الصفحة 413
وروى عن ابن عباس أن رسول الله قال: من رأى من إمامه شيئا يكرهه فليصبر فإن من فارق الجماعة شبرا فمات، مات ميتة جاهلية.

أنت تلاحظ أن طاعة الأمير اختلطت مع وحدة الأمة فطاعة الغالب هي تعبير عن الولاء لوحدة الأمة، ومعصية الغالب هي رمز الخروج على وحدة الأمة!

وفي رواية أخرى: ليس أحد خرج من السلطان شبرا فمات عليه، إلا مات ميتة جاهلية!

وروى عن عبد الله بن عمر الخطاب أنه حين كان من أمر (وقعة) الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية قال سمعت رسول الله يقول: من خلع بدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية!

معنى ذلك: إذا أراد المسلم أن تكون له حجة يوم القيامة، فما عليه إلا أن يبايع يزيد، وإن لم يبايع يزيد فمات فكأنه مات كافرا! أي الميتة التي يموتها أولئك الذين عاشوا في عصر الجاهلية!!

13 - النووي يضع النقاط على الحروف والبيهقي يؤيد

قال النووي في شرحه لصحيح مسلم مجلد 2 صفحة 229 والبيهقي في سننه مجلد 8 صفحة 158 - 159 ما يلي وبالحرف وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل - أي الخليفة المتغلب - بالفسق والظلم وتعطيل الحدود، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك بل يجب وعظه... (وأما الخروج عليهم - على الخلفاء المتغلبين - وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين)!

قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتاب التمهيد طبعة القاهرة 1366

ما يلي وبالحرف قال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه.... إلخ!!!


الصفحة 414

14 - عجبا أليس الخليفة المتغلب هو القائم مقام رسول الله!!!

رسول الله نفسه الذي قال لأصحابه: ألا من جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليقتد منه، ألا وإن الشحناء ليست من خلفي، ألا وإن أحبكم إلي من كان له عندي حقا فأخذه مني، فلقيت الله وهو راض عني!!

أليس هو النبي الذي قال لأحد أصحابه الخارجين قليلا عن الصف قبل بدء المعركة: إستو ووكزه بإصبعه، فقال هذا الصحابي يا رسول آلمتني اكشف عن بطنك حتى أقتد منك، فكشف النبي عن بطنه الشريف ليقتاد منه هذا الصحابي!

أليس هو النبي الذي بإمكان أي مواطن حتى ولو كان يهوديا أن يقول له يا محمد أعطني حقي فينيخ النبي للحق ولا يغضب!

ليست أدري متى عصى الله؟ أو متى خالف أوامره؟ أو متى تلكأ هذا النبي عن تطبيق شريعة الله؟ أو متى طلب من أحد أن يطيعه في معصية؟ أو متى كمم الأفواه!!

أو متى صادر الحريات!! أو متى عطل الحدود!! أو متى طمس الحقوق أو ضيعها!!

عجبا لهذا الخليفة المتغلب أو ذاك، أو ليس هو القائم مقام النبي!! أو ليس هو الذي احتل مكانه بالقوة ليقوم مقامه!!

كيف يحل ما حرم الله ويقول إنه مأجور، ويحرم ما أحل الله ويقول إنه مأجور!!

لعله من طبيعة غير طبيعة النبي، لعل له مزايا تفوق النبوة؟ فما هي دعواه؟ لنسمع حجة أهل طاعته، لعلهم يحدثون لنا من أمره ذكرا!

15 - الخليفة المتغلب ليس خليفة رسول الله إنما هو صفي الله وخليفته!!

روى أبو داود في سننه مجلد 4 صفحة 210 الحديث 4645 باب في الخلفاء، عن سليمان بن الأعمش أنه قال: جمعت مع الحجاج فخطب.... إلى أن قال: إسمعوا وأطيعوا لخليفة الله وصفيه عبد الملك بن مروان!!


الصفحة 415
وقيل في مجلس الخليفة العباسي المهدي عن الخليفة الأموي الوليد إنه كان زنديقا، فقال المهدي: خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق!! راجع تاريخ ابن الأثير مجلد 10 صفحة 7 - 8

16 - قالوا إن الخليفة المتغلب أعظم عند الله من الرسول نفسه؟

روى أبو داود في سننه مجلد 4 صفحة 209 الحديث 4642 والمسعودي في مروجه - ذكر طرف من أخبار الحجاج مجلد 3 صفحة 147 وابن عبد ربه في العقد الفريد مجلد 5 صفحة 52 عن الربيع ابن خالد أنه قال: سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه، أم خليفته في أهله؟)!!

