3 ـ وقفة على أطلال فدك :
وفدك ـ هذه أرض حجازيّة تقع على مقربة من مدينة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ،
وهي أرض زراعية غنية بمائها ونخيلها(1) . وكانت ملكية لليهود حتى السّنة السابعة
للهجرة ، حيث أصبحت ـ بعد هذا التاريخ ـ داراً للإسلام ، وذلك بعد أن
تجلّت مكائد اليهود ودسائسهم ونقضهم للعهود التي أبرمها الرسول ( صلى الله عليه وآله ) معهم.
وحين ظهر سوء طويّتهم واتصالاتهم المفضوحة مع المعسكر الوثني واشتراكهم
في حرب المسلمين إلى جانب قوى الضّلال ، صمم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على محاربتهم لأنّهم
أصبحوا خطراً فعليّاً على الدّولة الإسلامية الفتيّة وركيزة من ركائز التآمر على
سلامة الكيان الإسلامي.
وحين علم اليهود بتصميم النبي وإعلانه محاربتهم ، استحوذ عليهم الذّعر ودبّ
الفزع في نفوسهم قبل أن يسير إليهم الرسول بخيل أو رجال ، وقد طلبوا من
رسول الله الصُّلح تاركين له قرية « فدك ».
ولما كانت الأرض التي يفرُّ عنها أعداء الإسلام دون أن يوجف عليها بخيل
ولا ركاب ينطبق عليها حكم ـ ملكيّة الدّولة(2) ـ في الإصطلاح الإقتصادي ـ
أو الأنفال في الإصطلاح الفقهي ـ فقد أصبحت أرض فدك ملكاً للرّسول ( صلى الله عليه وآله )
بصفته رئيس الدولة الإسلامية ، وحكم مثل هذه الأرض ليس موضوعاً اجتهادياً.
____________
(1) الإحتجاج | الطبرسي.
(2) اقتصادنا | الصدر.
( 111 )
وإنما هو موضوع في إطار مذهبي رصين ، رسم القرآن الكريم حدوده وطابعه كما
ورد ذلك في قوله تعالى :
«
وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتُم عليه من خيلٍ ولا ركابٍ ولكنّ
الله يُسلط رُسله على من يشاء والله على كلّ شيء قدير * ما افاء الله على رسوله من
أهل القرى فلله وللرّسول ولذي القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .. »(1).
ولكن « فدك » لم تبق مجرد ملكيّة للدّولة الإسلامية ، وإنما أعطت السماء فيها
تعليماً خاصّاً جعل الرسول يهبها لبضعته الزهراء ( عليها السلام ) وذلك تطبيقاً لقوله تعالى :
« وآتِ ذا القربى حقّه ... »(2).
ولأنّ الزهراء تمثل طليعة قربى محمد ( صلى الله عليه وآله ) ولذا وهبها قرية فدك تأكيداً
لمدلول التشريع الإلهي المبارك.
وما أن ودّعت الأُمّة الإسلامية قائدها الحبيب محمداً إلا وأعلنت الحكومة
الجديدة على لسان زعيمها ( أبي بكر ) نبأ تأميم فدك وإعادتها ملكيّة للحكومة ، بعد
أن كانت لفاطمة في وقت قد صدر فيها حكم إلهي على لسان محمد الذي وهبها للزهراء.
ولكن هذا القرار الذي اتخذته الحكومة الجديدة حمل الزهراء ( عليها السلام )
على عدم الإعتراف به ، فهبّت لنقضه أمام الأُمة الإسلامية وممثّلي الحكومة لفضح
بداية التلاعب على حساب التشريع الإلهي المقدّس.
____________
(1) سورة الحشر ، آية | 6 ـ 7.
(2) يقول ابن كثير في تفسيره : « إنّ القائلين بأن آية « وآت ذا القربى حقه ... » هي التي أوحت
للرسول ( صلى الله عليه وآله ) في منح ( فدك ) للزهراء على جانب كبير من الخطأ لأنّ هذه الآية من سورة الاسراء ، وسورة
الإسراء مكيّة ، وقضيّة فدك بكل أبعادها وقعت في المدينة ، ولعل هذا الإدعاء من وضع الرافضة ».
