صلة الرحم ، وقصة ملكين من بني إسرائيل

- غوالي اللئالي : قال الصادق : طلب المنصور علماء المدينة ، فلما وصلنا إليه خرج إلينا الربيع الحاجب فقال : ليدخل على أمير المؤمنين منكم اثنان فدخلت أنا وعبد الله بن الحسن ، فلما جلسنا عنده ، قال : أنت الذي تعلم الغيب ؟ فقلت : لا يعلم الغيب إلا الله فقال : أنت الذي يجبى إليك الخراج ؟ فقلت : بل الخراج يجبى إليك ، فقال : أتدري لم دعوتكم ؟ فقلت : لا فقال : إنما دعوتكم لأخرب رباعكم ، وأوغر قلوبكم ، وأنزلكم بالسراة ، فلا أدع أحدا من أهل الشام والحجاز يأتون إليكم فإنهم لكم مفسدة . فقلت : إن أيوب ابتلي فصبر ، وإن يوسف ظلم فغفر ، وإن سليمان أعطي فشكر ، وأنت من نسل أولئك القوم ، فسري عنه .

ثم قال : حدثني الحديث الذي حدثتني به منذ أوقات عن رسول الله قلت : حدثني أبي عن جدي عن رسول الله أنه قال : الرحم حبل ممدود من الأرض إلى السماء ، يقول : من قطعني قطعه الله ، ومن وصلني وصله الله فقال : لست أعني هذا فقلت : حدثني أبي عن جدي عن رسول الله قال الله تعالى : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من أسمائي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته قال : لست أعني ذلك ، فقلت : حدثني أبي عن جدي عن رسول الله أنه قال : إن ملكا من ملوك بني إسرائيل كان قد بقي من عمره ثلاث سنين ، ووصل رحمه فجعلها الله ثلاثين سنة ، وإن ملكا من ملوك بني إسرائيل كان قد بقي من عمره ثلاثون سنة فقطع رحمه فجعله الله ثلاث سنين ، فقال : هذا الذي قصدت والله لأصلن اليوم رحمي ، ثم سرحنا إلى أهلنا سراحا جميلا . بيان : الوغر : الحقد ، والضغن ، والعداوة ، والتوقد من الغيظ ، وأوغر صدره أدخلها فيه ، وسراة الطريق : ظهره ، ومعظمه ، أي أجعلكم فقراء تجلسون على الطرق للسؤال ، وسري عنه على بناء التفعيل مجهولا أي كشف عنه الحزن والغضب .

- مهج الدعوات : روينا باسنادنا إلى الشيخ أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري رضي الله عنه عن محمد بن علي الصيرفي ، عن ابن أبي نجران ، عن ياسر مولى الربيع قال : سمعت الربيع يقول : لما حج المنصور ، وصار بالمدينة سهر ليلة فدعاني فقال : يا ربيع انطلق في وقتك هذا على أخفض جناح وألين مسير ، فان استطعت أن تكون وحدك فافعل ، حتى تأتي أبا عبد الله جعفر بن محمد فقل له : هذا ابن عمك يقرأ عليك السلام ويقول لك إن الدار وإن نأت ، والحال وإن اختلفت فانا نرجع إلى رحم ، أمس من يمين بشمال ، ونعل بقبال ، وهو يسألك المصير إليه في وقتك هذا فان سمح بالمسير معك فأوطه خدك وإن امتنع بعذر أو غيره فاردد الامر إليه في ذلك فإن أمرك بالمصير إليه في تأن فيسر ولا تعسر واقبل العفو ، ولا تعنف في قول ولا فعل . قال الربيع : فصرت إلى بابه فوجدته في دار خلوته ، فدخلت عليه من غير استيذان ، فوجدته معفرا خديه ، مبتهلا بظهر يديه قد أثر التراب في وجهه وخديه فأكبرت أن أقول شيئا حتى فرغ من صلاته ودعائه ، ثم انصرف بوجهه فقلت : السلام عليك يا أبا عبد الله فقال : وعليك السلام يا أخي ما جاء بك ؟ فقلت : ابن عمك يقرأ عليك السلام ، ويقول - حتى بلغت إلى آخر الكلام - فقال : ويحك يا ربيع ! " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم " ويحك يا ربيع " أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " قرأت على أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته ، ثم أقبل على صلاته وانصرف إلى توجهه . فقلت : هل بعد السلام من مستعتب عليه ؟ أو إجابة ؟ فقال : نعم قل له : " أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للانسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى " إنا والله يا أمير المؤمنين قد خفناك ، وخافت لخوفنا النسوة اللاتي أنت أعلم بهن ، ولا بدلنا من الايضاح به ، فان كففت وإلا أجرينا اسمك على الله عز وجل في كل يوم خمس مرات ، وأنت حدثتنا عن أبيك عن جدك أن رسول الله ه قال : أربع دعوات لا يحجبن عن الله تعالى : دعاء الوالد لولده ، والأخ بظهر الغيب لأخيه ، والمظلوم ، والمخلص . قال الربيع : فما استتم الكلام حتى أتت رسل المنصور تقفو أثري ، وتعلم خبري ، فرجعت وأخبرته بما كان فبكى ، ثم قال : ارجع إليه وقل له : الامر في لقائك إليك ، والجلوس عنا ، وأما النسوة اللاتي ذكرتهن فعليهن السلام فقد آمن الله روعهن ، وجلا همهن ، قال : فرجعت إليه فأخبرته بما قال المنصور فقال : قل له : وصلت رحما ، وجزيت خيرا ، ثم اغرورقت عيناه حتى قطر من الدمع في حجره قطرات ، ثم قال : يا ربيع إن هذه الدنيا وإن أمتعت ببهجتها وغرت بزبرجها فان آخرها لا يعدو أن يكون كآخر الربيع الذي يروق بخضرته . ثم يهيج عند انتهاء مدته ، وعلى من نصح لنفسه وعرف حق ما عليه وله أن ينظر إليها نظر من عقل عن ربه جل وعلا ، وحذر سوء منقلبه ، فان هذه الدنيا قد خدعت قوما فارقوها أسرع ما كانوا إليها وأكثر ما كانوا اغتباطا بها ، طرقتهم آجالهم بياتا وهم نائمون أو ضحى وهم يلعبون ، فكيف اخرجوا عنها ، وإلى ما صاروا بعدها أعقبتهم الألم ، وأورثتهم الندم ، وجرعتهم مر المذاق ، وغصصتهم بكأس الفراق فيا ويح من رضي عنها ، وأقر عينا بها ، أما رأى مصرع آبائه ، ومن سلف من أعدائه وأوليائه ، يا ربيع أطول بها حيرة وأقبح بها كثرة ، وأخسر بها صفقة ، وأكبر بها ترحة ، إذا عاين المغرور بها أجلة ، وقطع بالأماني أمله ، وليعمل على أنه أعطي أطول الأعمار وأمدها ، وبلغ فيها جميع الآمال ، هل قصاراه إلا الهرم ؟ أو غايته إلا الوخم ؟ نسأل الله لنا ولك عملا صالحا بطاعته ، ومآبا إلى رحمته ، ونزوعا عن معصيته ، وبصيرة في حقه ، فإنما ذلك له وبه ، فقلت : يا أبا عبد الله أسألك بكل حق بينك وبين الله جل وعلا إلا عرفتني ما ابتهلت به إلى ربك تعالى ، وجعلته حاجزا بينك وبين حذرك وخوفك ، لعل الله يجبر بدوائك كسيرا ، ويغني به فقيرا والله ما أعني غير نفسي قال الربيع : فرفع يده وأقبل على مسجده كارها أن يتلو الدعاء صحفا ولا يحضر ذلك بنية فقال : اللهم إني أسألك يا مدرك الهاربين إلى آخر ما سيأتي في كتاب الدعاء .