وخطب الحجاج يوما على منبر الكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: تبا لهم يطوفون بأعواد ورقة بالية!! هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان!! ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله!!

17 - وقالوا إن الخليفة المتغلب أفضل من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين!

جاء في العقد الفريد مجلد 5 صفحة 51 أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان يعظم فيه أمر الخلافة ويزعم أن السماوات والأرض ما قامتا إلا بها، وأن الخليفة عند الله أفضل من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، ذلك أن الله خلق آدم بيده، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته ثم أهبطه إلى الأرض وجعله خليفته، وجعل الملائكة رسلا إليه، فأعجب الخليفة عبد الملك بذلك وقال: لوددت أن بعض الخوارج عندي فأخاصمه بهذا الكتاب!!

18 - وقالوا إن للخليفة عند الله كرامة أعظم من كرامة الأنبياء!!

أمر الوليد بن عبد الملك خالد بن عبد الله والي مكة فحفر بئرا بمكة فجاءت عذبة الماء طيبة، وكان يستسقي منها الناس فقال خالد في خطبته على منبر مكة: أيها الناس، أيها أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟ والله لو تعلمون فضل الخليفة.


الصفحة 416
ألا إن إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه الله ملحا أجاجا، واستسقاه الخليفة فسقاه الله عذبا فراتا!

فكان ينقل من ماء هذه العين فيضعه إلى جانب ماء زمزم!!

19 - ثم تلطفوا فجعلوا الخليفة الغالب مساويا لرسول الله

قال الحجاج في خطبة له كما في سنن أبي داود والعقد الفريد (إن مثل عثمان عند الله كمثل عيسى بن مريم، ثم قرأ قوله تعالى (إذ قال الله يا عيسى بن مريم إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة). راجع سنن أبي داود مجلد 4 صفحة 209 والعقد الفريد مجلد 5 صفحة 51

20 - من يتبع الخليفة ويطيعه فهو المؤمن ومن يعانده فهو الكافر

في العقد الفريد وفي تاريخ الطبري حوادث سنه 89 مجلد 5 صفحة 61 وابن الأثير مجلد 1 صفحة 25 وابن كثير مجلد 9 صفحة 76 إن الحجاج بعد أن قارن بين عثمان بن عفان وبين عيسى بن مريم، وعندما تلا قوله تعالى (ومطهرك من الذين كفروا) أشار بيده إلى أهل العراق، وعندما تلا قوله تعالى (جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا) أشار بيده إلى أهل الشام!!

21 - طاعة الخليفة المتغلب من أعظم القرب عند الله!!!

هدم الكعبة المشرفة حرمة، واتباع الخليفة طاعة، فإذا تعارضت الحرمة مع الطاعة، قدمت الطاعة على الحرمة، فالخليفة يرغب بهدم الكعبة والكعبة حرمة، ولكن تنفيذ أوامر الخليفة طاعة، وهنا يتوجب حسب رأيهم أن تقدم الطاعة على الحرمة، فتهدم الكعبة طاعة للخليفة، وقد هدمت فعلا!!

قتل أهل بيت النبوة وإبادتهم في كربلاء حرمة، وأوامر الخليفة بإبادة أهل البيت طاعة، عندئذ يضحى بالحرمة من أجل الطاعة، ويباد أهل البيت تحقيقا لواجب الطاعة!!


الصفحة 417
ومن هنا أشيع وتحولت الإشاعة إلى قناعة بأن طاعة الخليفة من أعظم القرب التي يتقرب بها أهل طاعته إلى الله تعالى!!

كان شمر بن الجوشن يقول رب اغفر لي، فقيل له: كيف يغفر الله لك وقد خرجت إلى ابن بنت رسول الله فأعنت على قتله؟ فقال: ويحك فكيف نصنع، إن أمراءنا هؤلاء أمرونا فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنا شرا من هذه الحمر)! راجع تاريخ الإسلام للذهبي مجلد 3 صفحة 18 - 19

وكان كعب بن جابر ممن حضر قتال الحسين في كربلاء يقول في مناجاته: يا رب إنا قد وفينا، فلا تجعلنا يا رب كمن غدر! يقصد بمن غدر من لم يطع الخليفة!!

