في القصار من كلمات الإمام علي بن الحسين وفيها حكم ، ومواعظ ، ومحاسن آداب (5)

 

201 . وقال لابنه : يا بني ، إن الله لم يرضك لي ، فأوصاك بي ، ورضيني لك فلم يوصني بك .

واعلم أن خير الآباء للأبناء من لم تدعه المودة إلى التفريط فيه ، وخير الأبناء للآباء ، من لم يدعه التقصير إلى العقوق .

وفي رواية أخرى قال : إن الله رضيني لك فلم يرضك لي ، فأوصاك بي ، ولم يوصني بك .

202 . وسئل عنه : ما هذا الأثر الذي نراه في ظهر أبيك ؟ فبكى طويلا فقال : هذا أثر مما كان يحمل قوتا على ظهره إلى منازل الفقراء والأرامل واليتامى والمساكين ، وإنه كان ينقل لهم طعاما في جراب ، وينقله إلى دورهم طول ليلته ، وكانت نفقته سرا لا جهرا ؛ لأن صدقة السر تطفئ غضب الرب .

203 . وعن أبي حازم : قال رجل لزين العابدين : تعرف الصلاة ؟ فحملت عليه .

فقال : " مهلا يا أبا حازم ، فإن العلماء هم الحلماء الرحماء " ، ثم واجه السائل فقال : " نعم أعرفها " .

فسأله عن أفعالها وتروكها ، وفرائضها ونوافلها حتى بلغ قوله : ما افتتاحها ؟ قال : " التكبير " .

قال : ما برهانها ؟ قال : " القراءة " .

قال : ما خشوعها ؟ قال : " النظر إلى موضع السجود " .

قال : ما تحريمها ؟ قال : " التكبير " .

قال : ما تحليلها ؟ قال : " التسليم " .

قال : ما جوهرها ؟ قال : " التسبيح " .

قال : ما شعارها ؟ قال : " التعقيب " .

قال : ما تمامها ؟ قال : " الصلاة على محمد وآل محمد " .

قال : ما سبب قبولها ؟ قال : " ولايتنا ، والبراءة من أعدائنا " .

قال : ما تركت لأحد حجة ! ثم نهض يقول : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) ، وتوارى .

204 . وعن القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري قال : سمعت أبا جعفر يقول : إن رجلا جاء إلى علي بن الحسين ، فقال : أخبرني عن قول الله عز وجل : ( والذين في أموالهم حق معلوم ) ما هذا الحق المعلوم ؟ فقال علي بن الحسين : الحق المعلوم الشيء يخرجه الرجل من ماله ، ليس من الزكاة ، ولا من الصدقتين المفروضتين .

قال : وإذا لم يكن من الزكاة ، ولا من الصدقة ، فما هو ؟ قال : الشيء يخرجه الرجل من ماله ، إن شاء أكثر ، وإن شاء أقل ، على قدر ما يملك .

فقال الرجل : فما يصنع به ؟ فقال : يصل به رحما ، ويقوي ضعيفا ، ويحمل به كلا ، ويصل به أخا له في الله ، أو لنائبة تنوبه .

فقال الرجل : الله أعلم حيث يجعل رسالته .

205 . وقال : النجدة ؛ الإقدام على الكريهة ، والصبر عند النائبة ، والذب عن الإخوان .

206 . وقال : استتمام المعروف أفضل من ابتدائه .

207 . وقال : غريبتان ؛ كلمة حكمة من سفيه فاقبلوها ، وكلمة سفه من حكيم فاغفروها ، فإنه لا حليم إلا ذو عسرة ، ولا حكيم إلا ذو تجربة .

208 . وقال : إذا نصح العبد لله تعالى في سره أطلعه الله تعالى على مساوئ عمله ، فتشاغل بذنوبه عن معايب الناس .

