____________
= ولماذا يا بن الحجر كأنت تعلم أن الشيعة على الصواب، وأنهم هم المؤمنون حقا " بيد أنك لم تستطيع الاعتراف لأمرين:
إما تعصبا " وبغضا " لأنهم لا يصالحوا سيدك معاوية ومن نحا نحوه، ولو صالحوه لكانوا هم عندك حزب الله الغالبون.
أو خوفا " على سمعتك، وحرصا " على منصبك، وإلا فأي شئ ؟ ! ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا أس العداوة والبغضاء، فبالله عليك أيقال للسنة هم الشيعة وبالعكس ؟ كلا ما أراك بقادر على إثبات مدعاك أبدا "، فهذه كتب التواريخ والسير والتفسير والحديث وغيرها أمامنا وأمام كل منصف عربي لغوي عالم بأحوال الفرقتين (الشيعة والسنة) حر يدين الله بضمير حر أيضا ".
ويا مفتي الحرمين ! ! إني أخالك أنك في بادية بيداء أو في ليلة حالكة ظلماء، وظننت أن أحدا " لم ترض بحكمي عليه فاقرأ صواعقه تعرف بوائقه - أو كما تزعم أن الشيعة قوم جاهلون أغبياء ! ! لا وربك بابن الحجر ليس الأمر كما زعمت، بل الأمر بالعكس، ولنا أن نسألك بماذا صرتم شيعة ؟ بموالاتكم لمن حارب عليا " عليه السلام، ودس السم للحسن عليه السلام، وقتل الحسين عليه السلام وسبي حريم رسول الله صلى الله عليه وآله وهدم الكعبة ومزق القرآن و و و... والخ ؟ ! أم بترضيكم عن شاتمي علي عليه السلام على المنابر وفي المعابر ما يربو على ثلاثة أرباع القرآن ؟ !
بماذا صرتم شيعة ؟ بسلب أهل البيت عليهم السلام حقوقهم أم بتقديم غيرهم عليهم، وهو الضلال المبين وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا تقدموهم فتهلكوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ؟
بماذا صرتم شيعة ؟ وقد أكثرت في صواعقك من روايات تكفير الشيعة، وهم المؤمنون حقا " كما تقدم ؟ ! نعوذ برب العرش من فئة بغت، وسيعلم الذين =
(إن الله اطلع إلى الأرض اطلاعة من عرشه بلا كيف ولا زوال فاختارني، واختار عليا " لي صهرا "، وأعطى له فاطمة العذراء البتول، ولم يعط ذلك أحدا " من النبيين، وأعطي الحسن والحسين ولم يعط أحدا " مثلهما، وأعطي صهرا " مثلي، وأعطي الحوض، وجعل إليه قسمة الجنة والنار، ولم يعط ذلك الملائكة، وجعل شيعته في الجنة، وأعطي أخا " مثلي وليس لأحد أخ مثلي.
أيها الناس ! من أراد أن يطفئ غضب الله، ومن أراد أن يقبل الله عمله، فليحب علي بن أبي طالب، فإن حبه يزيد الإيمان، وإن حبه يذيب السيئات كما تذيب النار الرصاص) (1).
وروى أيضا " في ينابيعه في نفس الباب - عن نفس الكتاب - في المودة الثامنة أيضا " عن أنس، عنه صلى الله عليه وآله قال:
____________
= ظلموا آل محمد أي منقلب ينقلبون.
وبالجملة فإن الشيعة على خلاف ما تفتري عليهم النواصب والجواحد، ولو دققت النظر منصفا " لوجدت كلما عابوا به على الشيعة هو في من عابهم، والشيعة منه براء إلا قليلا " مما نقموا عليهم به، ولو أنصفوا لاعترفوا، ولكن المستقبل يرينا الواجب، والمشتكى إلى الله.
أقول: يا حبذا أخي القارئ بمراجعة كتاب (الشيعة هم أهل السنة) للتيجاني لتقف على حقيقة هذه الطائفة المظلومة.
1 - ينابيع المودة: 1 / 303.
إن الله يحب عليا "، لا يحب الملائكة مثل حب علي، وما من تسبيحة تسبح لله إلا ويخلق الله ملكا " يستغفر لمحبه وشيعته إلى يوم القيامة) (1).
وروى أيضا " في ينابيعه في نفس الباب من كتاب (الفردوس) عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:
(علي وشيعته هم الفائزون يوم القيامة).
ورواه عن كتاب (مودة القربى) (2) أيضا ".
وروى أيضا " في ينابيعه في نفس الباب عن كتاب (مودة القربى) أيضا " في المودة السادسة عن عبد الله بن سلام - في حديث طويل - فيه قول النبي صلى الله عليه وآله [لما سأله ابن سلام] فمن يستظل تحت لوائك ؟ قال صلى الله عليه وآله:
(المؤمنون أولياء الله، وشيعة الحق وشيعتي ومحبيي، وشيعة علي ومحبوه وأنصاره، فطوبى لهم وحسن مآب، والويل لمن كذبني في علي، أو كذب عليا " في، أو نازعه في مقامه الذي أقامه الله فيه) (3).
وروى ابن المغازلي الشافعي في (مناقبه) بسنده عن النبي صلى الله عليه وآله قال:
قال النبي صلى الله عليه وآله:
(يدخلن من أمتي الجنة سبعون ألفا " لا حساب عليهم) ثم التفت إلى
____________
1 - ينابيع المودة: 1 / 305.
2 - ينابيع المودة: 1 / 306 عن ابن عباس (المودة التاسعة).