ودنا عمر بن سعد يوم عاشوراء من أصحاب الحسين ونادى: يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام!

وقال مسلم بن عقبة الذي استباح المدينة، وختم أعناق الصحابة وأذلهم، وقتل يوم الحرة إحدى عشر ألف مسلم، قال عن عمله هذا: اللهم إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أحب إلي من قتل أهل مدينة رسول الله، ولا أرجى عندي في الآخرة، وإن دخلت النار بعد ذلك إني لشقي!

22 - لتبرير هذه الطاعة

وهكذا تدين الناس بطاعة الخليفة الغالب وسخرت كل موارد الدولة لترسيخ هذه الطاعة وجعلها قناعة.

وطمعا برفع مقام الخليفة ودوام ذكره، وتدعيما للتدين بالطاعة انتشرت الأحاديث الموضوعة، فكما فرض الله طاعة رسوله (وأطيعوا الله والرسول) أشاعوا بأن الله فرض طاعة الخليفة الغالب مهما فعل، وحرموا الخروج عليه مهما فعل، وتصور الناس أن تلك الأحاديث الموضوعة أحاديث حقيقية، وانتشرت تلك الأحاديث على نطاق واسع، وتثبتت في قيود الدولة ودوائر إفتائها، بالوقت الذي كان محظورا على المسلمين كتابة ورواية أحاديث رسول الله الصحيحة بحجة أن القرآن وحده

الصفحة 418
يكفي! وبالوقت الذي كانت تحرق فيه أحاديث رسول الله المكتوبة، واستمر الحضر على رواية وكتابة أحاديث رسول 95 عاما بأمر من الخلفاء!! وقد وثقنا ذلك!!

وأمام هذا الفيض الإعلامي الهائل ارتفعت مرتبة الخلافة وبلغت منزلة الخليفة مكانا عليا، خاصة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فكان من واجب الخليفة الجديد أن يلتزم بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الصديق والفاروق، كأن سنة النبي وحدها لا تكفي فجاءت سيرة الشيخين لإعلان الكمال!

وهكذا ارتفعت الخلافة فوق مرتبة النبوة وبلغ الإسفاف بشيعة الحكام حدا يخجل الإنسان من وضعه.

بهذا المناخ التربوي، وبهذا الفيض الإعلامي كتبت أحاديث رسول الله بعد 95 سنة من حظر روايتها وكتابتها.

23 - سقوط الأحاديث الموضوعة التي تحض على طاعة المتغلب الظالم

ما جاءت شريعة الله إلا لترفع منار العدل وتوطد أركانه، وما بعث الله رسولا إلا ليقطع دابر الظلم ويكشف ألاعيب الظالمين، فهل من الممكن عقلا أن يخص الرسول على طاعة المتغلب الظالم المعطل للحدود والسالب للحقوق والمصادر لحريات الناس وأموالهم؟

وهل من الممكن أن يحض الرسول على طاعة من يهدم الكعبة، ومن يستبيح المدينة المنورة، ويقتل أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا!!

سبحانك اللهم هذا بهتان مبين!!!

24 - بعد نظر الخليفة وجمع القرآن

وسائل إعلام الدولة صورت الخليفة كرجل بعيد النظر، فقد ركزت وسائل الإعلام تلك بكل قواها على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك معجزته وهي القرآن الكريم بدون جمع، وأدرك الخليفة بثاقب بصيرته أن القرآن إن بقي كما تركه الرسول دون جمع

الصفحة 419
فسيذهب بموت الصحابة الكرام، لذلك شمر الخلفاء الثلاثة عن سواعدهم فجمعوا القرآن الكريم الذي لم يجمع قط - كما ذكروا خلال حياة الرسول - ولولا بعد نظر الخلفاء لضاع القرآن الكريم ولاندثر! راجع كنز العمال طبعة الرسالة مجلد 2 صفحة 571 - 572 الحديث 4751، وراجع صحيح بخاري مجلد 6 صفحة 48 باب جمع القرآن، وراجع مجلد 2 صفحة 573 - 574 من كنز العمال، وراجع ابن الأنباري في المصاحف الحديث 4767، وراجع الحديث 4776 من الكنز وقد نقله عن الخطيب في المتفق، وعن أبي داود الأنباري، وراجع الحديث 4789 مجلد 2 صفحة 587 من الكنز كما نقله عن ابن سعد في طبقاته، وراجع الحديث 4796 وراجع الحديث 4756 و 4751 و 4354 وقد نقلها عن ابن سعد وابن حيان وعن البخاري وعن أبي داود وعن مسلم وعن النسائي، والترمذي، وراجع الحديث 4762 و 4764 و 4766