209 . وكان إذا توضأ اصفر وجهه ، فيقول أهله : ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء ؟ فيقول : أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم ؟

210 . وقال : كيف يكون صاحبكم ، من إذا فتحتم كيسه ، فأخذتم فيه حاجتكم ، فلم ينشرح لذلك ؟

211 . وشكا إليه الجعفي جابر بن يزيد من جور بني أمية وأتباعهم ، أنهم قد قتلونا ، ولعنوا مولانا أمير المؤمنين على المنابر والمنارات ، والأسواق والطرقات ، حتى أنهم يجتمعوا في مسجد رسول الله ، فيلعنون عليا علانية ، ولا ينكر أحد ذلك ، فإذا قام أحد ينكره ، أخذوه وقالوا : هذا رافضي ، أبو ترابي ، وجاؤوا به إلى أميرهم ، ويقولون : " هذا ذكر أبا تراب " ، ثم بعدئذ قتلوه .

فلما سمع الإمام ذلك ، حتى نظر إلى السماء .

فقال : سبحانك سيدي ما أحلمك ، وأعظم شأنك في حلمك ، وأعلى سلطانك ، يا رب قد مهلت عبادك في بلادك حتى ظنوا أنك مهلتهم أبدا ، وهذا كله بعينك لا يغالب قضاؤك ، ولا يرد المحتوم من تدبيرك ، كيف شئت وأنت أعلم به منا .

212 . وقال : إذا قدرت على عدوك ، فاجعل العفو شكرا للقدرة عليه ، فإن العفو عن قدرة فضل من الكرم .

213 . وقال : العفو زكاة الظفر ، وأولى الناس بالعفو ، أقدرهم للعقوبة .

214 . وقيل له : ما الموت ؟ فقال : للمؤمن كنزع ثياب وسخة ، وسخط قملة ، وفك قيود ، وأغلال ثقيلة ، والاستبدال بأفخر الثياب ، وأطيبها روائح ، وأوطئ المراكب ، وأنس المنازل . وللكافر كخلع ثياب فاخرة ، والنقل عن منازل أنيسة ، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها ، وأوحش المنازل ، وأعظم العذاب .

215 . وعن الزهري قال : سمعت علي بن الحسين يقول : من لم يتعز بعزاء الله ، تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ، والله ما الدنيا وما الآخرة إلا ككفتي الميزان ، فأيهما رجح ، ذهب بالآخر .

ثم تلا قوله تعالى في سورة الواقعة : ( إذا وقعت الواقعة ) يعني القيامة ( ليس لوقعتها كاذبة * خافضة ) ، خفضت والله أعداء الله إلى النار ( رافعة ) رفعت والله أولياء الله إلى الجنة .

ثم أقبل على رجل من جلسائه ، فقال له : اتق الله ، وأجمل في الطلب ، ولا تطلب ما لم يخلق ، فإن من طلب ما لم يخلق ، تقطعت نفسه حسرات ، ولم ينل ما طلب .

ثم قال : كيف ينال ما لا يخلق ؟ فقال الرجل : فكيف يطلب ما لم يخلق ؟ فقال : من طلب الغنى والأموال والسعة في الدنيا ، فإنما يطلب ذلك للراحة ، والراحة لم تخلق في الدنيا ، ولا لأهل الدنيا ، إنما خلقت الراحة في الجنة ، ولأهل الجنة ، والتعب والنصب خلقا في الدنيا ولأهل الدنيا ، وما أعطي أحد منها جفنة إلا أعطي من الحرص مثليها . ومن أصاب من الدنيا أكثر ، كان فيها أشد فقرا ؛ لأنه يفتقر إلى الناس في حفظ أمواله ، ويفتقر إلى كل آلة من آلات الدنيا . فليس في غنى الدنيا راحة ، ولكن الشيطان يوسوس إلى ابن آدم أن له في جميع ذلك المال راحة ، وإنما يسوقه إلى التعب في الدنيا والحساب عليه في الآخرة .

ثم قال : كلا ما تعب أولياء الله في الدنيا للدنيا ، بل تعبوا في الدنيا للآخرة . ألا ومن اهتم لرزقه ، كتب عليه الخطيئة ، كذلك قال المسيح للحواريين : إنما الدنيا قنطرة ، فاعبروها ولا تعمروها ( مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان ) .

216 . وقال : من كان عنده فضل ثوب ، فعلم أن بحضرته مؤمن يحتاج إليه ، فلم يدفعه إليه ، أكبه الله على منخريه في النار .