وأنا أعجب من هذا القول الّذي يصدر من عالم كبير كابن كثير ، ويشتدُّ في استدلاله على أنّ هذه الآية
لا يُستدل بها ما دامت من سورة الاسراء المكية ، علماً بأنّ كثيراً من السور المكيّة تنطوي على آيات
مدنيّة ، وهذه السورة ( سورة الاسراء ) بضمنها ، فهي تحتوي على عدد من الآيات المدنية كهذه الآية عينها
« وآت ذا القربى حقّه ... ». كما ورد ذلك في تفسير الكشّاف للزّمخشري ، وفي ظلال القرآن | سيّد قطب.
وليعلم ابن كثير : أنّ هذه الآية ليست ـ وحدها ـ آية مدنيّة في هذه السُّورة ، بل هناك الى جانبها آية
32 ، 33 ، 57 ، 73 ، الى آية 80.
( 112 )
4ـ الحجج النّاصعة :
وغادرت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بيتها وسط جمع من النّساء الفضليات لكي تجلب
النظر وتثير الإهتمام للجماهير المسلمة ، فدخلت المسجد ـ مسجد أبيها ( صلى الله عليه وآله ) وهنا
بدأت تلقي حججها بأُسلوب ملؤه حكمة ورويّة حيث قابلت أبا بكر بكلمة
تعارف الناس عليها ، فخاطبته وكأنّها تستفسر عن شيء تجهله : « يا أبا بكر من
يرثك إذا متّ ؟ ».
قال : أهلي وولدي.
قالت : فمالي لا أرث أبي رسول الله ؟
وحين فوجىء أبو بكر بهذه الحجّة النّاصعة راح يبحث عن مبرر لتأميم إرثها
من أبيها.
فقال : يا بنت رسول الله ، إنّ النبي لا يوّرت(1).
وقيل : أجابها : « إن الأنبياء لا تورّث ، ما تركوه فهو صدقة ». واستشهد
بحديث انفرد به عن رسول الله فقال : « سمعت رسول الله يقول : لا نورّث ما
تركناه فهو صدقة »..
وهو حين تشبّث بهذا الحديث أراد أن يبرّر فشله أمام الحجّة التي وجه بها ،
____________
(1) كشف الغمة للاربلي.
( 113 )
وهو يعلم بمكانة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لدى فاطمة ( عليها السلام ) فأراد أن يبطل حجّتها بحديث
رواه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولكنّ أبا بكر لم ينته من إلقاء كلماته الدّفاعية حتى
فوجىء بحجة آخرى أبلغ من سابقتها حيث ردّت عليه ابنة المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) بقولها :
« ما شأن سليمان ورث داود ؟ ». انطلاقاً من قوله تعالى : « وورث سليمان داود ».
ثم استطردت قائلة :
« ألم يقل زكريا : « ... إنّي وهن العظم منّي واشتعل الرأس شيباً ولم أكن
بدعائك ربّ شقيّاً * وإنّي خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي
من لدنك وليّاً * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربّ رضيّاً »(1).
وحين تلت هذه الآيات الكريمة فنّدت قول الخليفة لأنّها أثبتت له إثباتاً لا
يتحمّل أيّ ريب : أنّ سليمان ورث أباه داود ، مع أنّ داود كان نبياً ، وسليمان حين
ورث أباه ورثه بالملك لا بالنبوّة لأن النبوّة لا تورث ، فالنبوّة لو ورثت لورثناها
من أبينا آدم خلفاً عن سلف.
والآية الثانية التي استدلت بها تحمل نفس المفهوم فزكريّا ـ ( عليه السلام ) ـ
حين طلب إلى ربّه أن يرزقه ولداً لكي يرثه ، إنّما أراد بالإرث هنا إرث المال ،
ولذا طلب من ربّه أن يكون ولده مرضيّاً ، وليس من المنطق ـ كما تدل
الآية ـ : أنّ زكريّا أراد من ربّه أن يرزقه ولداً يرثه في النّبوة بدليل أنّه ـ بعد
أن دعاه أن يرزقه هذا الوارث ـ طلب إليه أن يكون مرضيّاً ، لأنّه إذا أراد من
ربّه أن يرزقه ولداً يرثه في نبوّته ، فهل يكون هذا النبيُّ غير مرضيًّ حتى يطلب
أن يجعله مرضيّاً(2).