بيان : قبال النعل ككتاب زمام بين الإصبع الوسطى والتي تليها ، والزبرج بالكسر الزينة ، وراقه أعجبه ، وهاج النبت يبس ، والترح محركة الهم قوله وقطع بالأماني أمله ينبغي أن يقرأ على بناء المجهول أي قطع أمله مع الأماني التي كان يأمل حصولها ، ويقال : طعام وخيم أي غير موافق .

- الكتاب العتيق الغروي ، مهج الدعوات : الحسن بن محمد النوفلي ، عن الربيع صاحب المنصور قال : حججت مع أبي جعفر المنصور فلما كان في بعض الطريق قال لي المنصور : يا ربيع إذا نزلت المدينة فاذكر لي جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي فوالله العظيم لا يقتله أحد غيري احذر تدع أن تذكرني به ، قال : فلما صرنا إلى المدينة أنساني الله عز وجل ذكره قال : فلما صرنا إلى مكة قال لي : يا ربيع ألم آمرك أن تذكرني بجعفر بن محمد إذا دخلنا المدينة ؟ قال : فقلت : نسيت ذلك يا مولاي يا أمير المؤمنين قال : فقال لي : إذا رجعت إلى المدينة فاذكرني به ، فلا بد من قتله فإن لم تفعل لأضربن عنقك فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ثم قلت لغلماني وأصحابي : اذكروني بجعفر بن محمد إذا دخلنا المدينة إن شاء الله تعالى فلم يزل غلماني وأصحابي يذكروني به في كل وقت ومنزل ندخله وننزل فيه حتى قدمنا المدينة فلما نزلنا بها دخلت إلى المنصور فوقفت بين يديه وقلت له : يا أمير المؤمنين جعفر بن محمد ! قال : فضحك وقال لي : نعم اذهب يا ربيع فائتني به ولا تأتني به إلا مسحوبا قال : فقلت له : يا مولاي يا أمير المؤمنين حبا وكرامة ، وأنا أفعل ذلك طاعة لأمرك قال : ثم نهضت وأنا في حال عظيم من ارتكابي ذلك قال : فأتيت الإمام الصادق جعفر بن محمد وهو جالس في وسط داره فقلت له : جعلت فداك إن أمير المؤمنين يدعوك إليه فقال لي : السمع والطاعة ، ثم نهض وهو معي يمشي قال : فقلت له : يا ابن رسول الله إنه أمرني أن لا آتيه بك إلا مسحوبا قال : فقال الصادق : امتثل يا ربيع ما أمرك به ، قال : فأخذت بطرف كمه أسوقه إليه ، فلما أدخلته إليه رأيته وهو جالس على سريره ، وفي يده عمود حديد يريد أن يقتله به ، ونظرت إلى جعفر وهو يحرك شفتيه ، فلم أشك أنه قاتله ، ولم أفهم الكلام الذي كان جعفر يحرك شفتيه به ، فوقفت أنظر إليهما .

قال الربيع : فلما قرب منه جعفر بن محمد قال له المنصور : ادن مني يا ابن عمي ، وتهلل وجهه ، وقربه منه ، حتى أجلسه معه على السرير ، ثم قال : يا غلام ائتني بالحقة فأتاه بالحقة فإذا فيها قدح الغالية فغلفه منها بيده ، ثم حمله على بغلة ، وأمر له ببدرة وخلعة ، ثم أمره بالانصراف قال : فلما نهض من عنده ، خرجت بين يديه حتى وصل إلى منزله فقلت له : بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله إني لم أشك فيه ساعة تدخل عليه يقتلك ، ورأيتك تحرك شفتيك في وقت دخولك ، فما قلت ؟ قال لي : نعم يا ربيع اعلم أني قلت " حسبي الرب من المربوبين " الدعاء .