217 . وقال : ما من عبد مؤمن تنزل به بلية ، فيصبر ثلاثا لا يشكو إلى أحد ، كشف الله عنه .

218 . وقال : الإنسان إذا لبس الثوب اللين طغا ، ومن أحب حلاوة الإيمان ، فليلبس الصوف .

219 . وقال : طالب العلم إذا خرج من منزله لم يضع رجليه على رطب ولا يابس من الأرض إلا سبحت له إلى الأرضين السابعة .

220 . وقال : قضاء حاجة الإخوان أحب إلى الله تعالى من صيام شهرين متتابعين ، واعتكافهما في المسجد الحرام .

221 . وقال : معطي الصدقة إذا قبل يده عندما يدفع الصدقة إلى الفقير ، وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل .

222 . وقال : من عاد مؤمنا في مرضه ، حفته الملائكة ، ودعت له حتى ينصرف ، تقول له : طبت وطابت له الجنة .

223 . وقال : ما اختلج عرق ولا صدع مؤمن قط إلا بذنبه ، وما يعفو الله عنه أكثر .

224 . وقال : ما دخل قلب إمرىء شئ من الكبر ، إلا نقص من عقله مثل ما دخله .

225 . وقال : ليس شئ في الدنيا أعون من الإحسان إلى الإخوان .

226 . وقال : اعرف المودة في قلب أخيك ، بما له في قلبك .

227 . وقال : من رضى بالقليل من الرزق ، رضى الله منه بالقليل من العمل .

228 . وقال : جيران الله الذين يتزاورون في الله ، ويتجالسون في الله ، ويبذلون ما لهم في الله تعالى .

229 . وقال : إياكم وصحبة العاصين ، ومعونة الظالمين .

230 . وقال : الرزق الحلال قوت المصطفين .

231 . وقال : للمسرف ثلاث علامات : يأكل ما ليس له ، ويلبس ما ليس له ، ويشتري ما ليس له .

232 . وقال : من عبد الله فوق عبادته ، أتاه الله فوق كفايته وأمانيه .

قلت : وهذا قريب من قول جدته فاطمة الزهراء : من أصعد إلى الله خالص عبادته ، أهبط الله إليه أفضل مصلحته .

 . وقال : لم أر مثل التقدم في الدعاء ، فإن العبد ليس تحضره الإجابة في كل وقت .

234 . وعن إبراهيم بن محمد قال : سمعت من السجاد ليلة من الليالي هذه المناجاة ، يقول : يا الهي وسيدي ومولاي ، لو بكيت حتى تسقط أشفار عيني ، وانتحبت إليك حتى ينقطع صوتي ، وقمت لك حتى تنتشر قدماي ، وركعت لك حتى ينخلع صلبي ، وسجدت لك حتى تتقفأ حدقتاي ، وأكلت تراب الأرض طول عمري ، وشربت ماء الرماد آخر دهري ، وذكرتك في خلال ذلك حتى يكل لساني ، ثم لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياء منك ، ما استوجبت لذلك محو سيئة واحدة من سيئاتي ، وإن كنت تغفر لي حين استوجبت مغفرتك ، وتعفو عني حين استحق عفوك ، فإن ذلك غير واجب لي باستحقاق ، ولا أنا أهل باستيجاب ، إذا كان جزائي منك في أول ما عصيتك النار ، فإن تعذبني فأنت غير ظالم لي .

235 . وعن أبي حمزة الثمالي قال : قال علي بن الحسين : إذا أردت أن يطيب الله ميتتك ، ويغفر ذنبك يوم تلقاه ، فعليك بالبر ، وصدقة السر ، وصلة الرحم ، فإنهن يزددن في العمر ، وينفين الفقر ، ويدفعن عن صاحبهن سبعين ميتة سوء .

236 . ولما رجع مولانا زين العابدين من الحج استقبله الشبلي ، فقال له : حججت يا شبلي ؟ قال : نعم يا بن رسول الله .

فقال : أنزلت الميقات وتجردت عن مخيط الثياب ، فاغتسلت ؟ قال : نعم .

