عدم تحريف القرآن |
مسألة: يجب الاعتقاد بكون القرآن لم يزد فيه ولم ينقص منه شيئاً، ولم ينله يد التحريف إطلاقاً، وربما يستفاد ذلك من قولها عليها السلام: (عهد قدمه إليكم وبقية…) والا لم يكن (عهداً قدمه إلينا) و(لا بقية استخلفه علينا). وقد صرح بعدم تحريف القرآن كبار علماء الشيعة(1). وبقية استخلفها عليكم القرآن خليفة الله في الأرض مسألة: يجب أن يكون منهج التعامل مع القرآن الحكيم بحيث يعكس على جوانح الإنسان وجوارحه، خلافته لله تعالى في الأرض. كما يجب حفظ القرآن وتعظيمه واحترامه والاهتمام به(2). إذ قولها: (استخلفها عليكم) أي: اتخذها خليفة لنفسه. وكما يجب تعظيم الله سبحانه وتوقيره، كذلك يجب تعظيم خليفته ـ وهو القرآن ـ وتوقيره والالتزام بأوامره ومناهجه. ولا يخفى أن اتخاذ الخليفة لا ينحصر بحالة غياب المستخلف، بل يكون مع وجوده أيضاً، كما في قوله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة)(3) فتأمل. وقالت صلوات الله عليها: (وبقية).. وفي القرآن الحكيم: (بقية الله خير لكم)(4) لأن القرآن الباقي من آثار الله، فقد وقع التحريف في سائر كتب الله(5). قال تعالى: (يحرفون الكلم عن مواضعه)(6). وقد جعل الله سبحانه القرآن خليفته على الناس(7) قال تعالى: (مستخلفين فيه)(8) كما جعل أهل البيت عليهم السلام، خليفة عليهم. وفي بعض النسخ: (وبقية استخلفنا عليكم)، فيكون المراد بالبقية: اهل البيت عليهم افضل الصلاة والسلام. ولعل باب الاستفعال من جهة دلالته على الطلب، فالأمر مطلوب، فكأنه قال: (خلافة نشأت عن الطلب الإرادي) أو (بقية مطلوب إقرار خلافتها) وقد يأتي باب الاستفعال بمعني الفعل المجرد(9). كتاب الله الناطق وصف القرآن بجميل الصفات مسألة: يستحب أن يشفع التلفظ بـ (القرآن) وكذا كتابته بوصف من أوصافه، كما قالت عليها السلام: (كتاب الله الناطق والقرآن الصادق…). قال تعالى: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم)(10). وقال سبحانه: (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين)(11). وقال تعالى: (ق، والقرآن المجيد)(12). وقال سبحانه: (تلك آيات الكتاب الحكيم)(13). وقال تعالى: (تلك آيات الكتاب المبين)(14). فإن ذكر الأوصاف الحسنة يوجب التحبيب والتوجيه نحو الشيء، كما ان ذكر الأوصاف السيئة بعكس ذلك، يوجب التنفير عن الشيء. ومن الواضح ان ذكر الأوصاف الإيجابية للشخص أو الشيء يوجب الالتفاف حوله اكثر فأكثر، وذكر السلبيات يستلزم انفضاض الناس وابتعادهم عنه. واعتبار كون القرآن ناطقاً، بلحاظ كونه في مقابل الكتاب التكويني لله سبحانه وتعالى، وهو ليس بهذه المنزلة، فإن القرآن كتاب الله التشريعي والكون كتاب الله التكويني، ولذا قال سبحانه وتعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)(15) على تقدير إرادة الكتاب التكويني ـ كما ذهب إليه البعض ـ فإنه احتوى على كل شيء له قابلية الوجود، فإن الله سبحانه وتعالى يمنح الوجود لمن تقضي الحكمة بوجوده أو يكون الأفضل وجوده(16) وإن كان يحتمل إرادة القرآن الكريم(17). فلذا لا منافاة بين أن يكون الكتاب ناطقاً وأن يكون صامتاً من جهتين، فقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: (أنا كتاب الله الناطق) في واقعة صفين حينما أمر معاوية برفع المصاحف على الرماح(18) إنما هو في مقابل القرآن الصامت الذي لا ينطق ولا يتكلم حسب المعنى المعهود المتعارف. هذا ومن المعلوم ان نطق كل شيء بحسبه، لأن النطق يفيد معنى البيان(19). والقرآن الصادق صدق القرآن مسألة: يجب الاعتقاد بأن القرآن صدق صادق مصدق، حدوثاً وبقاءً(20). فإن