3 ـ حجة الوداع والأيّام الأخيرة :

ومرّت تلك الأيام بعطائها وحلوها ومرّها حتى جاءت السنة العاشرة من الهجرة دعا النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) عامة المسلمين لأداء مناسك الحج ، وحجّ بهم حجّة الوداع ، وعلّمهم أحكام الحج ومناسكه، وعند العودة توقّف الركب عند غدير خم ، وصعد النبي (صلى الله عليه وآله) على منبر من أحداج الإبل ونادى بصوت عال بعد تمهيدات عديدة : « من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه » فنصب عليّاً (عليه السلام) لخلافته من بعده ، ثم أمر المسلمين فبايعوا عليّاً وسلّموا عليه بإمرة المؤمنين ، ثمّ تفرّقوا في بلدانهم ، وعاد النبيّ  (صلى الله عليه وآله) إلىالمدينة .

وبدخول السنة الحادية عشرة من الهجرة، وفي الأيام الأخيرة من شهر صفر اشتكى النبيّ من مرض ألمّ به، وكان قد عزم على غزو الروم وأعدّ لقيادة جيشه اُسامة بن زيد وهو في مطلع شبابه ، وأمر جميعَ المهاجرين والأنصار أن ينضمّوا اليه ، وجعل يستحثّهم على الخروج، ونصّ على بعضهم بالاسم ليخلي الساحة من المخالفين والمتربّصين، ويفوّت الفرصة على المعارضين لخلافة الإمام عليّ (عليه السلام) .

وظنّ أكثر المسلمين في بداية الأمر أنّها وعكة صحيّة طارئة لا تلبث أن تزول بسرعة ، غير أنّ الزهراء لم تكد تسمع بشكوى أبيها حتى ارتجّ قلبها وانهارت وكأنّها والموت على ميعاد ، فقد بانت أمارات الموت عليه(صلى الله عليه وآله) وضعفت صحّته ، فكان يتهيّأ ويوصي بأهل بيته في كلّ مناسبة، ويزور البقيع ويخاطبهم بكلمات تُشعر بدنوّ أجله ، لا سيما وقد سمعته قبل ذلك يقول في بعض المناسبات لأصحابه وهو يعظهم : « يوشك أن اُدعى فاُجيب»، وسمعته يقول في حجّة الوداع على جبل عرفات وقد وقف بين المسلمين : «لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا»، وتكرّرت منه هذه المقالة في السنة العاشرة من الهجرة.

ومرّةً رأت فاطمة (عليها السلام) في منامها ـ بعد حجّة الوداع ـ أنّها كانت تقرأ القرآن وفجأةً وقع القرآن من يدها واختفى ، فاستيقظت مرعوبةً وقصّت الرؤيا على أبيها (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « أنا ذلك القرآن ـ يا نور عيني ـ وسرعان ما أرحل »[1] .

لقد كانت فاطمة (عليها السلام) وأمير المؤمنين أشدّ الناس لصوقاً وأقربهم إلى رسول الله في فترةِ مرضه وحتى وفاته (صلى الله عليه وآله)، فعن عليّ (عليه السلام) : أنّ معاذاً سأل عائشة كيف وجدت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند وجعه ووفاته ؟ فقالت : يا معاذ ما شهدته عند وفاته ولكن دونك هذه فاطمة ابنته فاسألها[2] .

كما أنّ فاطمة كانت تطوف حين مرض النبيّ (صلى الله عليه وآله) على أزواجه فتقول : إنّه يشق على النبيّ (صلى الله عليه وآله) أن يطوف عليكنّ ، فقلن هو في حلّ[3] .

واشتد المرض بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) أكثر فأكثر ، فهو مسجّىً على فراش الموت والزهراء بجانبه يشتدّ وجدها على أبيها، وتقول: واكربي لكربك يا أبتاه! فتارةً تحدّق في وجهه الشاحب وتذرف الدموع الساخنة، واُخرى تدعو له بالسلامة .

لقد ثقل المرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى أُغمي عليه ، فلمّا أفاق; وجد أبا بكر وعمر وآخرين عنده ، فقال (صلى الله عليه وآله) : « ألم آمركم بالمسير في جيش اُسامة ؟ » فاعتذروا إلاّ أنّ النبىّ (صلى الله عليه وآله) كان يعلم ما تُكِنُّ صدورهم وما يبيّتون من بقائهم في المدينة ليبتزّوا مركز القيادة الإسلامية، فقال (صلى الله عليه وآله) : «  إئتوني بدواة وبياض ، أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي أبداً »، فتنازعوا فقالوا : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يهجر وفي نص آخر : قال عمر : إن النبيّ غلبه الوجع حسبُنا كتاب الله فاختلفوا وكثر اللغط ، قال (صلى الله عليه وآله) : قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع[4] .