قال : فحين نزلت الميقات نويت أنك خلعت ثوب المعصية ، ولبست ثوب الطاعة ؟ قال : لا .

قال : فحين تجردت عن مخيط ثيابك ، نويت أنك تجردت من الرياء والنفاق ، والدخول في الشبهات ؟ قال : لا .

قال : فما نزلت الميقات ، ولا تجردت عن مخيط الثياب ، ولا اغتسلت .

ثم قال : تنظفت وأحرمت وعقدت بالحج ؟ قال : نعم .

قال : فحين تنظفت وأحرمت وعقدت الحج نويت أنك تنظفت بنورة التوبة الخالصة لله تعالى ؟ قال : لا .

قال : فحين أحرمت ، نويت أنك حرمت على نفسك كل محرم حرمه الله عز وجل ؟ قال : لا .

قال : فحين عقدت الحج نويت أنك قد حللت كل عقد لغير الله ؟ قال : لا .

قال له : ما تنظفت ولا أحرمت ، ولا عقدت الحج .

ثم قال له : أدخلت الميقات وصليت ركعتي الإحرام ولبيت ؟ قال : نعم .

قال : فحين دخلت الميقات نويت أنك بنية الزيارة ؟ قال : لا .

قال : فحين صليت الركعتين ، نويت أنك تقربت إلى الله بخير الأعمال من الصلاة وأكبر حسنات العباد ؟ قال : لا .

قال : فحين لبيت نويت أنك نطقت لله سبحانه بكل طاعة ، وصمت عن كل معصية ؟ قال : لا .

قال له : ما دخلت الميقات ولا صليت ولا لبيت .

ثم قال له : أدخلت الحرم ورأيت الكعبة وصليت ؟ قال : نعم .

قال : فحين دخلت الحرم نويت أنك حرمت على نفسك كل غيبة تستغيبها المسلمين من أهل ملة الإسلام ؟ قال : لا .

قال : فحين وصلت مكة نويت بقلبك أنك قصدت الله ؟ قال : لا .

قال : فما دخلت الحرم ، ولا رأيت الكعبة ولا صليت .

ثم قال : طفت بالبيت ، ومسست الأركان وسعيت ؟ قال : نعم .

قال : فحين سعيت نويت أنك هربت إلى الله ، وعرف ذلك منك علام الغيوب ؟ قال : لا .

قال : فما طفت بالبيت ، ولا مست الأركان ولا سعيت .

ثم قال له : صافحت الحجر ، ووقفت بمقام إبراهيم ، وصليت به ركعتين ؟ قال : نعم .

فصاح صيحة كاد يفارق الدنيا ، ثم قال : آه آه .

ثم قال : من صافح الحجر الأسود ، فقد صافح الله تعالى ، فانظر يا مسكين ، لا تضيع أجر ما عظم حرمته وتنقض المصافحة بالمخالفة ، وقبض الحرام نظير أهل الآثام .

ثم قال : نويت حين وقفت عند مقام إبراهيم أنك وقفت على كل طاعة وتخلفت عن كل معصية ؟ قال : لا .

قال : فحين صليت فيه ركعتين نويت أنك صليت بصلاة إبراهيم ، وأرغمت بصلاتك أنف الشيطان ؟ قال : لا .

قال له : فما صافحت الحجر الأسود ، ولا وقفت عند المقام ، ولا صليت فيه ركعتين .

ثم قال له : أشرفت على بئر زمزم وشربت من مائها ؟ قال : نعم .

قال : أنويت أنك أشرفت على الطاعة ، وغضضت طرفك عن المعصية ؟ قال : لا .

قال : فما أشرفت عليها ولا شربت من مائها .

ثم قال له : أسعيت بين الصفا والمروة ومشيت وترددت بينهما ؟ قال : نعم .

قال له : نويت أنك بين الرجاء والخوف ؟ قال : لا .

قال : فما سعيت ولا مشيت ولا ترددت بين الصفا والمروة .

ثم قال : أخرجت إلى منى ؟ قال : نعم .

قال : نويت أنك آمنت الناس من لسانك وقلبك ويدك ؟ قال : لا .