- مهج الدعوات : باسنادنا إلى الصفار في كتاب فضل الدعاء عن إبراهيم بن جبلة عن مخرمة الكندي قال : لما نزل أبو جعفر المنصور الربذة وجعفر بن محمد يومئذ بها قال : من يعذرني من جعفر هذا ، قدم رجلا وأخر أخرى يقول : أتنحى عن محمد - أقول : يعني محمد بن عبد الله بن الحسن - فان يظفر فإنما الامر لي ، وإن تكن الأخرى فكنت قد أحرزت نفسي ، أما والله لأقتلنه ، ثم التفت إلى إبراهيم بن جبلة ، قال يا ابن جبلة قم إليه ، فضع في عنقه ثيابه ، ثم أئتني به سحبا . قال إبراهيم : فخرجت حتى أتيت منزله ، فلم أصبه فطلبته في مسجد أبي ذر فوجدته في باب المسجد قال : فاستحييت أن أفعل ما أمرت به ، فأخذت بكمه فقلت له : أجب أمير المؤمنين فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، دعني حتى أصلي ركعتين ، ثم بكى بكاءا شديدا وأنا خلفه ثم قال : اللهم أنت ثقتي . الدعاء ثم قال : اصنع ما أمرت به فقلت : والله لا أفعل ولو ظننت أني اقتل ، فأخذت بيده فذهبت به ، لا والله ما أشك إلا أنه يقتله قال : فلما انتهيت إلى باب الستر قال : يا إله جبرئيل الدعاء . ثم قال إبراهيم : فلما أدخلته عليه قال : فاستوى جالسا ثم أعاد عليه الكلام فقال : قدمت رجلا وأخرت أخرى ، أما والله لأقتلنك فقال : يا أمير المؤمنين ما فعلت فارفق بي ، فوالله لقل ما أصحبك ، فقال له أبو جعفر : انصرف ، ثم التفت إلى عيسى بن علي فقال له : يا أبا العباس ألحقه فسله أبي ؟ أم به ؟ فخرج يشتد حتى لحقه . فقال : يا أبا عبد الله إن أمير المؤمنين يقول لك : أبك ؟ أم به ؟ فقال : لا بل بي فقال أبو جعفر : صدق ، قال إبراهيم : ثم خرجت فوجدته قاعدا ينتظرني يتشكر لي صنعي به ، وإذا به يحمد الله ، وذكر الدعاء .

بيان : " قدم رجلا وأخر أخزى " أي وافق محمد بن عبد الله في بعض الامر وحثه على الخروج ، وتنحى عنه ظاهرا ، أو حرف الناس عن ناحيتنا ، ولم يوافقه في الخروج " يقول " أي الصادق أتنحى عن محمد بن عبد الله بن الحسن فإن يظفر محمد فالامر لي لكثرة شيعتي ، وعلم الناس بأني أعلم وأصلح لذلك ، وإن انهزم وقتل فقد نجيت نفسي من القتل .

ويحتمل أن يكون قدم رجلا وأخر أخرى بمعناه المعروف أي تفكر و تردد حتى عزم على ذلك ، لكنه بعيد عن السياق ، وقوله " أقول يعني " كلام السيد رحمه الله .

- مهج الدعوات : محمد بن أبي القاسم الطبري ، عن محمد بن أحمد بن شهريار ، عن محمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري ، عن محمد بن عمر بن القطان ، عن عبد الله بن خلف ، عن محمد بن إبراهيم الهمداني ، عن الحسن بن علي البصري ، عن الهيثم ابن عبد الله الرماني ، والعباس بن عبد العظيم العنبري ، عن الفضل بن الربيع عن أبيه قال : بعث المنصور إبراهيم بن جبلة ليشخص جعفر بن محمد فحدثني إبراهيم أنه لما أخبره برسالة المنصور سمعه يقول : اللهم أنت ثقتي ، الدعاء .

قال الربيع : فلما وافى إلى حضرة المنصور ، دخلت فأخبرته بقدوم جعفر بن محمد وإبراهيم ، فدعا المسيب بن زهير الضبي فدفع إليه سيفا وقال له : إذا دخل جعفر ابن محمد فخاطبته وأومأت إليك فاضرب عنقه ، ولا تستأمر ، فخرجت إليه وكان صديقا لي ألاقيه وأعاشره إذا حججت فقلت : يا ابن رسول الله إن هذا الجبار قد أمر فيك بأمر كرهت أن ألقاك به ، وإن كان في نفسك شئ تقوله أو توصيني به فقال : لا يروعك ذلك فلو قدر آني لزال ذلك كله ثم أخذ بمجامع الستر فقال : يا إله جبرئيل ، الدعاء .

ثم دخل فحرك شفتيه بشئ لم أفهمه ، فنظرت إلى المنصور ، فما شبهته إلا بنار صب عليها ماء ، فخمدت ، ثم جعل يسكن غضبه ، حتى دنا منه جعفر ابن محمد وصار مع سريره فوثب المنصور فأخذ بيده ، ورفعه على سريره ، ثم قال له : يا أبا عبد الله يعز علي تعبك وإنما أحضرتك لأشكو إليك أهلك ، قطعوا رحمي ، وطعنوا في ديني ، وألبوا الناس علي ، ولو ولي هذا الامر غيري ممن هو أبعد رحما مني ، لسمعوا له وأطاعوا .

فقال له جعفر : يا أمير المؤمنين فأين يعدل بك عن سلفك الصالح ، إن أيوب ابتلي فصبر ، وإن يوسف ظلم فغفر ، وإن سليمان أعطي فشكر فقال المنصور : قد صبرت وغفرت وشكرت ثم قال : يا أبا عبد الله حدثنا حديثا كنت سمعته منك في صلة الأرحام قال : نعم حدثني أبي عن جدي أن رسول الله قال : البر وصلة الأرحام عمارة الدنيا ، وزيادة الأعمار ، قال : ليس هذا هو ، قال : نعم حدثني أبي عن جدي قال : قال رسول الله : من أحب أن ينسى في أجله ، ويعافى في بدنه فليصل رحمه قال : ليس هذا هو قال : نعم حدثني أبي عن جدي أن رسول الله قال : رأيت رحما متعلقا بالعرش يشكو إلى الله تعالى عز وجل قاطعها فقلت : يا جبرئيل كم بينهم ؟ فقال : سبعة آباء ، فقال : ليس هذا هو قال : نعم حدثني أبي عن جدي . قال : قال رسول الله : احتضر رجل بار في جواره رجل عاق قال الله عز وجل لملك الموت : يا ملك الموت كم بقي من أجل العاق ؟ قال : ثلاثون سنة قال : حولها إلى هذا البار .

فقال المنصور : يا غلام ائتني بالغالية فأتاه بها فجعل يغلفه بيده ، ثم دفع إليه أربعة آلاف ، ودعا بدابته فأتاه بها ، فجعل يقول : قدم قدم إلى أن أتى بها إلى عند سريره ، فركب جعفر بن محمد وعدوت بين يديه فسمعته يقول : الحمد لله ، الدعاء ، فقلت له : يا ابن رسول الله إن هذا الجبار يعرضني على السيف كل قليل ، وقد دعا المسيب بن زهير ، فدع إليه سيفا وأمره أن يضرب عنقك ، وإني رأيتك تحرك شفتيك حين دخلت بشئ لم أفهمه عنك فقال : ليس هذا موضعه ، فرحت إليه عشيا فعلمني الدعاء .