كانت الزهراء ترى كلّ ذلك بقلب حزين وعين دامعة ، وكأ نّها ترتقب أياماً صعبة الأحداث .

 

4 ـ وصايا الرسول (صلى الله عليه وآله) في ساعة الوداع :

لما ثقل واشتد المرض برسول الله (صلى الله عليه وآله) وحضرته الوفاة; أخذ أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) رأسه الشريف فوضعه في حجره ، فاُغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة (عليها السلام) تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول :

(وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين)[5] .

فبكت طويلاً فأومأ اليها بالدنوّ منه ، فأسرّ إليها شيئاً فتهلّل وجهها له . فقيل لها (عليها السلام) بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ما الذي أسرّ اليك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسرى عنك به ما كنت عليه من الحزن والقلق بوفاته ؟ قالت : «إنّه أخبرني أنّني أول أهل بيته لحوقاً به ، وأنّه لن تطول المدّة لي بعده حتى أدركه ، فسرى ذلك عنّي »[6].

وعن أنس قال : جاءت فاطمة ومعها الحسن والحسين (عليهما السلام) إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) في المرض الذي قبض فيه فانكبّت عليه فاطمة وألصقت صدرها بصدره وجعلت تبكي ، فقال لها النبيّ (صلى الله عليه وآله) : «يا فاطمة لا تبكي عليَّ ولا تلطمي ولا تخمشي عليَّ خداً ولا تجزّي عليَّ شعراً ، ولا تدعي بالويل والثبور ، وتعزّي بعزاء الله ، ثم بكى وقال : اللهمّ أنتَ خليفتي في أهل بيتي ، اللهمّ هؤلاء وديعتي عندك وعند المؤمنين ».

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة أنّها قالت : أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشي النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : «مرحباً بابنتي» ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم أسرّ اليها حديثاً فبكت ، فقلت : استخصّك رسول الله  (صلى الله عليه وآله) حديثه ثم تبكين ؟ ثم إنّه أسرّ لها حديثاً فضحكت ، فقلت : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن ! فسألتها عمّا قال : فقالت : «ما كنت لأفشي سرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)» حتى إذا قُبض النبيّ (صلى الله عليه وآله) سألتها فقالت : «إنّه أسرّ إليّ فقال : « إنّ جبرئيل(عليه السلام) كان يعارضني بالقرآن في كلّ عام مرّة وإنّه عارضني به هذا العام مرّتين ، ولا أراه إلاّ قد حضر أجلي فبكيت ، ثم قال لي : إنّك أوّل أهل بيتي لحوقاً بي ونعم السلف أنا لكِ ، أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنة ؟ فضحكتُ »[7] .

وعن موسى بن جعفر عن أبيه (عليهم السلام) : « لمّا كانت الليلة التي قُبض النبيّ في صبيحتها ، دعا عليّاً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وأغلق عليه وعليهم الباب وقال (صلى الله عليه وآله) : يا فاطمة! وأدناها منه فناجاها من الليل طويلاً فلمّا طال ذلك خرج عليّ ومعه الحسن والحسين وأقاموا بالباب والناس خلف الباب ، ونساء النبيّ ينظرن إلى علىّ  (عليه السلام) ومعه إبناه » فقالت عائشة : لأمر ما أخرجك منه رسول الله وخلا بابنته عنك في هذه الساعة ؟ فقال لها عليّ (عليه السلام) : « قد عرفت الذي خلا بها وأرادها له ، وهو بعض ما كنتِ فيه وأبوك وصاحباه فوجمت أن تردّ عليه كلمة » .

قال عليّ (عليه السلام) : «فما لبثت أن نادتني فاطمة (عليها السلام) فدخلت على النبىّ(صلى الله عليه وآله) وهو يجود بنفسه فقال لي : ما يبكيك يا عليّ ؟ ليس هذا أوان بكاء فقد حان الفراق بيني وبينك ، فأستودعك الله يا أخي ، فقد اختار لي ربّي ما عنده، وإنّما بكائي وغمّي وحزني عليك وعلى هذه أن تضيع بعدي ، فقد أجمع القوم على ظلمكم ، وقد استودعتكم الله وقِبَلَكُم مني وديعةً ، إنّي قد أوصيت فاطمة ابنتي بأشياء وأمرتها أن تلقيها اليك فنفّذها فهي الصادقة الصدوقة » .