3 - ينابيع المودة: 1 / 300.
ورواه الخوارزمي في (مناقبه) ولكن فيه: فقال علي عليه السلام:
من هم يا رسول الله ؟ قال:
(هم شيعتك يا علي، وأنت إمامهم) (2).
وأخرج الكنجي الشافعي في (كفاية الطالب) عن جابر بن عبد الله، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي بن أبي طالب فقال النبي صلى الله عليه وآله:
(قد أتاكم أخي) ثم التفت إلى الكعبة، فضربها بيده وقال:
(والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة).
ثم قال: (إنه أولكم إيمانا "، وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمر الله، وأعدلكم في الرعية، وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية).
قال: ونزلت [فيه]: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية).
قال: وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله إذا أقبل علي قالوا: قد جاء خير البرية (3).
قال الگنجي الشافعي: هكذا رواه محدث الشام (ابن عساكر)
____________
1 - مناقب ابن المغازلي: 79 (ط. طهران) عنه إحقاق الحق: 4 / 289، و ج 7 / 172، و ج 18 / 518، وابن حسنويه في در بحر المناقب: 119، والأمر تسري في أرجح المطالب: 529 عنها إحقاق الحق: 7 / 172 و 173.
2 - مناقب الخوارزمي: 229 (ط. تبريز) عنه إحقاق الحق: 7 / 172.
3 - تقدم ص 385 مثله.
أقول: وروى مثله الحمويني الشافعي في (فرائد السمطين)، والخوارزمي الحنفي في مناقبه، وغيرهما من أكابر علماء السنة والجماعة (1).
وروى ابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة)، والشبلنجي الشافعي في (نور الأبصار) عن ابن عباس، قال:
لما نزلت هذه الآية (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام:
(أنت وشيعتك، تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غضابا " مقحمين) (2).
وعن (وسيلة المتعبدين ونزيل السائرين) عن أم سلمة (رضي الله عنها)، قالت:
____________
1 - كفاية الطالب: 118، الخوارزمي في المناقب: 120 (ط. مؤسسة النشر الإسلامي) و 66 (ط. تبريز)، والحمويني في فرائد السمطين ج 1 باب 31، والبصري في انتهاء الأفهام: 17 عنها إحقاق الحق: 4 / 217 و 252.
ورواه الحسكاني في شواهد التنزيل: 2 / 361 من عدة طرق، والقندوزي في ينابيع المودة: 46، عنها إحقاق الحق: 14 / 258 - 260، ورواه الشيرازي الشافعي في توضيح الدلائل: 167، عنه إحقاق الحق: 20 / 269، وكذلك رواه الطبري في تفسيره: 30 / 171، وأبو نعيم في حلية الأولياء: 1 / 66.
2 - الفصول المهمة: 105، ونور الأبصار: 102.
وتقدم الحديث ص 384 عن ابن عباس مثله.
وروى هذا الحديث عن (كنوز الحقائق) للمناوي، وبمضمونه عن (تذكرة الخواص) لسبط ابن الجوزي (1).
وروى ابن المغازلي المالكي في مناقبه، عن ابن عباس، قال:
سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله تعالى:
(والسابقون السابقون أولئك المقربون) (2) الآية، فقال: (قال لي جبرئيل:
ذلك علي وشيعته، هم السابقون إلى الجنة، المقربون من الله لكرامته).
ورواه الخطيب أيضا " في تاريخه، وابن مردويه في المناقب (3).
وروى ابن الحجر في الصواعق المحرقة له، قال:
____________
1 - رواه الديلمي في الفردوس على ما في مناقب عبد الله الشافعي: 204 ( مخطوط) والمناوي في كنوز الحقائق: 98، والبدخشي في مفتاح النجا:
61 (مخطوط) والقندوزي في ينابيع المودة: 180 و 237 بإسنادهم إلى أم سلمة، عنها إحقاق الحق: 7 / 299 وفي ص 301 عن التذكرة لابن الجوزي: 59 عن أبي سعيد الخدري.
2 - سورة الواقعة: 11.
3 - مناقب ابن المغازلي: 116، ورواه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 154 من طريق ابن مردويه، عن ابن عباس، وكذا الشوكاني في فتح القدير:
5 / 184، والآلوسي في تفسير روح المعاني: 27 / 114، ورواه الكثير من أعلام القوم في مصادر هم المعتبرة، راجع في ذلك إحقاق الحق: 3 / 114، و ج 14 / 190.
يا على أما ترضى أنك معي في الجنة، والحسن والحسين وذرياتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرياتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا) (1).
ثم أخذ يروي أخر عن الديلمي:
(يا علي إن الله قد غفر لك ولذريتك ولأهلك ولشيعتك، فابشر فإنك الأنزع البطين) (2).
وكذا خبر: (يا علي أنت وشيعتك [تردون] على الحوض رواء مرضيين مبيضة وجوهكم، وإن أعداؤك يردون على الحوض ظماء مقمحين) (3).
____________
1 - رواه الطبري في ذخائر العقبى: 90 (ط. مكتبة القدسي بمصر) من طريق أحمد، وفي الرياض النضرة: 32 (ط. مكتبة الخانجي بمصر) وقال:
أخرجه أحمد في المناقب، وأبو سعيد في شرف النبوة.
ورواه أيضا " الأمر تسري في أرجح المطالب: 332 و 529 (ط. لاهور) والترمذي في المناقب المرتضوية: 101 (ط. بمبئي) والقندوزي في ينابيع المودة: 212 (ط. اسلامبول) وغيرها. راجع إحقاق الحق: 9 / 223.
