في القصار من كلمات الإمام علي بن الحسين وفيها حكم ، ومواعظ ، ومحاسن آداب (7)

 وقال : ما أزرع الزرع لطلب الفضل فيه ، وما أزرعه إلا ليناله المعتر ، وذو الحاجة ، وتناله القبرة منه خاصة من الطير .

302 . وكان لعلي بن الحسين جليس مات ابن له ، فجزع عليه جزعا شديدا ، فعزاه ووعظه .

فقال : يا بن رسول الله ، إن ابني كان مسرفا على نفسه .

فقال : لا تجزع فإن من ورائه ثلاث خلال ، أولهن شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن سيدنا محمدا رسول الله ، والثانية شفاعة جدي ، والثالثة رحمة الله التي وسعت كل شئ ، فأين يخرج ابنك عن واحدة من هذه الخلال ؟ !

 303 . وقال له حذلم بن بشير : صف لي خروج المهدي ، وعرفني دلائله وعلاماته ؟ فقال : قبل خروجه خروج رجل يقال له : " عوف السلمي " بأرض الجزيرة ، ويكون مأواه تكريت ، وقتله بمسجد دمشق ، ثم يكون خروج شعيب بن صالح بسمرقند ، ثم يخرج السفياني الملعون بالواد اليابس ، وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان الملعون ، فإذا ظهر السفياني ، أخذ في المهدي ، ثم يخرج بعد ذلك ، وقال : المقعدون عن فرشهم ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر ، فيصبحون بمكة ، وهو قول الله تعالى : ( أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ) ، وهم أصحاب القائم .

304 . وقال : إذا علا نجفكم السيل والمطر ، وظهرت النار في الحجاز والمدن ، وملكت بغداد الترك ، فتوقعوا ظهور القائم المنتظر .

وفي خبر آخر قال : العلم من النجف ، وظهوره في بلدة يقال لها قم ، والري دليل على ظهوره .

305 . وقال : في القائم سنة من سبعة أنبياء : سنة من أبينا آدم ، وسنة من نوح ، وسنة من إبراهيم ، وسنة من موسى ، وسنة من عيسى ، وسنة من أيوب ، وسنة من محمد .

فأما من آدم ونوح ، فطول العمر . يطيل الله عمره في غيبته ، ثم يظهره في صورة شاب دون أربعين سنة .

وأما من إبراهيم فخفاء الولادة ، واعتزال الناس .

وأما من موسى فالخوف والغيبة .

وأما من عيسى فاختلاف الناس فيه ، فمنهم من يقول : ما ولد ، ومنهم من يقول : مات ، ومنهم من يقول : قتل وصلب .

وأما من أيوب ، فالفرج بعد البلوى . وأما من محمد فالخروج بالسيف .

306 . وعن أبي خالد الكابلي قال : دخلت على علي بن الحسين وهو جالس في محرابه ، فجلست حتى انثنى ، وأقبل علي بوجهه يمسح يده على لحيته ، فقلت : يا مولاي ، أخبرني كم يكون الأئمة بعدك ؟ قال : ثمانية .

قلت : فكيف ذاك ؟ قال : لأن الأئمة بعد رسول الله إثنا عشر إماما ، عدد الأسباط ، ثلاثة من الماضين وأنا الرابع ، وثمانية من ولدي ، أئمة أبرار ، من أحبنا وعمل بأمرنا ، كان معنا في السنام الأعلى ، ومن أبغضنا وردنا ، أو رد واحدا منا ، فهو كافر بالله وبآياته .

307 . وقال : من ثبت على ولايتنا في غيبة قائمنا ، أعطاه الله أجر ألف شهيد ، مثل شهداء بدر وأحد .

308 . وقال : والله ، لا يخرج واحد منا قبل خروج القائم ، إلا كان مثله مثل فرخ طار من وكره ، قبل أن يستوي جناحاه ، فأخذه الصبيان ، فعبثوا به .

