الصفحة 456
المالكي أو الشافعي، أو أحمد بن حنبل مع بعض مزاياهم التي يذكرونها ؟ فلم يجبك بجواب تطمئن إليه النفس.

والسر في ذلك إن كل واحد منهم لم يكن نبي، أو وصي نبي وما كان يوحى إليهم، ولم يكونوا ملهمين، بل إنهم كسائر من ينتسب إلى العلم، وأمثالهم كثير وكثير من العلماء.

ثم إنهم لم يكونوا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وأكثرهم، أو كلهم، لم يدركوا النبي صلى الله عليه وآله، ولا أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فاتخاذ مذهب واحد منهم، وجعله مذهبا " لنفسه، والالتزام به وبآرائه التي يمكن فيها الخطأ والسهو - وكل واحد منهم ذوي آراء متشتتة يخالف بعضها بعضا " - لا يقره العقل ولا البرهان، ولا تصدقه الفطرة السليمة، ولا الكتاب، لا السنة، ولا حجة لأحد على الله في يوم الحساب، بل لله الحجة البالغة عليها، حتى أنه لو سأل الله من التزم بأحد المذاهب الأربعة في يوم القيامة، بأي دليل أخذت بمذهب هذا ؟ لم يكن له جواب سوى قوله:

(إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) (1) !

أو يقول: (إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا) (2) !

فبالله عليك يا فضيلة الشيخ، هل يكون لملتزمي أحد المذاهب الأربعة يوم القيامة أمام الله الواحد القاهر جوابا " ؟

فأطرق رأسه مليا "، ثم رفع رأسه، وقال: لا.

فقلت: هل يكون

____________

1 - إشارة إلى قوله تعالى في سورة الزخرف: 23.

2 - إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأحزاب: 67.

الصفحة 457
أحد معذورا " بذلك الجواب ؟ أجابني: كلا.

ثم قلت: وأما نحن المتمسكين بولاء العترة الطاهرة - آل بيت رسول صلى الله عليه وآله - العاملين بالفقه الجعفري، فنقول في يوم الحساب عند وقوفنا أمام الله العزيز الجبار:

ربنا إنك أمرتنا بذلك، لأنك قلت في كتابك: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (1).

وقال نبيك محمد صلى الله عليه وآله باتفاق المسلمين: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) (2).

وقال صلى الله عليه وآله: (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق) (3).

ولا ريب لأحد أن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام من العترة الطاهرة، وعلمه علم أبيه، وعلم أبيه علم جده رسول الله صلى الله عليه وآله وعلم رسول الله من علم الله، هذا مضافا " إلى أن الإمام الصادق عليه السلام قد اتفق جميع المسلمين على صدقه ووثاقته، وهناك طائفة كبيرة من المسلمين من يقول بعصمته وإمامته، وأنه الوصي السادس لرسول الله صلى الله عليه وآله وأنه حجة الله على البرية، وأن الإمام الصادق عليه السلام كان يروي عن آبائه الطيبين الطاهرين،

____________

1 - سورة الحشر: 7.

2 - تقدم الحديث بمصادره ص 203.

3 - تقدم الحديث بمصادره ص 232.

الصفحة 458
ولا يفتي برأيه، ولا يقول بما يستحسنه، فحديثه حديث أبيه وجده (1)، إذ أنهم منابع العلم والحكمة، ومعادن الوحي والتنزيل، فمذهب الإمام الصادق عليه السلام هو مذهب أبيه وجده المأخوذ عن الوحي، لا يحيد عنه قيد شعرة، لا بالاجتهاد كغيره ممن اجتهد.

فالآخذ بمذهب جعفر بن محمد عليه السلام ومذهب أجداده، آخذ بالصواب، ومتمسك بالكتاب والسنة، وبعد أن أوردت عليه ما سمعت من الأدلة أكبرني، وفخم مقامي، وشكرني، فأجبته: إن الشيعة لا يطعنون على الصحابة جميعا "، بل إن الشيعة يعطون لكل منهم حقه، لأن فيهم العدل وغير العدل، وفيهم العالم والجاهل، وفيهم الأخيار والأشرار، وهكذا، ألا ترى ما أحدثوه يوم السقيفة ؟

تركوا نبيهم مسجى على فراشه، وأخذوا يتراكضون على الخلافة، كل يراها لنفسه، كأنها سلعة ينالها من سبق إليها مع ما رأوا بأعينهم، وسمعوا بآذانهم من النصوص الثابتة الصارخة عن الرسول صلى الله عليه وآله من اليوم الذي أعلن فيه الدعوة إلى اليوم الذي احتضر فيه مع أن القيام بتجهيز الرسول صلى الله عليه وآله أهم من أمر الخلافة على فرض أن

____________

1 - روى الكليني في الكافي: 1 / 53 ح 14 بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال:

حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث لحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله، وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله قول الله عز وجل.

الصفحة 459
النبي صلى الله عليه وآله لم يوص، فكان الواجب عليهم أن يقوموا بشأن الرسول، وبعد الفراغ يعزون آله وأنفسهم لو كانوا ذوي إنصاف، فأين العدالة والوجدان ؟ !

وأين مكارم الأخلاق ؟ ! وأين الصدق والمحبة ؟ !

ومما يزيد في النفوس حزازة تهجمهم على بيت بضعته فاطمة الزهراء عليها السلام نحوا " من خمسين رجلا "، وجمعهم الحطب ليحرقوا الدار على من فيها حتى قال قائل لعمر:

إن فيها الحسن والحسين وفاطمة !

قال: وإن ! ! !

ذكر هذا الحادث كثير من مؤرخي السنة (1) فضلا " عن إجماع الشيعة، وقد علم البر والفاجر، وجميع من كتب في التأريخ أن النبي صلى الله عليه وآله قال:

(فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن أغضبها فقد أغضبني، ومن أغضبني فقد أغضب الله، ومن أغضب الله أكبه الله على منخريه في النار).

ووقائع الصحابة الدالة على عدم القول بعدالة الجميع كثيرة،

____________

1 - قال المؤلف: أنظر في الإمامية والسياسة، والرياض النضرة، ومروج الذهب، وأنساب الأشراف، والإمام علي عليه السلام لعبد الفتاح عبد المقصود، وشرح النهج لابن أبي الحديد، وغيرها من مصادر القوم، تجد أنهم ذكروا هذه الحادثة المؤلمة. =

الصفحة 460
راجع البخاري ومسلم فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث (الحوض) تعلم صحة ما ذهب إليه الشيعة، ومن نحا نحوهم من السنة، فأي ذنب لهم إذا قالوا بعدم عدالة كثير منهم ؟

وهم الذين دلوا على أنفسهم، وحرب الجمل وصفين أكبر دليل على إثبات مدعاهم، والقرآن الكريم كشف عن سواء أحوال كثير منهم، وكفانا سورة براءة دليلا ".

ونحن ما أتينا شيئا " إدا "، ألا ترى ما أحدثه الطاغية معاوية، وعمرو بن العاص، ومروان، وزياد، وابن زياد، ومغيرة بن شعبة،

____________

= أما الشيعة فبرمتهم ذكروها حتى وقد ذكر المؤرخون أسماء الذين أتوا بهذه الجناية، قالوا، وكان ذلك برئاسة عمر - الشهم البطل المغوار - لكن لا في ساحة القتال.

وبهذا المعنى قال شاعرهم حافظ إبراهيم:

وقولة لعلي قالها عمر * أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها * أمام فارس عدنان وحاميها ! !

أقول: استقصينا في كتابنا (ظلامات الزهراء عليها السلام) جل مصادر الفريقين الذين رووا هذا الخبر المؤلم حقا "، وقد أفردنا له بابا " خاصا "، والكتاب الآن تحت، الطبع، وسيصدر قريبا " ضمن منشورات مؤسسة (بضعة المصطفى صلى الله عليه وآله لا حياء تراث أهل البيت عليهم السلام) إن شاء الله.

