الصفحة 82
المصطلق فمن حيث التحقيق التاريخي هناك شك في ارتباط عائشة بهذه الحادثة (1)..

أما ما ادعته عائشة من مميزات أخرى مثل اغتسالها مع الرسول في إناء واحد ونزول الوحي في لحافها واعتراضها صلاة الرسول وهي نائمة فذلك سوف نعرض له فيما بعد..

تقول عائشة عن سودة بنت زمعة زوج النبي (ص): ما من الناس امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زعمة إلا أنها امرأة فيها حسد (2)..

وتقول: وددت أن كنت استأذنت رسول الله (ص) كما استأذنته سودة فأصلي الصبح بمنى قبل أن يجئ الناس. فقالوا لعائشة: استأذنته سودة؟ فقالت:

نعم. إنها كانت امرأة ثقيلة ثبطة فأذن لها (3)..

وتقول عن أم سلمة: لما تزوج رسول الله (ص) أم سلمة حزنت حزنا شديدا لما ذكروا لنا من جمالها. قالت: فتلطفت لها حتى رأيتها. فرأيتها والله أضعاف ما وصفت لي في الحسن والجمال. قالت: فذكرت ذلك لحفصة - وكانتا يدا واحدة - فقالت: لا والله إن هذه إلا الغيرة. ما هي كما تقولين. فتلطفت لها حفصة حتى رأتها. فقالت: قد رأيتها. لا والله ما هي كما تقولين ولا قريب وإنها لجميلة.

قالت - أي عائشة -: فرأيتها بعد فكانت لعمري كما قالت حفصة ولكني كنت غيري (4)..

وتروي عائشة: دعتني أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي (ص) عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا وبين الضرائر فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك.

فقلت: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحللك من ذلك (5)..

____________

(1) قيل إن المقصود بحادثة الإفك مارية القبطية. أنظر تفاصيل الحادثة في سيرة ابن هشام ح 3 غزوة المصطلق وخبر الإفك. وانظر المراجع التاريخية الأخرى..

(2) ابن سعد ح 8 / ترجمة سودة..

(3) المرجع السابق..

(4) المرجع السابق. ترجمة أم سلمة..

(5) ابن سعد ح‍ 8 ترجمة أم حبيبة..


الصفحة 83
وتقول عن زينب بنت جحش: لم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب..

ما عدا سورة من حدة وكانت فيها تسرع (1)..

وتقول عن زينب وأم سلمة: كانت زينب وأم سلمة لهما عنده مكان. وكانتا أحب نسائه إليه فيما أحسب بعدي (2)..

ويروى أن عائشة لما رأت صفية بنت حيي زوج النبي - وكانت يهودية من سبى خيبر - قال لها رسول الله (ص): " كيف رأيتها يا عائشة "..؟ قالت: رأيت يهودية. قال الرسول: " لا تقولي هذا فإنها قد أسلمت " (3)..

ومن هذه الروايات وغيرها يتبين لنا أن عائشة لم تكن مجرد زوجة للنبي (ص) وإنما كانت بالإضافة إلى ذلك امرأة مهيمنة متدللة متعالية استحوذت على الرسول وتحدث بلسانه واطلقت لسانها في نسائه. كما يتبين لنا أن الرسول (ص) راض عن هذا الوضع وسعيد به. وبدا وكأنه لا يجرؤ على التصدي لها ومقاومتها بسبب عشقه البالغ لها..

- عائشة والنبي:

وكما صورت لنا الروايات السابقة أطراف من حال عائشة مع نساء النبي سوف نعرض هنا لروايات أخرى تعرض لحالها مع النبي (ص) وما كان يبدر منها من مواقف وسلوكيات في حضرته وداخل بيته..

يروى أن رسول الله (ص) كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه. فأنزل الله عز وجل (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) إلى آخر الآية (4)..

ويروى أن عائشة قالت: التمست رسول الله (ص) فأدخلت يدي في شعره.

____________

(1) مسلم باب فضل عائشة..

(2) ابن سعد ح‍ 8 ترجمة زينب بنت جحش..

(3) المرجع السابق ترجمة صفية بنت حيي.

(4) النسائي كتاب عشرة النساء. باب الغيرة..


الصفحة 84
فقال: قد جاءك شيطانك. فقلت: أما لك شيطان؟ فقال: بلى ولكن الله أعانني عليه فأسلم (1)..

الرواية الأولى تكشف لنا حقيقة هامة حول علاقة الرسول بعائشة فلو كانت هي حقيقة حب رسول الله ومعشوقته ما انصرف عنها نحو جارية..

والرواية الثانية تكشف شيئا من عدم الأدب واللياقة مع الرسول. فهي فضلا من كونها رواية فاضحة وغير لائقة لا بالرسول ولا بعائشة يشم منها رائحة الندية والتحدي من قبل عائشة للرسول. وهو ما يستفاد من رد عائشة على الرسول: أما لك شيطان؟

يروي عن عائشة قالت: قال لي رسول الله (ص): " إني لأعلم إذا كنت عني راضية. وإذا كنت علي غضبي ". قالت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: " أما إذا كنت راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد. وإذا كنت غضبي قلت: لا ورب إبراهيم ".

قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك (2)..

وما تشير إليه هذه الرواية هو أخطر وأكثر حرجا مما أشارت إليه الروايات السابقة فقد وصل الغضب من الرسول بعائشة إلى ارتكاب كبيرة من الكبائر وهي كبيرة التفريق بين رب إبراهيم ورب محمد. وهي إثارة إلى كون غضبها على محمد قد يمتد إلى رب محمد.

وآي دلالة تعطينا مقالة عائشة: ما أهجر إلى اسمك..

