أو كقوله: بنا اهتديتم في الظلماء، وتسنمتم ذروة العليا، وبنا انفجرتم عن السرار، وقر سمع لم يفقه الداعية، وكيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة... المجلد الأول صفحة 174
36 - التصدي لدعايات السلطة والاحتجاج عليها
السلطة لم تخش فئة كما خشيت آل البيت، لذلك قادت السلطات طوال التاريخ حملة إعلامية هائلة لخلط الأوراق! ومن أقدم دعايات السلطة أن علي بن أبي طالب طالب إمارة وحريص على السلطة، وبالتالي لا ينبغي أن يولي الإمارة...
انظر إلى قوله (عليه السلام): وقال قائل إنك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص، فقلت بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخص وأقرب، إنما طلبت حقا لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلما قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين هب كأنه بهت لا يدري ما يجيبني... مجلد 3 صفحة 350
وقال (عليه السلام): اللهم إني أستعينك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي وأكفأوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري وقالوا إن في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تمنعه، فاصبر مغموما أو مت متأسفا، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا مساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الفنية، فأغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشجا، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم وآلم للقلب من وخز الشفار. مجلد 3 صفحة 69
أو كقوله: وقد سمع صارخا ينادي أنا مظلوم فقال: هلم فلنصرخ معا فإنني ما زلت مظلوما. مجلد 3 صفحة 351
37 - هجروا السبب الذي أمروا بمودته ورجعوا على الأعقاب
قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): حتى إذا قبض الله رسوله رجع قوم على الأعقاب، وغالتهم السبل واتكلوا على الولائج، ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته، ونقلوا البناء عن رص أساسه، فبنوه في غير موضعه، معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة، قد ساروا في الحيرة، ودخلوا في السكرة، على سنة من آل فرعون، من منقطع إلى الدنيا ساكن، أو مفارق للدين مباين... راجع شرح النهج مجلد 3 صفحة 222
قال (عليه السلام): أصفيتم بالأمر غير أهله، وأوردتموه غير مورده، وسينتقم الله ممن ظلم، مأكلا بمأكل ومشربا بمشرب، من مطايا العلقم، ومشارب الصبر والمقر، ولباس الخوف، ودثار السيف، وإنما هم مطايا الخطيئات، وزوامل الآثام...
مجلد 3 صفحة 286
38 - أنين أمير المؤمنين علي
عندما دفن الزهراء تكلم (عليه السلام) بقلب يقطر أسى إلى أن قال مخاطبا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أما حزني عليك فسرمد، وأما ليلي فمسهد، إلى أن يختار لي داره التي أنت بها مقيم، وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها، فأحفها السؤال واستخبرها الحال...
مجلد 3 صفحة 552
39 - آنس بالموت من الطفل بثدي أمه
وقال (عليه السلام): فإن أقل يقولوا حرص على الملك، وإن أسكت قولوا جزع من الموت، هيهات بعد اللتيا والتي، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البيعدة، مجلد 1 صفحة 178
40 - وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف
وقال (عليه السلام): فإنه لما قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) قلنا نحن أهله وورثته وعترته، وأولياؤه من دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذا انبرى لنا قومنا، فغصبونا سلطان نبينا، فصار الأمر لغيرنا، وصرنا سوقة، يطمع فينا الضعيف، ويتعزز علينا الذليل، فبكت الأعين منا لذلك، وخشيت الصدور، وجزعت النفوس، وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر ويبور الدين، لكنا على غير ما كنا عليه... مجلد أول صفحة 248 - 249
41 - استأثرت علينا قريش
وقال (عليه السلام): إن الله لما قبض نبيه، استأثرت علينا قريش بالأمر، ودفعنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة، فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم، والناس حديثو عهد بالإسلام، والدين يمخض مخض الوطب، يفسده أدنى وهن، ويعكسه أقل خلاف..... مجلد أول 249
42 - ألبا الناس علي ونكثا بيعتي
ورفع يديه بعد وقعة ذي قار وقال: اللهم إن طلحة والزبير قطعاني وظلماني، وألبا علي، ونكثا بيعتي، فاحلل ما عقدا، وانكث ما أبرما، ولا تغفر لهما أبدا، وأرهما المساءة في ما عملا وأملا، مجلد 1 صفحة 251
وقال (عليه السلام): فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت الشجى، وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أمر من طعم العلقم، مجلد 1 صفحة 291
وقال (عليه السلام): في كتابه لأخيه عقيل إن ابن أبي سرح طالما كاد الله ورسوله وكتابه، وصد عن سبيل الله وبغاها عوجا، فدع ابن أبي سرح، ودع عنك قريش، وخلهم وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، ألا وإن العرب قد أجمعت على حرب أخيك اليوم إجماعها على حرب رسول الله قبل اليوم، فأصبحوا قد جهلوا حقه وجحدوا فضله، ونصبوا له الحرب، وجهدوا عليه كل الجهد، وجردوا إليه جيش الأحزاب، اللهم فاجز قريشا عني الجوازي، فقد قطعت رحمي، وتظاهرت علي، ودفعتني عن حقي، وسلبتني سلطان ابن أمي، وسلمت ذلك إلى من ليس مثلي، في قرابتي من الرسول وسابقتي في الإسلام، إلا أن يدعي مدع ما لا أعرف ولا أظن الله يعرفه.... مجلد 1 صفحة 358 - 359 من الشرح.