القرآن صادق في أحكامه وقصصه وفي كل ما ذكره تفصيلاً أو إجمالاً، وليس بالكذب ولا بالهزل حتى في كلمة من كلماته. قال تعالى: (والذي اوحينا اليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه)(21). وقال سبحانه: (وهذا كتاب مصدق)(22). ويمكن الاستشهاد بهذه الجملة من خطبتها عليها السلام أيضاً على عدم تحريف القرآن، خاصة مع لحاظ ما سبق من كونه زعيم الحق فيكم، وكونه عهداً إليكم ومستخلفاً عليكم، ومع لحاظ (أل) العهدية في (القرآن)، كما نعتقده. فإن القرآن الذي بين أيدينا هو القرآن الذي انزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا زيادة حرف أو كلمة ولا نقيصة، بل ولا زيادة فتحة أو كسرة أو نقطة أو غيرها، كما أشرنا إلى ذلك في كتاب (الفقه: حول القرآن الحكيم)(23). (و) هو (القرآن الصادق) وهاتان الجملتان(24) تبيان للجمل الثلاثة السابقة(25). تحري الصدق مسألة: يجب تحري الصدق واتخاذه شعاراً ودثاراً في الحياة. وفي مثل هذه الجملة تحريض على الصدق، قال سبحانه: (والذي جاء بالصدق وصدق به)(26). ومن الواضح أن الصدق في مورد الوجوب واجب، كما أنه في مورد الاستحباب مستحب، وأما الكذب فقد قال علي عليه السلام: (لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده)(27). وفي رواية: (لا يجد عبد حقيقة الإيمان حتى يدع الكذب هزله وجده)(28). حيث إن ذكر خلاف الواقع في الهزل ليس محرماً، كما قال به جمع من الفقهاء(29). والنور الساطع والضياء اللامع النور الإلهي مسألة: القرآن الكريم نور ساطع وضياء لامع بنفسه، إلا أن الأعمال والأقوال والمناهج غير السليمة لأتباعه تكون كالحجاب الساتر والغمام المتكاثر الذي يحجب أشعة الشمس، كما أن أقوالهم وأعمالهم لو كانت قويمة مستقيمة فإنها ستسمح لنوره بالسطوع. فكان من الواجب الحفاظ ـ قولياً وعملياً ـ على هذا النور الساطع والضياء اللامع، كي يتجلى على البشرية بأبهى الصور وأكمل الأنحاء، وأي ظلم ـ بل جريمة ـ أكبر وأقسى عن إسدال الستائر على هذا النور الساطع الإلهي والضياء اللامع الرباني؟ وقد ورد: (ان القرآن حق ونور)(30). كما ورد عنه عليه السلام: (انا اهل بيت عندنا معاقل العلم وضياء الأمر)(31). القرآن نور وضياء(32) مسألة: يجب الاستنارة والاستضاءة بالقرآن الحكيم في ظلمات الحياة ومشاكلها، قال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً)(33). وقال علي عليه السلام: (الله الله في القرآن، فلا يسبقنكم بالعمل به غيركم)(34). ولعل الجمع بين النور والضياء ـ مع لحاظ أن الضياء عادة يكون نابعاً من الذات، والنور عادة(35) يكون مكتسباً من الغير(36) ـ هو أن القرآن يضيء القلوب والأرواح والحياة، وأنه قد اكتسب نوره من الله سبحانه، وفي الأوصاف يكفي وجود نسبة ما، فلا يقال: إن الضياء في النفس والنور في الغير (لاغير)، كما قال سبحانه: (هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورا)(37) وألمعنا إلى ذلك فيما سبق. وقد يقال: إن (الضياء) بلحاظ ان النورانية ذاتية له كما هي الشمس(38) فهو نور بنفسه. و(النور) بلحاظ اكتسابها، ولو بجعل منشأ الانتزاع(39) من الغير، وهو البارئ جل وعلا. وكلاهما لوحظ فيه كونه منيراً ومضيئاً للقلوب والأرواح والحياة، لمكان الوصف بـ (الساطع) و(اللامع)(40) فالقرآن نور لأنه ينير سبيل العقيدة والشريعة والدنيا والآخرة، وليس متحدداً في بقعة صغيرة بل هو ساطع يشرق على العالم. وأما (اللامع) فإنه يفهم من معنى التحرك أيضاً، فإن النور يأتي لمعه لمعة وموجاً موجاً(41). وههنا نقطة يجدر الإشارة إليها وهي: إن لكل شيء خلقه الله تعالى