309 . وقال : إذا قام قائمنا أذهب الله عز وجل من شيعتنا العاهة ، وجعل قلوبهم كزبر الحديد ، وجعل قوة الرجل منهم قوة أربعين رجلا ، ويكونون حكام الأرض وسنامها .

310 . وقال : والذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا إن الأبرار منا أهل البيت ، وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته ، وإن عدونا وأشياعهم بمنزلة فرعون وأشياعه .

311 . وقال : ما ينقم الناس منا ، فنحن والله شجرة النبوة ، وبيت الرحمة ومعدن العلم ، ومختلف الملائكة .

312 . وقال : إن في اللوح المحفوظ تحت العرش مكتوب : علي بن أبي طالب أمير المؤمنين .

313 . وقال : إن الله خلق محمدا وعليا وأحد عشر من ولده من نور عظمته ، فأقامهم أشباحا في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق ، يسبحون الله ويقدسونه ، وهم الأئمة من ولد رسول الله .

وفي رواية أخرى ، عن الثمالي عنه أنه قال : إن الله خلق محمدا وعليا ، والطيبين من ذريتهما من نور عظمته ، وأقامهم أشباحا قبل المخلوقات .

ثم قال : أتظن إن الله لم يخلق خلقا سواكم ؟ بلى والله ، لقد خلق الله ألف ألف آدم ، وألف ألف عالم ، وأنت والله في آخر تلك العوالم .

314 . وعن أبي إسحاق قال : قلت لعلي بن الحسين : ما معنى قول النبي : من كنت مولاه فعلي مولاه ؟ قال : أخبرهم أنه الإمام من بعده .

315 . وقال : إن الله خلق النبيين من طينة عليين قلوبهم وأبدانهم ، وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة ، وجعل خلق أبدان المؤمنين من دون ذلك ، وخلق الكفار من طينة سجين قلوبهم وأبدانهم ، فخلط بين الطينتين ، فمن هذا يلد المؤمن الكافر ، ويلد الكافر المؤمن ، وهاهنا يصيب المؤمن السيئة ، ومن هاهنا يصيب الكافر الحسنة ، فقلوب المؤمنين تحن إلى ما خلقوا منه ، وقلوب الكافرين تحن إلى ما خلقوا منه .

316 . وقال : أيما مؤمن دمعت عيناه بقتل الحسين بن علي دمعة حتى تسيل على خده ، بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا .

وأيما مؤمن دمعت عيناه دمعا حتى تسيل على خده لأذى مسنا من عدونا في الدنيا ، بوأه الله مبوأ صدق في الجنة .

وأيما مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى يسيل دمعه على خديه من مصاحبة ما أوذي فينا ، صرف الله عن وجهه الأذى ، وآمنه يوم القيامة من سخط النار .

317 . وقيل : تشاجر هو وبعض الناس في مسألة من الفقه ، وقال : يا هذا إنك لو صرت إلى منازلنا لأريناك آثار جبرئيل في رحالنا ، أفيكون أحد أعلم بالسنة منا ؟ !

318 . وسأل رجل علي بن الحسين زين العابدين فقال له : أخبرني يا بن رسول الله بماذا فضلتم الناس جميعا وسدتموهم ؟ فقال : أنا أخبرك بذلك ، اعلم إن الناس كلهم لا يخلون من أن يكونوا أحد ثلاثة : أما رجل أسلم على يد جدنا ، فهو مولانا ونحن سادته ، وإلينا يرجع بالولاء ، أو رجل قاتلناه فقتلناه فمضى إلى النار ، أو رجل أخذنا منه جزية عن يد وهو صاغر ، ولا رابع للقوم ، فأي فضل لم نحزه ، وشرف لم نحصله بذلك ؟

319 . وقال : علم رسول الله عليا ألف كلمة ، كل كلمة تفتح ألف كلمة .

وفي رواية أخرى : . . . والألف كلمة ، تفتح كل كلمة ألف كلمة .