43 - أسباب نقمة قريش على أهل البيت
وقال (عليه السلام): ما لي ولقريش، والله لقد قاتلتهم كافرين، ولأقاتلنهم مفتونين، وإني لصاحبهم بالأمس، كما أنا صاحبهم اليوم، والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم، فأدخلناهم في حيزنا، فكانوا كما قال الأول:
المجلد الأول صفحة 404
44 - كتاب محمد بن أبي بكر إلى معاوية
فكان أول من أجاب وأناب وصدق ووافق فأسلم، أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب، فصدقه بالغيب المكتوم، وآثره على كل حميم، ووقاه كل هول، وواساه بنفسه وماله من كل خوف فحارب حربه، وسالم سلمه، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الأزل ومقامات الروع، حتى برز سابقا لا نظير له في جهاده، ولا مقارب له في فعله، وقد رأيتك تساميه وأنت أنت وهو السابق المبرز في كل خير، أول الناس إسلاما، وأصدق الناس نية، وأطيب الناس ذرية، وأفضل الناس زوجة، وخير الناس ابن عم، وأنت اللعين ابن اللعين لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل، وتجتهدان على إطفاء نور الله، وتجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتحالفان في ذلك القبائل، على هذا مات أبوك وعلى ذلك خلفته.
والشاهد عليك بذلك من يأوي ويلجأ إليك من بقية الأحزاب، ورؤوس النفاق والشقاق لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
والشاهد لعلي مع فضله وسابقته القديمة أنصارهم الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن ففضلهم وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار، فهم معه كتائب وعصائب يجالدون حوله بأسيافهم، ويهريقون دماءهم دونه، يرون الفضل في إتباعه، والشقاق والعصيان في خلافه، فكيف يالك الويل تعدل نفسك بعلي، وهو وارث رسول الله ووصيه، وأبو ولده، وأول الناس له اتباعا، وآخرهم به عهدا، يخبره بسره ويشركه في أمره... راجع المجلد الأول صفحة 631 - 632 وأقرأ رسالة معاوية لمحمد بن أبي بكر.
وقال سلمان الفارسي عندما بويع أبو بكر: أصبتم ذا السن منكم، وأخطأتم أهل بيت نبيكم، لو جعلتموها فيهم، ما اختلف عليكم اثنان، ولأكلتموها رغدا. مجلد 1 صفحة 310 من شرح النهج نقلا عن السقيفة للجوهري.
45 - الخطبة المعروفة بالشقشقية ويبين فيها الإمام حقائق الأمور
أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا، ينحدر عن السيل، ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول إلى سبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده
فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلون واعتراض، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة.
حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت (أقرن) إلى هذه النظائر! لكني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره، مع هن وهن!
إلى أن قام ثالث القوم، نافجا حضنيه، بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه، يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع، إلى أن (انتكث) به قتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته.
فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي، ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلما نهضت بالأمر
أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة، بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا (يقاروا) على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز.
وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا، فأقبل ينظر فيه، قال له ابن عباس: لو أطردت خطبتك من حيث أفضيت. فقال:
هيهات يا ابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرت. راجع المجلد الأول من شرح النهج تحقيق حسن تميم صفحة 134، 142، 158، 167، 171، 172
46 - مقولات لا تصمد في مواجهة منطق القانون
رئاسة الدولة أو الإمامة في الإسلام مجذرة ومغروسة ومربوطة ربطا محكما بالمنظومة الحقوقية الإلهية، تنبع منها، وتتغذى عليها وتتكامل معها، فالإمام هو وحده بعد النبي الذي يفهم المنظومة الحقوقية الإلهية فهما قائما على الجزم واليقين، فهو مرجع الأمة الديني، والحقوقي، بالدرجة الأولى ومرجعها وقائدها الدنيوي بالدرجة الثانية. والمنظومة الحقوقية الإلهية هي بمثابة القانون النافذ الذي يطبقه الإمام على أقاليم وشعب دولة الأمة.
ولا تستقيم الأمور بالضرورة إلا إذا تولى القيادة السياسية ذات الإمام الشرعي الذي يشهد له الله والرسول والمنطق والعقل بأنه هو الأعلم والأفهم بأحكام المنظومة الحقوقية الإلهية وأنه الأصلح والأفضل من بين أتباع الملة.
هذان أساسان، منظومة حقوقية إلهية هي بمثابة القانون النافذ، وقيادة سياسية ومرجعية معا وهي وحدها القادرة على فهم هذه المنظومة الفهم الشرعي تماما، وهما معا لا يفترقان بالضرورة.
47 - حتى معاوية، وحتى النساء لا تتعقل ذلك!