2 - رواه الحنفي المصري في تفسير آية المودة: 51، والسخاوي الشافعي في استجلاب ارتقاء الغرق: 41، عنها إحقاق الحق: 20 / 561.
3 - تقدم ص 384 مثله.
قال المؤلف: ترى ابن الحجر بعد سرده الأحاديث يطلق لسانه بالشتم المقذع على الشيعة الأطهار، ويجعلهم حزب إبليس، ويحذر منهم لأنهم ضالون جاحدون، ويقول بكل وقاحة: قاتلهم الله أنى يؤفكون ! ! =
(أول أربعة يدخلون الجنة: أنا وأنت والحسن والحسين، وذرياتنا
____________
= وهذا دليل على سوء خلقه وأدبه، وقلة إيمانه وحيائه، وجهلة بمذهب أهل البيت عليهم السلام وتجاهله، فإن الشيعة كما تقدم فرقة مؤمنة تعبد الله تعالى، وتؤمن برسالة نبيه محمد صلى الله عليه وآله، ويتولون عليا " وبنيه الأئمة الأحد عشر، ويعترفون بأصول الدين وفروعه، ويخافون الله واليوم الآخر، ولا يرمون أحدا " بالأكاذيب والمفتعلات كما صنع هو ومن حذا حذوه من الذين أساؤوا السؤاى ولا يخافون من سطوة الله، فإن الشيعة هم حزب الله، وإن حزب الله هم الغالبون.
وإليك يا بن الحجر ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم، فليأت الباب) ومن أتى من غير الباب عد سارقا "، وصار من حزب إبليس، فالشيعة الإمامية برمتهم أجمعوا على الأخذ من باب المدينة، لا يلجون غيره إلا إذا كان موافقا " طبق منهجهم الذي نهجوه، أما من أخذ عن كل من دب ودرج، فيكون كحاطب ليل، وهو حزب إبليس، ونحن لا نستغرب من تطاول ابن الحجر على الشيعة لأنه قد أخذ بقول كل من صحب النبي صلى الله عليه وآله ولو كان ممن قال سبحانه فيهم: (ومن الأعزاب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق) { سورة التوبة: 101 } كمعاوية الطليق وابن الطليق، ومروان الطريد وابن الطريد، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم وغيرهم ممن عرف بالنفاق، انتهى.
أقول: وهذا خبر مشهور، مروي بألفاظ مختلفة وأسانيد عديدة، فقد رواه ابن حجر في الصواعق: 66، والطبراني في المعجم الكبير: 52، والخوارزمي في المناقب: 178، وباكثير الحضرمي في وسيلة المآل: 131، راجع إحقاق الحق: 7 / 321، و ج 17 / 273، و ج 21 / 668.
إلى كثير وكثير من الأحاديث النبوية التي أوردها أفاضل علماء السنة والجماعة في مؤلفاتهم ومسانيدهم وصحاحهم، وذلك في مدح شيعة علي وأهل بيته الأطهار، وهي تفوق حد الإحصاء.
وقد جمع سيدنا الشريف الأجل، والعلامة المجبل حجة الإسلام والمسلمين السيد العباس الحسيني الكاشاني أيده الله جملة من الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في مدح الشيعة، وقد بلغ عددها (مائة) حديثا " معتبرا " مأثورا "، كلها من طرق السنة والجماعة، وقد رأيتها في مكتبته حفظه الله في مدينة كربلاء المقدسة عام زيارتي لتلك التربة الطاهرة سنة 1370 ه، وأظن أن النسخة لا تزال مخطوطة مع كثير من مؤلفاته ومصنفاته.
أتضرع إلى المولى العلي القدير أن يوفق مولانا الحجة السيد الكاشاني، وسائر علمائنا الأبرار لطبع كتبهم وآثارهم لانتفاع الأمة الإسلامية منها، إنه قريب مجيب.
____________
1 - رواه الطبراني في المعجم الكبير: 52 و 103، والهيثمي في مجمع الزوائد:
9 / 174، والگنجي في كفاية الطالب: 184، والخوارزمي في مقتل الحسين عليه السلام: والمتقي الهندي في منتخب العمال المطبوع بهامش مسند أحمد: 945، وكثير غيرهم، راجع إحقاق الحق: 9 / 217 - 223.
الفصل السابع
كارثة السقيفة
السقيفة وما أدراك ما السقيفة
كل من جرى قلمه في صفحات التاريخ، باحثا " فيه عن أحوال الأمم الماضية والقرون الخالية، تعرض إلى حادث السقيفة، وما جرى فيها وبها من كوارث مؤلمة تقض المضاجع، وتندي الجبين.
ولكن قل أن ينجو مؤرخ من الانحياز إلى أحد الطائفتين (الشيعة والسنة) (1) المتخاصمتين من ذلك اليوم إلى يوم الناس هذا، وإلى ما بعده.
ولقد عالج هذا الحادث في كل قرن مضى كثير من المؤرخين، راجين قشع ما تلبد عليه من سحب، وما أحاط به من دخان، وإزالة ما وضع في سبيل الأمة من عقبات كؤود لا يجتازها عابرها إلا بشق الأنفس.
وهيهات النجاة وكشف القناع عما وضعه الوضاعون، ودسه
____________
1 - قال المؤلفات: الشيعة هم موجودون في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وهو الذي وضع حجر الأساس لهم، والذي وضع حجر الأساس إلى المذهب السني ليكيد به الشيعة هو معاوية، فما أبعد ما بين الأساسين ! ! !