قال : فما خرجت إلى منى .

ثم قال له : أوقفت الوقفة بعرفة وطلعت جبل الرحمة ، وعرفت وادي نمرة ، ودعوت الله سبحانه عند الميل والجمرات ؟ قال : نعم .

قال : هل عرفت بموقفك بعرفة معرفة الله سبحانه أمر المعارف والعلوم ، وعرفت قبض الله على صحيفتك ، واطلاعه على سريرتك وقلبك ؟ قال : لا .

قال : نويت بطلوعك جبل الرحمة إن الله يرحم كل مؤمن ومؤمنة ، ويتوالى كل مسلم ومسلمة ؟ قال : لا .

قال : نويت عند نمرة أنك لا تأمر حتى تأتمر ، ولا تزجر حتى تنزجر ؟ قال : لا .

قال : فعندما وقفت عند العلم والنمرات نويت أنها شاهدة لك على الطاعات ، حافظة لك مع الحفظة بأمر رب السماوات ؟ قال : لا .

قال : فما وقفت بعرفة ، ولا طلعت جبل الرحمة ، ولا عرفت نمرة ، ولا دعوت ولا وقفت عند النمرات .

ثم قال : مررت بين العلمين ، وصليت قبل مرورك ركعتين ، ومشيت بمزدلفة ، ولقطت فيها الحصى ، ومررت بالمشعر الحرام ؟ قال : نعم .

قال : فحين صليت ركعتين نويت أنها صلاة شكر في ليلة عشر ، تنفي كل عسر ، وتيسر كل يسر ؟ قال : لا .

قال : فعندما مشيت بين العلمين ، ولم تعدل عنهما يمينا وشمالا نويت ألا تعدل عن دين الحق يمينا وشمالا لا بقلبك ولا بلسانك ولا بجوارحك ؟ قال : لا .

قال : فعندما مشيت بمزدلفة ولقطت منها الحصى ، نويت أنك رفعت عنك كل معصية وجهل وثبت كل علم وعمل ؟ قال : لا .

قال : فعندما مررت بالمشعر الحرام نويت أنك أشعرت قلبك إشعار أهل التقوى والخوف لله عز وجل ؟ قال : لا .

قال : فما مررت بالعلمين ، ولا صليت ركعتين ، ولا مشيت بالمزدلفة ، ولا رفعت منها الحصى ، ولا مررت بالمشعر الحرام .

ثم قال له : وصلت منى ، ورميت الجمرة ، وحلقت رأسك ، وذبحت هديك ، وصليت في مسجد الخيف ، ورجعت إلى مكة ، وطفت طواف الإفاضة ؟ قال : نعم .

قال : فنويت عندما وصلت منى ، ورميت الجمار أنك بلغت إلى مطلبك ، وقد قضى ربك لك كل حاجتك ؟ قال : لا .

قال : فعندما رميت الجمار نويت أنك رميت عدوك إبليس ، وعصيته بتمام حجك النفيس ؟ قال : لا .

قال : فعندما حلقت رأسك ، نويت أنك تطهرت من الأدناس ، ومن تبعة بني آدم ، وخرجت من الذنوب ، كما ولدتك أمك ؟ قال : لا .

قال : فعندما صليت في مسجد الخيف ، نويت أنك لا تخاف إلا الله وذنبك ، ولا ترجو إلا رحمة الله تعالى ؟ قال : لا .

قال : فعندما ذبحت هديك ، نويت أنك ذبحت حنجرة الطمع بما تمسكت به من حقيقة الورع ، وأنك اتبعت سنة إبراهيم بذبح ولده ، وثمرة فؤاده ، وريحان قلبه ، وحاجه سنته لمن بعده ، وقربه إلى الله تعالى لمن خلقه ؟ قال : لا .

قال : فعندما رجعت إلى مكة ، وطفت طواف الإفاضة نويت انك أفضت من رحمة الله تعالى ، ورجعت إلى طاعته ، وتمسكت بوده ، وأديت فرائضه ، وتقربت إلى الله تعالى ؟ قال : لا .