الصفحة 461
وعمر بن سعد الذي أبوه من العشرة المبشرة في الجنة على ما زعموا ! !

وطلحة، والزبير اللذان بايعا عليا "، ونقضا البيعة، وحاربا إمامهما مع عائشة في البصرة، وأحدثوا فيها من الجرائم التي لا يأتي بها ذو مروءة ! !

فليت شعري، هل كان وجود النبي صلى الله عليه وآله بينهم موجبا " لنفاق كثير منهم، ثم بعد لحوقه بالرفيق الأعلى - بأبي وأمي - صار كلهم عدولا " ؟ !

ونحن لم نسمع قط بأن نبيا " من الأنبياء أتى قومه، وصاروا كلهم عدولا "، بل الأمر في ذلك بالعكس، والكتاب والسنة بينتا ذلك، فماذا أنت قائل أيها الأخ المحترم ؟

فأجابني: حقا لقد أتيت بما فيه المقنع، فجزاك الله عني خيرا ".

ثم قلت: جاء في كتاب (الجوهرة في العقائد) للشيخ إبراهيم اللوقاني المالكي:

فتابع الصالح ممن سلفا * وجانب البدعة ممن خلفا

قال: نعم هكذا موجود.

قلت: أرشدني من هم السلف الذين يجب علينا اتباعهم ؟ ومن الخلف الذين يجب علينا مخالفتهم ؟

قال: السلف هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله.

قلت: إن الصحابة عارض بعضهم بعضا "، وجرى ما جرى بينهم مما لا يخفى على مثلكم.

فتوقف برهة، ثم قال: هم أصحاب القرون الثلاثة.

قلت له:

إذا أنت في جوابك هذا قضيت على المذاهب الأربعة، لأنهم

الصفحة 462
خارجون عن القرون الثلاثة !

فتوقف أيضا "، ثم قال: ماذا تريد بهذا السؤال ؟ قلت: الأمر ظاهر، وهو يجب علينا أن نتبع الذين نص عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله بأن يكونوا قدوة للأمة.

قال: ومن هم ؟

قلت: علي بن أبي طالب، وبنيه: الحسن والحسين، وأبناء الحسين التسعة عليهم السلام، آخر هم المهدي عجل الله فرجه الشريف، قال:

والخلفاء الثلاثة ؟

قلت: الخلاف واقع فيهم، فالأمة لم تجتمع عليهم، وحدث منهم أعمال توجه عليهم النقد.

قال: عجبا " ! وهذا من رأي الشيعة ؟ قلت: وإن يكن، هل وقع في الصحابة ما ذكرت لكم أم لا ؟ قال: بلى.

قلت: إذا " يجب علينا أن نأخذ بمن اتفقت عليهم الأمة، وندع المختلف فيهم، فالشيعة وهم طائفة كبيرة من الإسلام، يكثر عددهم على مائة مليون، وهم منتشرون في الدنيا كما تقدم، وفيهم العلماء الأعاظم، والفقهاء الأكابر، والمحدثون الأفاضل...

فلم يعترفوا بخلافة الثلاثة، ولكن أهل السنة والجماعة اعترفوا بخلافة أمير المؤمنين عليه السلام، فخلافة أمير المؤمنين مجمع عليه عند المسلمين عامة، وخلافة الثلاثة ليس بمجمع عليه.

والخلافة بعد أمير المؤمنين علي إلى ولده الحسن، ثم إلى الحسين، ثم إلى ولده الأئمة التسعة عليهم السلام، خاتمهم قائمهم عجل الله

الصفحة 463
فرجه الشريف والنصوص في ذلك من كتبكم بكثرة (1)، وجاءت الروايات من طرقكم بفضل أهل البيت، وتقدمهم على غيرهم، وأهمها: العصمة.

قال: نحن لا نقول بالعصمة !

قلت: أعلم ذلك، ولكن الدليل قائم عند الشيعة على ما قلت، وسأقدم لك كتابا " يقنعك ويرضيك.

قال إذا ثبت لدي عصمتهم انحل الإشكال بيني وبينك.

فقدمت له الكتاب، وهو كتاب (الألفين) لأحد أعاظم مجتهدي الشيعة الإمام الأعظم (العلامة الحلي ره) فأخذ الكتاب يتصفحه في مجلسه، فأكبره، وأعجبه هذا السفر العظيم، ثم قال لي: هل تعلم أن فضيلتك أدخلت علي الريب في المذاهب الأربعة، وملت إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام ؟ لكن أريد منك تزويدي ببعض كتب الشيعة.

فقدمت جملة منها له، ومنها كتاب الإمام شرف الدين، ودلائل الصدق، والغدير، وأمثالهما، وأرشدته إلى سائر كتب الشيعة.

ثم ودعني وقام شاكرا " حامدا "، قاصدا " إلى محلة، وهو متزلزل العقيدة [بمذهبه] وذهب.

ثم بعد أيام أتتني رسالة شكر منه من الأزهر الشريف، وأخبرني فيها، بأنه قد اعتنق مذهب أهل البيت عليهم السلام وصار شيعيا "، ووعدني أن يكتب رسالة في أحقية مذهب الشيعة.

____________

1 - تقدم ذكرها في ص 269 في النصوص الواردة في حصر النبي صلى الله عليه وآله خلفاءه في اثني عشر خليفة.

الصفحة 464
وهو اليوم - سلمة الله - لا يزال مشغولا " بتأليف هكذا كتاب على ما بلغني أيده الله والمسلمين جميعا " لخدمة الدين والمذهب، إنه سميع الدعاء.

مناظرة بيني وبين بعض الأعلام من أهل السنة والجماعة في شأن التربة الحسينية والتعازي

وفي اليوم الرابع عشر من شهر محرم الحرام سنة 1374 ه‍ أتاني جماعة من علماء السنة، وبعضهم زملائي في الأزهر، حاملين علي حقدا " في صدورهم، لأخذي بمذهب أهل البيت، وتركي مذهب السنة.

ودار البحث بيننا طويلا "، يقرب حوالي عشر ساعات تقريبا "، وذلك في كثير من المسائل، ومنها:

انتقادهم على الشيعة بأنهم يسجدون على التربة الحسينية، فهم مشركون، وإجراؤهم التعازي على الإمام الحسين عليه السلام وهو بدعة ! !

فقلت لهم: كلاهما أمر محبوب، محبذ إليه من الشارع المقدس، أما قولكم: إن الشيعة يسجدون على التربة الحسينية، فهم مشركون ! هذا غير صحيح، لأن السجود على التربة لا يكون شركا "، لأن الشيعة تسجد على التربة لا لها، وإن كانت الشيعة تعتقد على حسب مدعاكم وزعمكم - على الفرض المحال - إن التربة هي أو في جوفها شئ يسجدون لأجله، فكان اللازم السجود لها لا السجود

الصفحة 465
عليها، لأن الشخص لا يسجد على معبوده، لأن السجود يجب أن يكون للمعبود، وهو الله، يعني تكون الغاية من السجود والخضوع هو الله سبحانه، أما السجود على الله ! فهو كفر محض، فسجود الشيعة على التربة ليس شركا ".

فأجابني أحدهم، وهو أعلمهم قائلا: أحسنت يا فضيلة السيخ على هذا التحليل اللطيف، ولنا أن نسألك ما سبب إصرار الشيعة على السجود على التربة ؟ ولم لا تسجدون على سائر الأشياء كما تسجدون على التربة ؟

فأجبته: ذلك عملا " بالحديث المتفق عليه بإجماع جميع فرق المسلمين، وهو قوله صلى الله عليه وآله:

(جعلت لي الأرض مسجدا " وطهورا ") (1).

فالتراب الخالص هو الذي يجوز السجود عليه باتفاق جميع طوائف على صحة السجود عليه.

فسألني: وكيف اتفق المسلمون عليه ؟ فأجبته: أول ما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، وأمر ببناء مسجده فيها، هل كان المسجد مفروشا " بفرش ؟ فأجابني: كلا، لم يكن مفروشا ".

