَةٌ) (يونس/26)، وقال عليه الصّلاة والسلام: «الزيادةُ هي الرؤية، والحسنى هي الجنّة»(2) .

ومن المثبتين للرؤية من يستحسن مواقفَ المستدلّين بهذه الاية ويقول: إنّ الاستدلال بهذه الاية على الجواز قويّ، لانّ الله تعالى عدّد لموسى (عليه السلام) هذه النعم التي أنعم اللهُ بها عليه لما منعه من حصول جائز طلبه منه، فذكر ما ذكر تسليةً له، ولو منعه من ممتنع لكان بخطاب آخر،

____________

(1) الرازي، مفاتيح الغيب 14: 235.

(2) اسماعيل حقي البروسي، روح البيان 3: 239; وتبعه الالوسي في روح المعاني لاحظ 9: 55.


الصفحة 91
وذلك مثلُ خطابه تعالى لنوح (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (هود/45-46).

وقوله تعالى لابراهيم (عليه السلام) حين قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة/260)، والفرق بين خطاب الله لموسى (عليه السلام) وبين خطابه لنوح وابراهيم (عليه السلام) ظاهر(1) .

وقد نقلنا كلام هؤلاء بالتفصيل ليقف القارئ على كيفية تمسّكهم بما لا دلالة له على مطلوبهم، والشاهد على ذلك أنّا لو عرضنا الاية على أيّ عربيّ مخاطب بالقرآن لا ينتقلُ ذهنه إلى ما يدّعون، ويرى أنّ إثبات الرؤية بها تحميل للنظرية على الاية وليس تفسير لها، وإليك نقاط الضعف في كلماتهم:

أمّا الرازي، فمن أين يدّعي أنّ الاية في مقام مواساة موسى لئلاّ يضيق صدره بسبب منع الرؤية؟ لو لم نقل أنّ الاية وردت على خلاف ما يدّعيه، فإنّما وردت في مورد الامتنان على موسى وموعظة له أنْ يكتفي بما اصطفاه الله به من رسالاته، وكلامه، ويشكره ولا يزيد عليه.

هذا هو الظاهر من الاية، ولا وجه لحمل الاية بكونها في صدد المواساة بعدما صدر من موسى في الاية المتقدّمة عليها قوله: (سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) قال يا موسى انّي اصطفيتك

____________

(1) الدكتور أحمد بن ناصر، رؤية الله: 92.


الصفحة 92
على الناس.. فمقتضى ما صدر من موسى من تنزيه وتوبة وإيمان بأنه لا يُرى هو موعظته بالاكتفاء بما أُوتي ولا يزيد عليه، لا أن يعتذر سبحانه إليه ويواسيه بحرمانه رؤيته.

وأمّا ما ذكره صاحب روح البيان فعجيب جدّاً، فإنّ استدلاله يتوقّف على أنّ المراد من «زيادة» في قوله سبحانه (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) هو الرؤية، وهذا أول الكلام، وسيوافيك أنّ المراد منها هي الزيادة على الاستحقاق، فانتظر حتى يأتيك البيان.

وأمّا ما ذكره الدكتور تأييداً لما ذكره الرازي فَضَعْفُه واضح، لانّ الاية ليست بصدد مواساته، وأمّا اختلاف الخطاب بينها وبين ما ورد في طلب نوح، هو أنّ طلب موسى لَمّا كان نتيجة ضغط من قومه دون طلب نوح، صار الاختلاف في مبدأ الطلبين سبباً لاختلاف الخطابين، فخوطب نوح بخطاب عتابي دون موسى (عليهما السلام)، وإنْ كان العتاب على ترك الاَولى.

الاية الثانية: الحسنى والزيادة

(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ وَأُولئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (يونس/26).

فقد فسّرت الحسنى بالجنّة، والزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، فقد روى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي قال: «إذا أُدخل أهل الجنّة قال الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم، فيقولون: ألم تُبيِّض وجوهنا؟ ألم تُدخِلنا الجنّة وتُنْجِنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما


الصفحة 93
أُعطوا شيئاً أحبّ إليهم من التنظّر إلى ربّهم عزّ وجلّ».

وفي رواية ثمّ تلى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيَادَةٌ)(1) .

إنّ القرآن الكريم كتاب عربي مبين وهو تبيان لكلّ شيء، كما هو مقتضى قوله سبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء) (النحل/89)، وحاشا أن يكون تبياناً لكلّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه، وسياق الاية يدلّ على أنّ المراد من الزيادة هو الزيادة على الاستحقاق، فقد جعل سبحانه الجزاء حقاً للعامل ـ لكن بفضله وكرمه ـ وقال: (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (آل عمران/199)، ثمّ جعل المضاعف منه حقاً للعامل أيضاً، وهذا أيضاً بكرمه وفضله، وقال: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) (الانعام/160). وبالنظر إلى هذه الايات يتجلّى مفاد قوله سبحانه (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى) استحقاقاً للجزاء والمثوبة الحسنى (وَزِيَادَةً) على قدر الاستحقاق، قال سبحانه: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء/174).