وهكذا فإنّ الآية تدل ـ دلالة واضحة ـ على أنّ الإرث هنا إرث ماديّ
فحسب ـ.
وحين واجه أبو بكر هذه الحجّة البالغة ، عرف أنّ الزّمام قد أُفلت من يده ،
فأصرّ على أنّ النبيّ لا يورّث ، ولكنّ إصراره هذا على كون الرّسول لا يورّث
إصرار في غير محلّه بعد أن فوجىء بحجج الزهراء البالغة فلا بدّ له من حجة أُخرى
____________
(1) سورة مريم آية | 3 ـ 6.
(2) النّص والإجتهاد | شرف الدين.
( 114 )
يدعم بها موقفه هذا ، فقال : « أني لأعلم إن شاء الله أنّك لن تقولي إلا حقّاً ولكن
هاتي بيّنتك ».
فأسرعت ( عليها السلام ) لتأتي بعليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأُم أيمن بركة بنت ثعلبة ، فشهدا :
أنّ « فدكاً » قد أورثها الرّسول لفاطمة ، ولكنّ أبا بكر لم يعترف بهذه الشّهادة ،
مدّعياً أنّ نصابها غير كامل ، فطالب بامراة أُخرى أو رجل آخر ، ولكنّ فاطمة لم
تأت بغير ذين.
وأنا أعجب من أبي بكر كيف لا يتّخذ من شهادة عليًّ بن
أبي طالب ( عليه السلام ) حجّة على صحّة موقف فاطمة ـ على الأقل ـ في وقتٍ هو يعلم
قيمة عليًّ عند الله. ورسوله ، فهو هارون الأُمّة والمطهّر من الرّجس ، ومدينة علم
الرّسول ، بغضّ النّظر عن الصّدّيقة الزهراء ـ أُم أبيها ـ وبضعته والمطهّرة من
الرّجس . والإمرأة الصّالحة ـ أُمُّ الصّالحة ـ أُمُّ أيمن ـ المبشرة بالجنة(1).
ومن المؤسف حقّاً أنّ أبا بكر حين يعلن : أنّ معاشر الأنبياء لا يورّثون ، يأتي
بعائشة وحفصة لتشهدا له في صحّة الحديث ، ولكن لا أدري لماذا لا توازي شهادة
عليًّ ( عليه السلام ) شهادة إحديهما ؟ فضلاً عن شهادة أُمّ أيمن ـ المرأة الصالحة ـ
وإلى جانب هذا كلّه : إنّ مطالبة أبي بكر فاطمة الزهراء بإحضار الشُّهود
ليست منطقيّة لأنّها مالكة لفدك فعلاً ، وأبو بكر ادّعى ادّعاءً أنّها لا حقّ لها في
تملُّكها ، ولذا أصدر حكم التأميم بشأنها مع أنّ القاعدة المنطقية الثابتة تقول :
« البيّنة على من ادعى » فلماذا لم يأت أبو بكر بالبيّنة ؟ وقت كان مسؤولاً بإتيانها
عقلاً ومنطقاً وعرفاً.
لكنّ الخليفة مع هذا قد أصرّ على عدم اقتناعه بشهادة عليًّ وأُمّ أيمن.
وللقارىء الكريم أن يحكم على هذه الواقعة المعروضة أمام عينيه وليتحرّ
الحقيقة بنفسه.
ويقيني : أنّ الحجج التي أدلت بها الزهراء ( عليها السلام ) أمام الخليفة أبي بكر
____________
(1) ورد في ذخائر العقبى : أن الرّسول ( صلى الله عليه وآله ) قد بشّر أُمّ أيمن بالجنّة.
( 115 )
كانت كافيةً لإدانته وتغيير موقفه منها . ولكنّه ـ أسفاً ـ تمادى بعدم اعترافه
بحقّها في إرثها من أبيها.