وهي بمجملها تشكل نظرية شيعة الحكام بجمع القرآن الكريم، وهذه النظرية تدور حول محور واحد مفاده أن الرسول ترك معجزته دون جمع، فتصدي الخلفاء لهذه المهمة وجمعوا القرآن وحازوا فضل الجمع!

وهكذا صرفوا هذا الفضل عن رسول الله وخصوا به الخلفاء!!

25 - حتى الاسم

ولما تم لفريق جمع القرآن ما أرادوا احتاروا ماذا يسمون هذا القرآن الذي جمعوه!

! فقال بعضهم سموه (السفر) فقال عبد الله بن مسعود رأيت للحبشة كتابا يدعونه (المصحف) فسموه مصحفا! راجع الإتقان للسيوطي مجلد 63، وراجع معالم المدرسين مجلد 2 صفحة 14 - 15 للعسكري!

وهكذا أعطوا فضل جمع القرآن وتسميته للخلفاء، بعد أن نزعوا هذا الفضل عن صاحبه رسول الله. وقد ذكرنا في بداية بحوثنا أن القرآن الكريم كان مجموعا على عهد رسول الله، وكان بيد الصحابة الكرام عشرات النسخ من هذا القرآن المجموع، وقد قارنوا نسخهم مع النسخ الموجودة عند رسول الله.


الصفحة 420
إن أبسط مخلوق على وجه الأرض سيصل إلى نتيجة أن القرآن إذا لم يجمع فسوف يضيع، فهل يعقل أن الرسول الذي خير فاختار ما عند الله، والذي علم أنه ميت من مرضه، هل يعقل أن لا يصل الرسول لهذه النتيجة فيعرف أن القرآن إن لم يجمع ويكتب فسيضيع؟ وهل يعقل أن الخلفاء أبعد نظرا من الرسول، وأحرص على مستقبل القرآن الكريم من الرسول نفسه!!

ولكن الهوى يعمي ويصم!!! يريدون أن يلصقوا كل فضل بالخلفاء!! ولو على حساب الرسول نفسه، ولو على حساب القرآن نفسه!!

26 - بعد نظر جوهري آخر للخلفاء

أشاع الخلفاء وشيعتهم أن رسول الله قد خلى على الناس من أمرهم ولم يعين راعيا للأمة من بعده!

أم المؤمنين عائشة تسمي عملية التخلية هذه (ترك الأمة هملا ولا راعي لها) راجع الإمامة والسياسة صفحة 23 وانظر إلى قولها لعمر: استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا.

وعبد الله ابن عمر يصف عملية التخلية بأنها تضييع للحقوق، انظر إلى قوله لأبيه وهو يجود بنفسه: لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها للمته وقلت له تركت أمانتك ضائعة، فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد؟! راجع مروج الذهب مجلد 2 صفحة 349 للمسعودي دار الكتب العلمية بيروت، وراجع حلية الأولياء برواية مشابهة مجلد 1 صفحة 44

ولما استخلف معاوية ابنه يزيد قال: كرهت أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها؟

27 - هل يعقل أن يصيب ابن عمر ومعاوية وأم المؤمنين، ويخطي رسول الله؟

إذا قلنا إن رسول الله قد ترك أمته ولا راعي لها، فمعنى ذلك أنه تركهم هملا على حد تعبير أم المؤمنين، ومعنى ذلك أنه قد ضيع الأمانة على حد تعبير عبد الله بن عمر، ومعنى ذلك أنه تركهم كالضأن على حد تعبير معاوية؟


الصفحة 421
فهل يعقل أن هؤلاء الثلاثة أبعد نظرا، وأعلم بعواقب الأمور من رسول الله؟!

28 - لنفترض أن هذه الإشاعة صحيحة وأن رسول الله خلى على الناس أمرهم

المفترض بالخليفة أن يقتدي أثر رسول الله فيخلي على الناس أمرهم كما خلى رسول الله، فإذا كان الرسول قد خلى على الناس أمرهم فلماذا لم يخل الخلفاء على الناس أمرهم ويقتدوا برسول الله؟!