فقد بينا أن أم المؤمنين عائشة قالت لعمر استخلف عليك ولا تدعهم بعدك هملا، وأن ابن عمر قال لأبيه لو جاءك راعي غنمك أو إبلك وقد ترك ولا راعي لها للمته، ووثقنا ذلك، وهذا هو معاوية يقول (كرهت أن أدع أمة محمد لا راعي لها) الإمامة والسياسة صفحة 184 فهل يعقل أن يكون ابن عمر، ومعاوية، وأم المؤمنين أدرى بعواقب الأمور من الله ورسوله؟!! ما لكم كيف تحكمون؟ ثم إنني أتساءل: دلوني على هذا الحاكم الذي مات ولم يستخلف إما تصريحا أو تلميحا؟
بل إنني أتحدى عبدة التقليد أن يدلوني على منظومة حقوقية إلهية أو وضعية لم تبين من يخلف الحاكم القائم أو كيفية انتقال رئاسة الدولة من شخص إلى آخر؟
فهل المنظومات الوضعية أكثر كمالا من المنظومة الإلهية؟!
ثم إذا كانت هذه المقولات صحيحة، فلماذا لا تتركوا أمة محمد كما تركها رسول الله بزعمكم؟
فإذا كان الرسول ترك فلماذا لا تتركون، وإذا كان الرسول استخلف فلماذا رفضتم استخلافه؟!!
48 - ما هو القصد من هذه المقولات
القصد من ترويج هذه المقولات غير الصحيحة هو تبرير رفضهم للترتيبات الإلهية ، وكراهية بطون قريش أن يجمع الهاشميون النبوة والخلافة، أو بتعبير أدق للتغطية على غصب سلطان النبي من آله الكرام!!
49 - القواعد التي أوجدها الحكام لرئاسة الدولة وانتقالها ليست هي حكم الشرع
القواعد الحقوقية التي يتناقلها ويرددها منظرو الفكر السياسي الإسلامي منا نحن أهل السنة ويربطونها ربطا ببعضها، ليست هي حكم الشرع في رئاسة الدولة وكيفية انتقال الرئاسة، إنما هي وقائع التاريخ الإسلامي ولا سند لها من الشرعية إلا فعل الحكام، وقد اخترع أشياع الحكام مبدأ إجماع الصحابة الكرام كسند لهذه القواعد، ولإخفاء الشرعية على هذه القواعد.
مع أن إجماع الصحابة لم يتحقق قط بعد وفاة الرسول.
ثم إن هذه القواعد نفسها لم تدم على حال إنما كانت عرضة للتبديل والتحويل والتغيير. فبيعة أبي بكر كانت فلتة كما وصفها عمر رضي الله عنهما، وأبو بكر عهد لعمر، وعمر عهد لستة، والغالب كان يعهد لابنه، حتى يأتي غالب جديد ويرى رأيه.
50 - وجه الاعتراض على ما حدث
بطون قريش ترفض أن يجمع الآل الكرام النبوة والخلافة معا، وقد رأت أن الترتيبات الإلهية بجمع النبوة والخلافة لآل محمد مجحفة بحق البطون فقررت تلك البطون أن تقسم قسمة جديدة بعد وفاة النبي فتكون النبوة لبني هاشم والخلافة للبطون، وخططت على هذا الأساس حتى أثناء حياة النبي ونفذت هذه الخطة أثناء مرضه ونجحت بتخطيطها وعينت أول خليفة وهو أبو بكر (رضي الله عنه) أثناء انشغال الآل الكرام
إن الخليفة الذي نصبته البطون رجل صالح من كل الوجوه، ومحترم من كل الوجوه، ومن أجلاء الصحابة الكرام، ولا (مطلق) لنا عليه، لكنه ليس هو الإمام الذي عينه الله ورسوله، وليس هو الشخص المجذر بالمنظومة الإلهية، وليس هو الشخص الذي يفهم المنظومة الحقوقية فهما قائما على الجزم واليقين، لأن الفهم القائم على الجزم واليقين اختصاص وعمل فني من كل الوجوه وهو صادر عن الأعلم والأفهم بالمنظومة والأفضل والأصلح من بين أتباعها وتلك صفات لا يعلمها إلا الله!
ومن هنا فإن الله تعالى حدده وبينه وأمر الرسول أن يعلن ذلك للناس فأعلنه الرسول مرات ومرات ومنها مرة بمكان يدعى غدير خم، ولا يوجد في العالم اسم مشابه لإسم هذا المكان حتى يتذكر الناس، وبمناسبة حجة الوداع حتى لا ينسى الناس، وأمام جمع يزيد على مائة ألف مسلم، وهو أكبر تجمع عرفه تاريخ الجزيرة آنذاك.
هذا هو وجه الاعتراض، فوجه الاعتراض منصب على مستقبل النظام، على عدم إعمال القواعد الشرعية، على طريقة التنصيب، على الإصرار باستعباد الذين لا تدرك الهداية إلا بهم، ولا تتجنب الضلالة إلا بهم!!! هذا هو فقط وجه الاعتراض.
51 - وجه الخلل فيما حدث
الخليفة الذي نصبته البطون رجل صالح من كل الوجوه، ولكن ليس هو الخليفة الذي عينه الله وشهد له بأنه الأعلم والأفهم والأفضل والأصلح.
الخليفة الذي عينه الله ورسوله أصبح من الناحية الواقعية محكوما، ومهانا، ومظلوما، وواحدا من الرعية، ومجردا من كل سلطة، ولا حول بيده ولا قوة.
الخليفة الفعلي المتغلب عاجز عن فهم المنظومة الحقوقية الإلهية فهما قائما على الجزم واليقين، وفي نفس الوقت من اختصاصه الواقعي أن يطبقها على الرعية.