ثم ضمّها اليه وقبّل رأسها وقال : « فداكِ أبوكِ يا فاطمة » فعلا صوتها بالبكاء ثم ضمّها اليه وقال : « أما والله لينتقمنّ الله ربّي ، وليغضبنّ لغضبك، فالويل ثم الويل للظالمين ، ثمّ بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ».

قال عليّ (عليه السلام) : « فوالله لقد حسبت قطعة منّي ذهبت لبكائه حتى هملت عيناه مثل المطر ، حتى بلت دموعه لحيته وملاءة كانت عليه ، وهو يلتزم فاطمة لا يفارقها ورأسه على صدريوأنا مسنده، والحسن والحسين يقبلان ويبكيان بأعلى أصواتهما»قال عليّ(عليه السلام): « فلو قلت إنّ جبرئيل في البيت لصدقت لأنّي كنت أسمع بكاء نغمة لا أعرفها ، وكنت أعلم أنّها أصوات الملائكة لا شك فيها، لأن جبرئيل لم يكن في مثل تلك الليلة يفارق النبي (صلى الله عليه وآله) ، ولقد رأيت بكاءً من فاطمة أحسب أنّ السماوات والأرضين بكت لها » .

ثم قال (صلى الله عليه وآله) لها : « يا بنية ، الله خليفتي عليكم وهو خير خليفة ، والذي بعثني بالحقّ لقد بكى لبكائك عرش الله وما حوله من الملائكة والسماوات والأرضون وما بينهما ، يا فاطمة والذي بعثني بالحقّ لقد حرمت الجنة على الخلائق حتى أدخلها ، وإنّك لأول خلق الله يدخلها بعدي ، كاسية حالية ناعمة ، يا فاطمة هنيئاً لكِ ، والذي بعثني بالحقّ إنّ جهنّم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلاّ صعق ، فينادى إليها أن يا جهنّم يقول لك الجبار اسكني بعزّي واستقري حتى تجوز فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) إلى الجنان لا يغشاها فقر ولا ذلة، والذي بعثني بالحقّ ليدخلن حسن وحسين ، حسن عن يمينك وحسين عن يسارك ، ولتشرفنّ من أعلى الجنان بين يدي الله في المقام الشريف ، ولواء الحمد مع علي بن أبي طالب(عليه السلام) ، والذي بعثني بالحقّ لأقومن بخصومة أعدائك ، وليندمنّ قوم أخذوا حقكِ وقطعوا مودّتكِ وكذبوا عليَّ ، وليختلجنّ دوني فأقول : اُمتي اُمتي، فيقال : إنّهم بدّلوا بعدك وصاروا إلى السعير »[8] .

إلى هنا ينتهي الحديث عن ثلاث مراحل من حياة الزهراء (عليها السلام) .

وأمّا المرحلة الرابعة من حياتها فهي تبدأ بعد وفاة أبيها المصطفى  (صلى الله عليه وآله) وتنتهي باستشهادها (صلوات الله عليها) .

وحيث إنّ هذه المرحلة ـ بالرغم من قصرها ـ تشكّل مقطعاً متميّزاً في حياتها فسوف نفردها بباب خاص ضمن عدّة فصول .

 

[1] رياحين الشريعة : 1 / 239 .

[2] راجع الإصابة : 2 / 178 ( ط . مصر ) .

[3] راجع عوالم العلوم : 11 / 390 .

[4] الكامل في التأريخ : 2 / 320 ، طبعة دار الفكر ـ بيروت ، وصحـيح البخاري : كـتاب العـلم ، باب كـتابة العلم  .

[5] آل عمران (3) : 144 .

[6] الكامل في التأريخ : 2 / 323 ، وطبقات ابن سعد : 2 / 39 ، ومسند أحمد 6 / 282 .

[7] مسند أحمد : 6 / 282 .

[8] بحار الأنوار : 22 / 490 ، وراجع : نصوص المقطع الأخير من الحديث في صحيح البخاري : كتاب الفتن، الأحاديث ( 1 ـ 5 ) .