بيان : يعرضني على السيف كل قليل : أي يأمرني بالقتل في كل زمان قليل ، أو لكل أمر قليل ، أو يأمر بقتلي كذلك ، والغرض بيان كونه سفاكا لا يبالي بالقتل .

- مهج الدعوات : من كتاب عتيق به حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الله بن صفوة ، عن محمد بن العباس العاصمي ، عن الحسن بن علي بن يقطين ، عن أبيه ، عن محمد بن الربيع الحاجب قال : قعد المنصور يوما في قصرة في القبة الخضراء وكانت قبل قتل محمد و إبراهيم تدعى الحمراء ، وكان له يوم يقعد فيه يسمى ذلك اليوم الذبح ، وكان أشخص جعفر بن محمد من المدينة ، فلم يزل في الحمراء نهاره كله ، حتى جاء الليل ، ومضى أكثره ، قال : ثم دعا أبي الربيع فقال له : يا ربيع إنك تعرف موضعك مني ، وإني يكون لي الخبر ولا تظهر عليه أمهات الأولاد ، وتكون أنت المعالج له .

فقال : قلت : يا أمير المؤمنين ذلك من فضل الله علي وفضل أمير المؤمنين ، و ما فوقي في النصح غاية قال : كذلك أنت ، سر الساعة إلى جعفر محمد بن فاطمة فائتني على الحال الذي تجده عليه ، لا تغير شيئا مما هو عليه ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، هذا والله هو العطب ، إن أتيت به علي ما أراه من غضبه قتله ، وذهبت الآخرة ، وإن لم آت به واد هنت في أمره قتلني ، وقتل نسلي ، وأخذ أموالي فخيرت بين الدنيا والآخرة ، فمالت نفسي إلى الدنيا . قال محمد بن الربيع : فدعاني أبي وكنت أفظ ولده وأغلظهم قلبا ، فقال لي : امض إلى جعفر بن محمد بن علي ، فتسلق على حائطه ، ولا تستفتح عليه بابا ، فيغير بعض ما هو عليه ، ولكن انزل عليه نزولا ، فأت به على الحال التي هو فيها ، قال : فأتيته وقد ذهب الليل إلى أقله ، فأمرت بنصب السلاليم وتسلقت عليه الحائط فنزلت عليه داره ، فوجدته قائما يصلي ، وعليه قميص ، ومنديل قد ائتزر به ، فلما سلم من صلاته قلت له : أجب أمير المؤمنين فقال : دعني ، أدعو وألبس ثيابي فقلت له : ليس إلى تركك وذلك سبيل ، قال : وأدخل المغتسل فأتطهر قال : قلت : وليس إلى ذلك سبيل فلا تشغل نفسك ، فإني لا أدعك تغير شيئا ، قال : فأخرجته حافيا حاسرا في قميصه ومنديله ، وكان قد جاوز عليه السلام السبعين . فلما مضى بعض الطريق ، ضعف الشيخ فرحمته فقلت له : اركب ، فركب بغل شاكري كان معنا ، ثم صرنا إلى الربيع فسمعته وهو يقول له : ويلك يا ربيع قد أبطأ الرجل ، وجعل يستحثه استحثاثا شديدا ، فلما أن وقعت عين الربيع على جعفر بن محمد وهو بتلك الحال بكى . وكان الربيع يتشيع فقال له جعفر يا ربيع أنا أعلم ميلك إلينا ، فدعني أصلي ركعتين وأدعو قال : شأنك وما تشاء ، فصلى ركعتين خففهما ثم دعا بعدهما بدعاء لم أفهمه ، إلا أنه دعاء طويل ، والمنصور في ذلك كله يستحث الربيع ، فلما فرغ من دعائه على طوله ، أخذ الربيع بذراعيه فأدخله على المنصور . فلما صار في صحن الإيوان ، وقف ثم حرك شفتيه بشئ ، لم أدر ما هو ، ثم أدخلته فوقف بين يديه ، فلما نظر إليه قال : وأنت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك ، وافسادك على أهل هذا البيت من بني العباس ، وما يزيدك الله بذلك إلا شدة حسد ونكد ، ما تبلغ به ما تقدره .

فقال له : والله يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا من هذا ولقد كنت في ولاية بني أمية ، وأنت تعلم أنهم أعدى الخلق لنا ولكم ، وأنهم لا حق لهم في هذا الامر فوالله ما بغيت عليهم ، ولا بلغهم عني سوء ، مع جفاهم الذي كان بي ، وكيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا ؟ وأنت ابن عمي وأمس الخلق بي رحما ، وأكثرهم عطاء وبرا ، فكيف أفعل هذا ؟ ! فأطرق المنصور ساعة ، وكان على لبد وعن يساره مرفقة جرمقانية ، وتحت لبده سيف ذو فقار ، كان لا يفارقه إذا قعد في القبة قال : أبطلت وأثمت ، ثم رفع ثني الوسادة فأخرج منها إضبارة كتب ، فرمى بها إليه وقال : هذه كتبك إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي ، وأن يبايعوك دوني فقال : والله يا أمير المؤمنين ما فعلت ، ولا أستحل ذلك ، ولا هو من مذهبي ، وإني لمن يعتقد طاعتك على كل حال ، وقد بلغت من السن ما قد أضعفني عن ذلك لو أردته فصيرني في بعض جيوشك ، حتى يأتيني الموت فهو مني قريب ، فقال : لا ولا كرامة ثم أطرق وضرب يده إلى السيف ، فسل منه مقدار شبر ، وأخذ بمقبضه ، فقلت : إنا لله ذهب والله الرجل ، ثم رد السيف ، وقال : يا جعفر أما تستحي مع هذه الشيبة ومع هذا النسب أن تنطق بالباطل ، وتشق عصا المسلمين ؟ تريد أن تريق الدماء ، وتطرح الفتنة بين الرعية ، والأولياء ، فقال : لا والله يا أمير المؤمنين ما فعلت ، ولا هذه كتبي ولا خطي ، ولا خاتمي ، فانتضى من السيف ذراعا فقلت : إنا لله مضى الرجل ، وجعلت في نفسي إن أمرني فيه بأمر أن أعصيه ، لأنني ظننت أنه يأمرني أن آخذ السيف فأضرب به جعفرا ، فقلت : إن أمرني ضربت المنصور ، وإن أتى ذلك علي وعلى ولدي ، وتبت إلى الله عز وجل مما كنت نويت فيه أولا فأقبل يعاتبه وجعفر يعتذر ، ثم انتضى السيف إلا شيئا يسيرا منه فقلت : إنا لله مضى والله الرجل ، ثم أغمد السيف وأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال : أظنك صادقا يا ربيع هات العيبة من موضع كانت فيه في القبة ، فأتيته بها فقال : أدخل يدك فيها ، فكانت مملوة غالية ، وضعها في لحيته وكانت بيضاء فاسودت ، وقال لي : أحمله على فاره من دوابي التي أركبها ، وأعطه عشرة آلاف درهم ، وشيعه إلى منزله مكرما ، وخيره إذا أتيت به إلى المنزل بين المقام عندنا فنكرمه والانصراف إلى مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله فخرجنا من عنده وأنا مسرور فرح بسلامة جعفر ومتعجب مما أراد المنصور ، وما صار إليه من أمره ، فلما صرنا في الصحن قلت له : يا ابن رسول الله إني لأعجب مما عمد إليه هذا في بابك ، وما أصارك الله إليه من كفايته ودفاعه ، ولا عجب من أمر الله عز وجل ، وقد سمعتك تدعو في عقيب الركعتين بدعاء لم أدر ما هو ، إلا أنه طويل ، ورأيتك قد حركت شفتيك ههنا - أعني الصحن - بشئ لم أدر ما هو . فقال لي : أما الأول فدعاء الكرب والشدائد لم أدع به على أحد قبل يومئذ جعلته عوضا من دعاء كثير أدعو به إذا قضيت صلاتي ، لأني لم أترك أن أدعو ما كنت أدعو به ، وأما الذي حركت به شفتي فهو دعاء رسول الله يوم الأحزاب ثم ذكر الدعاء .