وإلى جانب مواقفها وحججها ـ هذه ـ نورد بعض المؤاخذات الاُخرى على
موقف الخليفة أبي بكر ، تجليةً للحقيقة وتأكيداً للمنطق فنقول :
ولو فرضنا ـ جدلاً ـ أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لم يمنح فاطمة الزّهراء فدكاً بصفتها
من ذوي القربى ـ حسب مدلول آية ـ « وآت ذا القرى حقّه ». وإنما منحها
فدكا بصفته حاكماً للدّولة الإسلامية ، ورئيس الدّولة الإسلامية له الحقُّ في
التّصرف في ملكيّة الدّولة طبقاً لما يراه وفي إطار المصلحة الإسلامية العليا ، وقد
رأى أن يمنح فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) كأن تكون من سائر الناس ـ فدكاً ـ كحق خاص لا ملكيّة خاصّة لأنّ ملكيّة الدّولة ـ الأنفال ـ لا تملك ملكية خاصة . ولنفرض لأنّ فاطمة الزّهراء ( عليها السلام ) قد تصرّفت بحقها في الأرض دون أن تخل
بشروط سيطرتها عليها لأنّ من شروط تملُّك الفرد المسلم للأرض : أن يقوم بعمارتها :
من زراعة أو إقامة مشروع نافع عليها ، أمّا إذا لم يؤدّ حقّ ما حازه بأمر الدّولة
الإسلامية من الأنفال فإنّ للدّولة الحق في سلبه منه لتمنحه لمن يقوم بدور الإحياء
الفعلي للأرض ، وهذا يعني : أنّ الأرض التي تعود ملكيّتها للدّولة في المذهب
الإقتصادي الإسلامي وحازها بعض الأفراد ، فإنّ عقد الحيازة يظلّ قائماً ما دام
الفرد المسلم قائماً برعاية الأرض وعمارتها ، أمّا إذا لم يؤدّ هذه الوظيفة فإنّ العقد
يفسخ بعدها ليستثمر الأرض منتج آخر(2) . وفاطمة الزهراء ( عليها السلام ) قد أثبتت الأدلّة
التاريخيّة : أنّها كانت ملتزمة التزاماً تامّاً بشروط حيازة الأرض ، فقد كان لها
وكيل لإدارتها وزراعتها والعناية بها فما هي الاسباب التي دعت أبا بكر أن بسلب
هذه الأرض منها ، وهي ما زالت قائمة بشروط التملُّك والحيازة لها طبقاً لما رسمه
الإسلام من شروط لحيازة الأرض الّتي تصدق عليها صفة ملكيّة الدّولة
« الأنفال » ؟
أليس ذلك تلاعباً على حساب المذهب الإقتصادي الإسلامي ، بل على حساب
____________
(1) اقتصادنا : ج 2 | محمد باقر الصدر.
(2) اقتصادنا ج2.
( 116 )
الشّرع المقدّس ؟ الّذي لا يسمح بتأميم حقوق المواطنين الخاصّة : « النّاس مسلّطون
على أموالهم ، لا يحلُّ مال امرىءٍ إلاّ عن طيب نفسه ».
علماً بأنّه قد علّل سلبه لأرضها بقوله : « إنّ الأنبياء لا يورّثون ».
وهذا ما يلفت النظر إلى أنّ ابا بكر لو كان يعلم أنّ المصلحة الإسلامية العليا
تقتضي هذا التأميم والمصادرة لصرّح به ، ولكنّه لم يجد مبرراً لهذا القرار ، فأعلن
عدم جواز تورُّث الأنبياء.
وبعد إجلاء هذه الحقيقة فأنا غير واثق ـ مطلقاً ـ من أنّ أبا بكر ( رض )
كان جاهلاً من أنّ الحق كان بجانب الصّدّيقة فاطمة ، لا سيّما وهو يمتاز بحنكته
وعبقريّته ، فمن المستحيل أن تغيب عنه تلك الحقائق النّاصعة ، ولكنّه لا يستطيع
أن يدلي بتصريح يصدّق فيه الزّهراء ( عليها السلام ).
وعقيدتي أنّ ابا بكر كان مقيّدا بقرارات السّقيفة الّتي أوصلته للحكم ، وهو إن
تخلّى عنها فاعترف لفاطمة بفدك ، لنحّاه من جاء به عن المنصب ، كما أنّ اعتراف
أبي بكر لفاطمة بحقّها في فدك سيجُره إلى الإعتراف بكلّ مطاليبها المقبلة ، وفي
طليعتها أحقيّة عليًّ ( عليه السلام ) في قيادة الأُمّة الإسلاميّة ، ولذا فإنّ حنكة الخليفة جعلته
يصنع شتّى المبررات لعدم الإعتراف لفاطمة بحقّها في فدك ، لأنّ ذلك سيكون
اعترافاً ضمنيّاً بصدق لهجة فاطمة في كلّ مطالبها المقبلة.