كل هذا أدى لوقوع خلل بدأ بسيطا ثم أخذ يستفحل حتى عصف بالأمة طوال تاريخها، وعصف بالمنظومة الحقوقية الإلهية نفسها، ففهمتها الأمم الأخرى على غير حقيقتها.
ومع الأيام تداعت صلة المنظومة الحقوقية الإلهية بمؤسسة الخلافة أو الإمامة، فأصبحت الإمامة تقرأ وحدها، والخلافة وحدها، والمنظومة وحدها! وأصبحت الخلافة حقا خالصا لمن غلب وأحسن التخطيط والتدبير بالخفاء، فكثر الطامعون بالخلافة، وتحولت عملية الاستيلاء على الخلافة إلى مشكلة مستعصية الحل صارت هي الأصل لكل بلاء، والشرارة لكل حرب أو فتنة، فأصبحت هذه المشكلة سنة، فطالما أن الآباء اجتهدوا بالخروج على الشرعية وترك النص الصريح، والاجتهاد مع وجوده، وطالما أن الآباء لم يلتزموا بموالاة أهل البيت وهم القاسم المشترك، وأنفوا من القبول بحكمهم ورئاستهم للدولة، فكيف نطلب من الأبناء أن يخالفوا سنة آبائهم؟!
52 - قانون الغلبة
أبو بكر (رضي الله عنه) لم ينل الخلافة بسبب صفاته الشخصية الحميدة فحسب أو لأنه من المبشرين بالجنة، أو لأنه كبير السن... إلخ. إنما أصبح خليفة لأنه تعاون مع عمر ومع البطون، وخططوا وأحسنوا التخطيط وحققوا الغلبة. كذلك فإن عمر نصب خليفة لأنه شريك الغالب ولأن قائد الحزب الغالب قد عينه وعهد إليه. كذلك عثمان رضي الله عنهم أجمعين أصبح خليفة لأن الغالب قد عهد إليه. كذلك حكم الأمويون لأنهم غلبوا، ثم حكم العباسيون لأنهم غلبوا أيضا، ثم حكم العثمانيون لأنهم غلبوا، ثم تحولت الأقاليم إلى دول بعد سقوط نظام الخلافة، وتغلبت كل فئة على إقليم فحكمته، فالرئاسة أو الخلافة أصبحت حقا لمن غلب. ولو نفذت الترتيبات الإلهية وحصرت رئاسة الدولة بعمادة أهل بيت النبوة لما اختلف اثنان على حد تعبير سلمان الفارسي،
53 - أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) يستعرض تاريخ الاحتجاجات والآلام
قال لبعض أصحابه يا فلان: ما لقينا من ظلم قريش إيانا، وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبض، وقد أخبر أننا أولى الناس بالناس، فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر من معدنه، واحتجت على الأنصار بحجتنا، ثم تداولتها قريش، واحدا بعد واحد، حتى رجعت إلينا، فنكثت بيعتنا، ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى قتل، فبويع الحسن ابنه، وعوهد ثم غدر به وأسلم، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه، ونهبت عسكره، وعولجت خلاخيل أمهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دماء أهل بيته وهم قليل جد قليل.
ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفا ثم غدروا به، وخرجوا عليه، وبيعته في أعناقهم!
ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام، ونقصى ونمتهن، ونحرم، ونقتل ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا!
ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلد، فحدثوا بالأحاديث الموضوعة المكذوبة وزوروا علينا ما لم نقله ليبغضونا إلى الناس!
وكان عظم ذلك وكبره في زمن معاوية بعد موت الحسن فقتلت شيعتنا في كل بلد،
ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين.
ثم جاء الحجاج، فقتلهم كل قتلة، وأخذهم بكل ظنة وتهمة، حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال شيعة علي... مجلد 3 ص 595 شرح النهج.
54 - معاوية بعد عام الجماعة
روى المدائني في كتاب الأحداث أن معاوية كتب نسخة واحدة إلى كل عماله أن برئت الذمة ممن روى شيئا عن فضل أبي تراب (يعني عليا) وأهل بيته (يعني أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فقام الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه.
وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي ومحبيه وأعوانه وأهل بيته شهادة ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان أن (انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته، فامحوه من الديوان وأسقطوا رزقه وعطاءه)!
وشفع ذلك بنسخة أخرى (من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم أي - أهل بيت الرسول - فنكلوا به واهدموا داره).
راجع شرح النهج لابن أبي الحديد صفحة 595 - 596 مجلد 3 فنفذوا أوامره وهم يتلون آية التطهير، وآية المودة بالقربى، ولم ينسوا أبدا الصلاة على النبي وآله في كل صلاة مفروضة!!! ألم أقل أن الصلة قد انقطعت بين مؤسسة الخلافة وبين المنظومة الإلهية!!
وإن وجدت صلة أو اعترف بوجود صلة في ذلك إلا للضحك على العامة، وكسب رضاهم.
فأي القولين أحق بالتنفيذ قول الرسول أم قول معاوية؟ للأسف قول معاوية!!!
إن الإسلام لا يسمح أن يعامل اليهود والنصارى بهذه القسوة التي عومل بها أهل البيت وأعوانهم!!!