ثم قال : لولا الخوف من أمير المؤمنين لدفعت إليك هذا المال ، ولكن قد كنت طلبت مني أرضي بالمدينة ، وأعطيتني بها عشرة آلاف دينار ، فلم أبعك وقد وهبتها لك ، قلت : يا ابن رسول الله إنما رغبتي في الدعاء الأول والثاني ، فإذا فعلت هذا فهو البر ولا حاجة لي الآن في الأرض ، فقال : إنا أهل بيت لا نرجع في معروفنا ، نحن ننسخك الدعاء ونسلم إليك الأرض ، صر معي إلى المنزل فصرت معه كما تقدم المنصور ، وكتب لي بعهدة الأرض ، وأملى علي دعاء رسول الله وأملى علي الذي دعا هو بعد الركعتين ، قال : فقلت : يا ابن رسول الله ، لقد كثر استحثاث المنصور واستعجاله إياي وأنت تدعو بهذا الدعاء الطويل متمهلا كأنك لم تخشه ! ؟ . قال : فقال لي : نعم ، قد كنت أدعو به بعد صلاة الفجر ، بدعاء لابد منه فأما الركعتان فهما صلاة الغداة حففتهما ودعوت بذلك الدعاء بعدهما ، فقلت له : أما خفت أبا جعفر وقد أعد لك ما أعد ؟ ! قال : خيفة الله دون خيفته ، وكان الله عز وجل في صدري أعظم منه .

قال الربيع : كان في قلبي ما رأيت من المنصور ومن غضبه وخيفته على جعفر ومن الجلالة له في ساعة ما لم أظنه يكون في بشر ، فلما وجدت منه خلوة ، وطيب نفسي ، قلت : يا أمير المؤمنين رأيت منك عجبا قال : ما هو ؟ قلت : يا أمير المؤمنين رأيت غضبك على جعفر غضبا لم أرك غضبته على أحد قط ، ولا على عبد الله بن الحسن ولا على غيره من كل الناس ، حتى بلغ بك الامر أن تقتله بالسيف ، وحتى أنك أخرجت من سيفك شبرا ثم أغمدته ، ثم عاتبته ، ثم أخرجت منه ذراعا ، ثم عاتبته ثم أخرجته كله إلا شيئا يسيرا ، فلم أشك في قتلك له ، ثم انجلى ذلك كله فعاد رضى ، حتى أمرتني فسودت لحيته بالغالية التي لا يتغلف منها إلا أنت ، ولا يغلف منها ولدك المهدي ، ولا من وليته عهدك ، ولا عمومتك ، وأجزته ، وحملته وأمرتني بتشييعه مكرما ! فقال : ويحك يا ربيع ، ليس هو كما ينبغي أن تحدث به وستره أولى ، ولا أحب أن يبلغ ولد فاطمة فيفتخرون ويتيهون بذلك علينا حسبنا ما نحن فيه ، ولكن لا أكتمك شيئا ، انظر من في الدار فنحهم قال : فنحيت كل من في الدار .

ثم قال لي : ارجع ولا تبق أحدا ، ففعلت ثم قال لي : ليس إلا أنا وأنت والله لئن سمعت ما ألقيته إليك من أحد لأقتلنك وولدك ، وأهلك أجمعين ، ولآخذن مالك ، قال : قلت : يا أمير المؤمنين أعيذك بالله قال : يا ربيع قد كنت مصرا على قتل جعفر ، وأن لا أسمع له قولا ، ولا أقبل له عذرا ، وكان أمره وإن كان ممن لا يخرج بسيف أغلظ عندي وأهم علي من أمر عبد الله بن الحسن ، فقد كنت أعلم هذا منه ومن آبائه على عهد بني أمية ، فلما هممت به في المرة الأولى تمثل لي رسول الله فإذا هو حائل بيني وبينه ، باسط كفيه ، حاسر عن ذراعيه قد عبس وقطب في وجهي عنه ، ثم هممت به في المرة الثانية وانتضيت من السيف أكثر مما انتضيت منه في المرة الأولى فإذا أنا برسول الله قد قرب مني ودنا شديدا وهم لي أن لي أن لو فعلت لفعل فأمسكت ثم تجاسرت وقلت : هذا بعض أفعال الرئي ، ثم انتضيت السيف في الثالثة فتمثل لي رسول الله صلى الله عليه وآله باسط ذراعيه ، قد تشمر واحمر وعبس وقطب حتى كاد أن يضع يده علي فخفت والله لو فعلت لفعل ، وكان مني ما رأيت ، وهؤلاء من بني فاطمة صلوات الله عليهم لا يجهل حقهم إلا جاهل لاحظ له في الشريعة ، فإياك أن يسمع هذا منك أحد ، قال محمد بن الربيع : فما حدثني به أبي حتى مات المنصور ، وما حدثت أنا به حتى مات المهدي ، وموسى ، وهارون وقتل محمد .