320 . وقال : فينا نزلت هذه الآية : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله ) .

وفينا نزلت هذه الآية : ( وجعلها كلمة باقية في عقبه ) ، والإمامة في عقب الحسين بن علي بن أبي طالب ، وإن للغائب منا غيبتين ، أحدهما أطول من الأخرى ، أما الأولى فستة أيام ، أو ستة أشهر ، أو ستة سنين ، وأما الأخرى فيطول أمدها حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به ، فلا يلبث عليه إلا من قوى يقينه ، وصحت معرفته ، ولم يجد في نفسه حرجا مما قضينا ، وسلم لنا أهل البيت .

321 . وعن أبي خالد الكابلي قال : قلت للإمام زين العابدين : سيدي أخبرني بالذين فرض الله علينا طاعتهم ، وأوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول الله ؟ فقال : يا كنكر ، إن الذين جعلهم الله أئمة للناس ، وأوجب عليهم طاعتهم ؛ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثم الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب ، ثم انتهى الأمر إلينا ، وسكت .

فقلت له : يا سيدي روي لنا عن أمير المؤمنين : إن الأرض لا تخلو عن حجة الله على عباده ، فمن الحجة والإمام بعدك ؟ فقال : الإمام ابني محمد ، فاسمه في التوراة باقر ، يبقر العلم بقرا ، هو الحجة والإمام بعدي ، ومن بعد محمد ابنه جعفر ، واسمه عند أهل السماء الصادق . فقلت له : فكيف صار اسمه صادق وكلكم صادقون ؟ فقال : حدثني أبي عن أبيه ، إن رسول الله قال : إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق ؛ لأن الخامس من ولده - الذي اسمه جعفر - يدعي الإمامة افتراء على الله وكذبا عليه ، فسموه جعفر الكذاب ، المفتري على الله ، والمدعي لما ليس له بأهل ، المخالف على أبيه ، والحاسد لأخيه ، ذلك اليوم الذي يروم كشف سر الله عند غيبة ولي الله .

ثم بكى علي بن الحسين بكاء شديدا ، قال : ثم قال : كأني بجعفر الكذاب ، وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله ، والمغيب في حفظ الله ، والتوكيل بحرم أبيه ، جهلا منه بولادته ، وحرصا على قتله إن ظفر به ، طمعا في ميراث أبيه ، حتى يأخذه بغير حق . فقال أبو خالد الكابلي : فقلت له : يا بن رسول الله ، وإن ذلك لكائن ؟ فقال : أي وربي ، إن ذلك لكائن ، عندنا في الصحيفة التي ذكر فيها المحن ، التي تجري علينا بعد رسول الله .

قال : فقلت له : يا بن رسول الله ، ثم بماذا يكون ؟ قال : ثم تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله والأئمة بعده .

يا أبا خالد الكابلي ، إن أهل زمان غيبته ، والقائلين بإمامته ، والمنتظرين لظهوره ، أفضل من أهل كل زمان ؛ لأن الله - تعالى ذكره - أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت بهم الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة ، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف ، أولئك المخلصون حقا ، وشيعتنا صدقا ، والدعاة إلى دين الله سرا وجهرا .

وقال : انتظار الفرج من أفضل العمل .

322 . ولما أراد أن يواري جسد أبيه الإمام أبي عبد الله الحسين المقدس ، اعتنقه وبكى بكاء عاليا ، ثم بسط كفيه تحت ظهره وقال : باسم الله وفي سبيل الله ، وعلى ملة رسول الله ، صدق الله ورسوله ، ما شاء الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

ثم وضع خده على منحره الشريف قائلا : طوبى لأرض تضمنت جسدك الطاهر ، فإن الدنيا بعدك مظلمة ، والآخرة بنورك مشرقة ، أما الليل فمسهد ، والحزن سرمد ، أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي فيها أنت مقيم ، وعليك مني السلام يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته .

وكتب على القبر : " هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قتل عطشانا " .

ثم مشى إلى قبر عمه العباس ، وجاء ليواريه ، ووقع عليه يلثم نحره المقدس قائلا : على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم ، وعليك مني السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته .

323 . وعن أبي جعفر الثاني ، عن آبائه قال : قال علي بن الحسين : لما أشتد الأمر بالحسين ، نظر إليه من كان معه ، فإذا هو بخلافهم ؛ لأنهم كلما أشتد الأمر ، تغيرت ألوانهم ، وارتعدت فرائصهم ، ووجلت قلوبهم ووجبت جنوبهم ، وكان الحسين وبعض من معه من خصائصه تشرق ألوانهم ، وتهدأ جوارحهم ، وتسكن نفوسهم .

324 . وقال لعمته زينب الكبرى - بعد أن خطبت تلك الخطبة الدامية في غدر أهل الكوفة ، حين دخلتها بعد مقتل أخيها الإمام الحسين - : فقال : يا عمة اسكتي ، ففي الباقي من الماضي اعتبار ، وأنت بحمد الله عالمة غير معلمة ، وفهمة غير مفهمة ، إن البكاء والحنين لا يردان من قد أباده الدهر .

325 . وعن أبي حمزة الثمالي قال : نظر علي بن الحسين يوما إلى عبيد الله بن العباس بن علي فاستعبر ، ثم قال : ما من يوم أشد على رسول الله من يوم أحد ؛ قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب ، أسد الله وأسد رسوله ، وبعده يوم مؤتة ؛ قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب .

ثم قال : لا يوم كيوم الحسين ، ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل ، يزعمون أنهم من هذه الأمة ، كل يتقرب إلى الله عز وجل بدمه ، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون ، حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا .

ثم قال : رحم الله عمي العباس ، فلقد آثر وأبلى ، وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه ، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة ، كما جعل لجعفر بن أبي طالب ، وإن للعباس عند الله - تبارك وتعالى - منزلة ، يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة .

326 . وعن أبي خالد الكابلي قال : سمعت علي بن الحسين يقول : إن اليهود أحبوا عزيرا حتى قالوا فيه ما قالوا ، فلا عزير منهم ، ولا هم من عزير ، وإن النصارى أحبوا عيسى حتى قالوا فيه ما قالوا ، فلا عيسى منهم ، ولا هم من عيسى ، وإنا على سنة من ذلك ، إن قوما من شيعتنا سيحبونا حتى يقولوا فينا ما قالت اليهود في عزير ، وما قالت النصارى في عيسى ، فلا هم منا ولا نحن منهم .

327 . وقال : نحن الفلك الجارية في اللجج الغامرة ، يأمن من ركبها ، ويغرق من تركها ، وإن الله - تبارك وتعالى - أخذ ميثاق من يحبنا ، وهم في أصلاب آبائهم ، فلا يقدرون على ترك ولايتنا ؛ لأن الله عز وجل جعل جبلتهم على ذلك .

328 . وقال : إن الله تعالى وكل بالأسعار ملكا يدبرها ، فلن يغلو من قلة ، ولن يرخص من كثرة .

329 . وقال - لما ذكرت التقية عنده - : والله ، لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ، ولقد آخى رسول الله بينهما ، فما ظنكم بسائر الخلق ، إن علم العلماء صعب مستصعب لا يحتمله إلا نبي مرسل ، أو ملك مقرب ، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان .

فقال : وإنما صار سلمان من العلماء ؛ لأنه امرؤ منا أهل البيت ، فلذلك نسبته إلى العلماء .

330 . وسأله ابنه الإمام محمد الباقر عن حمل يزيد له فقال : حملني على بعير يظلع بغير وطأء ، ورأس أبي الحسين على علم ، ونسوتنا خلفي على بغال مؤكفة ، والفارطة خلفنا وحولنا بالرماح ، إن دمعت من أحدنا عين قرع رأسه بالرمح ، حتى إذا دخلنا دمشق ، صاح صائح : " يا أهل الشام ، هؤلاء سبايا أهل البيت الملعون " .