إن هجران اسم الرسول هجران لدينه ودعوته. فهل تصل الغيرة بعائشة إلى الحد الذي يضعها في دائرة هذا الحرج الشرعي..؟

وكيف للرسول أن يقبل هذا الوضع ويباركه..؟

تأمل نقل النووي: قال القاضي: مغاضبة عائشة للنبي (ص) هي مما سبق من الغيرة التي عفى عنها للنساء في كثير من الأحكام لعدم انفكاكهن منها. حتى

____________

(1) المرجع السابق..

(2) البخاري كتاب النكاح. باب غيرة النساء ووجدهن. ومسلم باب فضل عائشة.


الصفحة 85
قال مالك وغيره من علماء المدينة - يسقط عنها الحد إذا قذفت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة - واحتج بقول الرسول: " ما تدري الغيراء أعلى الوادي من أسفله ". ولولا ذلك لكان على عائشة في ذلك من الحرج ما فيه لأن الغضب على النبي وهجرة كبيرة عظيمة ولهذا قالت: لا أهجر إلا اسمك. فدل على أن قلبها وحبها كما كان. وإنما الغيرة من النساء لفرط المحبة (1)..

وقال آخر: في هذا الحديث حكم بالقرائن لأنه (ص) حكم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذكرها اسمه الشريف وسكوتها. واستدل على كمال فطنتها وقوة ذكائها بتخصيصها إبراهيم (ع) دون غيره. لأنه (ص) أولى الناس به كما في التنزيل. فلما لم يكن لها بد من هجر اسمه الشريف أبدلته بمن هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق بالجملة (2)..

وقال ثالث: والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك: هذه الحصر في غاية من اللطف في الجواب لأنها أخبرت لأنها إذا كانت في غاية من الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا يغيرها عن كمال المحبة المستغرقة ظاهرها وباطنها الممتزجة بروحها وإنما عبرت عن الترك بالهجران لتدل به على أنها تتألم من هذا الترك الذي لا اختيار لها فيه (3)..

وهذه التبريرات والمتاهات التي أوقعونا فيها أمثال هؤلاء الفقهاء ليست إلا محاولة للدفاع عن عائشة وتحسين صورتها وحمل تصرفها على المحمل الحسن.

وليست محاولة للدفاع عن الرسول. لأن الدفاع عن الرسول يعني التشكيك في هذه الروايات وهو أمر غير مستحب في عرف الفقهاء..

تروي عائشة: فقدت رسول الله (ص) ذات ليلة فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه فتجسسته فإذا هو راكع أو ساجد (4)..

____________

(1) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان. ح‍ 3 / 141..

(2) اللؤلؤ والمرجان ح‍ 3 / 140..

(3) المرجع السابق.

(4) النسائي. باب الغيرة كتاب عشرة النساء..


الصفحة 86
وتروي: كما كانت ليلة والنبي (ص) عندي انقلب فوضع نعليه عند رجليه ووضع رداءه وبسط طرف إزاره على فراشه فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت ثم انتعل رويدا أو أخذ رداءه رويدا ثم فتح الباب رويدا وخرج. فجعلت درعي في راسي واختمرت وتقنعت إزاري فانطلقت في إثره حتى جاء البقيع فرفع يديه ثلاث مرات وأطال ثم انحرف فانحرفت فأسرع فأسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت وسبقته فدخلته فليس إلا أن اضطجعت. فدخل فقال: " ما لك يا عائشة ".. قالت: لا. قال: " لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخيبر ". فأخبرته الخبر. قال: " فأنت السواد التي رأيته أمامي "؟ قالت: نعم. قالت: فلهدني في صدري لهدة أوجعتني.. ثم قال: " إن جبريل أتاني ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك ".. وأمرني أن آتي أهل البقيع فأستغفر لهم (1)..

والطريف أن السندي وهو يعلق على هذين الحديثين لم يتطرق إلى مقاصدهما بل انغمس في معاني الألفاظ وأسرف في شرح المفردات. في الوقت الذي تجنب فيه السيوطي ذكر أي شئ عن هاتين الروايتين (2)..

وهما بهذا المسلك يتعاملان مع هذه الروايات على أساس كونها من الثوابت والنصوص الصحيحة المسلم بها. وهذا موقف طبيعي من قوم طرحوا العقل جانبا وتعبدوا بأقوال الرجال..

ونحن من باب الدفاع عن الرسول (ص) نستنكر مثل هذه الروايات مثلما نستنكر مثل هذه السلوك من عائشة..

ولقد وضع كتاب الأحاديث هذه الروايات تحت عنوان الغيرة وهم بهذا قد موهوا على حقيقة هذه المواقف والسلوكيات التي تطفح بها هذه الروايات وكان الأجدر بهم أن يضعوها تحت باب الشك. فمثل هذا السلوك من عائشة لا يشير إلا لذلك..

الشك في خلق الرسول..

____________

(1) المرجع السابق. (2) أنظر النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي باب الغيرة ح‍ 7 / 74.


الصفحة 87
والشك في عدله..

إن عائشة بمثل هذه السلوكيات بدا وكأنها تؤكد أنها تعايش رجلا عاديا لا رسول خاتم. ومن جهة أخرى فقد صورت هذه الروايات الرسول وكأنه لا شغل له سوى النساء (1)..

وكان النساء هن عائشة..

وعائشة هي النساء..

إن العقل لا يقبل أن تكون هناك امرأة تتحدث عن علاقتها بزوجها بمثل هذه الطريقة الفاضحة فضلا عن زوجة نبي..

ونحن في مواجهة هذه الروايات بين أمرين:

إما أن نرفضها..

وإما أن نتهم عائشة بالوضع على الرسول..