وبغضّ النظر عمّا ذكرنا من تفسير الزيادةِ على الاستحقاق أنّ ما بعدَ الاية قرينة واضحة على أنّ المراد من «زيادة» هو الزيادة على الاستحقاق، ومفاد الايتين هو تعلّق مشيئته سبحانه على جزاء المحسنين بأكثر من الاستحقاق وجزاء المسيئين بقدر جرائمهم، قال سبحانه بعد هذه الاية: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ

____________

(1) مسلم، الصحيح 1: 163; أحمد، المسند 4: 332.


الصفحة 94
اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (يونس/27).

أفبعد هذا السياق الرافع للابهام يصحُّ لكاتب عربي واع أنْ يستدلّ بالاية على الرؤية!!

وبذلك يظهر عدم دلالة ما يشابه هذه الاية مدلولاً على مدّعاهم، قال سبحانه: (أُدْخُلُوهَا بِسَلاَم ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ l لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) (ق/34-35) فإنّ المراد أحد المعنيين، إمّا زيادة على ما يشاؤونه ما لم يخطر ببالهم ولم تبلغهم أمانيُّهم، أو الزيادة على مقدار استحقاقهم من الثواب بأعمالهم.

أما ما رواه مسلم فسيوافيك القضا الحق عند البحث عن الرؤية في الروايات، وأنّ الاحاد في باب العقائد غير مفيدة، خصوصاً إذا كانت مضادة للبرهان.

الاية الثالثة: رؤية الملِك

(وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً) (الانسان/20).

قال الرازي: فإنّ إحدى القراءات في هذه الاية في «ملكاً» بفتح الميم وكسر اللاّم، وأجمع المسلمون على أنّ ذلك المَلِك ليس إلاّ الله تعالى، وعندي إنّ التمسّك بهذه الاية أقوى من التمسّك بغيرها(1) .

وقال الالوسي عند تفسيرها: وقيل هو النظر إلى الله عزّ وجلّ،

____________

(1) الرازي، مفاتيح الغيب 13: 131، والعجيب أن الرازي لم يذكر تلك القراءة عند تفسير الاية في محلّها أي سورة الانسان.


الصفحة 95
وقيل غير ذلك(1) .

ويلاحظ على كلامه: أنّ المسائل العقائدية لا يستدلّ عليها إلاّ بالادلّة القطعية لا بالقراءات الشاذّة التي لا يحتجُّ بها على الحكم الشرعي فضلاً عن العقيدة، وسياق الاية يدلّ على أنه هو المُلْك بضمّ الميم وسكون اللاّم وكأنّه سبحانه يقول: وإذا رميت ببصرك الجنّة رأيت نعيماً لا يوصف وملكاً كبيراً لا يقدر قدره.

والاية نظير قوله: (فَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً) (الاحزاب/47).

الاية الرابعة: آيات اللقاء

1 ـ (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف/110).

2 ـ (وَقَدِّمُوا لاَِنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (البقرة/223).

3 ـ (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً) (الاحزاب/44).

4 ـ (وَقَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مَلاَقُوا اللهَ كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة/249).

وجه الاستدلال: أنّ الايات تنسب اللقاء إلى الله تعالى، ومقتضى

____________

(1) الالوسي، روح المعاني 29: 161.


الصفحة 96
الاخذ بالظاهر هو تحقّق اللقاء بالمشاهدة والمعاينة.

لكنّ هذا الاستدلال يلاحظ عليه: أنّ اللقاء كما أُضيف في هذه الايات إليه سبحانه، كذلك أُضيف إلى غيره سبحانه في سائر الايات، فتارةً أُضيف إلى لفظ الاخرة، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الاْخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) (الاعراف/147) وقال: (وَقَالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الاْخِرَةِ) (المؤمنون/33)، وأُخرى إلى لفظ «اليوم» قال سبحانه: (يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا) (الزمر/71) وقال سبحانه: (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا) (الجاثية/34) وعلى ذلك يكون المراد من الجميع هو لقاء الناس يوم الجزاء، بمعنى حضور الناس في يوم القيامة للمحاسبة والمجازاة، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وإنّما سُمِّي هذا بلقاء الرب أو لقاء الله لما تعلّقت مشيئته على مجازاة المحسنين والمسيئين في ذلك اليوم، فبما أنّه سبحانه يجزي المحسن والمسيء في ذلك اليوم فكأنهم يلقونه سبحانه فيه لا قبله.

