احتجاجاته وأجوبته في مسائل شتى

- قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي : أخبرني الأزهري ، حدثنا أبو أحمد عبيد الله بن محمد المقرئ ، حدثنا محمد بن يحيى النديم ، حدثنا الحسين بن يحيى ، قال : اعتل المتوكل في أول خلافته ، فقال : لئن برئت لأتصدقن بدنانير كثيرة ، فلما برئ جمع الفقهاء ، فسألهم عن ذلك فاختلفوا ، فبعث إلى علي بن محمد ابن علي بن موسى بن جعفر فسأله ، فقال : يتصدق بثلاث وثمانين دينارا ، فعجب قوم من ذلك ، وتعصب قوم عليه .

قالوا : تسأله - يا أمير المؤمنين - من أين له هذا ؟ فرد الرسول إليه ، فقال له : قل لأمير المؤمنين في هذا الوفاء بالنذر ، لأن الله تعالى قال : ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ) فروى أهلنا جميعا أن المواطن في الوقائع والسرايا والغزوات كانت ثلاثة وثمانين موطنا ، وأن يوم حنين كان الرابع والثمانين ، وكلما زاد أمير المؤمنين في فعل الخير كان أنفع له ، وأجر عليه في الدنيا والآخرة .

- وروى الطبرسي عن الإمام الحسن العسكري : أنه قال : اتصل بأبي الحسن علي بن محمد العسكري أن رجلا من فقهاء شيعته كلم بعض النصاب ، فأفهمه بحجته حتى أبان عن فضيحته ، فدخل إلى علي بن محمد وفي صدر مجلسه دست عظيم منصوب ، وهو قاعد خارج الدست ، وبحضرته خلق من العلويين وبني هاشم ، فما زال يرفعه حتى أجلسه في ذلك الدست ، وأقبل عليه ، فاشتد ذلك على أولئك الأشراف ، فأما العلويون فأجلوه عن العتاب ، وأما الهاشميون فقال له شيخهم : يا بن رسول الله ، هكذا تؤثر عاميا على سادات بني هاشم من الطالبيين والعباسيين ؟ ! فقال : إياكم أن تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ) ، أترضون بكتاب الله حكما ؟ قالوا : بلى .

قال : أليس الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم ) إلى قوله : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) ، فلم يرض للعالم المؤمن إلا أن يرفع على المؤمن غير العالم ، كما لم يرض للمؤمن إلا أن يرفع على من ليس بمؤمن .

أخبروني عنه قال : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) أو قال : " يرفع الذين أوتوا شرف النسب درجات " ؟ أو ليس قال الله : ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ، فكيف تنكرون رفعي لهذا لما رفعه الله ؟ ! إن كسر هذا لفلان الناصب بحجج الله التي علمه إياها ، لأفضل له من كل شرف في النسب .

فقال العباسي : يا بن رسول الله ، قد أشرفت علينا ، هو ذا تقصير بنا عمن ليس له نسب كنسبنا ، وما زال منذ أول الإسلام يقدم الأفضل في الشرف على من دونه فيه . فقال : سبحان الله ! أليس العباس بايع أبا بكر وهو تيمي ، والعباس هاشمي ؟ أو ليس عبد الله بن عباس كان يخدم عمر بن الخطاب ، وهو هاشمي أبو الخلفاء ، وعمر عدوي ؟ ! وما بال عمر أدخل البعداء من قريش في الشورى ولم يدخل العباس ؟ فإن كان رفعنا لمن ليس بهاشمي على هاشمي منكرا فأنكروا على العباس بيعته لأبي بكر ، وعلى عبد الله بن عباس خدمته لعمر بعد بيعته ، فإن كان ذلك جائزا فهذا جائز ، فكأنما ألقم الهاشمي حجرا .

- وعنه ، بإسناده عن جعفر بن رزق الله ، قال : قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة ، فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم ، فقال يحيى بن أكثم : قد هدم إيمانه شركه وفعله ، وقال بعضهم : يضرب ثلاثة حدود ، وقال بعضهم : يفعل به كذا وكذا ، فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن العسكري وسؤاله عن ذلك .