والأمر الأول سوف تكون نتيجته هي راحة العقل واستقامة التصور..

والأمر الثاني نتيجته تصحيح حركة التاريخ وثورة الإسلام والرسول..

هذه الأحاديث إما هي موضوعة..

أو دست على عائشة بفعل السياسة..

وإذا كانت الرواية الثانية قد نصت على قول الرسول (ص): " أتاني جبريل ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك "..

فكيف ينسب إلى الرسول قوله: " لا تؤذين في عائشة. فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها " (2)..

____________

(1) يروي القوم على لسان الرسول (ص) قوله: " حبب إلي من الدنيا النساء والطيب ".

ويروي أنس خادم الرسول لم يكن شئ أحب إلى رسول الله بعد النساء من الخيل.

أنظر النسائي كتاب عشرة النساء..

(2) البخاري. باب فضل عائشة..


الصفحة 88
أليس هناك تناقض بين الروايتين؟

جبريل في الرواية الأولى يستحي أن يدخل على النبي وقد وضعت عائشة ثيابها فيضطر النبي إلى الخروج من البيت..

وفي الرواية الثانية يقتحم عليه لحافه وهو مع عائشة..

إن مثل هذا الموقف إنما يدفع بنا إلى شك في هذه الروايات وبواعثها لا أن يدفع بنا إلى محاولة التوفيق بينهما كما صنع الفقهاء من أجل تبديد الشبهات من حولها (1)..

يدفع بنا إلى تحكيم القرآن والعقل في جميع ما أسند إلى الرسول من أقوال وأفعال على لسان عائشة وغيرها..

تروي عائشة: أن رجلا سأل الرسول (ص) عن رجل يجامع أهله ثم يكسل - أي لا ينزل بسبب ضعف أو غيره - هل عليهما غسل وعائشة جالسة. فقال الرسول: " إني لا فعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل " (2)..

وهذه رواية أخرى من الروايات الفاضحة على لسان عائشة تكشف فيها علاقتها الجنسية بالرسول (ص) على الملأ..

وهل يعقل أن يتحدث الرسول عن حياته الجنسية مع زوجته بهذه الصورة؟

إن رواية ذلك الكم من الأحاديث التي تتعلق بالحياة الخاصة للرسول على لسان عائشة من دون بقية أزواج النبي أمر مثير للشك. خاصة وأنها أصغر زوجاته بل هي بالقياس إلى بعض أزواجه تعتبر بنتا من بناتهن. وبالطبع ينبني على مسألة السن هذه مسائل أخرى مثل انعدام الخبرة وقلة الوعي. فكيف تحقق لها رصد كل هذه الروايات ونقلها عن الرسول..؟

وإذا كان الرسول قد خصها بعلاقة متميزة كما يقولون فإن هذه يعني أن الرسول لم يكن عادلا مع بقية أزواجه..

____________

(1) أنظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة..

(2) مسلم. كتاب الطهارة..


الصفحة 89
ومن جهة أخرى فإن عائشة تؤكد لنا أن الجنس كان هو المدخل والدافع الذي جعل الرسول يتعلق بها ويورثها هذا العلم فهل يقبل مسلم أن يكون رسوله بهذه الصورة..؟

يروي ابن هشام أن عائشة كانت تنام على العجين فتأتي الشاة فتأكله (1)..

وهذه الرواية تبين لنا أن عائشة بالإضافة إلى شغلها بالجنس كانت مشغولة بما تشغل به النساء في البيوت من أمر الطعام وخلافه. وهي هنا قد اهملت العجين ونامت فأكلته الشاة. وسبب هذه الاهمال يعود إلى صغر سنها وقلة إدراكها..

وقد تفوق أبو هريرة على عائشة في أمر الرواية والتي أنكرت عليه فأجاب:

يا أماه إنه كان يشغلك عن رسول الله المرآة والمكحلة (2)..

تروي عائشة: أن رسول الله (ص) لما كان في مرضه جعل يدور على نسائه ويقول: " أين أنا غدا "؟ حرصا على بيت عائشة. قالت عائشة: فلما كان يومي سكن (3)..

وهكذا تثبت لنا عائشة أن العشق خير دواء حتى مع الأنبياء. وأن الرسول وهو في مرض الموت لم يكن في مخيلته سوي عائشة. وكان يعيش معها حتى وهو مع زوجاته اللاتي لم يحققن له السكن والراحة..

فإذا كن زوجات النبي بهذه الحالة فلماذا تزوجهن الرسول على عائشة؟

وكيف لرسول خاتم يودع أمته ينشغل بامرأة ويحمل واجبه نحو دعوته؟ وكيف للرسول وهو في حالة مرضية شديدة - كما تصور الروايات - يفكر في عائشة ولا يفكر في الله ومستقبل الدعوة..

____________

(1)سيرة ابن هشام ح‍ 3. غزوة بني المصطلق. خبر الإفك..

(2) رواه الحاكم في المستدرك ح‍ 3 / 509. ونصفه: ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي (ص) هل سمعت إلا ما سمعنا؟ ورأيت إلا ما رأينا قال أبو هريرة: يا أماه إنه كان يشغلك.. الحديث..

(3) البخاري. باب فضائل عائشة.


الصفحة 90
لقد سكن الرسول إلى جوار عائشة ولم يسكن إلى جوار جبريل أو فاطمة ابنته أو علي ربيبه..

إننا نقف في مواجهة حالة مرضية من صناع الأحاديث الذين سعوا في تضخيم عائشة فجاء هذا التضخيم على حساب النبي والدين وعلى حساب عائشة ذاتها التي تصورها هذه الروايات امرأة غير سوية تتأرجح شخصيتها ما بين الحسد والسفه..