وإذا لم يخل الرسول على الناس أمرهم، فأين هو الولي الذي عينه رسول الله؟

29 - حقيقة الحال

الرسول لم يترك أمته هملا ولا راعي لها، إنما عين وليا لها بأمر ربه، وبما أن الولي من بني هاشم، والنبي من بني هاشم، وبما أنه حسب الاجتهاد لا يجوز أن يجمع الهاشميون النبوة والولاية عدلوا عن الولي الذي عينه الرسول، ونصبوا آخر بدلا منه!

30 - خوفا من الفتنة

وحتى لا تقع الأمة في فتنة، وحتى لا تترك أمة محمد هملا ولا راعي لها، قرر كل خليفة أن يستخلف من بعده، لأن الخليفة ينظر للناس حال حياته وتبع ذلك أن ينظر لهم بعد وفاته وأن يقيم لهم من يتولى أمورهم، على حد تنظير وتعبير ابن خلدون، ولم ينس ابن خلدون أن يقول بأن رسول الله لم يستخلف!

فمعنى ذلك أن الخليفة يتمتع بصلاحيات أكثر من النبي، فالنبي ينظر للناس حال حياته وتبع ذلك أن لا ينظر لهم بعد وفاته وأن لا يقيم لهم من يتولى أمورهم! وقد وثقنا ذلك أكثر من مرة، ونقلنا عن ابن خلدون في مقدمته.

31 - ولاية العهد أصبحت مشروعة لأنها من سنة الخلفاء

لم يقل أحد من شيعة الدولة أن الرسول قد استخلف أو اتخذ وليا لعهده حتى تصبح ولاية العهد مشروعة أو جائزة، لكنها أصبحت جائزة ومشروعة باجتهادهم

الصفحة 422
لأن الخلفاء اتخذوا أولياء لعهودهم، والخلفاء أدرى بمصلحة المسلمين! راجع الأحكام السلطانية لأبي يعلى، والأحكام السلطانية للماوردي صفحة 1 - 15، وراجع الإرشاد في الكلام لإمام الحرمين الجويني صفحة 424، وشرح ابن العربي لسنن الترمذي مجلد 13 صفحة 22 وجامع الأحكام للقرطبي مجلد 1 صفحة 269 - 273 من تفسيره لآية (إني جاعل في الأرض خليفة) وكلهم قد أجمعوا على أن مشروعية ولاية العهد جاءت من عهد أبي بكر لعمر، ومن عهد عمر لعثمان عمليا أو للستة نظريا، ولم يقل أحد من شيعة الخلفاء بأن الرسول قد استخلف!

32 - الخلفاء حازوا الفضلين

وهكذا فإن أعظم فضلين في الإسلام حازهما الخلفاء، فرسول الله ترك القرآن دون جمع، فجاء الخلفاء فجمعوا القرآن، وهكذا حازوا هذا الفضل وحدهم، ولولاهم لضاع القرآن! هكذا ذكروا!

ورسول الله ترك أمته دون راع ودون أن يعين ولي عهده، ولأن ولاية العهد ضرورة من ضرورات استقرار النظام السياسي، سن الخلفاء سنة ولاية العهد، وهكذا حازوا الفضل الثاني واستأثروا به وحدهم، وكنتيجة حتمية لولاية العهد استقرت أمور الدولة، لولا سنة ولاية العهد التي سنها الخلفاء لتضاعف عدد القتلى أضعافا كثيرة في سبيل رئاسة الدولة، ولما قر للأمة قرار!

وقد ركزت وسائل الإعلام على هاتين النقطتين، فكل مسلم من شيعة الدولة يؤمن إيمانا مطلقا.

1 - إن الرسول مات ولم يجمع القرآن وتركه في صدور الرجال غير مكتوب، والخلفاء وحدهم هم الذين جمعوه وكتبوه.

2 - إن الرسول قد ترك أمته ولا راعي لها (خلى على الناس أمرهم) فجاء الخلفاء فسنوا سنة حسنة وهي ولاية العهد.