55 - خلاصة الإنقلاب
نجحت البطون بقيادة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بالحيلولة بين النبي وبين كتابة ما أراد، وصدموا خاطره الشريف بقولهم هجر أو يهجر - حاشا له -.
ثم نجحت البطون باختيار مكان تنصيب الخليفة، ونجحت بتنصيب الخليفة الجديد في (غياب) العترة الطاهرة وأثناء انشغالهم بتجهيز جثمان النبي.
ثم نجحت البطون باستقطاب أنصارها وحشدهم معا فزفوا الخليفة زفا إلى مسجد الرسول، فأقنعوا سكان المدينة أنهم السلطة ولا سلطة سواها، وأنهم مصدر القوة وبيدهم القوة ولا قوة بيد غيرهم، وأن من مصلحة الجميع أن يوالي السلطة الجديدة التي تجمع بيدها كل عناصر القوة، فانبهر سكان الجديد، وصفقوا للغالب، ومن خلال الزفة المبايعة والحشد، أرسلت قيادة البطون رسالة ضمنية لأهل بيت محمد بأنهم وحدهم ومعزولون تماما فالسكان والأمة وقيادتها الجديدة في جانب والهاشميون ومن والاهم وهم أقلة في جانب آخر، ثم إن الأنصار كلها قد بايعت، وعلى الرغم من أن سعد بن عبادة هو سيد الخزرج لكنه عزل تماما عن الخزرج لأن عارض السلطة الجديدة.
ثم إن الهاشميين لن يكونوا أقرب للأنصار من سعد، وقد تخلت عنه الأنصار ووالت السلطة الجديدة التي تجمع بيدها المال والجاه، وتتحكم عمليا في الحاضر
وقد فهم الهاشميون مضمون الرسالة، ولكن ثقتهم بالشرعية وسلطانها كانت مطلقة فاحتجوا بالشرعية، فكانت السلطة الجديدة هي الخصم والحكم ففسرت الشرعية لصالحها.
فأنف الآل الكرام أن يسلموا بالأمر الواقع وأن يعترفوا بشرعيته، أو حقه بالحكم، فردت السلطة على ذلك ردا موجعا وحاسما وأليما فأصدرت قراراتها الاقتصادية، حرمت الآل الكرام من إرث النبي، وصادرت المنح التي أعطاها لهم النبي أثناء حياته، ثم حرمت عليهم الخمس الثابت لهم بآية محكمة، وحتى تثبت أنها سلطة عادلة قررت أن تتفضل وتقدم لآل محمد المأكل من كل ذلك وليس لهم إلا المأكل وحده وقد وثقنا ذلك ذهل الآل الكرام من هول هذه القرارات وقسوتها، فضجوا واحتجوا بالقرآن والسنة والمنطق، فكان رد السلطة حاسما أن كل ما تركه محمد، وكل ما منحه محمد لأهل بيته، والخمس المخصص لأهل البيت الكرام كل هذه مجرد طعمة من الله للخليفة الجديد!! ومرة أخرى صارت السلطة هي الخصم والحكم وفسرت الشرعية لصالحها ففازت القوة وانتصرت الغلبة، وسقطت الشرعية، وختمت فاطمة الزهراء حجتها بالقول:
فيا حسرتي لكم، وأنى بكم وقد عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون.
ولا بد أمام الآل الكرام من قبول الأمر الواقع، ومن التسليم بأن الشرعية قد هزمت تماما، وأن الإنقلاب قد نجح، وأن السلطة الجديدة قد أحكمت قبضتها على الرعية، فإما أن يقبل الآل الكرام ذلك أو يموتوا جوعا وقهرا، أو قتلا، لأن السلطة الجديدة لن تسمح لأحد أن يعيش تحت حكمها وأن لا يواليها والسلطة الجديدة عادلة فيكفيها أن يتظاهر الآل الكرام بالموالاة وأن يكفوا عن الطعن فإن فعلوا ذلك فقد نجوا ونجاة الآل الكرام وطعنهم واحتجاجهم وموالاتهم للسلطة لا قيمة لها فالسلطة لا تحتاجهم على حد تعبير عمر، ولكن السلطة الجديدة تخشى على الآل الكرام من
56 - وفاة الخليفة الأول
لو أراد عمر أن يكون أول خليفة لكان، فهو المهندس الأعظم لعصر ما بعد النبوة، وهو الذي تحمل كل المشاق وركب الهول حتى وطد أركان النظام.
وقد بينا أن أبا بكر قد كتب أثناء مرضه العهد بأن يخلفه عمر وكان ذلك واضحا للإمام علي قبل حدوثه فقد قال لعمر احلب حلبا لك شطره واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا كما روى ابن قتيبة وابن أبي الحديد.
ولا فرق عمليا بين حكم أبي بكر وحكم عمر، فما لم يرده عمر في عهد أبي بكر لم ينفذ.
وكان واضحا أن الخليفة من بعد عمر هو عثمان فقد كان يسمى بالرديف وبينا أن أبا بكر قد قال لعثمان عندما كتب عهد عمر: لو كتبت نفسك لكنت أهلا لها.