قال له زين العابدين : فما وصلت منى ، ولا رميت الجمار ، ولا حلقت رأسك ، ولا أديت ( ذبحت ) نسكك ، ولا صليت في مسجد الخيف ، ولا طفت طواف الإفاضة ولا تقربت ، ارجع فإنك لم تحج . فطفق الشبلي يبكي على ما فرطه في حجه ، وما زال يتعلم حتى حج من قابل بمعرفة ويقين .

237 . ورأى : الحسن البصري عند الحجر الأسود يقص ، فقال : يا هناه ، أترضى نفسك للموت ؟ قال : لا ، قال : فعملك للحساب ؟ قال : لا .

قال : فثم دار العمل ؟ قال : لا .

قال : فلله في الأرض معاذ غير هذا البيت ؟ قال : لا .

قال : فلم تشغل الناس عن الطواف ؟ ثم مضى .

قال الحسن : ما دخل مسامعي مثل هذه الكلمات من أحد قط ، أتعرفون هذا الرجل ؟ قالوا : هذا زين العابدين .

فقال الحسن : ذرية بعضها من بعض .

238 . ولقى عباد البصري الإمام في طريق مكة ، فقال له : يا علي بن الحسين ، تركت الجهاد وصعوبته ، وأقبلت على الحج ولينه ، وإن الله عز وجل يقول : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) إلى قوله : ( وبشر المؤمنين ) .

فقال : اقرأ ما بعدها : ( التلبون العبدون ) إلى آخرها .

ثم قال : إذا ظهر هؤلاء ، لم نؤثر على الجهاد شيئا .

وفي رواية : إذا رأينا هؤلاء الذين صفتهم هذه ، فالجهاد معهم أفضل من

239 . وعن أبي حمزة قال : رأيت علي بن الحسين في فناء الكعبة في الليل وهو يصلي ، فأطال القيام حتى جعل مرة يتوكأ على رجله اليمنى ، ومرة على رجله اليسرى ، ثم سمعته يقول بصوت كأنه باك : يا سيدي ، تعذبني وحبك في قلبي ! أما وعزتك لئن فعلت لتجمعن بيني وبين قوم طالما عاديتهم فيك .

240 . وانتهى إلى قوم يغتابونه فوقف عليهم ، فقال لهم : إن كنتم صادقين فغفر الله لي ، وإن كنتم كاذبين فغفر الله لكم .

241 . وسأل أبو حمزة عنه : الأئمة يحيون الموتى ، ويبرؤون الأكمة والأبرص ، ويمشون على الماء ؟ فقال : ما أعطى الله نبيا شيئا إلا وقد أعطى محمدا ، وأعطاه ما لم يعطهم ولم يكن عندهم ، فكل ما كان عند رسول الله فقد أعطاه أمير المؤمنين ، ثم الحسن والحسين ، ثم إماما بعد إمام إلى يوم القيامة ، مع الزيادة التي تحدث في كل سنة ، وفي كل شهر ، وفي كل يوم .

242 . واستسقى جماعة من عباد البصرة . . . وانصرفوا خائبين ، فإذا هم بفتى قد أقبل ، وقد أكربته أحزانه ، وأقلقته أشجانه ، فطاف بالكعبة أشواطا .

ثم أقبل علينا وسمانا واحدا واحدا ، فقلنا لبيك يا شاب .

فقال : أما فيكم أحد يجيبه الرحمن ؟ فقلنا : يا فتى علينا الدعاء وعليه الإجابة .

فقال : ابعدوا عن الكعبة ، فلو كان فيكم أحد يجيبه الرحمن لأجابه .

ثم أتى الكعبة ، فخر ساجدا ، فسمعته يقول في سجوده : سيدي بحبك لي ألا أسقيتهم الغيث .

فما استتم الكلام ، حتى أتاهم الغيث كأفواه القرب ، ثم ولى عنا قائلا : من عرف الرب فلم تغنه * معرفة الرب فهذا شقي ما ضر في الطاعة ما ناله * في طاعة الله وماذا لقي ما يصنع العبد بعز الغنى * والعز كل العز للمتقي فسئل عنه ، فقالوا : هذا زين العابدين .