331 . وقال له جابر بن عبد الله الأنصاري - لما دخل عليه ، ووجده في محرابه قد أنضته العبادة - : يا بن رسول الله ، أما علمت أن الله إنما خلق الجنة لكم ولمن أحبكم ، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم ، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك ؟ فقال علي بن الحسين : يا صاحب رسول الله ، أما علمت أن جدي رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فلم يدع الاجتهاد له ، وتعبد بأبي هو وأمي حتى انتفخ الساق وورم القدم .

وقيل له : أتفعل هذا ، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا . فلما نظر جابر إلى علي بن الحسين ، وليس يغني فيه من قول من يستمليه من الجهد والتعب إلى القصد ، قال : يا بن رسول الله ، البقيا على نفسك ، فإنك من أسرة بهم يستدفع البلاء ويستكشف اللاواء ، وبهم يستمطر السماء .

فقال : يا جابر ، لا أزال على منهاج أبوي ، متأسيا بهما - صلوات الله عليهما - حتى ألقاهما . فأقبل جابر على من حضر ، فقال لهم : ما رئي من أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين إلا يوسف بن يعقوب ، والله لذرية علي بن الحسين أفضل من ذرية يوسف ، إن منهم لمن يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا .

332 . وعن عبد الله بن مبارك قال : حججت بعض السنين إلى مكة ، فبينما أنا سائر في عرض الحاج ، وإذا صبي سباعي أو ثماني ، وهو يسير في ناحية من الحاج بلا زاد ولا راحلة ، فتقدمت إليه وسلمت عليه ، وقلت له : مع من قطعت البر ؟ فقال الإمام : مع الباري ! فكبر في عيني .

فقلت : يا ولدي أين زادك وأين راحلتك ؟ فقال الإمام : زادي تقواي ، وراحلتي رجلاي ، وقصدي مولاي ! فعظم في نفسي ، فقلت : يا ولدي ممن تكون أنت ؟ فقال الإمام : مطلبي .

فقلت : أبن لي ؟ فقال الإمام : هاشمي .

فقلت : أبن لي ؟ فقال الإمام : علوي فاطمي . فقلت : يا سيدي ، هل قلت شيئا من الشعر ؟ فقال الإمام : نعم .

فقلت : أنشد لي من شعرك ، فأنشد : لنحن على الحوض رواده * يفوز ويسعد وراده وما فاز من فاز إلا بنا * وما خاب من حبنا زاده ومن سرنا نال منا السرور * ومن ساءنا ساء ميلاده ومن كان غاصبنا حقنا * فيوم القيامة ميعاده ثم غاب عن عيني إلى أن أتيت مكة ، فقضيت حجتي ورجعت ، فأتيت الأبطح ، فإذا بحلقة مستديرة ، فاطلعت لأنظر من بها ، فإذا هو صاحبي ، فسألت عنه ، فقيل : هذا زين العابدين .

333 . وكان يعطف على آل عقيل ، ويقدمهم على غيرهم من آل جعفر ، فقيل له في ذلك ؟ قال : إني لأذكر يومهم مع أبي عبد الله الحسين فأرق لهم .

334 . وقيل له : إذا سافرت كتمت نفسك أهل الرفقة ؟ فقال : أكره أن آخذ برسول الله مالا أعطي مثله .

وفي الأغاني لأبي الفرج الإصبهاني : قال نافع : قال علي بن الحسين : ما أكلت بقرابتي من رسول الله شيئا قط .

335 . وقال نافع بن جبير له : إنك تجالس أقواما دونا ؟ ! فقال له : إني أجالس من أنتفع بمجالسته في ديني .

336 . وحج فقيل له : هل لك في الزهري ؟ فقال : إن لي فيه .