نوراً، بمعـــنى ان له ـ من داخـــله ـ دلـــيلاً يـــرشد إليه، وقد جعله الله بحيث يكون بنفسه كاشفاً عن نفسه(42) وبتجلياته مرشداً إلى حقيقة ذاته.. والقرآن الكريم (نور ساطع وضياء لامع) فكاشفيته لذاته في أجلى درجات الوضوح، ودلالته على حقانيته وعلى استخلاف الله تعالى له و… بأشد وأكمل أنحاء الدلالة.. فهو الفرد الأكمل لما ورد في الحديث الشريف: (ان على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نوراً)(43). هداية الناس وإرشادهم مسألة: ينبغي أن يكون الإنسان هادياً ومرشداً وسراجاً مضيئاً للمجتمع، فإن وصف القرآن الكريم بالنور والضياء إلماع إلى فضيلة هذين الأمرين وقيمتهما الكبيرة، وإلى فضيلة من وما يتحلى بهما(44) خاصة مع ملاحظة وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بـ: (كان خلقه القرآن)(45). وقال سبحانه: (وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس)(46). وقال تعالى: (وسراجاً منيرا)(47). وبالنسبة إلى الكفار ونحوهم يقول الله سبحانه وتعالى حكاية عنهم في المحشر: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً)(48). فإن محل اكتساب النور الرباني هو الدنيا. أما الآخرة فإن الإنسان يحصد فيها ما كان قد زرعه في دنياه من نور وظلمة، كما ورد في الروايات: (اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة)(49). وقال عليه السلام: (الدنيا مزرعة الآخرة)(50). فالنور والظلمة المعنويان(51) يصبحان في يوم القيامة نوراً وظلمة ماديين أيضاً، بمعنى أنهما يتجليان ـ فيما يتجليان ـ بهذا النحو من التجلي أيضاً. بينة بصائره منكشفة سرائره منجلية ظواهره البصائر البينة مسألة: ينبغي ان تكون البصائر والحجج بينة وواضحة، وقد جعل الله سبحانه القرآن كذلك، وذلك اتماما للحجة ومقدمة للهداية. ونرى ذلك بوضوح في الكتاب الحكيم، وفي كلمات الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم والائمة المعصومين عليهم السلام وفي خطبة الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام. قال تعالى: (افي الله شك فاطر السماوات والارض)(52). وقال سبحانه: (وهديناه النجدين)(53). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قولوا لا اله الا الله تفلحوا)(54). قولها عليها السلام: (بينة)أي: واضحة ظاهرة، من البيان والظهور. و(البصائر): جمع (بصيرة) فعيل بمعنى الفاعل أي المبصرات، أي حججه وبراهينه ودلائله.
|
1 - راجع كتاب: (ولأول مرة في تاريخ العالم ج2 ص243-249) و(الفقه: حول القرآن الحكيم) للإمام المؤلف (دام ظله) وسيأتي البحث عن ذلك بعد قليل. ومن المناسب ان نذكر هنا نص ما كتبه الإمام الشيرازي (دام ظله) في كتابه (ولاول مرة في تاريخ العالم) لاهميته وتتميما للفائدة: الوحي وآخر آية من القرآن: في المناقب عن ابن عباس انه قال: لما نزل قوله تعالى:(انك ميت وانهم ميتون) [ الزمر: 30] قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليتني أعلم متى يكون ذلك! ـ هذا وهو صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الغيب بإذنه تعالى ووحيه ـ فنـزلت سورة النصر، فكان بعد نزولها يسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين التكبير والقراءة ثم يقول: (سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه)، فقيل له في ذلك، فقال: (أما أن نفسي نعيت إلي) ثم بكى بكاءاً شديداً، فقيل: يا رسول الله أو تبكي من الموت وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: فأين هول المطلع؟ وأين ضيقة القبر، وظلمة اللحد؟ وأين القيامة والأهوال؟ ـ أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإلماع إلى الأهوال لا انه صلى الله عليه وآله وسلم يبتلى بها ـ ثم قال: فعاش صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول هذه السورة عاماً). [راجع بحار الأنوار: ج22 ص471 ب 1 ح 20]. ثم نزلت آيات وآيات حتى إذا لم يبق على ارتحال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الدنيا سوى سبعة أيام نزلت:(واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) [البقرة: 280] فكانت هذه الآية ـ على بعض الروايات ـ هي آخر آية من القرآن الكريم نزل بها جبرائيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: ضعها في رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة [تفسير الشبر "قدس سره": ص 83] كما ان أول آية من القرآن كان قد نزل بها جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم، اقرأ باسم ربك الذي خلق ) [العلق: 1] الآيات. فأول آية من القرآن ابتدأ بأول يوم من البعثة النبوية الشريفة، وآخر آية من آيات القرآن اختتم الأيام الأخيرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما بينهما من فترة كان نزول ما بين هاتين الآيتين، وتلك الفترة استغرقت مدة ثلاث وعشرين سنة. من جمع القرآن؟ هنا ما يلفت النظر ويجلب الانتباه، وهو قول جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند نزوله بالآية الأخيرة ـ كما في الرواية ـ: (ضعها في رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة)، فإنه صريح في ان الله تعالى أمر نبيه بجمع القرآن وبترتيبه ترتيباً دقيقاً حتى في مثل ترقيم الآيات، وقد فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في حياته صلى الله عليه وآله وسلم كما أمره الله تعالى، ولم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يترك القرآن متفرقاً حتى يجمع من بعده. وهل يمكن للرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع كبير اهتمامه وكثير حرصه على القرآن الكريم أن لا يقوم بجمع القرآن وترتيبه! وأن يتركه مبعثراً في أيدي المسلمين ويوكل جمعه إليهم، مع أن الوحي أخبره بقوله: (انك ميت وانهم ميتون ). [الزمر: 30]. فهل يصح أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم حريصاً على القرآن من جهة ـ حتى انه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بحفظ القرآن والإهتمام به والتحريض على تلاوته والعمل به، وخاصة في أيامه الأخيرة، حيث كان يقول مراراً: إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ـ وأن لا يجمع القرآن ويتركه مبعثراً من جهة أخرى؟. أليس القرآن هو دستور الإسلام الخالد، ومعجزته الباقية على مر القرون والأعصار إلى يوم القيامة؟ ومعه هل يصح أن يتركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبعثراً من دون أن يجمعه؟! أم كيف بأذن الله تعالى لنبيه بأن لا يقوم بجمعه مع انه تعالى يقول: (ان علينا جمعه وقرآنه) [القيامة: 17] ويقول تعالى أيضاً: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) [الحجر: 9] فعلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابلاغ القرآن مجموعاً ومرتباً إلى الناس كافة، كما جمعه الله تعالى ورتبه. إذن: فهذا القرآن الذي هو بأيدينا على ترتيبه وجمعه، وترقيم آياته، وترتيب سوره وأجزائه، هو بعينه القرآن الذي رتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجمعه للمسلمين في حياته صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله تعالى، لم يطرأ عليه أي تغيير وتحريف، أو تبديل وتعديل، أو