57 - مستقبل النظام الذي أسسه عمر
وعمر على فراش الموت أخذ يستعرض الرجال المؤهلين لقيادة النظام بعده فوجدهم وللأسف أمواتا فقال: كما في رواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة صفحة 23
لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح باقيا استخلفته ووليته... ولو أدركت معاذ بن جبل
ثم إن سالم من الموالي ولا يعرف له نسب في العرب، فكيف نوفق بين توليته وبين قول عمر (رضي الله عنه) في سقيفة بني ساعدة ولكن العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم... صفحة 8 من الإمامة والسياسة.
58 - عمر (رضي الله عنه) يتصرف وفق المتاح
بعد أن استذكر عمر بأن الرجال المؤهلين لقيادة النظام قد انتقلوا إلى رحمة الله تعالى، تذكر ما تبقى من العشرة المبشرين بالجنة وهم ستة، وبالرغم من وجود مبشرين في الجنة غيرهم، وبالرغم من وجود أسياد لأهل الجنة غيرهم، إلا أن اختيار عمر وقع على ستة وهم: علي بن أبي طالب، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وكان واضحا حسب الترتيبات أن عثمان هو الخليفة في كل الأحوال، وكان علي يدرك ذلك، ولكنه لو لم يشترك بالشورى لما أقام عليهم الحجة، ولقالوا أنه زهد بحقه الثابت بالخلافة.
59 - رأي عمر بقادة المستقبل للنظام
قال عمر والله ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلا شدتك وغلظتك مع أنك رجل حرب، وما يمنعني منك يا عبد الرحمن إلا أنك فرعون هذه الأمة وما يمنعني منك يا زبير إلا أنك مؤمن الرضا كافر الغضب، وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره ولو وليها وضع خاتمه في إصبع امرأته وما يمنعني منك يا عثمان إلا عصبيتك وحبك قومك وأهلك، وما يمنعني منك يا علي إلا حرصك عليها... راجع الإمامة والسياسة، صفحة 24 - 25 على سبيل المثال وصار عثمان خليفة كما رتبت الأمور.
60 - رسالة معاوية إلى محمد بن أبي بكر
النص الحرفي للرسالة
من معاوية بن أبي سفيان إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر سلام الله على أهل طاعته أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه، وما أصفى به نبيه، مع كلام ألفته ووضعته، لرأيك فيه تضعيف، ولأبيك فيه تعنيف ذكرت حق ابن أبي طالب، وقديم سوابقه ومراتبه من نبي الله (صلى الله عليه وسلم)، ونصرته له، ومواساته إياه في كل خوف وهول واحتجاجك علي بفضل غيرك لا بفضلك، فأحمد إلها صرف الفضل عنك وجعله لغيرك.
وقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا (صلى الله عليه وسلم) نرى حق بن أبي طالب لازما لنا، وفضله مبرزا علينا، فلما اختار الله لنبيه (صلى الله عليه وسلم) ما عنده، وأتم له ما وعده وأظهر دعوته، وأفلح حجته قبضه الله إليه.
فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه على ذلك اتفقا واتسقا، ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما، فهما به الهموم، وأرادا به العظيم، فبايع وسلم لهما، لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرهما، حتى قبضا وانقضى أمرهما، ثم قام بعدهما ثالثهما عثمان يهتدي بهما... راجع وقعة صفين لنصر بن مزاحم صفحة 118 و 119، ومروج الذهب للمسعودي مجلد 3 صفحة 11
61 - لرأي معاوية أهمية خاصة
تكتسب رسالة معاوية أهمية خاصة، فمعاوية هو العدو اللدود لعلي بن أبي طالب، فمعاوية وأبوه قادا حربا ضارية طوال 21 عاما ضد النبي وضد علي، وخلال هذه الحرب، قتل علي سادات بني أمية فضلا عن المنافرات السابقة بين الهاشميين وبين الأمويين وأثمرت كل هذه المداخلات حقدا أمويا على علي لا يزول.
فمعاوية يؤكد أن جميع المسلمين بما فيهم أبو بكر وعمر ومعاوية كانوا يرون حق علي لازما لهم، وفضله مبرزا عليهم.
وهو يؤكد أنه بعد وفاة رسول الله بأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا أول من ابتزا على حقه، وخالفاه، وقد اتفقا واتسقا على ذلك، وعندما احتج عليهما علي هما به الهموم وأرادا به العظيم ولم يشركاه في أمرهما، ولم يطلعاه على سرهما هذا هو اعتراف معاوية وإقراره على نفسه وعلى الذين عيناه واليا!!
الفصل السابع
الآثار السياسية لانتصار النظام البديل
الأثر الأول: إقصاء الرسول عن التأثير على الأحداث السياسية
1 - ما يميز النظام السياسي الإسلامي عن غيره
ما يميز النظام السياسي الإسلامي عن غيره من الأنظمة السياسية هو:
1 - أن رئيس الدولة يعين بأمر من الله تعالى، فالله تعالى هو الذي عين محمدا، وداود، وسليمان، وطالوت.
2 - أن رئيس الدولة هو الأعلم والأفهم بالمنظومة الحقوقية الإلهية، وهو وحده القادر على أن يفهم المقصود الإلهي من كل نص فهما قائما على الجزم واليقين.
ومن جهة ثانية فإن الإمام أو رئيس الدولة الذي يعينه الله تعالى هو الأصلح والأفضل والأنسب، ومن جميع الوجوه في زمانه.