قال أبو العباس : هكذا كلام العرب : " إن لي فيه " ، لا يقال غيره .

فدخل عليه فقال له : إني أخاف عليك من قنوطك ما لا أخاف عليك من ذنبك ، فابعث بدية مسلمة إلى أهله ، واخرج إلى أهلك ، ومعالم دينك .

337 . وروى أيضا الزهري قال : قال لي علي بن الحسين يوما : يا زهري ، من أين جئت ؟ فقلت : من المسجد . قال : فبم كنتم ؟ قلت : تذاكرنا أمر الصوم ، فاجتمع رأيي ورأي أصحابي على أنه ليس من الصوم شئ واجب ، إلا صوم شهر رمضان .

فقال : يا زهري ، ليس كما قلتم ، الصوم على أربعين وجها ، فعشرة أوجه منها واجبة كوجوب شهر رمضان ، وعشرة أوجه منها صيامهن حرام ، وأربعة عشر منها صاحبها فيها بالخيار إن شاء صام ، وإن شاء أفطر .

وصوم الإذن على ثلاثة أوجه ، وصوم التأديب ، وصوم الإباحة ، وصوم السفر والمرض . قلت : - جعلت فداك ! - فسرهن لي .

قال : أما الواجبة ؛ فصيام شهر رمضان ، وصيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار ؛ لقول الله تعالى : ( الذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ) إلى قوله : ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) .

وصيام شهرين متتابعين فيمن أفطر يوما من شهر رمضان ، وصيام شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق واجب ، لقول الله عز وجل : ( ومن قتل مؤمنا خطا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ) إلى قوله عز وجل : ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما ) .

وصوم ثلاثة أيام في كفارة اليمين واجب . قال الله عز وجل : ( فصيام ثلاثة أيام ذلك كفرة أيمانكم إذا حلفتم ) .

هذا لمن لا يجد إلا طعام ، كل ذلك متتابع ، وليس بمتفرق . وصيام أذى حلق الرأس واجب ، قال الله : ( فمن كان منكم مريضا أو بهى أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فصاحبها فيها بالخيار ، فإن صام صام ثلاثة أيام .

وصوم المتعة واجب لمن لم يجد الهدي ، قال الله عز وجل : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج . . . فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ) .

وصوم جزاء الصيد واجب ، قال الله عز وجل : ( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم بهى ذوا عدل منكم هديا بلغ الكعبة أو كفرة طعام مسكين أو عدل ذلك صياما ) ، أو تدري كيف يكون عدل ذلك صياما يازهري ؟ قال : قلت : لا أدري .

قال : يقوم الصيد قيمة ، ثم تفض تلك القيمة على البر ، ثم يكال ذلك البر صواعا ، فيصوم لكل نصف صاع يوما . وصوم النذر واجب ، وصوم الاعتكاف واجب ، وأما نحن فنقول : يفطر في الحالين جميعا ، فإن صام في السفر أو في حال المرض - فهو عاص - ، فعليه القضاء ، فإن الله عز وجل يقول : فمن كان منكم مريضا فعدة من أيام أخر . وأما الصوم الحرام ، فصوم يوم الفطر ويوم الأضحى ، وثلاثة أيام من أيام التشريق ، وصوم يوم الشك ، أمرنا به ونهينا عنه ، أمرنا به أن نصوم مع صيام شعبان ، ونهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس . فقلت له : - جعلت فداك ! - فإن لم يكن صام من شعبان شيئا كيف يصنع ؟ قال : ينوي ليلة الشك إنه صام من شعبان ، فإن كان من شهر رمضان أجزأ عنه ، وإن كان من شعبان لم يضره .
فقلت : وكيف يجزئ صوم تطوع عن فريضة ؟ فقال : لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا ، وهو لا يعلم أنه من شهر رمضان ، ثم علم بعد ذلك ، لأجزأ عنه ؛ لأن الفرض إنما وقع على اليوم بعينه . وصوم الوصال حرام ، وصوم الصمت حرام ، وصوم نذر المعصية حرام ، وصوم الدهر حرام .