الصفحة 423

33 - وكلما فعله الخلفاء كان لحكمة

فأعظم شئ عند المسلمين بعد القرآن هو سنة الرسول، وقد أحرق الخلفاء ما كان مكتوبا منها كما وثقنا، ومنعوا كتابتها وروايتها مدة 95 سنة، وقال الخلفاء: (حسبنا كتاب الله)، وكتاب الله يكفي! ثم جاءت شيعة الخلفاء فقالوا إن الحكمة اقتضت منع كتابة ورواية أحاديث الرسول حتى لا يختلط القرآن بالحديث أثناء فترة كتابة القرآن وهذه الحكمة منقوضة لأن كلام الله المعجز يختلف عن كلام الرسول، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن فترة كتابة القرآن وتدوينه كانت خلال عهدي أبي بكر وعمر كما وثقنا عند بحث نظرية جمع القرآن، فطالما أن كتابة القرآن قد انتهت في هذين العهدين فلماذا استمر الحظر على كتابة ورواية أحاديث رسول الله مدة 95 سنة؟!!

34 - إذا كان كل شئ فعله الخلفاء له حكمة

فما هي الحكمة من مواجهة الرسول؟

أراد الرسول أن يؤمن أمته ضد الضلالة فقال لمن حوله: قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا، فقال عمر بن الخطاب وحزبه: لا حاجة لنا بالكتاب، (حسبنا كتاب الله)!

وعندما كرر الرسول طلبه قالوا: إن رسول الله قد هجر، (حسبنا كتاب الله)!!

وقد وثقنا ذلك، وتحدينا كل المسلمين أن ينكروا هذه الحادثة أو يعتذروا عنها!

والسؤال الذي يطرح نفسه أنه إذا كان كل شئ فعله الخلفاء قد فعلوه لحكمة، فما هي الحكمة من مواجهة الرسول نفسه؟ وما هي الحكمة من القول بأن رسول الله قد هجر - حاشا له -؟!!

ثم إن الأمة كلها قد أجمعت على صحة حديث الثقلين وأن رسول الله قد قال (تركت فيكم اثنين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وقد أنبأني اللطيف الخبير بأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)

الصفحة 424
لست أدري ما هي الحكمة من إذلال العترة أهل البيت، ومن إقصائهم عن مسرح الحياة السياسية، ومن تقتيلهم وتشريدهم ولعنهم في كل بلدة وعلى كل منبر، ومطاردة كل من يحبهم، ومن الذي طاردهم وأذلهم غير الخلفاء وأهل طاعتهم!

لست أدري ما هي الحكمة من ذلك سوى تصور الخلفاء المتغلبين أن أهل البيت خطر عليهم، إذ من الجائز أن يطلب صاحب الحق حقه من الذين ابتزوه هذا الحق!!

وما هو مبرر الخلفاء المتغلبين لممارسة هذا الأفعال والخروج عن إطار الشرعية سوى ما سموه اجتهادا، والاجتهاد بحقيقته ومعناه هو العمل بالرأي!

35 - هل الشرائع الوضعية أحرى بالاحترام من الشريعة الإلهية

الرسول نفسه ليس بإمكانه الخروج عن إطار الشرعية، فطالما تلى قوله تعالى (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) فالرسول ملتزم بالنص، وملتزم بالشرعية والشرعية غطت كل شئ وبنيت كل شئ تماما، فما من شئ إلا وله حكم.

فما هو مبرر الخلفاء ليتركوا النص ويعملوا بالاجتهاد، أو بتعبير أدق ليتركوا النص الشرعي ويحكموا وفق آرائهم الشخصية؟!

هل يمكن للقاضي الذي يطبق أي شريعة وضعية أن يتجاهل النص وأن يحكم بما يرى؟

إن حكم هذا القاضي باطل من كل الوجوه، وبكل المعايير، فهل الشرائع الوضعية أولى بالاحترام من الشريعة الإلهية!!

لكن يجوز للخليفة المتغلب ما لا يجوز لغيره، فكلما يفعله الخليفة وأهل طاعته حلال، وكل ما ينهى عنه الخليفة وأهل طاعته حرام! فيمكن للخليفة أن يترك النص الشرعي وهو فعل الرسول وقوله وتقريره وأن يعمل برأيه، ثم يجد من يبرر له خروجه على الشرعية وعمله برأيه!