وفي نفس الايات التي استدلّ بها ذلك قرينة واضحة على أنَّ المراد من الايات هو الحضور يوم القيامة، وهي أنّه سبحانه يأمر لمن يرجو لقاء الربّ بالعمل الصالح ويقول: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً) ، أي فليستعدّ لذلك اليوم بالعمل الصالح، كما أنه في آية أُخرى يأمر بتقديم شيء لهذا اليوم ويقول: (وَقَدِّمُوا لاَِنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ) ، وذلك لانّ مقتضى العلم بالحشر في ذلك اليوم والمحاسبة والمجازاة هو تقديم الاعمال الصالحة.


الصفحة 97
والذي يدلّ على أنّ المراد من اللقاء ليس هو الرؤية، هو أنّ الرؤية تختصّ بالمؤمنين ولا تعمّ الكافرين، مع أنّه سبحانه يُعمِّم اللقاء بالمؤمن والكافر فيقول: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) (التوبة/7) فلو كان المراد من لقاء الله هو مشاهدته ورؤيته فيلزم أن يكون المنافق مشاهداً له، فلم تبق أيّ فضيلة للمؤمنين، مع أنّ القائلين بالرؤية يُزمِّرون بأنّ الرؤية فضيلة وزيادة تختصّ بالمؤمنين.

ولما ضاق الخناق على بعضهم قال بوجود رؤيتين: إحداهما عامة للمؤمن والكافر، وهي الرؤية يوم القيامة، والاُخرى خاصة بالمؤمنين وهي الرؤية في الجنّة(1) . وهو كما ترى، فإنّ ظرف الرؤية للمؤمنين في رواية أبي هريرة هو يوم القيامة كما سيوافيك، وفيه يرى المؤمنون خالقهم على صورته الواقعيّة.

وفي الختام نقول: إنّ منزلة آيات اللقاء هي منزلة آيات الرجوع إلى الله، قال سبحانه: (إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة/156) ولم نر سلفيّاً أو أشعريّاً يستدلّ بها على رؤية الله سبحانه، مع أنّ وزان الجميع واحد.

الاية الخامسة: آية الحَجْب

(كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لََمحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيم * ثُمَّ يُقَالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ

____________

(1) الدكتور أحمد بن ناصر، رؤية الله تعالى: 240.


الصفحة 98
تُكَذِّبُونَ) (المطففين/14-17).

هذه الاية استدلّ بها غيرُ واحد من القائلين بالرؤية.

قال الالوسي: لا يرونه تعالى وهو حاضرٌ ناظرٌ لهم بخلاف المؤمنين، فالحجاب مجاز عن عدم الرؤية، لانّ المحجوب لا يرى ما حُجِبَ، إذْ الحَجْب: المنع، والكلام على حذف مضاف، أي عن رؤية ربّهم الممنوعة، فلا يرونه سبحانه، واحتجّ بالاية مالك على رؤية المؤمنين له تعالى من جهة دليل الخطاب، وإلاّ فلو حجب الكلّ لما أَغنى هذا التّخصيص، وقال الشافعي: لما حجب سبحانه قوماً بالسُخْط دلّ على أنّ قوماً يرونه بالرّضا، وقال أنس بن مالك: لما حجب عزّ وجلّ أعداءه سبحانه فلم يروه تجلّي جلّ شأنه لاوليائه حتى رأوه عزّ وجلّ(1) .

ويلاحظ على هذا الكلام: أنّ الاية بصدد تهديد المجرمين وانذارهم، وهذا لا يحصل إلاّ بتحذيرهم وحرمانهم من رحمته، وتعذيبهم في جحيمه، وأما تهديدهم بأنّهم سيحرمون عن رؤيته تبارك وتعالى فلا يكون مؤثراً فيمن غلبت على قلبه آثار المعاصي والمآثم فلا يفكر يوماً بالله ولا برؤيته، وعلى ذلك، فالمراد أنّ هؤلاء محجوبون يوم القيامة عن رحمته واحسانه وكرمه، وبعدما مُنِعوا من الثواب والكرامة يكون مسير هؤلاء إلى الجحيم، ولذلك رتّب على خيبتهم وحرمانهم قوله: (إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيم ثُمَّ يُقَالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) .

____________

(1) الالوسي، روح المعاني 30: 73.


الصفحة 99
هذه هي الايات التي وقعت ذريعة للاستدلال على العقيدة المستوردة من الاحبار والرهبان إلى المسلمين، فزعم المحدّثون والمغترون كونها عقيدة اسلامية، فحشروا الايات للبرهنة عليها سواء كانت بها دلالة أم لا.

ولو كان المستدلّون متجرّدين عن عقائدهم لفهموا أنّ هذه الايات نزلت لبيان مفاهيم أخلاقية واجتماعية وسوق المجتمع إلى العمل الصالح وعدم التورّط في المعاصي، وأين هي من الدلالة على أصل كلامهم حول الرؤية؟!

إنّ الله سبحانه ذكر نعم الجنّة الكثيرة ومقامات المؤمنين، ولو كانت الرؤية من أماثل نعمه سبحانه فلماذا لم يذكرها بوضوح كسائر النعم؟