قلت: فعلى أي شئ كان يسجد النبي صلى الله عليه وآله والمسلمون ؟

____________

1 - رووه في صحاحهم: البخاري: 1 / 91، مسلم 1 / 371، الترمذي 2 / 131، النسائي 1 / 210، وغيرهم.

الصفحة 466
أجابني: على أرض المسجد المفروشة بالتراب.

قلت: ومن بعد النبي صلى الله عليه وآله في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأمير المؤمنين عليه السلام، هل كان المسجد مفروشا " بفرش ؟ فأجابني أيضا ": كلا ".

قلت: فعلى أي شئ كان المسلمون يسجدون في صلاتهم في المسجد ؟ أجابني: على أرض مفروشة بالتراب.

فقلت: إذن جميع صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله كانت على الأرض، وكان يسجد على التراب، وكذلك المسلمون في زمانه وبعده كانوا يسجدون على التراب، فالسجود على التراب صحيح قطعا "، ومعاشر الشيعة إذ تسجد على التراب تأسيا " برسول الله صلى الله عليه وآله فتكون صلاتهم صحيحة قطعا ".

فأورد علي بأن الشيعة لم لا تسجد على غير التربة التي يحملونها معهم من سائر مواضع الأرض، أو غيرها من التراب ؟ فأجبته:

أولا: إن الشيعة تجوز السجود على كل أرض، سواء في ذلك المتحجر منها، أو التراب.

ثانيا ": حيث إنه يشترط في محل السجود: الطهارة من النجاسة، فلا يجوز السجود على أرض نجسة، أو التراب غير طاهر، لذلك يحملون معهم قطعة من الطين الجاف الطاهر، تفصيا " على السجود على ما لا يعلم طهارته من من نجاسته، مع العلم إنهم يجوزون السجود على تراب، أو أرض لا يعلم بنجاستها.

فأورد علي: إن كانت الشيعة يريدون بذلك السجود على التراب

الصفحة 467
الطاهر الخالص، فلم لا يحملون معهم ترابا " يسجدون عليه ؟ فأجبته:

حيث إن حمل التراب يوجب وسخ الثياب، لأنه أينما وضع من الثوب، فلا بد أن يوسخه، لذلك تمزجه بشئ من الماء، ثم تدعه ليجف حتى لا يوجب حمله وسخ الثوب.

ثم إن السجود على قطعة من الطين الجاف أكثر دلالة على الخضوع والتواضع لله، فإن السجود هو غاية الخضوع، ولذا لا يجوز السجود لغير الله سبحانه، فإذا كان الهدف من السجود هو الخضوع لله، فكلما كان مظهر السجود أكثر في الخضوع، لا شك إنه يكون أحسن، ومن أجل ذلك استحب أن يكون موضع السجود أخفض من موضوع اليدين والرجلين، لأن ذلك أكثر دلالة على الخضوع لله تعالى.

وكذلك يستحب أن يعفر الأنف بالتراب في حال السجدة لأن ذلك أشد دلالة على التواضع والخضوع لله تعالى، ولذلك فالسجود على الأرض، أو على قطعة من الطين الجاف، أحسن من السجود على غيرهما مما يجوز السجود عليه لأن في ذلك وضع أشرف مواضع الجسد - وهو الجبهة - على الأرض خضوعا " لله تعالى وتصاغرا " أمام عظمته.

أما أن يضع الإنسان - في حال السجدة - جبهة على سجاد ثمين، أو على معادن كالذهب والفضة وأمثالهما، أو على ثوب غالي القيمة فذلك مما يقلل من الخضوع والتواضع، وربما أدى إلى عدم التصاغر أمام الله العظيم.

الصفحة 468
إذن، فهل يمكن أن يعتبر السجود على ما يزيد من تواضع الإنسان أمام ربه شركا " وكفرا "، والسجود على ما يذهب بالخضوع لله تعالى تقربا " من الله ؟ ! إن ذلك إلا قول زور.

ثم سألني: فما هذه الكلمات المكتوبة على التربة التي تسجد الشيعة عليها ؟

أولا: إنه ليس جميع أقسام التربة مكتوبا " عليها شئ، فإن هناك كثيرا " من التربات ليس عليها حرف واحد.

وثانيا ": المكتوب على بعضها (سبحان ربي الأعلى وبحمده) رمزا " لذكر السجود، وعلى بعضها إن هذه التربة متخذة من تراب أرض كربلاء المقدسة، بالله عليك أسأل من فضيلتك: هل في ذلك بأس ؟

وهل يعد ذلك شركا " ؟ أو هل ذلك يخرج التربة عن كونها ترابا " جائز السجود عليه ؟ فأجابني: كلا.

ثم سألني: ما هذه الخصوصية في تربة أرض كربلاء، حيث إن أكثر الشيعة مقيدون بالسجود عليها، مهمها أمكن ؟

قلت: السر في ذلك أنه ورد في الحديث الشريف (السجود على التربة الحسينية يخرق السماوات السبع... الخ (1) يعني إن السجود

____________

1 - قال المؤلف: ذكره العلامة الكاشاني في (مصابيح الجنان) نقلا " عن (الكامل) لابن قولويه، وهو من أعلام المسلمين في القرن الثالث الهجري.

أقول: روى الشيخ الطوسي في (مصباح المتهجد) ص 511 عن معاوية بن عمار، عن الصادق عليه السلام أنه قال: السجود على تربة الحسين عليه السلام يخرق الحجب السبع. أخرجه في البحار: 98 / 135 ح 74 عن المصباح.

الصفحة 469
عليها يوجب قبول الصلاة، وصعودها إلى السماء، وما ذلك إلا لإدراك أفضلية ليست في تربة غير [تربة] كربلاء المقدسة.

فأورد علي: هل السجود على تربة الحسين تجعل الصلاة مقبولة عند الله تعالى، ولو كانت الصلاة باطلة ؟

فأجبته: إن الشيعة تقول بأن الصلاة الفاقدة لشرط من شرائط قد تكون مقبولة عند الله تعالى، وقد تكون غير مقبولة - أي لا يثاب عليها - فإذا كانت الصلاة الصحيحة على تربة الحسين عليه السلام قبلت ويثاب عليها - فالصحة شئ، والقبول شئ آخر.

فسألني: وهل أرض كربلاء المقدسة أشرف من جميع بقاع الأرض حتى من أرض مكة المعظمة، والمدينة المنورة حتى يكون السجود عليها أفضل ؟

فقلت: وما المانع من ذلك ؟ قال: إن تربة مكة التي لم تزل منذ نزول آدم عليه السلام إلى الأرض كعبة، وأرض المدينة المنورة التي تحتضن جسد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله تكونان في المنزلة دون منزلة كربلاء ؟ قال:

هذا أمر غريب ! وهل الحسين بن علي أفضل من جده الرسول صلى الله عليه وآله ؟

قلت: كلا، إن عظمة الحسين من عظمة الرسول صلى الله عليه وآله وشرف الحسين من شرف الرسول، ومكانة الحسين عند الله تعالى إنما هي لأجل أنه إمام سار على دين جده الرسول صلى الله عليه وآله حتى استشهد في ذلك، لا، ليست منزلة الحسين إلا جزءا " من منزلة الرسول صلى الله عليه وآله، ولكن حيث

الصفحة 470
أن الحسين عليه السلام قتل هو وأهل بيته وأنصاره في سبيل إقامة الإسلام، وإرساء قواعده، وحفظها عن تلاعب متبعي الشهوات، عوضه الله تعالى باستشهاده ثلاثة أمور:

1 - إستجابة الدعاء تحت قبته.

2 - الأئمة من ذريته.

3 - الشفاء في تربته.