قال القوشجي في صفحة 408 من شرح التجريد (ومنها أن الرسول قد سوى

الصفحة 425
بالعطاء، وأن عمر قد فضل بالعطاء) إن ذلك ليس مما يوجب قدحا فيه، فإنه من مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية) تصور أن القوشجي يرى أن مخالفة عمر لرسول الله في هذه الأحكام هي من باب مخالفة مجتهد وهو عمر لمجتهد آخر وهو رسول الله!! راجع معالم المدرستين مجلد 2 صفحة 68

فماذا بقي من الشريعة برب السماء، إذا كان بإمكان الخليفة أن يترك النص ويعمل برأيه؟

وماذا بقي من فكرة (التميز) التي هي أساس السلطة إذا كان بإمكان الخليفة أن يتجاهل النص الذي وضعه الشرع الحكيم ويعمل برأيه؟

منظومة حقوقية إلهية بموازاة منظومة حقوقية وضعها الخلفاء الله تعالى وضع منظومة حقوقية إلهية، والخلفاء وضعوا مع الأيام منظومة حقوقية وضعية، وسارت المنظومتان بخطين متوازيين متقاربين ولكن لم تلتقيا قط!

الخلفاء لم يعلنوا بالكلام وبالتصريح تمردهم على المنظومة الإلهية، كانوا دائما يؤكدون أنهم مع المنظومة الإلهية، ولكنهم عمليا تجاهلوا المنظومة الإلهية ووضعوا لأنفسهم منظومة من صنع اجتهاداتهم واجتهادات أهل طاعتهم.

36 - طبيعة المنظومة الإلهية

المنظومة الحقوقية الإلهية المتكونة من القرآن الكريم والسنة المطهرة بفروعها الثلاثة القول والفعل والتقرير، منظومة غطت بالكامل ساحة كل شئ، فما من حادثة إلا ولها حكم وتكييف، وما من علاقة إلا ولها تنظيم، وما من مصلحة شرعية إلا ولها طريق موضحة في مطاوي هذه المنظومة، وما من حركة إلا ولها هدف رصدت من أجله، لأن القرآن الكريم تبيان لكل شئ بالنص القرآني، والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين للناس ما نزل إليهم من ربهم بالتصوير الفني البطئ قولا وفعلا وتقريرا، وأعلن الله كمال الدين وتمام النعمة.


الصفحة 426

37 - إذا كانت المنظومة الحقوقية الإلهية بهذا الكمال والشمول

فما هي حاجة الخلفاء لوضع منظومة حقوقية من آرائهم؟

مؤهل الخليفة طوال التاريخ، وشهادته العلمية هو أنه الغالب الذي قهر الأمة وعلا فوقها بالقوة، وابتز الحق من أولي الأمر. فإذا انصاع الخليفة الغالب لأحكام المنظومة الإلهية فإن أول عمل يتوجب عليه هو أن يرد الحق الذي ابتزه، وأن يرمي السوط الذي أخضع به الأمة، والغالب لم يقبل بذلك ولن يسمح لأحد أن يجرده من أسباب قوته.

الأمة رعايا وهو حاكمها بالقوة، وهو غير قادر على تطبيق الشرع، لأنه غير معد وغير مؤهل لتطبيقه، فمؤهله وشهادته العلمية هي القوة، والمشاكل تحدث لا بد لها من حكم، والخليفة وأهل طاعته لا يعرفون الحكم، وهم غير راغبين بسؤال أولي الأمر الشرعيين!

عندئذ يضطر الخليفة المتغلب وأهل طاعته أن يعملوا برأيهم، فسموا العمل بالرأي اجتهادا!!

أنا لا أدري ما قيمة الاجتهاد مع وجود النص؟ إن أي منظومة حقوقية وأي مشرع لا يسمح بتجاهل النص والاجتهاد مع وجوده.

إن مثل الخليفة المتغلب كمثل أحد الحضور في قاعة محكمة انقض على القاضي وكتفه وجلس مكانه، وزعم بأنه القاضي، وكان لهذا المتغلب مثله يتقاسمون معه المنافع!!

لقد سخرت الدولة برئاسة الخليفة المتغلب كل مواردها وكل وسائل إعلامها، لإثبات أن العمل برأي الخليفة وأهل طاعته هو اجتهاد، والاجتهاد مشروع عند الله، والرسول نفسه مجتهد، ولا حرج إن خالف المجتهد - الخليفة المتغلب - مجتهدا آخر وهو الرسول!!! راجع شرح التجريد للقوشجي كما وثقنا. وقد قاد الخلفاء التاريخ السياسي الإسلامي على هذا الأساس، وتفيض الإعلام اقتنع الناس واختلط الأمر عليهم!