لكن الله جلت قدرته لن يخلي زمنا " ما ممن يقذف بالحق على الباطل، فيدمغه فإذا هو زاهق، والحمد لله رب العالمين.
إذن فالكتابة عن يوم السقيفة وطوارئها، والبحث عن إدراك غوامضها ليس بالأمر السهل، إذ هو السبب القوي الداعي إلى انقسام الأمة إلى فرقتين في يومه، ثم إلى فرق تبلغ الثلاث والسبعين فرقة، كما جاء في الحديث كل فرقة تحمل على من سواها حملة شعواء لا هوادة فيها، وتحملها أوزار الثقلين من الإنس والجن، ولا ينجو من تلك الفرق كلها سوى فرقة واحدة، بإخبار الرسول صلى الله عليه وآله (1) وهذا شئ عظيم يوجب إلفات النظر بدقة.
أمة كبيرة طويلة المدى، لا ينجو منها سوى فرقة واحدة (الله أكبر) إذن يجدر بالإنسان أن يجهد جهده لإنقاذ نفسه، وإنقاذ عياله، ومن يلوذ به وأصدقائه، بل جميع الأمة إن استطاع ولا أراه بمستطيع...
فالأمر أمر تضرب له آباط الإبل، انتبه ! !
____________
1 - تقدم قوله صلى الله عليه وآله: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحد) ص 44 بمصادره.
لعمري ولعمر الدهر، لو أن الإنسان بات الدهر طاويا "، يفترش الغبراء، ويلتحف الزرقاء ونجى لما كان مغبونا " به.
ولنبحث الآن عن:
الفرقة الناجية
وإن تكرر منا هذا الموضوع قبلا " (1)، إنما هو لكل فائدة، لذلك أتينا بهذه الفقرات أيضا "، فنقول:
إن صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله وهو الرؤوف بأمته، الرحيم بها، أيقول لنا حديثا " [هو] من أهم الأحاديث الواردة في الترغيب والترهيب، وفيه من الغموض ما لا يستطيع أعظم مفكر أن يكتشف غوامضه إلا أن يكون معصوما "، ويتركه على الصدفة بدون أن يعلق عليه، فيوقع أمته مضطربة الأحوال، تتخبط خبط العشواء في الليلة الظلماء ؟ !
حاشاه من أن يغمض أمرا ذا بال، فيه لأمته النجاة أو الهلاك فأقول: إن الفرقة الناجية هي التي تمسكت بولاء الله وولاء الرسول والأئمة الأطهار الذين طهرهم الله من الرجس، وتبرأت ممن عاداهم عملا " بالحديث الثابت المتفق عليه من كلا الطائفتين (الشيعة والسنة) وهو قوله صلى الله عليه وآله:
(من كنت مولاه، فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد
____________
1 - راجع ص 44.
وأما قول من قال: إن النبي صلى الله عليه وآله لما سئل عن الفرقة الناجية أيتها هي ؟ فقال: (ما أنا وأصحابي عليه) فغير مسلم فيه إذ أن الصحابة ليسوا كلهم ممن يتمسك بهم، لأنه فيهم ممن ظهر منهم أفعال غير مرضية، مثل: مروان بن الحكم الطريد ابن الطريد، الملعون ابن الملعون، كما روي عن عائشة، عن رسول الله:
(مروان فضض من لعنة الله ورسوله) (2)، ومعاوية الطليق ابن الطليق، وعمرو بن العاص المشهور في المكر والخداع، وكالمجرم المغيرة بن شعبة، وكثير غيرهم.
وقد قال الله سبحانه في سورة براءة: (ومن الأعراب منافقون من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) (3).
أما أنا فلي رأي في قوله تعالى: (لا تعلمهم) وهو أن النبي صلى الله عليه وآله يعلمهم تماما "، ولكن جاءت الآية للتهويل بهم لتمردهم في حرفة النفاق، كما تقول فيمن كثر إيذاؤه، وعظم ضرره وبلاؤه في الفساد والإفساد، فتمرد بفنه تقول إذا أردت أن تعلم عنه أن هذا رجل كذا وكذا، وأنت تريد [أن] تعرفه لمن يعلم حاله تقول له: أنت لا تدري
____________
1 - تقدم ص 143 فراجع.
2 - قال ابن الأثير في النهاية: 3 / 454: ومنه حديث عائشة: قالت لمروان: إن النبي صلى الله عليه وآله لعن أباك، وأنت فضض من لعنة الله. أي قطعة وطائفة منها.
3 - سورة التوبة: 101.
وهذا أمر شائع معروف حتى بين العوام، ويعرفه من له معرفة في علم البلاغة.
وإن صح قوله صلى الله عليه وآله: (ما أنا وأصحابي عليه) ولا أراه بصحيح، فالمراد به أهل البيت عليهم السلام الذين جعلهم الله ورسوله قدوة لأولي الألباب، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالتمسك بهم، ونهى عن ترك التمسك بهم، كما أوردنا عليك الكثير من الروايات الواردة بهذا الشأن في كتابنا هذا، فراجع وتأمل، ولا تحملك العصبية.
وهنا أقدم لك دليلا " غير هذا، وهو قد ورد في كتب الحديث، وكتب المواعظ وغيرهما:
(من قال لا أله إلا الله دخل الجنة) (1) قلت:
____________
1 - هذا الحديث مشهور، ومروي بألفاظ مختلفة، أشهرها ما هو مروي في صحيفة الإمام الرضا عليه السلام: إذ قال عليه السلام بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:
ويقول الله عز وجل: (لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي).