2 - ما هي الحكمة من التعيين الإلهي لرئيس الدولة؟
الله سبحانه وتعالى وضع منظومة حقوقية، وقدر أنها هي وحدها القادرة على تحقيق العدل والحرية والمساواة بين الناس، ومن ضرورات تطبيق هذه المنظومة وجود شخص يفهمها فهما يقينا، ويفهم المقصود الإلهي من كل نص فيها بحيث لا يرقى إلى
وبما أن الأعلم والأفهم والأفضل والأصلح والأنسب صفات خفية لا يعرف على وجه الجزم واليقين إلا الله تعالى، ولأن مصلحة المجتمع المؤمن أن يحكمه هذا الشخص بالذات دون غيره، ولأن المجتمع المؤمن عاجز عن معرفة هذا الشخص، لذلك من الله على عباده المؤمنين فدلهم على هذا الإمام أو الرئيس، ووفر عليهم عناء البحث في ما هو خارج عن طاقتهم، وهذا هو سر اشتراك العناية الإلهية بتعيين رئيس الدولة الإسلامية.
3 - القول الفصل
إذا كان رئيس الدولة معينا من الله تعالى، والشريعة موضوعة من قبله تعالى فالنظام السياسي في هذه الحالة هو نظام إسلامي إلهي ماءة بالمائة أما إذا لم يعين رئيس الدولة من قبل الله تعالى، فالنظام السياسي في هذه الحالة ليس إسلاميا، حتى ولو طبقت أحكام الشريعة الإلهية، لأن تخويل شخص آخر بتطبيق الشريعة الإسلامية وهو غير مؤهل لتطبيقها يؤدي لنتائج مدمرة. فحالة هذا الشخص كحالة من لا يعرف الطب ومع هذا نضع تحت تصرفه كافة اللوازم اللازمة لإجراء جراحة للقلب، أو للعين، وهو لا يعرف من الطب إلا اسمه، أو يعرف المبادئ الأساسية للطب، ولكنه لا يقوى على إجراء عملية جراحية للقلب أو للعين.
4 - الترتيبات الإلهية على المحك
أنزل الله الكتاب على عبده محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلفه ببيان ما أنزل الله، فبينه عبر دعوة تمخضت عن دولة، فقاد الدعوة 13 سنة، وترأس الدولة 10 سنين، ثم أعلن للناس أنه ميت لا محالة، وأخذ يبين لهم الترتيبات الإلهية لما بعد موته، بين ذلك للأفراد وللجماعات، وفي جمع يزيد على ماءة ألف جمعه رسول الله خصيصا لهذه الغاية، ثم
اللهم نعم، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): من كنت مولاه فهذا علي مولاه، إنه وليكم من بعدي، إنه ولي المؤمنين من بعدي، إنه ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعدي، إنه مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي.
وأمام هذا الجمع الحاشد خلع النبي عمامته وتوج عليا بها!!
فهم الجميع أن عليا هو الولي من بعد النبي، وهو القائم مقامه، وقد فهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ذلك، وقدما التهاني للولي الجديد ونطقا بلسان عربي غير ذي عوج، (أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة).
فقد بلغ الرسول أمر ربه، ونزل قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا).
وبين الرسول أمام هذا الجمع الحاشد أن الهدى لا يدرك إلا بالتمسك بالثقلين، وهما كتاب الله وعترة النبي أهل بيته، وعميد العترة وأهل البيت بعده هو علي، وأن الضلالة لا يمكن تجنبها إلا بالتمسك بالثقلين، كتاب الله وعترته أهل بيته، ونادى النبي بأعلى صوته (ألا هل بلغت)؟!
وضجت الجموع الحاشدة: نعم لقد بلغت يا رسول الله الأمانة، وأديت الرسالة!
ورجع إلى المدينة، وبعد وقت طال أم قصر، مرض مرضه الذي مات منه.
لقد وثقنا كل ذلك في باب القيادة السياسية، من كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام، فليرجع إليه من شاء.
5 - الترتيبات الإلهية ليست في مصلحة الإسلام!
رأى قوم أن هذه الترتيبات الإلهية ليست لمصلحة الإسلام، فمحمد النبي من بني هاشم، وعلي الولي من بعده حسب هذه الترتيبات من بني هاشم، وهكذا يجمع الهاشميون النبوة والخلافة معا، وفي ذلك إجحاف على بطون قريش، والإجحاف مفسدة لذلك كرهت بطون قريش أن تجمع لبني هاشم النبوة والملك معا!!
ورأى القوم أيضا أن عليا صغير السن وليس له ما للمشيخة من القدرة على التدبير! ورأى القوم أيضا أن عليا أثخن في العرب فقتل سادات العرب على الإسلام، وليس من المناسب أن يترأس هذا البطل على أولاد قتل آباءهم! راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة مجلد 1 صفحة 5 وما فوق.