وهكذا فإنّ الباحث التأريخي المنصف يجب أن لا يحمّل تبعات المأساة الخليفة
أبا بكر بقدر ما يحمّله مؤتمر السقيفة ـ ذاته ـ لأنّه هو المسؤول ـ أولاً وآخراً
قبل غيره ـ عن كلّ ما حدث بعد الرّسول ( صلى الله عليه وآله ).
( 117 )
( 118 )
5ـ تقييم الموقف :
وقد ساد الإعتقاد لدى البعض من المؤرّخين من أنّ أبا بكر ( رض ) إنّما أصرّ
على منع الزهراء (عليها السلام) حقّها في فدك لأنّه خشي أن يستعمل لأغراض سياسيّة ،
حيث أنّ عليّاً وفاطمة يستغلاّنه في تقوية حزبهما المعارض لإسقاط حكومة الخليفة
أبي بكر ، ولذا استعمل الخليفة معهما الحرب الإقتصادية لإضعاف الحركة المعارضة.
وهذا الرأي ـ في عقيدتي ـ قد أخطأ الحقيقة ، وهو لعمري رأي أُريد به
تبرير موقف الخليفة والتخفيف من شدّة النّقد التي وجهت سياسته بها ، ولإيقاف
سيل المؤاخذات الّتي شُنّت على موقفه الصُّلب من الصّدّيقة فاطمة على ما حملته
من حجج ناصعة وأدلّة صائبة ، وأنا حين أشكّ في صحّة هذا الرأي لا أقف ـ
فقط عند حدود الشّك وحده ـ وإنّما أُؤكد رأيي بالنقطتين الآتيتين :
1ـ انّ ممّا لا شكّ فيه أنّ عليّ بن أبي طالب لا يمكن أن يطلب غاية نبيلة بسبُل
معوجّة وأساليب ملتوية ، وهو الذي يحمل شعار : « لا يُطاع الله من حيث يعصى ».
فهو لا يمكن أن يطلب الوصول إلى قيادة الأُمّة عن طريق ابتياع ضمائر أو
دجل ، أو ضم أصوات إلى جانبه حتى يستفيد من فدك اقتصاديّاً في تنشيط
حركته ، بغية عزل الحكومة يومذاك.
( 119 )
لكنّه أراد من فدك حين تطلبها فاطمة قوةً لهما ولأولادهما ليس غير ، وليس
أدلّ على ذلك من سياسة عليًّ ( عليه السلام ) أيّام حربه مع معاوية ، فقد كان بوسعه أن
يشتري الضمائر ويجمع المرتزقة لتعزيز موقفه في المعترك ، ولكنّه لم يفكر بذلك ـ
إطلاقاً ـ لأنّه يرى فيه ارتكاباً لعمل يتنافى وشرع الله سبحانه في وقت كان
بيت المال تحت تصرُّفه ، فكيف يتّخذ من فدك أُسلوبه لإعزاز حركته ؟
2ـ أكّدت الأدلّة التأريخية أنّ الصّدّيقة الزّهراء ( عليها السلام ) حين رجعت من مناظراتها
للخليفة أبي بكر وجدت عليّاً ، وهو يتوقّع عودتها بفارغ الصّبر ، وحينئذٍ ألقت
كلمتها أمام عليًّ لتوضح له نتيجة جولتها مع الخليفة ( رض ) حيث أكدت له : أنّ
أبا بكر قد ردّها ولم يعبأ بحججها ، وقد كانت تتحدّث لعليًّ بحرقة أظهرت فيها
غضبها وسخطها على الحكم القائم.
ولما اختتمت كلمتها بقولها : «(1) ويلاي في كلّ شارق ، ويلاي في كلّ غارب.
مات العمد ووهن العضد ، شكواي إلى أبي ، وعدواي إلى ربي اللهم إنّك أشدُّ منهم
قوةً وحولاً وأشدُّ تنكيلاً ».