قال الراوي: فلما مرت الراحلة نادانا - أي الإمام الرضا عليه السلام -:
(بشرطها وشروطها وأنا من شروطها).
أقول: فإذا نظرنا إلى الآيات المباركة التي يتوعد فيها سبحانه وتعالى بالنار، وإلى التي يعد فيها بالأمن من العذاب، والفوز بالنعيم لمن أسلم وآمن وعمل صالحا "، ثم نظرنا إلى الأحاديث الشريفة المبينة لما وجب وما حرم على الإنسان، وإلى أحاديث دعائم الإسلام، والتي منها ولاية الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، وما كان شرطا " لقبول الأعمال، يبدو واضحا " ضرورة أن يقر =
فالقول بنجاة الأمة جميعا "، رد للحديث المتفق على صحته، والقول بهلاك الكل رد له أيضا " كما قدمنا (1) أيضا "، إذن فلا بد أن تكون الفرقة الناجية قد امتازت عن غيرها من الفرق بشئ لم تأخذ به بقية الفرق.
وقد امتازت الشيعة عن غيرها بأمور اختصت بها، وهو قولهم بعصمة الأئمة عليهم السلام، واختصاص الخلافة بهم بأدلة تقطع على الخصم حجته، فالخلافة لا تصلح لغيرهم، ولا يتم نظام الأمة بتولي الخلافة بغيرهم.
ولو أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله أخذوا بتعاليم نبيهم، لما وقعوا فيما وقعوا به من القتل والنهب والسلب، ولكن خرجوا عن طاعة الله والرسول، فكان ما كان مما لا يخفى على أحد، فحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
____________
= المسلم بالتوحيد ويقول:
(لا إله إلا الله) معتقدا " بنبوة حبيبه خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله ومتمسكا " بثقليه: كتاب الله وعترته، وهم خلفاءه حقا "، اثنا عشر إماما "، إماما " بعد إمام صلوات الله عليهم).
1 - { ص 44 }.
ونختم القول بأن الشيعة فرقة مؤمنة أخذت بجميع ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وآله عن ربه، فهي صاحبة الحق في كل مدعياتها، ولكن أهل الفساد ألصقوا بها عيوبا "، هي منها بريئة كبراءة ذئب يوسف من يوسف، راجع كتبها، وتتبع آثارها بإخلاص، تعرف صدقنا.
وأقول: إن لفظة (شيعي) هو شرف عظيم، لأن القرآن جاء بمدحها، ألا ترى إلى ما قال الله في كتابه حكاية عن الذي استغاث بموسى لما أراد القبطي السخرية منه (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه) (1) أي ي موسى وكز القبطي فقتله، دفاعا " عمن هو من شيعته.
وقوله تعالى: (وإن من شيعته لإبراهيم) (2) يعني إن نوح من شيعة إبراهيم.
وقد مر عليك كثيرا " قول رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: (أنت وشيعتك) فالشيعة هم حزب الله، وحزب الأنبياء والأوصياء، والحمد لله.
____________
1 - سورة القصص: 15.
2 - سورة الصافات: 83.
طامة الشورى (1)
قلنا غير مرة: إن الله جل وعلا أرسل محمدا " صلى الله عليه وآله، وشرع له دينا " قيما " لا عوج فيه على لسان جبرئيل، وأنزل عليه قرآنا " محفوظا " لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.
ونص الله ورسوله على وصيه علي عليه السلام من أول يوم أعلن الرسول الدعوة فيه فأمره الله بإنذار عشيرته الأقربين، واستوزر عليا " عليه السلام وما زال في كل مناسبة يرفع من شأن علي في أمر الخلافة، حسبما تقتضيه حكمته البالغة إلى أن جاء اليوم الذي أراد الله أن يتوفى فيه رسوله، ففي اليوم الذي قضى الرسول صلى الله عليه وآله فيه نحبه، وبينما كان علي ومن معه مهتمين في تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله، قام الأنصار واجتمعوا في سقيفتهم، ورشحوا سعد بن عبادة ليكون خليفة (2).
____________
1 - قال المؤلف: اقتبست هذه الجملة من تظلم الإمام علي عليه السلام في خطبته الشقشقية التي يقول فيها: (يالله وللشورى).
2 - قال المؤلف: ولتجري هنا محاكمة مع الأنصار:
من سوغ لهم الاجتماع لترشيح سعد للخلافة، والنبي صلى الله عليه وآله - بأبي وأمي - مسجى لم يبرد جسمه الشريف بعد ؟ وأنتم الأنصار الذين آويتم ونصرتم، وتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد خلف عليا " عليه السلام يوم الغدير، وسمعتم بآذانكم ورأيتم بأعينكم، وبايعتم كما بايع الناس، هل كان الأمر منكم على شك في الرسول صلى الله عليه وآله ؟ أم ماذا ؟ أم طمحت نفوسكم إلى أن تكون الرئاسة فيكم وإن =
أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة، فدخلوا عليهم بغتة، ودار الحوار بين المهاجرين والأنصار، واحتدم النزاع، واشتد الجدال حتى كادت أن تقع الفتنة بينهم، فقام أبو بكر، وألقى خطابا " سياسيا " أتى فيه
____________
= كنتم على غير حق ؟
فيا لله ويا للمسلمين ! ! هل مات رجل عادي من الناس من الذين لا يعبأ بهم حتى أتيتم بما أتيتم به ؟ ! فكان الواجب عليكم أن تقوموا بتجهيز من كان سببا " لإنقاذكم من هوة الكفر إلى الإسلام، ورفع مكانتكم من الذل إلى أوج المجد، وكان على الأقل أن تعزوا آله بموته، ثم تجتمعوا وتتشاوروا في أمر الخلافة على فرض أن النبي صلى الله عليه وآله لم يوص ! ! ولكن تعلمون أن المهاجرين مصممون على نقض العهد، وتعلمون أن الأمر إن لم تسبقوا إليه استولى عليه غيركم، وتحكم بكم، ولو أن الزعيم سعدا " انضم إلى علي عليه السلام ومعه من قومه من يوافقه، لما ذهبت الخلافة عن أهلها، وكان له حظ وفير من حسن السمعة، وأجر عند الله عظيم.