وأما الصوم الذي صاحبه فيه بالخيار : فصوم يوم الجمعة ، والخميس ، وصوم البيض ، وصوم ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان ، وصوم يوم عرفة وصوم يوم عاشوراء . فكل ذلك صاحبه فيه بالخيار ، إن شاء صام ، وإن شاء أفطر .

وأما صوم الإذن ، فالمرأة لا تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها ، والعبد لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه ، والضيف لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحبه ، قال رسول الله : من نزل على قوم ، فلا يصوم تطوعا إلا بإذنهم .

وأما صوم التأديب ، فأن يؤخذ الصبي إذا راهق بالصوم تأديبا .

وليس بفرض ، وكذلك المسافر إذا أكل من أول النهار ، ثم قدم أهله ، أمر بالإمساك بقية يومه ، وليس بفرض .

وأما صوم الإباحة لمن أكل أو شرب ناسيا ، أو قاء من غير تعمد ، فقد أباح الله له ذلك وأجزأ عنه صومه .

وأما صوم السفر والمرض ، فإن العامة قد اختلفت في ذلك .

فقال قوم : إن شاء صام ، وإن شاء أفطر .

وأما نحن فنقول : يفطر في الحالين جميعا ، فإن صام في السفر ، أو في حال المرض ، فعليه القضاء ، فإن الله عز وجل يقول : ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) ، فهذا تفسير الصيام .

338 . ولما دخل الكميت عليه ، فقال له : إني مدحتك بما أرجو أن يكون لي وسيلة عند رسول الله ، ثم أنشد قصيدته التي أولها : من لقلب متيم مستهام * غير ما صبوة ولا أحلام  فلما أتى على آخرها ، قال : ثوابك نعجز عنه ، ولكن ما عجزنا عنه ، فإن الله لا يعجز عن مكافأتك ، اللهم اغفر للكميت .

ثم قال : اللهم إن الكميت جاد في آل رسولك وذرية نبيك بنفسه ، حين ظن الناس وأظهر ما كتمه غيره من الحق ، فأحيه سعيدا ، وأمته شهيدا ، وأره الجزاء عاجلا ، وأجزل له جزيل المثوبة أجلا ، فإنا قد عجزنا عن مكافأته .

قال الكميت : ما زلت أعرف بركة دعائه .

339 . واستشار زيد أباه في الخروج فنهاه وقال : أخشى أن تكون المقتول المصلوب ، أما علمت أنه لا يخرج أحد من ولد فاطمة قبل خروج السفياني إلا قتل ، فكان كما قال .

340 . وقال لأبي حمزة : يا أبا حمزة ، إن عشت بعدي لترين هذا الغلام - يعني زيدا - في ناحية الكوفة مقتولا مدفونا ، منبوشا مصلوبا ، مسحوبا مصلوبا في الكناسة ، ثم ينزل فيحرق ، ويدق ويذرى في البر . فشاهد أبو حمزة جميع ذلك .

341 . وكان يقول في طريقه إلى الشام : ساد العلوج فما ترضى بذا العرب * وصار يقدم رأس الأمة الذنب يا للرجال لما يأتي الزمان به * من العجيب الذي ما مثله عجب آل الرسول على الأقتاب عارية * وآل مروان تسري تحتهم نجب .

342 . وأيضا يقول في ذلك الطريق : هذا الزمان فما تفنى عجائبه * عن الكرام ولا تهدى مصائبه فليت شعري إلى كم ذا يحاربنا * بصرفه وإلى كم ذا تحاربه يسري بنا فوق أعياس بلا وطاء * وسائق العيس يحمى عنه عازبه كأننا من بنات الروم بينهم * أو كل ما قاله المختار كاذبه كفرتم برسول الله ويحكم * يا أمة السوء أخلفتم مذاهبه .