بيان : تسلق الجدار تسوره وعلاه ، والشاكري الأجير والمستخدم معرب چاكر قاله الفيروزآبادي وقال : الجرامقة : قوم من العجم صاروا بالموصل في أوائل الاسلام ، الواحد جرمقاني وكساء جرمقي بالكسر .

وقال : الإضبارة بالكسر والفتح الحزمة من الصحف والرئي على فعيل التابع من الجن .

- مهج الدعوات : وجدت في كتاب عتيق حدثنا محمد بن جعفر الرزاز ، عن محمد ابن عيسى بن عبيد ، عن بشير بن حماد ، عن صفوان بن مهران الجمال ، رفع رجل من قريش المدينة من بني مخزوم إلى أبي جعفر المنصور وذلك بعد قتله لمحمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن ، أن جعفر بن محمد بعث مولاه المعلى بن خنيس بجبابة الأموال من شيعته ، وأنه كان يمد بها محمد بن عبد الله ، فكاد المنصور أن يأكل كفه على جعفر غيظا ، وكتب إلى عمه داود ، وداود إذ ذاك أمير المدينة أن يسير إليه جعفر بن محمد ، ولا يرخص له في التلوم والمقام ، فبعث إليه داود بكتاب المنصور وقال : اعمل في المسير إلى أمير المؤمنين في غد ولا تتأخر ، قال صفوان : وكنت بالمدينة يومئذ ، فأنفذ إلي جعفر فصرت إليه فقال لي : تعهد راحلتنا فانا غادون في غد إن شاء الله إلى العراق ، ونهض من وقته ، وأنا معه إلى مسجد النبي وكان ذلك بين الأولى والعصر ، فركع فيه ركعات ، ثم رفع يديه فحفظت يومئذ من دعائه : يا من ليس له ابتداء ، الدعاء .

قال صفوان : سألت أبا عبد الله الصادق بأن يعيد الدعاء علي فأعاده و كتبته ، فلما أصبح أبو عبد الله رحلت له الناقة ، وسار متوجها إلى العراق حتى قدم مدينة أبي جعفر ، وأقبل حتى استأذن فأذن له .

قال صفوان : فأخبرني بعض من شهد عن أبي جعفر قال : فلما رآه أبو جعفر قربه وأدناه ، ثم أسند قصة الرافع على أبي عبد الله يقول : في قصته : إن معلى بن خنيس مولى جعفر بن محمد يجبي له الأموال . فقال أبو عبد الله : معاذ الله من ذلك يا أمير المؤمنين ، قال له : تحلف على برائتك من ذلك ؟ قال : نعم أحلف بالله أنه ما كان من ذلك شئ ، قال أبو جعفر : لا بل تحلف بالطلاق والعتاق ، فقال أبو عبد الله : أما ترضى يميني بالله الذي لا إله إلا هو ؟ ! قال أبو جعفر : فلا تفقه علي ! فقال أبو عبد الله : فأين يذهب بالفقه مني يا أمير المؤمنين ! ؟ قال له : دع عنك هذا ، فاني أجمع الساعة بينك وبين الرجل الذي رفع عنك حتى يواجهك ، فأتوا بالرجل وسألوه بحضرة جعفر فقال : نعم هذا صحيح ، وهذا جعفر بن محمد ، والذي قلت فيه كما قلت فقال أبو عبد الله : تحلف أيها الرجل أن هذا الذي رفعته صحيح ؟ قال : نعم .

ثم ابتدأ الرجل باليمين فقال : والله الذي لا إله إلا هو الطالب الغالب ، الحي القيوم ، فقال له جعفر : لا تعجل في يمينك ، فاني أنا أستحلف .

قال المنصور : وما أنكرت من هذه اليمين ؟ قال : إن الله تعالى حيي كريم يستحيي من عبده إذا أثنى عليه ، أن يعاجله بالعقوبة ، لمدحه له ، ولكن قل يا أيها الرجل : أبرأ إلى الله من حوله وقوته ، وألجأ إلى حولي وقوتي إني لصادق بر فيما أقول ، فقال المنصور للقرشي : احلف بما استحلفك به أبو عبد الله ، فحلف الرجل بهذه اليمين ، فلم يستتم الكلام ، حتى أجذم وخر ميتا ، فراع أبا جعفر ذلك ، وارتعدت فرائصه فقال : يا أبا عبد الله سر من غد إلى حرم جدك إن اخترت ذلك ، وإن اخترت المقام عندنا لم نأل في إكرامك وبرك ، فوالله لا قبلت عليك قول أحد بعدها أبدا .

بيان : تلوم في الامر : تمكث وانتظر ، وقوله : لم نأل أي لم نقصر .

- مهج الدعوات : روى محمد بن عبيد الله الإسكندري أنه قال : كنت من جملة ندماء أمير المؤمنين المنصور أبي جعفر وخواصه ، وكنت صاحب سره من بين الجميع ، فدخلت عليه يوما فرأيته مغتما وهو يتنفس نفسا باردا فقلت : ما هذه الفكرة يا أمير المؤمنين ؟ فقال لي : يا محمد لقد هلك من أولاد فاطمة مقدار مائة وقد بقي سيدهم وإمامهم . فقلت له ، من ذلك ؟ قال : جعفر بن محمد الصادق فقلت له : يا أمير المؤمنين إنه رجل أنحلته العبادة واشتغل بالله عن طلب الملك والخلافة .