ولكن قوله في السقيفة بعد فشله من الخلافة: لا تبايعوا إلا عليا " ! ! لا تمحو له ما اكتسب من الإثم شيئا "، وصدرت منه بعد اليأس وبعد خراب البصرة، ولما كان تحكم به عمر إذ تقابل هو وعمر يوما " فقال له: (كيف رأيت ما حل بك ؟)، فأجابه: إني لم أحضر معكم في جماعة أبدا ".
فطلب منه أن يهاجر من البلاد، فهاجر إلى البلاد الشامية، ومات في بلدة حمص.
وقيل: قتله خالد بن الوليد غيلة.
أقول: ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج: 10 / 111 قصة مقتله، وقال: إن أمير الشام يومئذ { معاوية } كمن له من رماه ليلا "، وهو خارج إلى الصحراء بسهمين، فقتله لخروجه عن طاعة الإمام....
ثم خاطب الأنصار، فلم يغمط حقهم وسابقتهم وجهادهم، لكن... لكن من غير استحقاق لهذا الأمر، وإذا استحقوا شيئا "، فإنما هي (الوزارة)... ولغيرهم... (الإمارة)، فقال:
وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلكم في الدين، ولا سابقتكم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصارا " لدينه ولرسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء ! ! (1) وفي البيان الشئ المدهش من إطفاء نار عواطفهم المتأججة ضد المهاجرين، وإشباع نهمة نفوسهم الفخورة المتطاولة بفضلهم وجهادهم ونصرتهم، وتقريبا إلى المهاجرين للاعتراف بفضلهم عليهم لأنه ليس
____________
1 - { تاريخ الطبري: 3 / 208 }، قال المؤلف: إن الخليفة وإن وعد الأنصار بالوزارة غير أنه لم يف إليهم بشئ من الوعد، وإنما أتى بما أتى به تخديرا " لأعصابهم وتسكيتا " لثورتهم، الله أكبر ما أدهاك يا ابن أبي قحافة ! !
حقا " لقد صدق وصدقوا، فإن لهم الفضل الذي لا ينكر، ولكنهم أخطأوا بزعمهم أن لهم بذلك حق الإمارة.
وهنا نجد أبا بكر يريد أن يحولهم عن هذا الزعم، فيحذر أن يخدش عواطفهم بما ينقص منزلتهم، ويحط من مقامهم، فعدل عن التصريح بكلمة الخطأ أو ما ينسق عليها من معناها، واتبع أسلوبا " آخر من البيان، وإنه لمن السحر المأثور، فلم يزد على كلمة: (فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء) وفيها تنبيه على خطأهم من طرف خفي من دون التجاء إلى الكلمة التي بها تجرح عواطفهم، وتثير الحزازات، مع الثناء عليهم في نفس الوقت، ثم إثبات الوزارة لهم (1).
نقاش المهاجرين والأنصار
بعد أن أنهى أبو بكر خطابه، لم يرد عليه إلا الحباب بن
____________
1 - قال المؤلف: وإن أردت تفصيل ذلك بأسلوب رائع جذاب، فعليك بمراجعة كتاب (السقيفة) ص 126 - 132 للحجة فقيد الإسلام الشيخ محمد الرضا المظفر، ونحن أتينا بشئ يسير منها أيضا ".
فقام الحباب بعد عمر، فقال: يا معشر الأنصار ! املكوا عليكم أمركم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه، فاجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم - والله - أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين، إلى غير ذلك مما قال (2).
____________
1 - ترجم له أسد الغابة: 1 / 436 وفيه (شهد الحباب المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو القائل يوم السقيفة بني ساعدة عند بيعة أبي بكر: أنا جيذيلها عمر بن الخطاب....
2 - قال المؤلف: لا يخفى أن المهاجرين والأنصار جميعا " ليس لهم فيها حق أبدا " لما ورد عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله في شأن علي عليه السلام في توطيد أمر الخلافة مما لا يحصى عدا "، كيوم الإنذار وغيره، وقد مر عليك فلا تغفل، فقيام الأنصار والمهاجرين يطلبونها لأنفسهم بغيا " وعدوانا "، ورئاسة وتزعما "، غرتهم الدنيا بزبرجها، فانقلبوا على أعقابهم، فمنهم من أنكر الخلافة رأسا "، ومنهم من تبدل رأيه فيها، ومنهم ومنهم، وقد أخبر الله تعالى عنهم بقوله: =
خلافة أبي بكر
وبعد اللتيا والتي تم الأمر جبرا " وكراهة من الأنصار، وكثير من المسلمين لأبي بكر، وخسر الأنصار، وما ذلك إلا انقسامهم على أنفسهم، وقام أبو بكر بالخلافة سنتين وشهرين وبضع أيام (1) مع أن بيعته (كانت فلتة) على حد تعبير عمر نفسه، إذ قال:
كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها (2).
____________
= (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسول أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا " وسيجزي الله الشاكرين) آل عمران: 144.