فعظم الله تعالى تربته لأنه قتل في سبيل الله أفجع قتلة، وقتل معه أولاده، وإخوته، وأصحابه، وسبي حريمه، وغير ذلك من المصائب التي نزلت به من أجل الدين، فهل في ذلك مانع ؟

أم هل في تفصيل تربة كربلاء على سائر بقاع الأرض حتى على أرض المدينة معناه أن الحسين عليه السلام أفضل من جده الرسول صلى الله عليه وآله ؟

بل الأمر بالعكس، فتعظيم تربة الحسين تعظيم للحسين عليه السلام، وتعظيم الحسين عليه السلام تعظيم لله ولجده رسول الله صلى الله عليه وآله.

فقام أحدهم عن مجلسه، وعليه آثار البشاشة والسرور، فحمدني كثيرا "، وطلب مني بعض مؤلفات الشيعة بعد أن قال:

مولاي ! إفاداتك هذه صحيحة، وإني كنت أتخيل أن الشيعة يفضلون الحسين حتى على جده رسول الله صلى الله عليه وآله، والآن عرفت الحقيقة، وأشكرك على هذه المناظرة اللطيفة، والإلفاتات الطيبة التي زودتنا بها، وسوف أحمل معي أبدا " قطعة من أرض كربلاء المقدسة لأسجد عليها أينما صليت، كما أني سأدع السجود على غير التراب،

الصفحة 471
ومخصوصا " التربة الحسينية (1).

ثم قلت: وأما قولك إجراء الشيعة التعازي على الإمام الحسين عليه السلام هو بدعة ! فهذا كلام باطل فاسد، ولا أدري لماذا تنقمون على الشيعة بإقامتهم التعازي على شهيد الحق والإنسانية، الإمام ابن الإمام، حفيد الرسول صلى الله عليه وآله، وسلالة الزهراء البتول، سيد الشهداء، الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام في مصابه العظيم الذي زلزلت له أظلة العرش مع أظلة الخلائق، والحادثة المروعة التي لم يسبقها في العالم الإسلامي، ولا في غيره سابق، ولا يلحقها لاحق إذ أنه جلل عم خطبه العظيم جميع الأمة الإسلامية حتى الجن والطير والوحش، راجع كتب (المقاتل) تعرف.

وبعضكم يعترق على الشيعة بأن الحسين عليه السلام قتل منذ زمن بعيد يربو على 13 قرنا " فأي فائدة في البكاء عليه، واللطم على الصدور، والضرب بالسلاسل بحيث يسيل الدم ! فاعلموا إن عمل الشيعة هذا هو عين الصواب، أولا ": لو أنهم لم يستمروا على إقامة ذكرى سيد الشهداء لأنكرتموه

____________

1 - أقول: راجع في ذلك كتاب (الأرض والتربة الحسينية) للمجتهد الأكبر محمد الحسين كاشف الغطاء (إصدار مكتبة نينوى الحديثة، طهران، ناصر خسرو).

وكتاب (السجود على التربة، والجمع بين الصلاتين) لمحمد إبراهيم الموحد القزويني (الطبعة الثانية 1401).

الصفحة 472
كما أنكرتم يوم الغدير وحديثه المشهور المعترف به المؤلف والمخالف، فرواه أكثر من مائة وثمانين صحابيا "، فيهم البدري وغير البدري، ومن التابعين أكثر فأكثر، فالشيعة لم يأتوا بشئ إدا ".

ثانيا ": الشيعة اقتفوا أثر أئمتهم في ذكرى (أبي عبد الله الحسين) عليه السلام، فلو وقفتم على كتب الشيعة، لما أوردتم علينا نقدا "، وألفت نظر كم إلى كتاب (مقدمة المجالس الفاخرة) للإمام شرف الدين و (إقناع اللائم على إقامة المآتم) للإمام السيد محسن الأمين العاملي رحمهما الله، ففيهما من الحجج ما يقنع الجميع، وانظروا أيضا " إلى ص 576 من (مصابيح الجنان) للحجة السيد الكاشاني إذ قال فيه:

ينبغي للمسلمين إذا دخل شهر المحرم أن يستشعروا الحزن والكآبة، وأن يعقدوا المجالس والمآتم لذكرى ما جرى على سيد الشهداء، وأهل بيته، والصفوة من أصحابه من الظلم والعدوان، وهو أمر مندوب إليه، ومرغب فيه على أن في ذلك تعظيما " لشعائر الله تعالى، وامتثالا " لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله واقتداء بالأئمة المعصومين، ويدل عليه ما ورد عن الرضا عليه السلام - وهو الإمام الثامن من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله - أنه قال: كان أبي - وهو الإمام الكاظم الإمام السابع من أوصياء الرسول صلى الله عليه وآله - إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكا "، وكانت كآبته تغلب عليه... الحديث (1) ويستفاد منه رجحان كل ما له دخل في الحزن

____________

1 - رواه الصدوق في أماليه: المجلس 27 بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود، عن الرضا عليه السلام عنه البحار: 44 / 285 ضمن ح 17.

الصفحة 473
والكآبة من غير أن يشتمل على فعل محرم ثم قال:

ويستحب البكاء، وإجراء التعازي على سيد الشهداء، وإسالة الدموع عليه لا سيما في العشر الأول من المحرم، فإن، البكاء عليه من الأمور الحسنة المندوبة، ومن موجبات السعادة الأبدية، والزلفى إلى المهيمن سبحانه، ويكفي في رجحانه الأحاديث المعتبرة المروية عن الحجج الطاهرة، وهي كثيرة جدا " نحيلك على مظانها.

إلى أن قال:

وأما الذين يعيبون الشيعة بذلك، فلا يعبأ بقولهم، إذ أنهم حائدون عن جادة الإنصاف، وقاسطون عن طريق الصواب، مع هذه النصوص الكثيرة المتواترة الواردة عن الأئمة السلف، خاصة عن أئمة العترة الطاهرة من أهل البيت عليهم السلام وهم أحد الثقلين الذين لا يضل المتمسك، بهما على أن في ذلك من المواساة لرسول الله صلى الله عليه وآله ووصية أمير المؤمنين وابنته الصديقة فاطمة الزهراء.

وقد اتفقت الطوائف الإسلامية على اختلاف مذاهبها على جواز التفجع لفقد الأحبة والعظماء، جرت عليها سيرتهم العملية وإجماعهم، وكان عليه السلف، تشهد بذلك الموسوعات الضخمة المشحونة بأقوالهم وأفعالهم، سواء في ذلك الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وغيرهم من سائر المسلمين، فمن راجع كتبهم يجد نصوصهم في هذا المورد بكثرة مدهشة.

فنحن إذ نجد الأدلة النقلية والعقلية متوفرة، نجدد ذكرى مصاب

الصفحة 474
سيد الشهداء، وريحانة الرسول: الإمام الحسين عليه السلام غير مكترثين بالتقولات الشاذة التي لا وزن لها، راجين بذلك من الله الثواب، ومن رسوله الشفاعة يوم الحساب.

انتهى ما جاء في مصابيح الجنان للكاشاني.

ثم أيها الإخوان إن الشيعة مقتدون بسلفهم الصالح إذ جاء في حديث معتبر مأثور أن عليا " زين العابدين بن الحسين عليه السلام لما عاد من أسره هو ومن معه من أسارى أهل البيت عليه السلام من دمشق، جعلوا طريقهم على العراق، ولما وصلوا كربلاء أخذ هو ومن معه في البكاء يندبون الحسين عليه السلام.

فأي بأس على الشيعة في أمثال هذه الأعمال المقدسة المحبوبة عند الله ورسوله والصفوة من آله ؟

لكن البأس كل البأس، والنقد الشديد موجه عليكم، وهو إنكم أخذتم ببدعة يزيد بن معاوية الطليق ابن الطليق، إذ أنه جعل في كل سنة في العشر الأول من المحرم عيدا " يقيم فيه الأفراح، وينصب الزينة، وتقام المهرجانات، ويسميه عيد النصر والفوز ! !