فقال : يا محمد وقد علمت أنك تقول به وبإمامته ، ولكن الملك عقيم ، وقد آليت على نفسي أن لا أمسي عشيتي هذه ، أو أفرغ منه ، قال محمد : والله لقد ضاقت علي الأرض برحبها ، ثم دعا سيافا وقال له : إذا أنا أحضرت أبا عبد الله الصادق وشغلته بالحديث ، ووضعت قلنسوتي عن رأسي فهي العلامة بيني وبينك فاضرب عنقه . ثم أحضر أبا عبد الله في تلك الساعة ، ولحقته في الدار وهو يحرك شفتيه فلم أدر ما الذي قرأ ؟ فرأيت القصر يموج كأنه سفينة في لجج البحار ، فرأيت أبا جعفر المنصور وهو يمشي بين يديه حافي القدمين ، مكشوف الرأس ، قد اصطكت أسنانه ، وارتعدت فرائصه ، يحمر ساعة ، ويصفر أخرى ، وأخذ بعضد أبي عبد الله الصادق وأجلسه على سرير ملكه ، وجثا بين يديه ، كما يجثو العبد بين يدي مولاه .

ثم قال له : يا ابن رسول الله ما الذي جاء بك في هذه الساعة ؟ قال : جئتك يا أمير المؤمنين طاعة لله عز وجل ولرسول الله ولأمير المؤمنين أدام الله عزه قال : ما دعوتك والغلط من الرسول ، ثم قال : سل حاجتك ، فقال : أسألك أن لا تدعوني لغير شغل ، قال : لك ذلك وغير ذلك . ثم انصرف أبو عبد الله سريعا ، وحمدت الله عز وجل كثيرا ودعا أبو جعفر المنصور بالدواويج ونام ، ولم ينتبه إلا في نصف الليل ، فلما انتبه كنت عند رأسه جالسا فسره ذلك وقال لي : لا تخرج حتى أقضي ما فاتني من صلاتي فأحدثك بحديث ، فلما قضى صلاته أقبل علي وقال لي : لما أحضرت أبا عبد الله الصادق ، وهممت به ما هممت من السوء ، رأيت تنينا قد حوى بذنبه جميع داري وقصري ، وقد وضع شفتيه العليا في أعلاها ، والسفلى في أسفلها ، وهو يكلمني بلسان طلق ذلق عربي مبين : يا منصور إن الله تعالى جده قد بعثني إليك ، وأمرني إن أنت أحدثت في أبي عبد الله الصادق حدثا فأنا أبتلعك ومن في دارك جميعا فطاش عقلي وارتعدت فرائصي واصطكت أسناني .

قال محمد بن عبد الله الإسكندري قلت له : ليس هذا بعجيب يا أمير المؤمنين ، و عنده من الأسماء وسائر الدعوات التي لو قرأها على الليل لأنار ، ولو قرأها على النهار لأظلم ، ولو قرأها على الأمواج في البحور لسكنت ، قال محمد : فقلت له بعد أيام : أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أخرج إلى زيارة أبي عبد الله الصادق ؟ فأجاب ولم يأب ، فدخلت على أبي عبد الله وسلمت وقلت له : أسألك يا مولاي بحق جدك محمد رسول الله أن تعلمني الدعاء الذي تقرأه عند دخولك إلى أبي جعفر المنصور قال : لك ذلك ثم علمه عليه السلام الدعاء على ما سيأتي في موضعه .

- مهج الدعوات : علي بن عبد الصمد ، عن عم والده محمد بن علي بن عبد الصمد عن جعفر بن محمد الدوريستي ، عن والده ، عن الصدوق قال : وحدثني الشيخ جدي عن والده علي بن عبد الصمد ، عن محمد بن إبراهيم بن نبال ، عن الصدوق ، عن أبيه عن شيوخه ، عن محمد بن عبيد الله الإسكندري مثله .

بيان : الدواج كرمان وغراب اللحاف الذي يلبس ذكره الفيروزآبادي .

- الكافي : عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن بعض أصحابه ، عن صفوان الجمال قال : حملت أبا عبد الله الحملة الثانية إلى الكوفة ، وأبو جعفر المنصور بها .

فلما أشرف على الهاشمية مدينة أبي جعفر ، أخرج رجله من غرز الرحل ثم نزل ودعا ببغلة شهباء ، ولبس ثيابا بيضا وتكة بيضاء ، فلما دخل عليه قال له أبو جعفر : لقد تشبهت بالأنبياء ؟ ! فقال أبو عبد الله : وأنى تبعدني من أبناء الأنبياء ؟ قال : لقد هممت أن أبعث إلى المدينة من يعقر نخلها ، ويسبي ذريتها ، فقال : ولم ذاك يا أمير المؤمنين ؟ .

فقال : رفع إلي أن مولاك المعلى بن خنيس يدعو إليك ويجمع لك الأموال فقال : والله ما كان فقال : لست أرضى منك إلا بالطلاق والعتاق والهدي والمشي ، فقال : أبالأنداد من دون الله تأمرني أن أحلف ؟ إنه من لم يرض بالله فليس من الله في شئ . فقال : أتتفقه علي ؟ فقال : وأنى تبعدني من التفقه ، وأنا ابن رسول الله قال : فإني أجمع بينك وبين من سعى بك قال : فافعل قال : فجاء الرجل الذي سعى به فقال أبو عبد الله : يا هذا ، قال : فقال : نعم والله الذي لا إله إلا هو ، عالم الغيب والشهادة ، الرحمن الرحيم ، لقد فعلت .

فقال له أبو عبد الله : يا ويلك تجلل الله فيستحيي من تعذيبك ، ولكن قل : برئت من حول الله وقوته وألجأت إلى حولي وقوتي ، فحلف بها الرجل فلم يستتمها ؟ حتى وقع ميتا ، فقال له أبو جعفر : لا أصدق بعدها عليك أبدا ، وأحسن جائزته ورده .

- مهج الدعوات : رأيت بخط عبد السلام البصري بمدينة السلام أخبرنا أبو غالب أحمد بن محمد الرازي ، عن جده محمد بن سليمان ، عن ابن أبي الخطاب ، عن ابن سنان عن ابن مسكان ، وأبي سعيد المكاري وغير واحد من عبد الأعلى بن أعين ، عن رزام ابن مسلم مولى خالد قال : بعثني أبو الدوانيق أنا ونفرا معي إلى أبي عبد الله و هو بالحيرة لنقتله ، فدخلنا عليه في رواقه ليلا فنلنا منه حاجتنا ، ومن ابنه إسماعيل ، ثم رجعنا إلى أبي الدوانيق فقلنا له : فرغنا مما أمرتنا به ، فلما أصبحنا من الغد وجدنا في رواقه ناقتين منحورتين ، قال أبو الحسن محمد بن يوسف : إن جعفر بن محمد حال الله بينهم وبينه .