لقد فات أولئك الصناع الذين أرادوا تضخيم عائشة أن عصمة النبي وخلقه العظيم يتنافى مع مثل هذه الأحاديث والمواقف الفاضحة. وهم إن كانوا قد ضربوا عصمة النبي بروايات تدعم رؤيتهم فقد فاتهم أن الفطرة السليمة تأبى هذا وإن كان العقل المسلم قد سلم بهذه في الماضي فلن يقبله في الحاضر (1)..

وكان من الممكن لأولئك إذ أرادوا تجميل عائشة أن يأخذوا جانبا آخر غير جانب الجنس والشهوة والهوى فمثل هذه الأمور الثلاثة قد تتلاءم مع عائشة لكنها لا تتلاءم بحال مع الرسول (ص)..

تروي عائشة كان النبي (ص) يباشرني وأنا حائض. وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فأغسله وأنا حائض (2)..

وتروي: كان النبي (ص) يتكئ في حجري وأنا حائض. ثم يقرأ القرآن (3)..

يقول النووي: وأما أحكام هذا الباب فأعلم أن مباشرة الحائض أقسام.

أحدها أن يباشرها بالجماع في الفرج وهو حرام. والقسم الثاني المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر أو بالقبلة أو بالمعانقة أو اللمس أو غير ذلك وهو

____________

(1) سوف نعرض لهذه الروايات في الباب القادم..

(2) مسلم كتاب الحيض. والبخاري كتاب الاعتكاف.. وانظر النسائي كتاب الطهارة باب مضاجعة الحائض..

(3) مسلم والبخاري كتاب الحيض..


الصفحة 91
حلال باتفاق العلماء. والقسم الثالث المباشرة فيما السرة والركبة في غير القبل والدبر وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا أصحها وأشهرها أنها حرام (1)..

وكما هي عادة الفقهاء استثمر النووي وغيره روايات الحيض عن عائشة وعمل على استنباط أحكاما فقهية منها. وكأنه يقول للمسلمين افعلوا مثل ما فعل الرسول مع عائشة أثناء حيضها..

ولكن السؤال هنا هو: هل فعل الرسول ذلك حقا؟

وهل بلغت به الشهوة مبلغها إلى الدرجة التي تجعله لا يطيق صبرا فيواقع عائشة في المحيض..؟

وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يضطر الرسول إلى مواقعة امرأة حائض وعنده أخريات خارج دائرة الحيض..؟

وهناك رد جاهز للفقهاء على مثل هذه التساؤلات وهو أن الرسول يريد أن يعلم أمته ويضع أحكاما لمواجهة حاجات الناس ومشاكلها فيما يتعلق بالعلاقة بين الزوج والزوجة..

والجواب ببساطة نص عليه القرآن بقوله تعالى: (يسألونك عن المحيض قل هو أذى. فاعتزلوا النساء في المحيض).

ولا شك أن الرسول (ص) قد طبق الاعتزال وانضبط بنص القرآن مما يدعونا إلى شك في مثل هذه الروايات..

إن مثل هذه السلوك تجاه الزوجة الحائض من الممكن أن يلصق بعامة الناس وليس من الممكن أن يلصق بالرسول لأنه هو الذي يبلغ القرآن ويبينه للناس وهو أولى الناس بالالتزام بنصوصه..

وهناك رد آخر على هذا الكلام وهو أن الرسول يملك القدرة على التحكم في شهوته فهو لن ينزلق إلى جماع فعلي مع زوجته الحائضة. أما الآخرين فيمكن أن ينزلقوا ويقعوا في الحرام..

____________

(1) شرح النووي على مسلم كتاب الحيض..


الصفحة 92
وهذا الرد اعتمد على قول عائشة: وأيكم يملك أربه كما كان النبي يملك أربه (1)..؟

5 الجواب: إن مثل هذا الكلام يوحي بأن حكم اعتزال النساء في المحيض إنما هو خاص بالمسلمين لا بالرسول. وهذا باطل.

وإذا ما سلمنا به فما هي الحاجة من سرد مثل هذه الروايات عن علاقة النبي بالنساء أثناء المحيض..؟

وإذا كانت الحاجة هي تعليم كما يقولون فهذا يعني أن الآخرين يستوون مع الرسول في القدرة على التحكم في أنفسهم أثناء الممارسة الجنسية. وعلى هذا الأساس يصبح قول عائشة لا مبرر له..

وتروي عائشة: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله (ص) (2)..

وتروي: أن الرسول (ص) كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه (3)..

وتروي عائشة: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله (ص) وأقول: اتهب المرأة نفسها؟ فلما نزل الله تعالى (ترجى من تشاء منهن وتؤوي يسارع في هواك (4)..

قال النووي: قولها كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن معناه أعيب لأن من غار عاب. ويدل عليه قولها في الآخر أما تستحي أن تهب المرأة نفسها للرجل وهو ها هنا تقبيح وتنفير لئلا يهب النساء أنفسهن له (ص) فيكثر النساء عنده وأوجب هذا القول منها الغيرة.. وقولها ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. معناه يخفف عنك ويوسع عليك الأمور ولهذا خيرك (5)..

____________

(1) البخاري ومسلم كتاب الحيض..

(2) مسلم كتاب الطهارة باب حكم المني..

(3) المرجع السابق..

(4) مسلم كتاب الرضاع. والبخاري كتاب التفسير. سورة الأحزاب.

(5) مسلم. هامش كتاب الرضاع. باب جواز هبتها نوبتها لضرتها..