زيادة ونقصان. ويؤيده: ما روي عن تفسير علي بن إبراهيم عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه أمر علياً عليه السلام بجمع القرآن وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يا علي، القرآن خلف فراشي في المصحف والحرير والقراطيس فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة، فانطلق علي عليه السلام فجمعه في ثوب أصفر ثم ختم عليه) [بحار الأنوار: ج 89 ص 48 ب 7 ح 7 ط بيروت]. وفي مجمع البيان نقلاً عن السيد المرتضى انه قال: إن القرآن جمع في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشكل الذي هو اليوم بأيدينا. وقال بمقالته قبله الشيخ الصدوق "قده" والشيخ المفيد: "قده". قال بمقالته بعده شيخ الطائفة الشيخ الطوسي "قده" والمفسر الكبير الشيخ الطبري "قده" المتوفي سنة 548 وباقي علماءنا الأبرار إلى يومنا هذا. وعن زيد بن ثابت انه قال: (كنا نجمع القطع المتفرقة من آيات القرآن ونجعلها بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكانها المناسب، ولكن مع ذلك كانت الآيات متفرقة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام أن يجمعها في مكان واحد، وحذرنا من تضييعها). وعن الشعبي انه قال: جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل ستة نفر من الأنصار. وعن قتادة انه قال: سالت أنساً عن انه من جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أربعة نفر من الأنصار ثم ذكر أسماؤهم. وعن علي بن رباح: ان علي بن أبي طالب عليه السلام جمع القرآن هو وابي بن كعب في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. الشواهد الأخرى: هذا بالإضافة إلى شواهد ومؤيدات أخرى تدل على انا لقرآن الذي هو بأيدينا هو نفسه الذي جمع ورتب في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة ولا نقيصة. منها: تسمية سورة الحمد بسورة الفاتحة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني انها فاتحة القرآن مع انها لم تكن السورة ولا الآيات الأولى التي نزل بها الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتسميتها بفاتحة الكتاب في عهده صلى الله عليه وآله وسلم يشير إلى ان الكتاب كان مجموعاً بهذا الشكل الموجود بأيدينا اليوم، وسورة الحمد فاتحته كما هو اليوم فاتحته أيضاً. ومنها: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في حديث الثقلين المروي عن الفريقين متواتراً: (إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً). فالكتاب المجموع والمرتب يخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في امته، لا الآيات المتفرقة، إذ لا يطلق عليها الكتاب، وقد سبق الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا التعبير حيث أطلق مراراً وفي آيات متعددة كلمة (الكتاب) على القرآن، إشارة إلى انه مجموع ومرتب عنده تعالى في اللوح المحفوظ ـ كما قال به بعض المفسرين ـ وانه تعالى أطلع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على جمعه وترتيبه لديه وأمره بأن يجمع القرآن على ما هو مجموع في اللوح المحفوظ، ويرتبه وفق ترتيبه، وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك. ومنها: ما ورد من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بختم القرآن في شهر رمضان وفي غيره من سائر الأيام، وبيان ما لختمه من الفضيلة والثواب، حتى أن عبد الله بن مسعود، وابي بن كعب وغيرهما قد ختموا القرآن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدة مرات، ولولا إن القرآن مجموع ومرتب، لم يكن لختم