- مهج الدعوات : من كتاب الخصائص للحافظ أبي الفتح محمد بن أحمد بن علي النطنزي ، عن عبد الواحد بن علي ، عن أحمد بن إبراهيم ، عن منصور بن أحمد الصيرفي عن إسحاق بن عبد الرب بن المفضل ، عن عبد الله بن عبد الحميد ، عن محمد بن مهران الأصفهاني ، عن خلاد بن يحيى ، عن قيس بن الربيع ، عن أبيه قال : دعاني المنصور يوما قال : أما ترى ما هو هذا يبلغني عن هذا الحبشي ؟ قلت : ومن هو يا سيدي ؟ قال : جعفر بن محمد ، والله لأستأصلن شأفته ، ثم دعا بقائد من قواده ، فقال : انطلق إلى المدينة في ألف رجل ، فاهجم على جعفر بن محمد ، وخذ رأسه ورأس ابنه موسى ابن جعفر ، في مسيرك ، فخرج القائد من ساعته حتى قدم المدينة ، وأخبر جعفر بن محمد فأمر فاتي بناقتين ، فأوثقهما على باب البيت ودعا بأولاده موسى ، وإسماعيل ، ومحمد وعبد الله ، فجمعهم وقعد في المحراب ، وجعل يهمهم .

قال أبو بصير : فحدثني سيدي موسى بن جعفر أن القائد هجم عليه ، فرأيت أبي وقد همهم بالدعاء ، فأقبل القائد وكل من كان معه قال : خذوا رأسي هذين القائمين ، فاجتزوا رأسهما ، ففعلوا وانطلقوا إلى المنصور ، فلما دخلوا عليه اطلع المنصور في المخلاة التي كان فيها الرأسان ، فإذا هما رأسا ناقتين .

فقال المنصور : أي شئ هذا ؟ قال : يا سيدي ما كان بأسرع من أني دخلت البيت الذي فيه جعفر بن محمد ، فدار رأسي ولم أنظر ما بين يدي ، فرأيت شخصين قائمين خيل إلي أنهما جعفر بن محمد وموسى ابنه فأخذت رأسيهما . فقال المنصور : اكتم علي فما حدثت به أحدا حتى مات قال الربيع : فسألت موسى بن جعفر عن الدعاء فقال : سألت أبي عن الدعاء فقال : هو دعاء الحجاب وذكر الدعاء .

بيان : قال الجوهري : الشأفة قرحة تخرج في أسفل القدم ، فتكوى فتذهب وإذا قطعت مات صاحبها ، والأصل واستأصل الله شأفته أذهبه كما تذهب تلك القرحة أو معناه أزاله من أصله .

- كشف الغمة : وقال الحافظ عبد العزيز : روى عن جعفر بن محمد قال : لما دفعت إلى أبي جعفر المنصور ، انتهرني وكلمني بكلام غليظ ثم قال لي : يا جعفر قد علمت بفعل محمد بن عبد الله الذي يسمونه النفس الزكية وما نزل به ، وإنما أنتظر الآن أن يتحرك منكم أحد فالحق الكبير بالصغير ، قال : فقلت : يا أمير المؤمنين حدثني محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن الحسين بن علي ، عن علي بن أبي طالب أن النبي قال : إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيمدها الله إلى ثلاث وثلاثين سنة ، وإن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثون سنة فيبترها الله إلى ثلاث سنين قال : فقال لي : الله لقد سمعت هذا من أبيك ؟ قلت : نعم حتى رددها علي ثلاثا ، ثم قال : انصرف .

ومن كتاب الحافظ عبد العزيز قال : حدث أبو الحسين يحيى بن الحسين بن جعفر ابن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال : كتب إلي عباد بن يعقوب يخبرني عن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : دخل جعفر بن محمد على أبي جعفر المنصور ، فتكلم ، فلما خرجوا من عنده أرسل إلى جعفر بن محمد فرده ، فلما رجع حرك شفتيه بشئ فقيل له : ما قلت ؟ قال : قلت : اللهم أنت تكفي من كل شئ ولا يكفي منك شئ فاكفنيه ، فقال لي : ما يبرك عندي فقال له أبو عبد الله عليه السلام : قد بلغت أشياء لم يبلغها أحد من آبائي في الاسلام . وما أراني أصحبك إلا قليلا ، ما أرى هذه السنة تتم لي قال : فإن بقيت ؟ قال : ما أراني أبقى قال : فقال أبو جعفر : احسبوا له فحسبوا فمات في شوال .
- الكافي : محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن مرازم ، عن أبيه قال : خرجنا مع أبي عبد الله حيث خرج من عند أبي جعفر من الحيرة فخرج ساعة أذن له وانتهى إلى السالحين في أول الليل فعرض له عاشر كان يكون في السالحين في أول الليل فقال له : لا أدعك تجوز ، فألح عليه ، وطلب إليه ، فأبى إباء ومصادف معه ، فقال له مصادف : جعلت فداك إنما هذا كلب قد آذاك ، وأخاف أن يردك ، و ما أدري ما يكون من أمر أبي جعفر ، وأنا مرازم أتأذن لنا أن نضرب عنقه ثم نطرحه في النهر ؟ فقال : كف يا مصادف ، فلم يزل يطلب إليه حتى ذهب من الليل أكثره فأذن له فمضى ، فقال : يا مرازم هذا خير أم الذي قلتماه ؟ قلت : هذا جعلت فداك فقال : يا مرازم إن الرجل يخرج من الذل الصغير فيدخله ذلك في الذل الكبير .

العودة إلى الصفحة الرئيسية

www.mezan.net <‎/TITLE> ‎<META HTTP-EQUIV="Content-Type" CONTENT="text/html; charset=windows-1256">‎ ‎<META NAME="keywords" CONTENT=" السيد محمد حسين فضل الله في الميزان ">‎ ‎<META NAME="description" CONTENT=" مقولات السيد فضل الله في كتبه ">‎ ‎<META NAME="author" CONTENT=" مقولات السيد فضل الله بصوته ">‎ ‎<META NAME="copyright" CONTENT=" رأي المراجع العظام والعلماء ">‎ <‎/HEAD>