فالآية تدلنا دلالة واضحة صريحة على أن فور موت النبي صلى الله عليه وآله ينقلب أناس كثيرون بدليل قوله: (انقلبتم) بصيغة الماضي والخطاب، فهي تدل على من كان حاضرا " في مدينة الرسول صلى الله عليه وآله، لا إلى من كان في البادية، ولا لمن يأتي في غابر الأزمان، إذ لوت كانت في غير من في المدينة لقال (انقلبوا) بلفظ الغائب، ولو كانت في من يأتي في المستقبل لقال (ينقلبون) بلفظ المستقبل، وكلاهما لا يصح، وبقية الآية خاصة بمن كان حاضرا "، ولذا رأينا كلا " من المهاجرين والأنصار يتراكضون على استيلاء الخلافة لعلي عليه السلام فتنازعهم فيها يوم السقيفة ظلم وجور.
1 - ذكره في حياة الحيوان: 1 / 71، وقال: (سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام).
2 - وقوله هذا مشهور نقله الفريقان بأسانيد شتى، فقد رواه البخاري في صحيحه (باب رجم الحبلى من الزنا): 10 / 44، وأحمد في مسنده:
1 / 55، وابن كثير في تاريخه: 5 / 246، والطبري في تاريخه: 3 / 200 - 205، وابن هشام في السيرة: 4 / 338، وكثير غيرهم.
دور عمر
ثم جاء دور عمر، وذلك لما نزل بأبي بكر المرض، وظهرت عليه إمارات الموت تفتحت نفسه، ثم لما احتضر أبو بكر، قال للكتاب:
أكتب، هذا ما عهد عبد الله بن عثمان (1) آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة في الساعة التي يبر فيها الفاجر، ويسلم فيها الكافر.
ثم أغمي عليه، فكتب الكاتب: (عمر بن الخطاب)، ثم أفاق أبو بكر، فقال:
أقرأ ما كتبت.
فقرأ، وذكر اسم عمر، فقال: أنى لك هذا ؟
[قال:] ما كنت لتعدوه.
فقال: أصبت، ثم: قال: تم كتابك.
قال:
ما أكتب ؟ قال: أكتب:
وذلك حيث أجال رأيه، وأعمل فكره، فرأى أن هذا الأمر لا يصلح [به] آخره إلا بما يصلح أوله، ولا يحتمله إلا أفضل العرب مقدرة، وأملكهم لنفسه، وأشدهم في حال الشدة، وأسلسهم في حال اللين، وأعلمهم برأي ذوي الرأي، لا يتشاغل بما لا يعينه، ولا يحزن لما ينزل به، ولا يستحي من التعلم، و [لا] يتحير عند البديهة،
____________
1 - عثمان اسم أبي قحافة.
فلما فرغ من الكتاب دخل عليه قوم من الصحابة، منهم طلحة، فقال له: ما أنت قائل لربك غدا "، وقد وليت علينا فظا " غليظا " تفرق منه النفوس وتنفض عنه القلوب (1)... ؟ !.
عمر والخلافة
ثم قام عمر بن الخطاب بأمر الخلافة مدة عشر سنين وشيئا " (2)، فلا نتعرض له فيما حكم به في هذه المدة عدل أم لا، إذ أن علماء التاريخ أتوا بكل ما وقع منه في مدة خلافته، فنحيل القارئ إليها (3) إذ نحن غرضنا هنا في جعله أمر الخلافة في ستة نفر، أحدهم علي بن أبي طالب عليه السلام فلننظر هل كان عمر على صواب في ذلك، أم لا ؟
فنقول: لما طعنه أبو لؤلؤة في المسجد، حملوه إلى منزله، وأجمع الناس عنده، فاستشار الحاضرين فيمن يولوه الأمر بعده، فأشاروا عليه بولده عبد عبد الله ! فقال: لا ها الله إذن لا يليها رجلان من ولد الخطاب، حسب عمر ما احتقب، لاها الله لا أحتملها حيا "
____________
1 - راجع تفاصيل الخبر في شرح نهج البلاغة: 1 / 163.
2 - ذكره في حياة الحيوان: 1 / 75، وقال: (عشر سنين وستة أشهر وخمس ليال) وقال غيره: (وثلاثة عشر يوما ").
3 - راجع على سبيل المثال كتاب (من حياة الخليفة عمر بن الخطاب) لعبد الرحمن البكري (ط. الارشاد للطباعة والنشر).
إن رسول الله مات وهو راض عن هذه الستة من قريش:
علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وسعد، وإني رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم ! ثم قال:
إن أستخلف، فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني النبي - ! ! ! ثم قال ادعوهم.
فدعوهم، فدخلوا عليه، وهو ملقى على فراشه يجود بنفسه، فنظر إليهم، فقال:
أكلكم يطمع في الخلافة بعدي ؟ فوجموا.
فقال لهم ثانية، فأجابه الزبير وقال:
وما الذي يبعدنا منها، وقد وليتها أنت، فقمت بها ولسنا دونك في قريش، ولا في السابقة ؟ !
قال [الشيخ أبو عثمان] الجاحظ: والله لولا علمه أن عمر يموت في مجلسه ذلك لم يقدم على أن يفوه من هذا الكلام بكلمة، ولا أن ينبس منه بلفظة (1).
فقال عمر: أفلا أخبركم عن أنفسكم ؟ قالوا: قل، فإنا لو استعفيناك لم تعفنا.
فقال:
____________
1 - قال المؤلف: وهذا دليل واضح على شدة عمر وغلظته، وعدم عدالته وحنانه ورأفته في الأمة.