وتألّم عليٌ لحديثها فراح يستعمل كلّ ما في وسعه للتخفيف من غضبها وألمها
فخاطبها بقوله : « لا ويل لك بل الويل لشانئك ، ثم نهنهي عن وجدك يا أبنة
الصّفوة ، وبقيّة النبوة ، فما ونيت عن ديني ولا أخطأت مقدوري ، فإن كنت
تريدين البلغة فرزقك مضمون وكفيلك مأمون ، وما أُعدّ لك أفضل ممّا قطع عنك
فاحتسبي الله ... ».
ومخاطبة عليًّ لفاطمة بقوله : « فإن كنت تريدين البلغة ، فرزقك مضمون ،
وكفيلك مأمون ».
دليل على أنّ عليّاً وفاطمة ما ابتغيا وراء فدك إلا قوتاً لهما ولأولادهما ، وهذا
ما يتّضح من قوله عليًّ ( عليه السلام ) لها حيث يؤكّد أنّ رزقها مضمون ، وإن حاول
الحاكمون منعه وأنّه سيضمن عيشها وعيش أولادها ما دام
حيّاً وتصريح عليًّ ـ هذا ـ يكشف لنا الغاية التي تنشدها فاطمة من المطالبة
____________
(1) كشف الغمة.
( 120 )
بفدك ، فإنّها لو كانت تبتغي هدفاً سياسيّاً وراء الحصول على فدك لخاطبها
عليّ ـ بعد عودتها من مناقشة الخليفة ـ بأُسلوب غير هذا ولجرى بينهما حديث
يخالف هذا.
ونستطيع أن نقرّر هذه الحقيقة إذا استعرضنا حديثاً للإمام عليًّ بشأن فدك
وفي أيام خلافته وبعد وفاة الصّدّيقة الزهراء ( عليها السلام ) حيث يوضح فيه أنّ فدكاً كانت
في حيازته وأهل بيته تدرُّ عليهم الرّزق :
« بلى كانت في أيدينا فدك من جميع ما
أظلّته السّماء ، فشحّت عليها نفوس قوم ،
وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم
الحكم الله وما أصنع بفدك وغير فدك
والنّفس مضانُّها في غدٍ جدث ».
ألا تراه ـ أخي القارىء ـ لا يقيم وزناً لفدك ولا لغير فدك ، وهمُّه أن
يصلح الدُّنيا بعدله وأن يتهيّأ لحياته الأُخرى بخير زاد لكي يلقى ربّه بنفس
راضية مرضيّة ، فهل تنتظر من شخص هذا مقياسه في الحياة ـ الفوز برضوان
الله ـ : أن يشتري الضّمائر ويجمع الأصوات حوله لكي يصل إلى الحكم ، وهو
القائل ( عليه السلام ) : « ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز » .
وهو القائل أيضاً : « والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية أربة(1) ».
____________
(1) إن كان في هذا الإستدال حجة فهي على نقض غرض المؤلف فيما ذهب إليه ويقال في جوابه : إنّ
أبا بكر وأركان دولته كانوا على علم اليقين من أنّ أهل هذا البيت الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم
خصاصة كما تشهد بذلك سورة هل أتى ـ سوف لا يستأثرون بواردات فدك وإنّما يبذلونها في سبيل
الله على المعوزين والمحتاجين ، والإنسان ـ كما يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ـ عبد الإحسان ، وعندئذ
سوف تميل القلوب بطبعها إلى عليًّ ، وكان القوم يؤكدون على بغض عليًّ ويثيرون كوامن النفوس بأن علياً
( عليه السلام ) قتل شجعان العرب فهم موتورون منه ، وزعموا أنّ العرب كرهت أن تجتمع النبوّة والخلافة في
بيت واحد ، وعلى هذا الأساس قامت دولتهم ، ووجود الثّروة بأيدي أهل البيت يعني أنّه سيؤدي نفس
الدّور الذي أدّته أموال خديجة ، ولا يتنافى تصور السُّلطة هذا مع الموقف الحقيقي لأهل البيت تجاه
فدك ، كما لا يكون مبرّراً لاغتصابها أبداً ، فهناك حدود شرعية لا يجوز تعدّيها . وأعجب من كلّ هذا