القرآن معنى، لأن الختم يقال لما يبدأ من أوله وينتهي بآخره. ومنها: روايات تأمر بعرض الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعن أهل بيته عليهم السلام لمعرفة غثها من سمينها على القرآن الكريم وتقول: ما وافق كتاب الله فقد قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقاله أهل البيت عليهم السلام، وما خالف الكتاب فهو زخرف وباطل، وانهم لم يقولوه، فقد أحالتنا هذه الروايات إلى هذا القرآن الذي هو بأيدينا لمعرفة الحق من الباطل مما يدل على سلامته من كل زيادة ونقيصة، وتبديل وتحريف، وإلا لم يصلح أن يكون مرجعاً لمعرفة الحق من الباطل. ومنها: ما ورد من ان القرآن كله كان مكتوباً موضوعاً بين المحراب والمنبر، وكان المسلمون يكتبون منه. ومنها: ما ورد من ان جبرئيل عليه السلام كان يعرض القرآن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل عام مرة، وعرضه عليه صلى الله عليه وآله وسلم في عامه الأخير مرتين. ومنها: ما روي من ان جماعة من الصحابة كانوا قد حفظوا القرآن كله في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولا يخفى ذلك على من راجع تفسير القرآن للعلامة البلاغي (قدس سره)، ولوالدي رحمه الله [آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي قدس سره] كلمة حول ذلك طبعت في إحدى أعداد (أجوبة المسائل الدينية) في كربلاء المقدسة. هذا بالإضافة إلى ان هناك آيات وروايات تشير إلى أن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرتين: مرة نزل بمجموعه على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قال تعالى: (إنا أنزلنا في ليلة القدر) [القدر: 1] ومرة نزل عليه نجوماً ومتفرقاً عبر ثلاث وعشرين سنة في المناسبات والقضايا المتفرقة، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد وعى قلبه القرآن الذي نزل عليه أولاً مجموعاً ومرتباً، فجمع القرآن الذي نزل عليه ثانياً نجوماً ومتفرقاً حسب جمع القرآن الأول، ورتبه وفق ترتيبه، وهو بعينه القرآن الذي هو اليوم بأيدينا. إلى غير ذلك مما يشير بمجموعه إلى أن هذا القرآن الذي هو اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جمع بأمر من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يزدد حرفاً ولم ينقص حرفاً، ولم يتغير شيء منه ولم يتبدل أبداً، كيف وقد قال تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) [فصلت: 42]. انتهى. 2 - راجع وسائل الشيعة ج4 ص822 ب74 باب وجوب تعلم القرآن وتعليمه كفاية واستحبابه عينا، وج4 ص827 ب1 باب وجوب اكرام القرآن وتحريم اهانته، وب2 باب استحبا التفكر في معاني القرآن.. وج4 ص830 ب3 باب تحريم استضعاف اهل القرآن واهانتهم ووجوب اكرامهم، وج4 ص832 ب4 باب استحباب حفظ القرآن وتحمل المشقة في تحمه وحفظه، وص833 ب5 باب استحباب تعلم القرآن، وص834 باب6 باب استحباب تعليم الاولاد القرآن، و… 3 - سورة البقرة: الآية 30. 4 - سورة هود: الآية 86. 5 - راجع كتاب (ماذا في كتب النصارى) للإمام المؤلف (دام ظله). 6 - سورة النساء: الآية 46؛ سورة المائدة: الآية 13. 7 - قال في مجمع البحرين: (الخليفة يقال لـ:.. المدبر للأمور من قبل غيره، والخليفة: السلطان الأعظم وكذلك من يقوم مقام الذاهب ويسد مسده، واللهم أنت الخليفة في السفر، أي أنت الذي أرجوه وأعتمد عليه في غيبتي عن أهلي أن تلم شعثهم وتقوم اردهم..) مادة (خلف)، ويأتي بمعنى الوكيل والنائب كما ذكره بعض المفسرين في آية: (مستخلفين فيه) [الحديد: 7]. 8 - سورة الحديد: الآية 7. 9 - راجع كتاب (البلاغة) للإمام المؤلف (دام ظله). 