الصفحة 93
وذكر الأبي عن القرطبي: أن هذا الكلام أبرزته الغيرة والدلال وإلا فإضافة الهوى لرسول الله مباعد لما يجب على الخلق من تعظيمه وتوقيره فإنه (ص) منزه عن الهوى ولو أبدلت بالرضا كان أولى (1)..

ويبدو من خلال كلام نووي والقرطبي أنهما يشعران بمدى ما يشكله قول عائشة في حق الرسول من حرج شرعي لها. فمن ثم هما سلكا نهج التأويل لكلامها والتبرير لسلوكها وهو النهج الذي تقوم على أساسها عقيدة أهل السنة.

وهما بذلك قد التزما بإجماع الفقهاء تجاه روايات عائشة عن الحياة الخاصة للرسول على أن هذه الروايات بما تحمل من مواقف وسلوكيات إنما تحمل على الغيرة لا على أي شئ آخر..

إلا أن العقل يصطدم بمثل هذه التأويلات والتبريرات التي لا تخرج عن كونها مجرد محاولة للتغطية على هذه الروايات. والتغطية على عائشة في نفس الوقت. فإن النظر إلى مثل هذه الروايات بمنظور عصمة الرسول وخلقه العظيم ودوره الرسالي العالمي يبددها ويحكم ببطلانها. أما النظر إليها بالمنظور المشوه لشخص الرسول الذي ابتدعه الفقهاء فإنه يؤدي إلى تثبيتها وتبريرها كما هو الحال مع قول عائشة: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.. فإن مثل هذا القول يشير إلى خلل في عقيدة عائشة وفي خلقها وأدبها مع الرسول. فكلمه: ما أرى ربك فيه دلالة على عدم الرضا بحكم الله وكان رب الرسول غير ربها. وهذا الموقف منها يتشابه مع موقفها السابق مع الرسول والذي فرقت فيه بين رب إبراهيم ورب محمد.

وكأنها تقول إن الوحي مسخر لهوى الرسول. وهو قول لا يصح في حق النبي من زوجته التي من المفروض أن تكون على قدر عال من الضبط والربط والخلق والوعي بدوره ورسالته..

ومن خلال هذا الكم من الروايات التي عرضناها عن علاقة عائشة بالرسول تلك الروايات التي تلقي الضوء على تاريخها مع الرسول يمكن أن يتحدد بوضوح ما إذا كان لعائشة دور في واقع الدعوة أم لا..؟

____________

(1) المرجع السابق..


الصفحة 94
والحق أن هذه الروايات الخاصة بعائشة والتي روتها هي عن نفسها وعن الرسول ليس فيها ما يدعم موقفها ويبيض وجهها.

هذه الروايات تكشف أن عائشة كان لها دورا واحدا ومحدودا وهو دور محظية الرسول (ص)..

وإذا ما تبين لنا أن حجم الدور والتبعة الملاقاة على عاتق الرسول الخاتم لا يتلاءم مع ما تدعيه عائشة وتلصقه به من ممارسات ومواقف هي أقرب إلى سلوكيات المراهقين. أمكن لنا أن نحكم أنه حتى دور المحظية فيه شك وهو للوضع أقرب..

يروى: كان للنبي (ص) تسع نسوة وكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلى في تسع فكن يجتمعن في كل ليلة في بيت التي يأتيها. فكان في بيت عائشة فجاءت زينب فمد يده إليها. فقالت: هذه زينب. فكف النبي يده. فتقاولتا حتى استخبتا وأقيمت الصلاة. فمر أبو بكر على ذلك فسمع أصواتها فقال:

أخرج يا رسول الله إلى الصلاة وأحث في أفواههن التراب. فخرج النبي فقالت عائشة: الآن يقضي النبي صلاته فيجئ أبو بكر فيفعل بي ويفعل. فلما قضى النبي صلاته أتاها أبو بمكر فقال لها قولا شديدا وقال أتصنعين هذا (1)..

وهذه الرواية تتشابه في موضوعها مع رواية محاولة عائشة الانتحار فهناك استبدلت بعيرها مع حفصة برضاها ثم نقمت عليها. وهنا اتفقت مع زوجات النبي على الاجتماع في بيت صاحبة النوبة أو الليلة التي سوف يبيتها الرسول معها ولما جاء الدور عليها نقمت وحسدت وما أن مس الرسول زينب باعتبارها عائشة حتى صاحت عائشة لتنبه الرسول فغضبت زينب واشتبكت في معركة كلامية مع عائشة وارتفعت الأصوات في بيت النبي الذي لم يكن له علم بهذه المؤامرة النسوية..

وما يعنينا من هذه الرواية هو كشف مكانة عائشة ودورها في حياة الرسول (ص) وهو ما أوضحه لنا موقف أبيها العنيف من موقفها وسلوكها فهذا الموقف إن دل على شئ فإنما يدل على أن عائشة كانت زوجة مشاغبة للرسول ولزوجاته مما

____________

(1) مسلم. كتاب الرضاع. باب القسم بين الزوجات..


الصفحة 95
كان يطلب تدخل أبيها لنهرها ووقفها عند حرها. وهذا فيه إثارة إلى عدم تفرغ النبي لمثل هذه الأشياء الصغيرة إذ أن الزوج عادة يتكفل بتأديب زوجته إذا ما خرجت عن حدود الأدب..

ومثل هذه الموقف صدر من أبي بكر تجاه عائشة حين دخل عليها ووجدها ترفع صوتها على الرسول قائلة: والله إني لأعلم أن عليا أحب إليك من أبي..

ومثله أيضا صدر من عمر حين قرر الرسول تطليق عائشة وحفصة لكثرة مشاكلهما وهو ما نزلت بسببها آيات سورة الترحيم..

قال عمر: يا بنت أبي بكر قد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله. وقال لحفصة نفس ما قال لعائشة غير أنه أضاف: والله لقد علمت أن رسول الله لا يحبك ولولا أنا لطلقك (1)..