وأشفعه ببدعة أخرى تدل على خسته ودناءته ! فإنه قد أتى بمومسة تشبه في صفتها جدته (هند بنت عتبة) فيجمع الأخساء من بني شجرته الملعونة، ويأتي بآلة الطرب والخمر، وكل ما يلزمه من الأشياء، وتعزف الموسيقى، وتقوم تلك المرأة ذات العهر والفجور للرقص...

فأي الفريقين أحق بالأمن يا مسلمون ؟ !


الصفحة 475
فدعوا الشيعة وشأنهم، فإنهم هم الفرقة التي عناها رسول الله صلى الله عليه وآله من الثلاث والسبعين فرقة، لذلك اعتنقنا هذا المذهب الشريف، وتركنا المذهب السني.

ولما وصلت إلى هنا شكرني جميع من في المجلس، ثم قالوا:

كنا لا ندري أن مذهب الشيعة هكذا، بل كنا نسمع عنهم بأنهم ليسوا على حق، بل هم كفرة فجرة مشركون !

فقلت: لا، إنما هو كما أخبرتكم، وستعرفون مذهب الشيعة بعد وقوفكم على كتبها، والذنب ذنبكم في تقصيركم عن الوقوف على مؤلفات الشيعة، ولماذا ؟

ثم إني أبين أن هذه التهم الموجهة إلى الشيعة الأبرار تبعة رسول الله صلى الله عليه وآله وخدنه أمير المؤمنين علي وذريته العترة الطاهرة عليهم السلام ليس لها واقع، وإنما هي أكذوبات بحتة اختلفها عليهم الآثمون من أعداء المسلمين المسمين أنفسهم بالمسلمين، فعليكم أن تتحروا الحقيقة دائما "، ولا تعتنوا بكل ما تسمعون ضد الشيعة دون أن تبحثوا عن واقعه وحقيقته، وهذا ما أرجوه منكم.

ثم قاموا وودعوني جميعهم، وذهب كل منهم إلى محله بعد أن جاءوا غضابا "، فرجعوا فرحين مسرورين، وأخيرا " بلغني من بعض من أثق به أن بعضهم اعتنق المذهب الشريف، مذهب أهل البيت، والحمد لله على هذه النعمة الكبرى، وهي ولاية أهل البيت عليهم السلام.

الصفحة 476

حادثة الإفتراء

وفي اليوم الخامس من شهر ربيع الأول عام 1373 ه‍ - بينما أنا في مكتبتي الواقعة في منزلي، في مدينة حلب الشهباء، فإذا بشخصين قد استأذنا علي، فأذنت لهما، فدخلا علي، وبعد السلام والترحيب وبعد أن استقر بهما الجلوس، رأيت عليهما أثر الكآبة، فقلت: ما شأنكما ؟

فقال أحدهما للآخر: قص على فضيلة الشيخ.

فقال أحدهما: لا يخفى على فضيلتكم أنا تلميذ في الجامعة، وقد أخذت بمذهب أهل البيت منذ سنتين، وذلك عند وقوفي على كتب الشيعة ومؤلفاتهم، خصوصا " كتاب (المراجعات) للإمام الفقيد شرف الدين (ره).

ففي اليوم الماضي كنا نتلقى الدرس من الأستاذ في الجامعة، فأخذ يوجه المطاعن على الشيعة، ويكيل لهم الشتائم، ويوجه إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام نقدا "، تنكر على الشيعة بشدة، وحمل عليهم حملة شعواء لا هوادة فيها - وهو لا يعلم أنني شيعي - فمما قال: إن أحاديث الشيعة كلها كذب وافتراء على رسول الله صلى الله عليه وآله !

ورمى الشيعة بالبهتان، فقال:

إن الشيعة يجوزون الجمع بين تسع نسوة، ويستدلون بالآية الشريفة: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)

____________

1 - سورة النساء: 3.

الصفحة 477
ويمسحون على الأرجل في الوضوء بعد الغسل، فصلاتهم باطلة !

ويتهمون عائشة بالزنا ! ويتطاولون على الصحابة جرأة منهم على الله ورسوله !

فأخذتني الدهشة، وأزعجني جدا " هذا النبأ المؤلم، وقلت: يا سبحان الله ! ما هذا التعصب الأعمى من القوم (السنة) ولماذا يوجهون هذه الأكاذيب والافتراءات إلى الشيعة الأبرار، ويفضحون أنفسهم بها ؟ !

ثم أخذت بالرد على هذا الأستاذ الجاهل المعاند، وذلك على سبيل الإيجاز، كتبت:

أيها الأستاذ المرشد المتصدي لتهذيب الجيل الجديد، أهكذا تهذب طلابك، وتعلمهم بالأكاذيب، وتغذيهم بسوء الأخلاق الداعية للتفرقة بين المسلمين ؟ ! بلغني أنك في اليوم الماضي في الجامعة - تعرضت في أثناء محاضراتك على طلبتك - على الشيعة الأبرار تبعة رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه من بعده علي أمير المؤمنين عليه السلام ! وذلك جهلا " منك بالمذهب الشيعي الإمامي الشريف، فقلت:

إن أحاديث الشيعة كلها كذب، وافتراء على رسول الله صلى الله عليه وآله، ورميت الشيعة بالبهتان، فقلت: إن الشيع يجوزون الجميع بين تسع نسوة ! ويستدلون بالآية (فانكحوا ما طاب) الخ ويمسحون على الأرجل في الوضوء بدل الغسل فصلاتهم باطلة ! ويتهمون عائشة بالزنا ! ويتطاولون على الصحابة جرأة منهم على الله ورسوله !

فالعجب كل العجب منك أيها الأستاذ، وأنت تدعي أنك المهذب

الصفحة 478
المرشد فما هذا التحامل الأعمى، والتطاول الشنيع على مائة مليون مسلم من أتباع رسول الله وأهل البيت عليه السلام ؟ !

فماذا عذرك عند ربك يوم تلقاه، وتبلغ القلوب الحناجر ؟ ولماذا اغتبت واتهمت المسلمين بالأكاذيب ؟ ولم فضحت نفسك بخرافاتك هذه ؟

فإن العصر عصر نور، والكل يعلم بأنك كذبت وافتريت، فإليك الجواب عن فريتك على سبيل الاختصار.

أما قولك إن أحاديث الشيعة كلها كذب على رسول الله، لا يا أستاذ، ليس الأمر كما تزعم، بل الأمر بالعكس، فإن الشيعة أخذوا العلم واستقوه من نمير صاف زلال عن النبي صلى الله عليه وآله وعترته أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين طهرهم الله من الرجس تطهيرا "، ليس في مذهبهم دخيل، فكلما عبتم به عليهم، فهو فيكم، فإن رواتكم حالهم معلوم لدى الجميع كأبي هريرة، و (سمرة بن جندب) و (عمران بن حطان) رئيس الخوارج، و (عمرو بن العاص) (1) و (مروان) (2) و (المغيرة بن

____________

1 - قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 1 / 113: قال شيخنا أبو القاسم البلخي رحمه الله:... وما زال عمرو بن العاص ملحدا "، ما تردد قط في الإلحاد والزندقة، وكان معاوية مثله، ويكفي من تلاعبهما بالإسلام حديث (السرار) المروي، وأن معاوية عض أذن عمرو....

وقال في: 2 / 179 وأما معاوية، فكان فاسقا " مشهورا " بقلة الدين، والانحراف عن الإسلام، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره عمرو بن العاص... راجع في ترجمته ومصادرها مفصلا " كتاب الغدير: 2 / 119 وما بعدها.

2 - أخرج الحاكم في المستدرك: 4 / 479 من طريق عبد الرحمن بن عوف، =

الصفحة 479
شعبة) وغير هؤلاء من الكذابين.

راجع كتاب (الغدير) للإمام الحجة المجاهد الشيخ (الأميني) العظيم، فإنه عرف الأمة عن أحوال هؤلاء الوضاعين.