343 . وعن سعيد بن جبير : إنه سئل علي بن الحسين عن هذه الآية : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) ؟فقال : هي قرابتنا أهل البيت من محمد .

344 . وروي عن العالم : إن علي بن الحسين أخذ بيد أبي حمزة ديران بن أبي صفية الثمالي فقال : يا أبا حمزة علمنا منطق الطير ، وأوتينا من كل شئ ، إن هذا لهو الفضل المبين .

345 . وبلغه قول نافع بن جبير في معاوية حيث قال : كان يسكته الحلم ، وينطقه العلم ! فقال : " كذب ، بل كان يسكته الحصر ، وينطقه البطر " .

وورد هذا عن أبيه الإمام الحسين .

346 . وعن أبي حمزة الثمالي قال : قال لنا علي بن الحسين زين العابدين : أي البقاع أفضل ؟ فقلت : الله ورسوله وابن رسوله أعلم .

وقال : إن أفضل البقاع ما بين الركن والمقام ، ولو أن رجلا عمر ما عمر نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، ويصوم النهار ويقوم الليل في ذلك الموضع ، ثم لقى الله عز وجل بغير ولايتنا ، لم ينفعه ذلك شيئا .

347 . وقيل له : كيف أصبحت ؟ فقال : أصبحنا خائفين برسول الله ، وأصبح جميع الإسلام آمنين به .

 . ويروى أنه مرض ، فدخل عليه جماعة من أصحاب رسول الله يعودونه .

فقالوا : كيف أصبحت يا بن رسول الله فدتك أنفسنا ؟ فقال : في عافية ، والله المحمود على ذلك ، فكيف أصبحتم أنتم جميعا ؟ قالوا : أصبحنا والله لك محبين وادين .

فقال لهم : من أحبنا ، أسكنه الله في ظل ظليل يوم القيامة ، يوم لا ظل إلا ظله . ومن أحبنا يريد مكافأة ، كافأه الله عنا الجنة . ومن أحبنا لغرض دنياه ، أتاه الله رزقه من حيث لا يحتسب .

349 . وقال طاووس : رأيت رجلا يصلي في المسجد الحرام تحت الميزاب ، يدعو ويبكي في دعائه ، فجئته حين فرغ من الصلاة ، فإذا هو علي بن الحسين ! فقلت : يا بن رسول الله ، رأيتك على حالة كذا ، ولك ثلاثة أرجو أن تؤمنك من الخوف ، أحدها أنك ابن رسول الله ، والثاني شفاعة جدك ، والثالث رحمة الله .

فقال : يا طاووس ، أما إني ابن رسول الله فلا تؤمنني ، وقد سمعت الله تعالى يقول : ( فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسائلون ) ، وأما شفاعة جدي فلا تؤمنني ؛ لأن الله تعالى يقول : ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) ، وأما رحمة الله فإن الله تعالى يقول : ( إن رحمت الله قريب من المحسنين ) ، ولا أعلم أني من المحسنين .

350 . وقال : ليس بين الله وبين حجته حجاب ، فلا لله دون حجته ستر ، نحن أبواب الله ، ونحن الصراط المستقيم ، ونحن عيبة علمه ، ونحن تراجمة وحيه ، ونحن أركان توحيده ، ونحن موضع سره .

العودة إلى الصفحة الرئيسية

www.mezan.net <‎/TITLE> ‎<META HTTP-EQUIV="Content-Type" CONTENT="text/html; charset=windows-1256">‎ ‎<META NAME="keywords" CONTENT=" السيد محمد حسين فضل الله في الميزان ">‎ ‎<META NAME="description" CONTENT=" مقولات السيد فضل الله في كتبه ">‎ ‎<META NAME="author" CONTENT=" مقولات السيد فضل الله بصوته ">‎ ‎<META NAME="copyright" CONTENT=" رأي المراجع العظام والعلماء ">‎ <‎/HEAD>