وفي رواية أخرى فقام أبو بكر إلى عائشة بجأ - يطعن - عنقها. وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها (2)..

وفي سبيل خدمة الخط القبلي الذي ساد بعد وفاة الرسول (ص) والذي وضع حجر أساسه أبو بكر وعمر وأنتج في النهاية الخط الأموي الملكي الذي ساد واقع المسلمين حتى يومنا هذا. في سبيل هذا الخط وخوفا من تشويهه والتشكيك فيه عمل الفقهاء على تبييض وجهي عائشة وحفصة والتمويه على الجناية التي ارتكباها في حق الرسول والدعوة والتي تمثلت في كشف سر النبي وفضحه مما أدى إلى نزول آيات سورة الترحيم الصارمة..

عمل الفقهاء والمحدثون على تصوير ما حدث على أنه صراع بين نسوة النبي بسبب الغيرة..

روي أن رسول الله (ص) مكث عند زينب وشرب عندها عسلا. فتواصيت أنا - أي عائشة - وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي فلتقل أني أجد منك ريح المغافير أكلت مغافير. فدخل على إحداهما فقالت ذلك له. فقال لا بل شربت

____________

(1) مسلم كتاب الطلاق..

(2) المرجع السابق..


الصفحة 96
عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له. فنزلت (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك.. إن تتوبا إلى الله) لعائشة وحفصة. وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا (1)..

ويروى أن النبي (ص) خلا بمارية القبطية في غرفة حفصة وضاجعها فدخلت عليه حفصة وهي معه فقالت يا رسول الله: في بيتي وفي يومي وعلى فراشي. فقال رسول الله: " إني مسر إليك سرا فأخفيه لي "؟ فقالت: ما هو؟ قال:

" هي - أيا مارية - على حرام فأمسكي عني ". قالت لا أقبل دون أن تحلف لي.

قال: " والله لا أمسها أبدا ". فذهبت حفصة فأخبرت عائشة فنزل قوله تعالى (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك).. ثم قال (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا) يعني حفصة. (فلما أنبأت به - حين أخبرت عائشة - وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض. فلما نبأها به - يعني حفصة - قالت من أنبأك هذه؟ قال:

نبأني العليم الخبير. إن تتوبا إلى الله فقر صغت قلوبكما - يعني حفصة وعائشة - وإن تظاهرا عليه - لعائشة وحفصة - فإن الله هو مولاه فجبريل وصالح المؤمنين (2)..

وبين هاتين الروايتين: رواية العسل ورواية مارية. يتأرجح الفقهاء والمحدثون في شأن أسباب نزول آيات سورة الترحيم. ولا شك أن تصوير الموقف بهذه الصورة فيه استخفاف صريح بالعقل فضلا عن مهانة الرسول. الذي صور في كلتا الروايتين بالسذاجة والظلم والخوف من نسائه والكذب عليهن..

فالسذاجة تبدوا من خلال تعامله مع زينب بحسن نية وعدم علمه بالمؤامرة التي حاكتها عائشة وحفصة..

والخوف يبدو في تراجعه وإنكاره أنه به رائحة مغافير.

ثم عزمه على عدم العودة لشرب العسل..

والظلم يبدو من مضاجعته مارية في يوم حفصة وفي غرفتها..

____________

(1) النسائي. كتاب عشرة النساء. باب الغيرة..

(2) ابن سعد 8 / باب ذكر المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله..


الصفحة 97
والكذب يبدو من محاولته احتواء الموقف بإغراء حفصة بكشف سر لها وهو تحريم مالية عليه ولم يبرد جسدها وجسده بعد. ولأن حفصة شكت في صدق هذا الكلام فمن ثم طلبت منه أن يحلف عليه..

إن المحدثين والفقهاء يريدون أن يأكدوا لنا أن السماء اهتزت ونزل جبريل بهذه النصوص الخطيرة والحاسمة بسبب غيرة النساء والعلاقات الجنسية للرسول..

اللهم رحمة بالعقول.. وإنصافا للرسول من هؤلاء..

إن المسألة على ما يبدو من نصوص صورة الترحيم هي أكبر بكثير لكن الفقهاء ولا يريدون استخدام عقولهم من أجل الوصول إلى الحقيقة. المسألة على ما يبدو تتعلق بالدين ومستقبله فهذا هو الأمر الذي من الممكن أن تهتز له السماء مؤكدة للرسول أن الله مولاه وجبريل وصالح المؤمنين. ضاربة مثل امرأتين من الذين كفروا وهما امرأة نوح وامرأة لوط. ومثلا لامرأتين صالحتين هما: آسيا زوجة فرعون. ومريم ابنة عمران. وكان النصوص تؤكد للرسول أنه ليس بدعا من الرسل فهناك رسل قبله خانتهم زوجاتهم وانحرفت عن دعواتهم ونهجهم..

إذن دعوى عسل النحل أو العلاقة الجنسية التي يحاول المحدثون تأكيدها برواياتهم. ويحاول الفقهاء تثبيتها بتبريراتهم وتأويلاتهم ليست إلا محاولة لتسطيح المسألة وتفريغها من مضمونها وأهدافها ومراميها.. وهي محلولة لاستغفال المسلمين وتسفيه عقولهم..

لقد برز دور عائشة بعد وفاة الرسول (ص)..

برز في دعم نهج أبيها.

وبرز في ضرب نهج الإمام علي وتشويهه..

ولقد آثر نساء النبي السكون والإقرار في البيوت عملا بقوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى..) أما عائشة فقد ضربت بهذا النص عرض الحائط وخرجت إلى ساحة السيف والسياسة فجنت على نفسها وجنت على المسلمين..