243 . وخرج إلى مكة ، فإذا هو برجل يقطع الطريق فقال للإمام : انزل .

فقال : تريد ماذا ؟ قال : أريد أن أقتلك ، وآخذ ما معك .

قال : فأنا أقاسمك ما معي وأحللك ! فقال اللص : لا .

قال : فدع معي ما ابتلغ به ، فأبى .

قال : فأين ربك ؟ قال : نائم .

فإذا أسدان مقبلان بين يديه ، فأخذ هذا برأسه ، وهذا برجليه .

ثم قال : زعمت أن ربك عنك نائم .

244 . وقال : ما عرض لي قط أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة ، فآثرت الدنيا ، إلا رأيت ما أكره قبل أن أمسي .

245 . وقال رجل لرجل من آل الزبير كلاما أقذع فيه .

فأعرض الزبيري عنه ، ثم دار الكلام ، فسب الزبيري علي بن الحسين ، فأعرض عنه ولم يجبه ، فقال له الزبيري : ما يمنعك من جوابي ؟ فقال : ما يمنعك من جواب الرجل !

246 . وكان يقضي ما فاته من صلاة نافلة النهار في الليل ، ويقول : يا بني ، ليس هذا عليكم بواجب ، ولكن أحب لمن عود منكم نفسه عادة من الخير أن يدوم عليها .

247 . وقال : إن طبائع الناس كلها مركبة على الشهوة والرغبة ، والحرص والرهبة ، والغضب واللذة ، إلا أن في الناس من قد ضم هذه الخلال بالتقوى ، والحياء والأنف ، فإذا دعت نفسك إلى كبيرة من الأمر فارم ببصرك إلى السماء ، فإن لم تخف ممن فيها ، فانظر إلى من في الأرض لعلك أن تستحي ممن فيها ، فإن كنت لا ممن في السماء تخاف ، ولا ممن في الأرض تستحي ، فعد نفسك في البهائم .

248 .

وقال : إن العبد المؤمن ليطلب الإمارة والتجارة ، فإذا أشرف من ذلك على ما يهوى ، بعث الله إليه ملكا يصده عن أمر لو دخل فيه لاستخف النار ، فنزل الملك ويصده عن ذلك الأمر بلطف الله تعالى ، ويصبح العبد يقول : لقد دهاني من دهاني فعل الله به ، وفعل ما يدري ، أن الله عز وجل هو الناظر له في ذلك ، ولو تركه وذلك الشيء لدخل النار .

249 . عن أبي جعفر ، قال : كان علي بن الحسين إذا هم بأمر حج أو عمرة ، أو بيع أو شراء أو عتق ، تطهر ثم قال : اللهم إن كان كذا وكذا خيرا في ديني ، وخيرا لي في دنياي وآخرتي ، وعاجل أمري وآجله ، فيسره لي ، رب اعزم على رشدي ، وإن كرهت ذلك وأبته نفسي .

250 . وعن الثمالي قال : قلت لعلي بن الحسين : لأي علة حجب الله الخلق عن نفسه ؟ قال : لأن الله - تبارك وتعالى - بناهم بنية على الجهل ، فلو أنهم كانوا ينظرون إلى الله عز وجل لما كانوا بالذي يهابونه ، ولا يعظمونه ، نظير ذلك أحدكم إذا نظر إلى بيت الله الحرام أول مرة عظمه ، فإذا أتت عليه أيام وهو يراه ، لا يكاد أن ينظر إليه إذا مر به ، ولا يعظمه ذلك التعظيم .

العودة إلى الصفحة الرئيسية

www.mezan.net <‎/TITLE> ‎<META HTTP-EQUIV="Content-Type" CONTENT="text/html; charset=windows-1256">‎ ‎<META NAME="keywords" CONTENT=" السيد محمد حسين فضل الله في الميزان ">‎ ‎<META NAME="description" CONTENT=" مقولات السيد فضل الله في كتبه ">‎ ‎<META NAME="author" CONTENT=" مقولات السيد فضل الله بصوته ">‎ ‎<META NAME="copyright" CONTENT=" رأي المراجع العظام والعلماء ">‎ <‎/HEAD>