وأما قولك: إن الشيعة يجوزون نكاح تسعة نسوة عملا " بظاهر الآية، فالجواب:

إن الشيعة أجل قدرا "، وأرفع مقاما " من أن يسفوا بعقولهم المنيرة إلى هذه الخرافة، فيعملون بحكم الآية الكريمة التي أباحت للأمة الإسلامية الزواج بأربعة من النساء عند الاستطاعة بالقيام بالعدل بين الزوجات، فإن لم يستطع فلا يجوز له أن يتزوج باثنين، وهكذا إلى الرابعة.

ومعنى الآية: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى أي اثنين، أو ثلاث أي ثلاثة، أو رباع أي أربعة، فلا يحل له أن يتزوج بالخامسة إلا إذا ماتت إحداهن أو طلق، وذلك بعد انقضاء عدتها، هذا ما عليه إجماع الشيعة.

وأما قولك: بأنهم يمسحون على الأرجل في الوضوء فصحيح،

____________

= وصححه أنه قال: كان لا يولد لأحد بالمدينة ولد إلا أتي به إلى النبي صلى الله عليه وآله، فأدخل عليه مروان بن الحكم، فقال: هو الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون.

وقال البلاذري في الأنساب 5 / 126 كان مروان يلقب (خيط باطل).

راجع في ترجمته كتاب الغدير 8 / 260.

الصفحة 480
وهو الواجب الذي أراده الله من عباده المكلفين، وعمل به الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة من عترته عليهم السلام وعلى ذلك جرى الشيعة الإمامية من يومهم إلى اليوم، ثم إلى يوم يبعثون، لا يحيدون عن أئمتهم عليهم السلام وعملا " بالكتاب المقدس الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) (1).

فآية الوضوء محكمة، والمحكم لا يكون فيه خلاف أبدا "، إلا من كان في قلبه علمان يخالف أحدهما الآخر، لأن حكم الله المنزل لا خلاف فيه، وإنما أحدث الخلاف من أخذ عن كل من دب ودرج، كحاطب ليل.

والشيعة استقوا علومهم من بحور علوم آل بيت العصمة، من نمير صاف زلال، وما جاء مخالفا " لأقوال الأئمة يضربون به عرض الجدار، كائنا " من كان قائله، انظروا إلى قوله تعالى:

(يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (2).

يخاطب الله تعالى عباده المؤمنين آمرا " لهم أنهم حينما يقومون لأداء فريضة الصلاة، أن يتطهروا على الكيفية التي قصها عليهم، فقال:

(فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق)

____________

1 - إشارة إلى قوله تعالى في سورة فصلت: 42.

2 - سورة المائدة: 6.

الصفحة 481
فالآية ناصة بصراحة بغسل عضوين، وهما: الوجه، واليدان، ومسح عضوين، وهما الرأس والرجلان، وهي جملتان كل منهما على حدة، لا علاقة لها بالأخرى.

الإعراب:

(اغسلوا) فعل وفاعل. (وجوهكم) مفعول ومضاف إليه، والميم علامة الجمع (وأيديكم) عطف على الوجوه، (وامسحوا) فعل أمر وفاعل على نسق ما تقدم، و (برؤوسكم) الباء حرف جر، ورؤوس مجرور بها ومضاف أيضا "، والكاف مضاف إليه، والميم علامة الجمع، والأرجل معطوفة على الرؤوس.

فإن قرئ بالجر فيكون معطوفا " على اللفظ، أو بالنصب فعلى المحل إذ أنه لو رفعت الباء لقرئ بالنصب ليس إلا.

قال الشيخ إبراهيم الحلبي الحنفي صاحب (حلبي كبير) (1) أثناء تفسيره لهذا الآية ما هذا لفظه:

قرئ في السبعة بالنصب والجر، والمشهور أن النصب بالعطف على الوجوه، والجر على الجوار، قال: والصحيح أن الأرجل معطوفة على الرؤوس في القراءتين، ونصبها على المحل، وجرها على اللفظ.

قال: وذلك لامتناع العطف على المنصوب، للفصل بين العاطف والمعطوف [عليه] بجملة أجنبية [هي (وامسحوا برؤوسكم)]

____________

1 - هو كتاب (غنية المتملي في شرح منية المصلي على المذهب الحنفي) وله مختصر معروف ب‍ (حلبي صغير).

الصفحة 482
والأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد، فضلا " عن الجملة.

قال: ولم يسمع في الفصيح، نحو: ضربت زيدا "، ومررت بعمرو وبكرا "، بعطف على (زيدا ").

قال: وأما الجر على الجواز، فإنما يكون على قلة في النعت، كقول بعضهم: هذا جحر ضب خرب، بجر خرب، أو في التأكيد، كقول الشاعر:

يا صاح ذوي الحاجات (1) كلهم * أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب

بجر (كلهم) على ما حكاه الفراء.

قال: وأما في عطف النسق، فلا يكون لأن العاطف يمنع المجاورة.

هذا كلامه، راجع ص 15 والتي بعدها من كتابه المشهور بحلبي كبير، والمتملي في شرح المصلي في الفقه الحنفي.

وإن شئت فراجع تفسير الرازي الكبير حول تفسير الآية، والطبري، والخازن وغيرها تجد صحة ما نقول، وكفى بذلك حجة على وجوب مسح الأرجل دون غسلها في الوضوء (2).

____________

1 - (الزوجات) خ.

2 - قال أبو الحسن الإمام محمد بن عبد الهادي المعروف بالسندي في تعليقته على ما جاء في غسل القدمين: 1 / 88 من شرح سنن ابن ماجة - بعد أن جزم بأن ظاهر القرآن هو المسح -: وإنما كان المسح هو ظاهر الكتاب لأن قراءة الجر ظاهرة فيه، وحمل قراءة النصب عليها بجعل العطف على المحل =

الصفحة 483
وروى ابن عباس (1) أن الوضوء غسلتان ومسحتان، وقال أيضا ": افترض الله الوضوء غسلتين ومسحتين، ألا ترى أنه ذكر التيمم، فجعل مكان الغسلتين مسحتين، وترك المسحتين.

وقال في مقام آخر: يأبى الناس إلا الغسل، ونجد في كتاب الله المسح (2).

وعن الشعبي (3) قال: أما جبريل، فقد نزل بالمسح على القدمين.

وعنه أيضا "، قال: نزل القرآن بالمسح على القدمين (4)، الحديث.

وعن ابن عباس أنه حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح على رجليه.

وأخرج الطبراني عن عباده بن تميم، عن أبيه، قال:

رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضى ويمسح على رجليه (5).

أما ما روي عن سادة أهل البيت عليهم السلام في ذلك فأكثر من أن يحصى، فمن ذلك:

____________

= أقرب من حمل قراءة الجر على قراءة النصب كما صرح به النحاة، قال:

لشذوذ الجوار واطراد العطف على المحل، قال: وأيضا " فيه خلوص عن الفصل بالأجنبي بين المعطوف عليه، فصار ظاهر القرآن هو المسح.

1 - { كنز العمال: 5 / 310 }.

2 - { أخرجه ابن ماجة في سننه: 1 / 156 ح 458، والترمذي وأبو داود والنسائي في صحاحهم، وسعيد بن منصور في سننه، ورواه ابن أبي شيبة وغيره من أعاظم علماء السنة، وكذا جاء في: 5 / 103 من الكنز }.

(3 - 4) { كنز العمال: 5 / 104 }.

5 - { كما في أواخر ص 19 من كتاب (المسح على الجوربين) للشيخ محمد جمال الدين الدمشقي }.

الصفحة 484
ما رواه الحسين بن سعيد الأهوازي، عن فضالة، عن حماد بن عثمان، وعن غالب بن هذيل، قال: سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام عن المسح على الرجلين، فقال، هو الذي نزل به جبرئيل (1).

وعن أحمد بن محمد، قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن المسح على القدمين كيف هو ؟

فوضع بكفة على الأصابع، ثم مسحها إلى الكعبين (2).