الصفحة 98
يروى عن سودة بنت زمعة قالت: حججت واعتمدت وأنا أقر في بيتي كما أمرني الله عز وجل (1)..

ويروى عن أم سلمة قالت: لا يحركني ظهر بعير حتى ألقى النبي (2)..

ويروى عنها وعن زينب بنت جحش قالتا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله (3)..

وما كان يوم الجمل حين خرجت تحرض المسلمين على قتال علي وتقود بنفسها المعركة - إلا فاجعة ونقطة سوداء في تاريخها (4)..

يروى أن عمار بن ياسر خطب في الناس بالكوفة وقت خروج عائشة فقال:

إني لأعلم أنها لزوجته - أي النبي - في الدنيا والآخرة. ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها (5)..

يقول ابن حجر: قوله لتتبعوه أو إياها قيل الضمير لعلي لأنه الذي كان عمار يدعو إليه. والذي يظهر أنه لله والمراد باتباع الله اتباع حكمه الشرعي في طاعة الإمام وعدم الخروج عليه. ولعله أشار إلى قوله تعالى (وقرن في بيوتكن) فإنه أمر حقيقي خوطب به أزواج النبي. والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة وزبير وكان مرادهم إيقاع إصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتله عثمان (6)..

وليس هنا مجال الرد على ابن حجر في تبريره لموقف عائشة لأنه خارج

____________

(1) ابن سعد ح‍ 8 / ترجمة سودة..

(2) فتح الباري ح‍. 8 / 108..

(3) ابن سعد ح‍ ترجمة أم سلمة..

(4) تروي كتب التاريخ أن عدد الذين قتلوا في موقعة الجمل من أصحاب عائشة ثمانية آلاف. وقيل سبعة عشر. وقتل من أصحاب علي ألف. أنظر وفيات الأعيان ح‍ 3 / ترجمة عائشة رقم 318. وكتب التاريخ..

(5) البخاري. باب فضل عائشة..

(6) فتح الباري ح‍ 7 / 108..


الصفحة 99
موضوع البحث. إلا أننا نكتفي باعترافه في أول كلامه بتجاوز عائشة وخروجها عن دائرة النص والإمام الشرعي (1)..

ويروي أنه وقعت بين حيين من قريش منازعة فخرجت عائشة على بغلة تصلح بينهما فلقيها ابن أبي عتيق فقال: إلى أين جعلت فداك؟ فقال: أصلح بين هذين الحيين. فقال: والله ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل بعد فكيف إذا قيل يوم البغل؟ فضحكت وانصرفت (2)..

من هنا فإنه يروى عن عائشة حين حضرها الموت قالت: وددت أني إذا مت كنت نسيا منسيا (3)..

وقالت: يا ليتني لم أخلق. يا ليتني كنت شجرة أسبح. يا ليتني كنت حجرا. يا ليتني كنت مدرة؟ قيل: وما ذاك منها؟ قال - أي الراوي -: توبة (4)..

وقالت: لم أكن أحب أن أسمع أحدا اليوم يثني علي. إني قد أحدثت بعد رسول الله (ص) (5)..

ونخرج مما سبق بما يلي:

- أن هناك شك حول سن عائشة وتاريخ ارتباطها بالرسول..

- أن عائشة لم تكن زوجة مميزة..

- أن صدامات عائشة مع زوجات النبي دليل على عدم تميزها وكونها تحاول اقتناص هذا التميز.

- أن روايات عائشة تفضح الرسول كما تفضحها هي..

- أن عائشة تحتكر الرواية عن الرسول دون زوجات النبي..

- أن سن عائشة وفترة مكوثها مع الرسول (9 سنوات) كما نصت على ذلك الروايات - لا يتلاءم مع هذا الكم من الروايات التي روتها والدور الذي تحاول أن ترسمه لها هذه الروايات..

____________

(1) أنظر لنا السيف والسياسة..

(2) وفيات الأعيان ح‍ 3 / ترجمة عائشة..

(3) ابن سعد ح‍ 8 / ترجمة عائشة..

(4) المرجع السابق..

(5) المرجع السابق. وتوفيت عائشة عام 58 هـ وصلى عليها أبو هريرة ودفنت ليلا..


الصفحة 100
- أن التركيز على عائشة يهدف الضرب على علي الذي ارتبط بالرسول من سن السادسة قبل أن تولد عائشة - حسب رواياتهم - ونهل من علمه. فإذا اعتبرنا أن الرسول تعهد عائشة من طفولتها وأرضعها علمه وحكمته فإنه تعهد علينا أيضا منذ نعومة أظافره وأرضعه علمه وحكمته. لكن الفقهاء والمحدثين مالوا إلى عائشة ودعموا رواياتها وأهملوا عليا ورواياته..

- أن هناك ترابط بين عائشة وحفصة دون بقية أزواج النبي وهو يعكس الترابط الذي كان بين أبي بكر وعمر والذي أنتج الخط القبلي الذي ساد بعد وفاة النبي..

- أن تضخيم عائشة من باب الجنس دليل على عدم وجود مميزات أخرى لها..

. أن جميع الروايات ترصد تاريخ عائشة وفضائلها من رواياتها هي..


الصفحة 101

الرسول العاشق
(2)



الرسول يتهافت على
والنساء هن يتهافتن عليه..



الصفحة 102

الصفحة 103
من مهازل القوم ما ينسبه الرواة للرسول (ص) حول علاقته بالنساء وكأنهم لم يكتفوا بما نسبوه له حول علاقته بعائشة فأرادوا توسيع دائرة هذه العلاقة لتكون فتحا للحاكم بعده كي يغنموا من النساء ويتوسعوا في التمتع بهن على حساب الرسول..