10 - سورة الحجر: الآية 87. 11 - سورة النمل: الآية 1. 12 - سورة ق: الآيتان 1 و2. 13 - سورة يونس: الآية 1. 14 - سورة يوسف: الآية 1؛ سورة الشعراء: الآية 2؛ سورة القصص: الآية 2. 15 - سورة الأنعام: الآية 38. 16 - ربما يكون مقصود الإمام المؤلف بـ: (لمن تقضي الحكمة بوجوده): ما هو خير محض، وبـ (أو يكون الأفضل وجوده): ما خيره أكثر، من الأقسام الخمسة المذكورة في علم الكلام. 17 - وقد احتمل إرادة اللوح المحفوظ [راجع تفسير الجوهر الثمين ج2 ص255، وتفسير شبر ص132، وكنـز الدقائق ج4 ص321]، واحتمل في بعض التفاسير إرادة الأعم من التكويني والتشريعي. وفي (تقريب القرآن الى الأذهان) في تفسير الآية المباركة: (أي كتاب الكون، فان الكون كتاب الله والمودودات كلماته). 18 - وسائل الشيعة: ج 18 ص 20 ب 5 ح 12. وفي ارشاد القلوب ص249 عن امير المؤمنين عليه السلام: (يابن أبي سفيان انت تدعوني الى العمل بكتاب الله، وانا كتابه الناطق). 19 - قد يستفاد هذا من بعض كتب اللغة، فمثلاً قال في (لسان العرب) مادة نطق: (وكتاب ناطق: بين). 20 - يظهر مما سيأتي ان المراد من (بقاء) الإشارة إلى عدم تحريفه وإنه لا ينحرف أبداً، قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر: 9]. 21 - سورة فاطر: الآية 31. 22 - سورة الاحقاف: الآية 12. 23 - راجع موسوعة الفقه: ج98 كتاب (حول القرآن الحكيم). وكتاب (ولاول مرة في تاريخ العالم) ج2 ص243-249 كما مر. 24 - أي (كتاب الله الناطق) و(القرآن الساطع). 25 - أي: (زعيم حق..) و(عهد قدمه..) و(بقية استخلفها..). 26 - سورة الزمر: الآية 33. 27 - تحف العقول ص216 وروي عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني، أي عن علي عليه السلام. وبحار الأنوار: ج72 ص249 ح14. 28 - المحاسن ص118 في عقاب الكذب. وبحار الأنوار: ج72 ص 262 ح41. 29 - راجع (موسوعة الفقه) كتاب (المكاسب المحرمة) ج2 ص33 وفيه: (مستثنيات الكذب مسألة: ثم انه يستثنى من الكذب، موضوعاً أو حكماً، أمور: الأول: الهزل، والهزل ليس بكذب، حتى في غير الإنشاء ـ إذا كانت قرينته ـ أما في الإنشاء فلخروجه موضوعاً مع القرينة، وأما في الأخبار فلخروجه حكماً. نعم قد يكون حراماً من جهة الإيذاء أو الإغراء أو ما أشبه، فالتفصيل بين الإنشاء فلا حرمة، والإخبار ففيه الحرمة، غير ظاهر، إذ في الإنشاء إذا لم تكن قرينة مما ظاهرة الإخبار، كقوله: هذا بطل، أيضاً يكون كذلك، ولذا لا يرمى المخبر هزلاً بأنه كاذب. نعم لا إشكال في ان الأفضل تركه، كما في وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر، وخبر الخصال عنه عليه السلام: (أنا زعيم بيت في أعلى الجنة وبيت في وسط الجنة وبيت في رياض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً، ولمن ترك الكذب وإن كان هازلاً، ولمن حسن خلقه) [بحار الأنوار: ج 69 ص 261 ب114 ح32 ط بيروت، باختلاف يسير]. وخبر الأصبغ عن علي عليه السلام: (لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترك الكذب هزله وجده) [وسائل الشيعة: ج 8 ص 577 ح 16230]. إلى غيرها كأخبار حارث وسيف[وسائل الشيعة: ج 8 ص 576 ح 16229] وغيرهما. نعم لا إشكال في حرمة الكذب هزلاً بالنسبة إلى من هو خلاف شأنه مثل المعصومين عليهم السلام حتى إذا كان من قسم الإنشاء فتأمل. ولا فرق فيما ذكرناه من القول أو الفعل أو الإشارة، كما انه كذلك بالنسبة إلى الكذب الحرام. نعم قد لا يسمى اصطلاحاً هزلاً، بل لطيفة أو مزاحاً كما فعله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع علي عليه السلام في قصة جعل النواة أمامه وقوله