تعبير المؤلف بشراء الضمائر ، وهل يحرم بذل المال لاسترجاع الحق المغتصب وتثبيته أم يجب ؟ لاسيما إذا
توقفت عليه مصلحة عظمى كالقضية التي يطالب بها الإمام علي (عليه السلام ) ، وإذا كان هذا النّوع من بذل المال
( 121 )
وهذه التّصريحات من عليًّ ( عليه السلام ) تؤكد لنا : أنّه لا يعبأ بالخلافة ، بل بالدُّنيا ـ
برمّتها ـ فكيف يهتم بالوسائل التي توصل إليها بل كيف يمكن أن يسخّر ما تدرُّه
فدك من أرباح لأغراض سياسية ؟
وبعد كلّ هذا ربما يعترض البعض على موقف فاطمة فيقول : لماذا ـ إذن ـ
تقف فاطمة هذا الموقف الصُّلب في مطالبتها بفدك ، فلو لم يكن هناك هدف آخر
تبتغيه من ورائه ، لما طالبت هذه المطالبة الحقيقية به ؟
ولأجل أن نبرز الحقائق التي دفعت الصّدّيقة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) للمطالبة
بفدك ، نضع أمامنا النقاط الآتية :
1ـ إنّها رأت أنّ تأميم ( فدك ) قد هيّأ لها فرصة ذهبيّة في الإدلاء برأيها حول
الحكومة القائمة وكان لا بدّ لها أن تُدلي بتصريحاتها أمام الجماهير ، وقد هيّأت
لها قضيّة فدك هذه الملابسات المناسبة ، فحضرت ( دار الحكومة ) في المسجد
النبوي وألقت بتصريحاتها التي لا تنطوي على أي لبس أو غموض.
2ـ تبيان أحقيّة عليًّ في قيادة الأُمّة بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وقد تجلّى ذلك في
خطبتها التي ألقتها في مسجد أبيها ( صلى الله عليه وآله ) على مسمع ومرأىً من المسلمين
وبضمنهم الحكومة الجديدة ، فكان من بعض أقوالها :
« أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ؟ ».
وقولها : « وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض ». حيث أوضحت أنّ عليّاً
( عليه السلام ) أعلم الناس بعد محمد بمعرفة الرّسالة وأحكامها وقوانينها ، وهو لذلك
أحق برعاية شؤون الأُمّة التي صنعها الوحي المقدّس.
3ـ كشف ألاعيب الحكومة الجديدة على الشّرع المقدّس واجتهاداتهم التي لا
____________
شراءً للضمائر وممقوتاً في نظر المؤلف فماذا يقول عن بذل النبي ( صلى الله عليه وآله ) أموال خديجة في نفس الغرض ،
ونؤكد للمؤلف الجليل أنّ هذا الغرض هو من الأغراض الشريفة وطريق مشروع لمن يريد أن يصل به إلى
الهدف ، أما استخدامه في الطرق غير المشروعة لأنّ الغاية تبرر الواسطة فهذا ما لا يتوهمه في عليًّ
وفاطمة ( عليهما السلام ) لا أبو بكر ولا حتى إبليس.
وبعد فإنما دفعني لهذه التعليقة بيان الحقيقة لا غير وكمسألة تستحق المناقشة وأستميح المؤلّف عذراً
وشكراً له إن عفى وصفح.
( 122 )
علاقة لها بأهداف الرسالة وتزمُّتهم وإصرارهم على آرائهم بعد بطلانها ، وقد
اتّضح ذلك كله في حججها التي واجهت أبا بكر بها بشأن فدك كما رسمناه
سابقاً.
وهذه النقاط الثلاث هي التي استهدفتها فاطمة ( عليها السلام ) في مطالبتها الحثيثة
بفدك ليس غير ، وليس لها وراء ذلك هدف ماديٌّ رخيص كما يعتقد البعض من
مؤرّخي حياتها ، فهي ـ لعمر الحق ـ قد تصرّفت ما من شأنه أن يحفظ الرّسالة
من شبح الإنحراف الّذي تنبأت بوقوعه بعد انتخاب الحكومة الجديدة فاتخذت
من فدك خير فرصة لخدمة المبدأ وإلقاء الحجّة على الأُمّة تأدية للمسؤوليّة ونصراً
للرّسالة وحفظاً لبيضة الإسلام.