ومثل هذه الروايات الشائنة التي تفضح الرسول جنسيا وتشوه صورته يتداولها القوم بكل ثقة واطمئنان..

ويقيني أن كثيرا من المسلمين لا يعرفون شيئا عن هذه الروايات التي تزدحم بها كتب السنن. فمن ثم هم بمجرد التعرف عليها سوف يرفضونها بالفطرة..

إن العقل لا يقبل أن تكون الحياة الخاصة للرسول مفضوحة بهذا الشكل الذي تبرزه الروايات. كما لا يقبل بصحة هذه الوقائع المنسوبة للرسول والمتعلقة بالنساء في ظل الدور المرسوم له والمهمة الملقاة على عاتقه كنبي خاتم ورسول للعالمين..

ولقد استثمرت هذه الروايات من قبل خصوم الإسلام ورسمت من خلالها صورة مشوهة للرسول كرجل غارق في الملذات يتهافت على النساء ولا يمل من مضاجعتهن ليل نهار..

والواجب على أصحاب العقول والقلم أن يتصدوا لهذه الروايات حفاظا على صورة الرسول وصورة الإسلام..

الواجب أن تكون هناك انتفاضة فكرية ضد هذه الموروثات التي أقل ما يقال فيها أنها من الإسرائيليات..

- في السلم:

يروى أن رسول الله (ص) رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تمعس منيئة لها فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال: " إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر

الصفحة 104
في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يردها في نفسها " (1)..

وفي رواية أخرى: أن النبي (ص) رأى امرأة فدخل على زينب بنت جحش فقضى حاجته منها ثم خرج إلى أصحابه فقال لهم: " إن المرأة تقبل في صورة شيطان فمن وجد من ذلك شيئا فليأت أهله فإنه يضمر ما في نفسه " (2)..

قال النووي: قوله إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان يعني الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء والالتذاذ بنظرهن وما يتعلق بهن فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له (3)..

وقليل من التأمل في هذه الرواية يكشف لنا مصادمتها للعقل وللواقع..

أما مصادمتها للعقل فيظهر لنا من انفعال الرسول وقيام شهوته بمجرد أن وقع بصره على تلك المرأة. وهذا التصور فيه امتهان لشخص الرسول المعصوم والمبرأ من الهوى وهو يظهر بمظهر الرجل الشهواني الذي لا يكف عن ملاحقة النساء ببصره. وإذا كان هذا هو حال الرسول فكيف حال أصحابه؟

إن الرواية لم تجيبنا عن هذا السؤال فهي قد بينت لنا أن الرسول هو الذي تأثر بتلك النظرة وقامت شهوته وحده فهرع إلى زينب ليطفئ نار الشهوة ثم خرج إلى أصحابه فإذا هم بانتظاره فأخبرهم بسبب تركه لهم ثم أنزل غضبه ولعنته على المرأة وعلى النساء أجمعين مشبها إياهن بالشيطان..

ومن هذا البيان برزت لنا حقيقتان:

الأولى: أن الصحابة كانوا أكثر ثباتا وأقل تأثرا بتلك المرأة من الرسول..

الثانية: أن الرسول فضح نفسه وكشف أمام أصحابه ما جرى له من تلك المرأة وما فعله مع زينب حين هرع إليها..

____________

(1) مسلم كتاب النكاح..

(2) أبو داود كتاب النكاح..

(3) مسلم هامش باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه. كتاب النكاح.


الصفحة 105
فهل يقبل العقل مثل هذا الكلام..؟

أما مصادمتها للواقع آنذاك فيظهر من أن النساء في زمن الرسول (ص) لم يكن يسرن في الطرقات عاريات أو مائلات أو مميلات فكل هذه صور من حال المرأة في آخر الزمان وهو قد تنبأ بها (1)..

إذن فماذا كانت ترتدي تلك المرأة التي أثارت الرسول..؟

ويروى عن عائشة قولها: كنت أطيب رسول الله (ص) فيطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضح طيبا (2)..

ويروى عن أنس بن مالك: كان النبي (ص) يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشر. قلت لأنس: أو كان يطيقه. قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين (3)..

قال النووي: أما طوافه (ص) على نسائه بغسل واحد فيحتمل أنه كان يتوضأ بينهما أو يكون المراد بيان جواز ترك الوضوء. وقد جاء في سنن أبي داود أنه (ص) طاف على نسائه ذات ليلة يغتسل عند هذه وعند هذه. فقيل يا رسول الله:

ألا تجعله غسلا واحدا. فقال: " هذا أذكى وأطيب وأطهر ". وعلى تقدير صحته يكون هذا في وقت وذاك في وقت. وطوافه (ص) محمول على أنه كان برضاهن أو برضى صاحبة النوبة إن كانت نوبة واحدة. وهذا التأويل يحتاج إليه من يقول كان القسم واجبا على رسول الله في الدوام كما يجب علينا. وأما من لا يوجبه فلا يحتاج إلى تأويل فإن له أن يفعل ما يشاء. وهذا اختلاف في وجوب القسم هو وجهان لأصحابنا (4)..

وقال القاضي عياض: إن الحكمة من طوافه عليهن في الليلة الواحدة كان

____________

(1) أنظر كتاب الفتن في البخاري ومسلم وكتب السنن..

(2) البخاري. كتاب الغسل باب إذا جامع ثم عاد. ومن دار على نسائه في عسل واحد.

وانظر كتاب النكاح باب من طاف على نسائه في غسل واحد ومسلم كتاب الرضاع..

(3) المرجع السابق..

(4) شرح النووي على مسلم. كتاب الحيض..