فلما قرأ الكتاب كتب : يضرب حتى يموت ، فأنكر يحيى وأنكر فقهاء العسكر ذلك ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، سله عن ذلك ، فإنه شيء لم ينطق به كتاب ، ولم تجئ به سنة .

فكتب إليه : إن الفقهاء قد أنكروا هذا ، وقالوا : لم تجئ به سنة ، ولم ينطق به كتاب ، فبين لنا لم أوجبت عليه الضرب حتى يموت ؟ فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم : ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) ، فأمر به المتوكل فضرب حتى مات .

- وفي البحار ، عن كتاب الاستدراك ، بإسناده : أن المتوكل قيل له : إن أبا الحسن - يعني علي بن محمد بن علي الرضا - يفسر قول الله عز وجل : ( ويوم يعض الظالم على يديه ) الآيتين ، في الأول والثاني .

قال : فكيف الوجه في أمره ؟ قالوا : تجمع له الناس وتسأله بحضرتهم ، فإن فسرها بهذا ، كفاك الحاضرون أمره ، وإن فسرها بخلاف ذلك افتضح عند أصحابه .

قال : فوجه إلى القضاة وبني هاشم والأولياء وسئل فقال : هذا رجلان كنى عنهما ، ومن بالستر عليهما ، أفيحب أمير المؤمنين أن يكشف ما ستره الله ؟ فقال : لا أحب .

- وعن كتاب الاستدراك أيضا ، قال : نادى المتوكل يوما كاتبا نصرانيا : أبا نوح ، فأنكروا كنى الكتابيين ، فاستفتى فاختلف عليه ، فبعث إلى أبي الحسن ، فوقع : بسم الله الرحمن الرحيم : ( تبت يدا أبي لهب ) ، فعلم المتوكل أنه يحل ذلك ، لأن الله قد كنى الكافر .

- وروى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي بإسناده عن محمد بن يحيى المعاذي ، قال : قال يحيى بن أكثم في مجلس الواثق والفقهاء بحضرته : من حلق رأس آدم حين حج ؟ فتعايى القوم عن الجواب ، فقال الواثق : أنا أحضركم من ينبئكم بالخبر .

فبعث إلى علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فأحضر ، فقال : يا أبا الحسن ، من حلق رأس آدم ؟ فقال : سألتك بالله يا أمير المؤمنين إلا أعفيتني .

قال : أقسمت عليك لتقولن .

قال : أما إذا أبيت ، فإن أبي حدثني عن جدي ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله : أمر جبرئيل أن ينزل بياقوتة من الجنة ، فهبط بها ، فمسح بها رأس آدم فتناثر الشعر منه ، فحيث بلغ نورها صار حرما .

- وروى ابن شهرآشوب عن أبي محمد الفحام ، قال : سأل المتوكل ابن الجهم : من أشعر الناس ؟ فذكر شعراء الجاهلية والإسلام ، ثم إنه سأل أبا الحسن ، فقال : الحماني حيث يقول :

لقد فاخرتنا من قريش عصابة    بمد خدود وامتداد أصابع
فلما تنازعنا المقال قضى لنا   عليهم بما نهوى نداء الصوامع
ترانا سكوتا والشهيد بفضلنا   عليهم جهير الصوت في كل جامع
فإن رسول الله أحمد جدنا   ونحن بنوه كالنجوم الطوالع

قال : وما نداء الصوامع يا أبا الحسن ؟ قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، جدي أم جدك ؟ فضحك المتوكل ، ثم قال : هو جدك لا ندفعك عنه .

العودة إلى الصفحة الرئيسية

www.mezan.net <‎/TITLE> ‎<META HTTP-EQUIV="Content-Type" CONTENT="text/html; charset=windows-1256">‎ ‎<META NAME="keywords" CONTENT=" السيد محمد حسين فضل الله في الميزان ">‎ ‎<META NAME="description" CONTENT=" مقولات السيد فضل الله في كتبه ">‎ ‎<META NAME="author" CONTENT=" مقولات السيد فضل الله بصوته ">‎ ‎<META NAME="copyright" CONTENT=" رأي المراجع العظام والعلماء ">‎ <‎/HEAD>