والأخبار في هذا متواترة عن سائر الأئمة من العترة الطاهرة، فنصوص الثقلين صريحة بوجوب المسح على القدمين، وبها أخذ الإمامية من يوم وجوب الوضوء، ثم استمر الأمر عنهم وعن شيعتهم حتى اليوم.

فإذا جاء ما يعارض ذلك، ضرب به عرض الجدار، كائنا " من كان راويه ولو وثقوه (3).

فالشيعة لا يأخذون برواية الوضاعين، والطلقاء وأبناء الطلقاء، والمجاهيل كأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وعمران بن حطان، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أمية، وعمرو بن العاص، ومعاوية،

____________

1 - وسائل الشيعة: 1 / 419 ح 4 باب 25، عن التهذيب: 1 / 63 ح 177، والاستبصار: 1 / 64 ح 189.

2 - وسائل الشيعة: 1 / 417 ح 4 باب 24، التهذيب: 1 / 91 ح 243، والاستبصار: 1 / 62 ح 184.

3 - قال المؤلف: بعض ما أوردناه لك في هذا الرسالة أخذناه من كتاب (أجوبة مسائل جار الله) للإمام شرف الدين (ره) ص 27، فراجع.

الصفحة 485
ومروان وغيرهم ممن لا يوثق بهم لسوء سمعتهم، ولا تغتر بدعاية عدالة الصحابة من أولهم إلى آخرهم، فإن كلهم ليسوا بعدول كما تقدم.

فإن رجعت إلى كتب الشيعة الأبرار متأملا " منصفا "، وجردت نفسك عن العصبية العمياء والطائفية، لعرفت أن الشيعة سلكوا سبيلا " مستقيما " لا عوج فيه ولا اعوجاج.

لهذا كثرت المطاعن عليهم من أهل الأغراض، المتكالبين على الدنيا.

وأما الأخبار الواردة في الغسل، فلا تخلو، إما أن تكون مفتراة وإما متوهم بها، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يتوضأ ويمسح، ثم يصب الماء على قدميه تبردا "، ولم يثبت أنه غسل قدميه في الوضوء أبدا " طلية حياته.

ونحن إذا أقمنا الحجة على خصومنا، أخذوا يتعللون بالنظافة مرة وبالإسراف أخرى، أو بالعموم والخصوص، فيقولون:

كل غسل مسح ولا عكس !

وهي حجج واهية، أوهن من بيت العنكبوت.

فهل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأمر الناس بالمسح على الأرجل القذرة النجسة ؟ !

نعوذ بالله من الجهل، أو كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا علم له بالعموم والخصوص، حتى أتانا قوم بعد ثلاثة قرون، فذهبوا مذاهب تضاربت فيها الأقوال، فيرشدون الأمة إلى أن النبي كان مخطئا " - نعوذ بالله - أو أنه ترك الدين ناقصا " فأكملوه، أو زاد فيه شيئا " فأصلحوه ؟ ! نعوذ بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وأما حديث (ويل للأعقاب من النار) فإن صح - وهو لا يصح -

الصفحة 486
فهو حجة عليهم لا لهم، حيث يقول: (ويل للأعقاب من النار) ولم يقل: (ويل لم يغسل) فقد أرشدهم إلى أن المسح لا يجوز مع نجاسة الأرجل.

ولنا نسأل الراوي لهذا الحديث - وهو عبد الله بن عمرو بن العاص المعروف حاله، وحال أبيه - فنقول له:

من أين عرفت المسح لو لم يكن له سبق ؟ لأنه يروي هكذا:

وغزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فسبقناه، فأرهقتنا صلاة العصر، فأخذنا نتوضأ ونمسح، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (ويل للأعقاب من النار) ثلاثا ".

فالرواية ظاهر عليها الوضع من وجوه:

الأول:

إن النبي صلى الله عليه وآله كان جانب عظيم من حسن الخلق، إذ قد وصفه الله سبحانه بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) (1) ولم يكن فظا " غليظا "، فكيف يتوعدهم بالنار، ولم يكن لهم علم بالنسخ، حيث قالوا:

إنه قد نزل عليه جبريل بالغسل ؟ !

وهذا القول غير سديد لأنه حديث رواه واحد، وحديث الآحاد لا ينسخ القرآن، ولا سيما المحكم منه كآية الوضوء.

الوجه الثاني:

إن الراوي أتى بما سمعت أنه غزا مع الرسول،

____________

1 - سورة القلم: 4.

الصفحة 487
وأخرى أنه سافر مع الرسول، من مكة إلى المدينة، وروى الحديث !

وهذا دليل على أن الرواية مفتعلة.

الوجه الثالث:

هو إجماع الفرقة على المسح، وكثير من علماء السنة قد وافقوا على أن القرآن نزل بالمسح، فلا تترك العمل بالقرآن، وعمل أهل البيت لحديث مشكوك فيه، بل موضوع (1).

فهل فيما قدمناه لك أيها الأستاذ المرشد مقنع ؟

وتسمح لنا أن نسألك:

هل أنت من المصلين أم من التاركين ؟ والثاني هو الغالب على الظن !

وهل تعرف مذهبك الذي تؤدي العبادة به إن كنت من أهلها أم تجهل ؟

وهل تعرف الأحاديث الصحيح منها والمكذوب ؟

وهل عندك علم الناسخ والمنسوخ ؟

وأما قولك في عائشة: إنهم يتهمونها بالزنا !

فهذه التهمة منكم لا من الشيعة، فالشيعة لا يتهمونها بالزنا حتى يبرؤونها، وهاك كتب الشيعة، ففي أي كتاب من كتب الشيعة رأيت ذلك ؟ ومن أي عالم من علمائها سمعت ! سبحانك اللهم ! هذا وغيره بهتان عظيم على الشيعة الأبرار.

وأما قولك: إن الشيعة يتطاولون على الصحابة جرأة منهم على

____________

1 - أقول: لقد أشبع السيد (عبد الحسين شرف الدين الموسوي) رحمه الله هذا الموضوع بحثا " واستقصاء في مؤلفة (المسح على الأرجل أو غسلها في الوضوء) فراجع واغتنم.

الصفحة 488
الله ورسوله ! فهذا قول زور، فإن الشيعة أعطوا الصحابة كل ذي حق حقه، إذ فيهم العالم والجاهل، والعدل وغير العدل، كما أخبر الله تعالى عنهم: وفيهم المنافقون (1).

ثم أيها الأستاذ إن كنت عالما " بتاريخ الشيعة والتشيع، فما هذه الأكاذيب التي صدرت عنك، وعن أمثالك، ممن ليس لهم المروءة والإنصاف ؟

وإن كنت جاهلا " في ذلك كله، فكيف تقدم على الطعن في فرقة مؤمنة تدين الله بمذهب أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وفيهم العلماء الأعلام، والفقهاء العظام، والحكماء والفلاسفة، وقد ملأوا أرض الله الواسعة علما وعملا " ؟ ولكن نقول: ليس للكذوب حافظة.

وفي الختام أقدم لك نصيحة خالصة أيها الأستاذ سامحك الله، اتق الله في نفسك، وكف عن الخوض في أعراض المسلمين، ودع كلا منهم يعمل بما يدين الله به من المذاهب، وحسابهم على الله، ونحن في عصر عصيب، وخطب جلل، وإننا لفي أشد الحاجة إلى التماسك والتكاتف، كما قد سكتنا عن كثير من المشاغبين الذين لا يعرفون عن العلم والتاريخ شيئا "، ولا يدينون الله أبدا "، وليس له ضمير حر ومرؤة وإنصاف، وهم الذين وجهوا إلينا المطاعن والأكاذيب والتهم، وسكوتنا كان حرصا " منا على حفظ بيضة

____________

1 - قال تعالى في سورة التوبة 101: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق).

الصفحة 489
الإسلام، والسلام على من اتبع الهدى.