6 - نقض الترتيبات الإلهية
نمت فكرة أن الترتيبات الإلهية ليست في مصلحة الإسلام، واحتضنتها بطون قريش حتى والرسول على قيد الحياة! وأخذت هذه البطون تعمل بلا كلل لنقض الترتيبات الإلهية، فأشاعت أنه ليس كل ما يقوله رسول الله حقا! فهو يتكلم بالغضب والرضا، فما قاله بالغضب ليس حقا، وما قاله بالرضا هو حق، وبطون قريش وحدها تعرف الحالة التي تكلم فيها رسول الله!! ومن هنا فإن قريش كانت تنهى عن كتابة أحاديث رسول الله! راجع سنن الدارمي مجلد 1 صفحة 125 باب من رخص في الكتابة، وسنن أبي داود مجلد 3 صفحة 126 باب كتابة العلم، ومسند أحمد مجلد 2 صفحة 162 و 207 و 216، ومستدرك الحاكم مجلد 1 صفحة 105 - 106، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر مجلد 1 صفحة 85
بل وشككت البطون في أخلاق النبي! ووظفت هذا التشكيك لصالحها، فقد زعم الرواة أن رسول الله الذي وصفه ربه بأنه على خلق عظيم كان يشتم ويسب ويلعن ويؤذي من لا يستحقها! راجع صحيح بخاري كتاب الدعوات - باب قول النبي من
7 - إقصاء الرسول عن التأثير على الأحداث السياسية
اهتدت بطون قريش على شعار رفعته حتى بمواجهة النبي نفسه!!! فقالت (حسبنا كتاب الله) أي إن كتاب الله وحده يكفي، ولا حاجة لما يقوله الرسول!!!
قد يندهش البعض من هذا القول ويعتبرونه تقولا، لكن هذا الشعار رفع أمام الرسول نفسه فعندما قال للحاضرين: قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ومن والاه: (حسبنا كتاب الله) فالرسول ومن معه يقولون: قربوا يكتب لكم رسول الله، وعمر ومن معه يقولون: (حسبنا كتاب الله)!! وإن كنت في شك من ذلك فاقرأ صحيح بخاري - كتاب المرض - باب قول المريض قوموا عني، مجلد 7 صفحة 9 وصحيح مسلم في آخر كتاب الوصية مجلد 5 صفحة 75، وصحيح مسلم بشرح النووي مجلد 11 صفحة 95 وصحيح بخاري مجلد 4 صفحة 21، وصحيح مسلم مجلد 2 صفحة 16 ومجلد 11 صفحة 94 - 95 بشرح النووي، وتاريخ الطبري مجلد 2 صفحة 192 والكامل لابن الأثير مجلد 2 صفحة 320، وراجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام صفحة 287 - 290، تجد التوثيق الكامل.
وحتى بعد وفاة النبي ساد هذا الشعار، راجع تذكرة الحفاظ بترجمة أبي بكر مجلد 1 صفحة 2 - 3 و 4 - 5
وهكذا أبعد الرسول عمليا عن التأثير على دائرة الحدث السياسي، وحل محله الخليفة الغالب!!
8 - الإنتقال إلى مركز الحكم
بعد مواجهة البطون لرسول الله بشعارها العنيد، ونجاحها بالحيلولة بين النبي وبين كتابة ما أراد، وبعد أن تيقنت قريش أن النبي قد مات حقا، انتقلت من مرحلة التخطيط لنقض الترتيبات الإلهية المتعلقة برئاسة الدولة، إلى مرحلة الجلوس على كرسي الرئاسة وتنفيذ ترتيبتها البديلة التي قدرت أنها الوحيدة القادرة على خدمة مصلحة الإسلام!
واختارت بطون قريش الوقت المناسب، وهو انشغال الآل الكرام بتجهيز جثمان النبي وعدم استطاعة الآل الكرام لأكثر من سبب ترك الجثمان بدون تجهيز!!
واختارت بطون قريش هذا الوقت بالذات حتى تضمن خلو الساحة من الآل الكرام، وحتى تكون في الميدان وحدها، وتتصرف كأنها قرابة النبي الوحيدة!!!
واختارت البطون المكان المناسب في أحياء الأنصار حتى تحتج على الأنصار بالقرابة، وحتى ترجح كفتها بالأنصار بعد أن تقيدهم بالبيعة ثم تواجه الآل الكرام بحقيقة واقعة أو بأمر واقع! وهكذا نصبت الخليفة بالمكان والزمان المناسبين لها، ثم خرجت تزفه زفا، وأشرف الخليفة الجديد على الآل الكرام وخلفه أتباعه، فصاح به علي (أفسدت علينا أمورنا ولم تستشرنا ولم ترع لنا حقا) فقال أبو بكر (رضي الله عنه) (بلى ولكني خشيت الفتنة). راجع شرح النهج لابن أبي الحديد مجلد 1 صفحة 134 نقلا عن السقيفة للجوهري.
9 - محاولات الإمام علي لنصرة الشرعية
حاول الإمام علي بكل قواه أن ينتصر للشرعية كما ذكر الجوهري في السقيفة،
ونقله ابن أبي الحديد في مجلد 6 صفحة 28 من شرح النهج، وابن قتيبة في مجلد 1
صفحة 12 من الإمامة والسياسة، فطاف هو وزوجته الزهراء وابناه الحسن والحسين
على مجلس الأنصار وسألوهم النصرة، ولكن الأنصار مقيدة ببيعتها للخليفة الجديد،
وبيد السلطة الجديدة المال والجاه والقوة والمستقبل والحاضر، فمن أراد الجاه والمشاركة