عليه السلام: الذي أكل مع النواة، وشبيهه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: جري ذيلاً كذيل العروس [بحار الأنوار: ج 16 ص 395 ب 10 ح 1]، واركبك على ولد ناقة [بحار الأنوار: ج16 ص295 ب10 ح1 وفيه: أنا حاملوك على ولد ناقة] وما أشبه. لكن الظاهر: ان ما رووه ـ بطريق غير صحيح ـ من أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: العجوز والشيخ والأسود لا يدخل الجنة [بحار الأنوار: ج 16 ص 295 ب 10 ح 1]، محل نظر، فإنه على ما رووا إيذاء، وإن لم يكن كذباً، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم معصوم عن مثله قطعاً. 30 - كتاب سليم بن قيس ص195 في كتابه عليه السلام الى معاوية. 31 - الاختصاص ص308. 32 - وفي كتاب التوحيد للشيخ الصدوق ص214: (وعلى سبيل التوسع قيل ان القرآن نور، لان الناس يهتدون به في دينهم كما يهتدون بالضياء في مسالكهم، ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم منيرا). فتأمل. 33 - سورة طه: الآية 124. 34 - بحار الأنوار: ج75 ص99 ب18 ح2 في وصيته عليه السلام عند وفاته. وفي نهج البلاغة الكتاب 47/5 ومن وصية له عليه السلام للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنة الله عليه، وفيه: (والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم). 35 - قيد (عادة) لقوله تعالى: (الله نور السماوات والارض) [النور: 35] فدقق. 36 - راجع مجمع البحرين مادة (ضوء). 37 - سورة يونس: الآية 5. 38 - وكما أن الزوجية ذاتية للأربعة، والدسومة ذاتية للدهن. 39 - كما في ذاتي باب البرهان وذاتي باب إيساغوجي (الكليات الخمس). 40 - (الساطع): اللامع المرتفع، و(اللامع): المضيء، (لمع) أي: أضاء، مجمع البحرين مادة (سطع) و(لمع). 41 - قد تكون استفادة هذا المعنى بالنظر لموارد الاستعمال المختلفة التي يفيد بعضها ذلك، راجع (لسان العرب) مادة (لمع) وقد تكون للقرينة المقامية أو المتفاهم العرفي. 42 - فمثلاً الأمواج الصوتية والتموجات الفكرية والإشعاعات والأشعة والإفرازات الكيماوية وغيرها كلها تكشف عن الشيء وتوضح خصوصياته ومواصفاته بل وأحيانا حتى كنهه، فتأمل. 43 - وسائل الشيعة: ج 18 ص 86 ب 9 ح 35، والوسائل: ج 18 ص 78 ب 9 ح 10. والامالي للشيخ الصدوق ص367 ح16 المجلس 58. وتفسير العياشي ج1 ص8 ح2 باب ترك الرواية التي بخلاف القرآن. وغيبة النعماني ص141 ح2 باب ما روي في غيبة الإمام المنتظر (عج). 44 - التعدية بلحاظ إلغاء الخصوصية وفهم المناط عقلاً وعرفاً، وربما يقال: بأن كل إخبار من هذا القبيل يتضمن، أو يستلزم إنشاء من ذلك القبيل. 45 - مجموعة ورام ج1 ص89 باب العتاب، وفيه: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله خلقه القرآن) وراجع أيضا شرح النهج: ج6 ص340 ب83. 46 - سورة الأنعام: الآية 122. 47 - سورة الأحزاب: الآية 46. 48 - سورة الحديد: الآية 13. 49 - وسائل الشيعة: ج11 ص338 ب77 ح2، عن رسول الله (ص). ومجموعة ورام ج1 ص56 باب الظلم. 50 - ارشاد القلوب ص89 الباب الثاني والعشرون. ومجموعة ورام ج1 ص92 في بيان السببب الذي ينال به حسن الخلق على الجملة. 51 - أي الفضائل والرذائل. 52 - سورة إبراهيم: الآية 10. 53 - سورة البلد: الآية 10. 54 - المناقب ج1 ص56، فصل فيما لاقى من الكفار في رسالته، وفيه: (طارق المحاربي: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سويقة ذي الحجاز عليه حلة حمراء وهو يقول: قولوا لا اله الا الله تفلحوا. وأبولهب يتبعه ويرميه بالحجارة، وقد اومى كعبيه وعرقويه وهو يقول: يا ايها الناس لا تطيعوه فانه كذاب). |