محمد مرعي الأمين الأنطاكي المعتنق مذهب أهل البيت عليهم السلام حلب - سورية 25 / ربيع الثاني / 1379 ه‍ وقد أعطيت الرسالة إلى الشخصين المذكورين، وقلت لهما:

أوصلاها إلى الأستاذ. فذهبا.

وفي اليوم السابع والعشرين من ربيع الثاني، زارني الأستاذ المذكور في بيتي حجلا "، منفعلا " عما صدر عنه، واعتذر عن عدم اطلاعه وعلمه بالمذهب، وطلب مني بعض مؤلفات الشيعة، وذلك بعد مناظرات طويلة جرت بيننا، فأعطيته مؤلفات الإمام شرف الدين (ره) فاستسمح منا وودعنا، وذهب إلى محله، وبعد أسبوع أتانا ثانيا " حامدا " شاكرا " لنا، وأعملنا عن أخذه بمذهب آل البيت عليهم السلام.

ثم قال: لا يخفى على سماحتكم أنني أخفي أمري وأكتم مذهبي مذهب العترة الطاهرة، ولم أعلن التشيع، وذلك لأمر ما إلا أنني أقوم بالدعوة والإرشاد حسب ما يرضي الله ورسوله والعترة الطاهرة، وقد أهديته قرآنا " خطيا " ثمينا ".

تنبيه إنما لم نأت على أسماء المناظرين معنا لأمر ما، كما هو معلوم لدى ذوي الألباب، والله العالم بحقائق الأحوال.


الصفحة 490

خاتمة المطاف

إن ما قدمناه لقراء كتابنا هذا من الآيات القرآنية، والأحاديث الثابتة النبوية المروية في كتب القوم (السنة) وعنهم، فيها إثبات أحقية علي أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة الفورية بلا فصل لو أنصف المخالف.

أنظر بدقة وإمعان، إلى ما أوردناه لك من الحجج والبراهين في هذا الكتاب، كيف تجلى الحق، واتضح السبيل لسالكيه الذين أخلصوا النية، وتجردوا عن العصبية المذهبية، والنعرات الطائفية العمياء المهلكة، أما من بقي مصرا " على عناده، فلا تفيده الروايات وإن كثرت وكثرت، ولو قدمنا له ألف دليل ودليل.

وأما من كان من ذوي الرأي السديد والعقل الرشيد، فيكفيه ما في طي هذا الكتاب مما لا شك في صحته وثبوته من كلا الطرفين (شيعة، وسنة).

فليت شعري ماذا يقول أهل الخلاف بعد ذلك ؟ ثم لا يظن القارئ أن ما في طيات هذا الكتاب من الأدلة لم يوجد غيرها، بل هناك أكداس مكدسة مما لا تحصيه أقلام الكتاب عدا "، وإن بذلوا قصارى جهدهم مع تطاول الأيام، وتعاقبت السنون وانقضت أجيال وأجيال، ثم نقول إلى من كان معاندا ":

لو أتى النبي صلى الله عليه وآله بنفسه، وأرشدك لبقيت على عنادك كما قال

الصفحة 491
أحد المعاندين لفضيلة أخي: لو نزل جبرئيل ومعه محمد وعلي ما صدقك بقولك ! ! وذلك حينما طلب منه المناظرة، وقد أعطاه كتاب (المراجعات) لينظر فيه، فبقي عنده أكثر من شهر، ثم رده وقال:

إنني لا أحب قراءة كتب الشيعة، لذلك ما قرأته أبدا " ! نعوذ بالله مما تفوه به هذا الرجل (1) المصر على عناده، ونحن ندعه إلى حاله، وعذره جهله.

ثم نقول:

إن كتابنا هذا سينتشر في أقطار الأرض الآهلة بالسكان، وتتلقفه أيدي القراء من عرب وعجم، مسلم وغير مسلم، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، وتباينهم في الآراء والأذواق، وحيث إن الناس كالمعادن فيها الجيد الثمين، وفيها الوسط والردئ، فمن الصعب إرضاء الناس عامة، بل من المتعسر جدا "، بل من المستحيل، ولله در القائل الشاعر الفلسطيني علي الكيلاني:

إذا كان رب الخلق لم يرض خلقه * فكيف بمخلوق رضاهم مراجيا

وصفوة القول:

إن كتابنا هذا يكون في أيدي قرائنا الكرام، فمنهم من يثني عليه، ومنهم المنتقد، وإني لأرجو من قارئي اللبيب أن لا يتسرع حتى يأتي على آخر الكتاب، ثم يحكم بعد ذلك بما يقتضيه الإنصاف، إما لنا أو

____________

1 - قال المؤلف: وهو رجل يدعي العلم، ومدرس في الجامع الأموي بحلب.

الصفحة 492
علينا، ولا أظنه إن كان فطنا "، منصفا "، غيورا " على دينه أن يكون علينا، إذ أن ما قدمناه في كتابنا هذا إنما هو من موارد كتب القوم (السنة) خاصة فإن لم يقنع بما فيه، فليغضب على قومه إذ لا ذنب لنا، ونحن ناقلون عنهم.

ثم إن كان معتقدا " بعدالة أئمته وعلمائه، فنحن قد أخذنا عنهم كما تقدم، فعليه أن يتمسك بآرائهم وأقوالهم، ولا يكون علينا، وإلا فهو وشأنه.

وفي الختام أقدم الشكر إلى من هو سبب لاستبصارنا، وعلى الأخص الإمامين الهمامين الزعيمين العظيمين، نابغة الإسلام وأبي الأرامل والأيتام، زعيم هذه الطائفة ومرجعها الأكبر، حامي الشريعة والمذهب، وماحي البدع، حجة الإسلام الكبرى، وآية الله العظمى:

الإمام المجاهد السيد آغا (حسين الطباطبائي البروجردي) والعلامة الأوحد أبي الفضائل والمكارم، وارث المجد كابرا " عن كابر، فقيد الإسلام ومروج الأحكام، آية الله العظمى في الأنام:

الإمام المجاهد السيد (عبد الحسين شرف الدين) فجزاهما الله عن الإسلام والمسلمين وعن هذا العبد خير جزاء المحسنين، وأختم الكتاب بهذه الأبيات:

لماذا اخترت مذهب آل طه * وحاربت الأقارب في ولاها


الصفحة 493

وعفت ديار آبائي وأهلي * وعيشا " كان ممتلأ رفاها
لأني قد رأيت الحق نصا " * ورب البيت لم يألف سواها
بالاستمساك بالثقلين حازت * بأولاها وأخراها نجاها
وصارت أعظم المخلوق قدرا " * وأورثها الولا عزا " وجاها
ولا أصغي لعذل بعد علمي * بأن الله للحق اصطفاها
ولا أهتم في الدنيا لأمر * إذا ما النفس وافاها هداها
فمذهبي التشيع وهو فخر * لمن رام الحقيقة وامتطاها
وفرعي من علي وهو در * صفا والدهر فيه قد تباها
وهل ينجو بيوم الحشر فرد * مشى في غير مذهب آل طه ؟ !

وقد فرغت من تسويد هذا الإملاء في اليوم التاسع والعشرين من

الصفحة 494
ذي الحجة الحرام عام 1380، في مدينة حلب الشهباء في خزانة كتبي، ومحل تدريسي وتأليفي.

والحمد لله أولا " وآخرا "، وظاهرا " وباطنا ".

أقول:

تم الفراغ من تحقيق هذا الكتاب في غرة شهر ذي الحجة الحرام سنة 1416 ه‍. ق. في عش آل محمد عليهم السلام وحرم أهل البيت عليهم السلام قم المقدسة، داعيا " المولى سبحانه وتعالى أن يتغمد مؤلفه برحمته الواسعة، وأن يتقبل منا عملنا هذا بأحسن القبول إنه هو السميع العليم والحمد لله أولا " وآخرا ".

وكتب      
عبد الكريم العقيلي
نزيل قم المقدسة 


الصفحة 495

الصفحة 496

الصفحة 497

الصفحة 498

الصفحة 499

الصفحة 500

الصفحة 501

الصفحة 502