أفرأيت إن أفضيت إليك، فليت شعري من يكون للناس يوم تكون شيطانا " [ومن يكون للناس يوم تغضب ؟ !]، وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الأمة وأنت على هذه الصفة (2).
ثم أقبل على طلحة، وكان له مبغضا " منذ قال لأبي بكر يوم موته ما قال في عمر (3)، فقال له: أقول أم أسكت ؟ قال: قل، فأنت لا تقول من الخير شيئا " ! قال:
أما إني أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم أحد، و [البأو] (4) الذي حدث لك، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله ساخطا " عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب (5).
قال الجاحظ: [الكلمة المذكورة] إن طلحة لما أنزلت آية
____________
1 - الوعق: الضجر، المتبرم. واللقس: من لا يستقيم على وجه.
2 - قال المؤلف: إن شهادة عمر هذه في الزبير تنافي ما روي فيه بأنه مقطوع له بالجنة، وأنه من العشرة المبشرة، وكذا ما قاله في طلحة، ومن هنا ظهر لنا أن حديث العشرة المبشرين بالجنة فيه نظر، فتأمل.
3 - أقول: تقدم قول طلحة لأبي بكر في عمر ص 415.
4 - أي الكبر والفخر.
5 - قال المؤلف: تأمل أيها القارئ قول طلحة في عمر، وقول عمر في طلحة !
يا لله ولرجال المسلمين ! فتنبه وانصف.
ما الذي يغنيه حجابهن اليوم وسيموت غدا "، فننكحهن ! !
قال الجاحظ أيضا ": لو قال لعمر قائل: أنت قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله مات وهو راض عن الستة، فكيف تقول الآن لطلحة أنه مات صلى الله عليه وآله وهو ساخط عليك للكلمة التي قلتها ؟ ! لكان قد رماه بمشقصه (1)، ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا ؟ !
قال: ثم أقبل على سعد بن أبي وقاص، فقال له:
[إنما] أنت صاحب مقنب (2) من هذه المقانب تقاتل به، وصاحب قنص وقوس وأسهم، وما زهرة (3) والخلافة وأمور الناس ؟ ! (4).
ثم أقبل على عبد الرحمن بن عوف، فقال: وأما أنت يا عبد الرحمن، فلو وزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك به، ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك، وما زهرة وهذا الأمر ؟ !
ثم أقبل على علي عليه السلام، فقال:
____________
1 - المشقص: نصل السهم إذا كان طويلا ".
2 - المقنب: جماعة الخيل.
3 - زهرة هي قبيلة سعد بن أبي وقاص.
4 - قال المؤلف: وقد أخرج عمر بهذه الجملة سعدا " من الستة، وكذا عبد الرحمن بن عوف.
ثم أقبل على عثمان، فقال:
هيها " إليك، كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبها إياك، فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفئ، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب، إلى آخر ما قال (2).
ثم أخذ بناصيته، فقال فإذا كان ذلك فاذكروا قولي، فإنه كائن.
ثم قال عمر: ادعو لي أبا طلحة الأنصاري. فدعوه، فقال له:
أنظر يا أبا طلحة، إذا عدتم من حفرتي، فكن في خمسين رجلا " من الأنصار حاملي سيوفكم، فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر، واجمعهم في بيت، وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا، فإن اتفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب أعناقهما، وإن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة، فانظر الثلاثة التي
____________
1 - قال المؤلف: لله أبوك يا عمر ما أدهاك ! فقد أخرجت أبا الحسن عليه السلام من الخلافة من طرف خفي، وهناك سر أخفى لا يدركه إلا من امتحن الله قلبه بالإيمان.
أقول: تأمل - أخي القارئ - كلام عمر وانصف، أيعاب على من يحمل الناس على الحق الواضح أن فيه (دعابة) ؟ !
2 - قال المؤلف: من هنا ظهر لنا أن عمر أعطى الخلافة إلى عثمان بقضية مدبرة قبيل وفاة الرسول صلى الله عليه وآله كما يقال: أمر قد دبر بليل، وإن وراء الأكمة ما وراءها.
قلت: نعوذ بالله من هذا الحكم الجائر الصادر عن هذا الخليفة العادل، فإنه في بدء أمره وصف الستة بأنهم (مات رسول الله صلى الله عليه وآله وهو راض عنهم) فدعاهم فقال: ادعوهم لي. فدعوهم، فلما حضروا، وصم كل واحد منهم بعيوب لا تخوله أن يكون خليفة، بل مردود الشهادة لو طلب إليها، فضلا " عن أن يكون خليفة، ومع ما عابهم به بقي على إدخالهم في الشورى !
فلو فرضنا أنهم لم يتفقوا في ثلاثة أيام، وضرب أبو طلحة الأنصاري رقابهم، وهم على ما زعموا أنهم من العشرة المبشرين بالجنة، فيا لله أي مسوغ سوغ لعمر إباحة دماء الستة من كبار الصحابة مع أن هناك نصوصا " صارخة في مواضع شتى بخلافة علي أمير المؤمنين عليه السلام أفهلا أرجعها له رأسا "، وأراح المسلمين من هذه المشكلة المعضلة ! !.
فليت شعري على من تكون تبعتهم، وهو يلفظ نفسه الأخير، وتحرج من أن يتحملها حيا " وميتا "، انظر إلى هذا الحكم الذي صدر عنه، وتأمل منصفا "، هل يصدر هذا الحكم من رجل يخاف الله
____________
1 - شرح النهج لابن أبي الحديد: 1 / 185.