الصفحة 427

38 - أضواء على منظومة الخلفاء الوضعية التي صنعوها من اجتهاداتهم

لا يوجد في النظام السياسي الإسلامي الذي وضعه الخلفاء قاعدة حقوقية واحدة من صنع الله تعالى، وهي بالكامل من صناعة الخلفاء! وإذا وجدت قاعدة حقوقية إلهية في نظام الخلافة فما ذلك إلا للزينة، وآية ذلك أن رئيس الدولة في النظام السياسي الإسلامي الإلهي هو مركز الدائرة، وهو معين ومعد ومؤهل إلهيا ومنصوص عليه، وقد جاء الخليفة المتغلب وجلس بالقوة محل الإمام المعين والمعد والمؤهل إلهيا، ثم جر القواعد الشرعية المتعلقة بمنصب الإمامة، وفصلها على نفسه، وركعها لمصلحتها، وأخرج كل ذلك بقالب جديد من رأيه واجتهاده، ورأي واجتهاد أهل طاعته!

39 - ما هو السند الشرعي لنظام الخلافة التاريخي؟

في الحق والحقيقة إن السند الشرعي لنظام الخلافة التاريخي هو الإجماع!! لكن متى حدث الإجماع!! وهل يجوز العمل بالإجماع مع وجود النص!!

هل الشريعة الإلهية ناقصة وجاء الإجماع ليكملها؟

ثم ما قيمة الإجماع إن قام أمام النص الشرعي؟!

40 - لا بديل عن إعطاء الخليفة صلاحية النبي

أجمع شيعة الخلفاء على أن الرسول ترك أمته ولا راعي لها، بتعبيرهم الملطف:

خلى على الناس أمرهم، فلماذا صارت ولاية العهد جائزة؟

هل لأن الرسول أمر بها؟ الرسول لم يشرعها ولم يأمر بها حسب رأيهم، ولكنها صارت جائزة، لأن الخليفة سنها فأبو بكر عهد لعمر، وعمر عهد للستة!!

فإذا سألتهم هل خول الله أبا بكر أو عمر رضي الله عنهما صلاحية التشريع وإيجاد مراكز حقوقية جديدة بهذا المستوى من الخطورة؟ ضاقت صدورهم ولعنوك بقلوبهم، ثم قالوا صارت ولاية العهد جائزة بالإجماع!!

لكن من الناحية العملية صار الخليفة مشرعا، ومن مهمة أهل طاعته أن يبرروا

الصفحة 428
تشريعات الخليفة! صار الخليفة يتمتع بصلاحيات النبي، والفرق بين الخليفة وبين النبي، أن النبي يتبع ما يوحى إليه من ربه، والخليفة يعمل برأيه، ويتبع ما يوحيه إليه رأيه، أو بتعبير أهل طاعته الملطف: يعمل باجتهاده.

ولا حرج على الخليفة إن خالف النبي وعمل عكس النبي تماما، فالخليفة مجتهد والنبي مجتهد آخر، فالرسول مثلا كان يساوي بالعطاء فجاء الخليفة عمر وفضل بالعطاء، فقد أعطى كل واحدة من زوجات الرسول عشرة آلاف درهم وفضل عائشة وحفصة فأعطى لكل واحد منهما اثني عشر ألف درهم! وخصص لكل مسلم مبلغا معينا حسب موقعه برأيه، فما هي الحكمة من مخالفة النبي!!!

إن عمل النبي بمثابة نص شرعي، فما هي الفائدة من ترك النص الشرعي والعمل برأي الخليفة!!!

ومع هذا فإن الجموع صفقت للخليفة! ثم اكتشف الخليفة الآثار المدمرة لمخالفة النص الشرعي، وتفاوت المداخيل فقال إنه إن عاش ليأخذن فضل أموال الأغنياء ويردها على الفقراء، فصفقت الجموع للخليفة!!! والله غالب على أمره.

41 - وهكذا كون الخلفاء قوانين موازية للقوانين الإلهية

فما من أمر من الأمور له حكم في الشريعة، إلا واجتهد الخلفاء وأهل طاعتهم وأوجدوا له حكما آخر موازيا تماما للحكم الإلهي! فلو جمعت اجتهادات الخلفاء لتكون لديك مجموعة حقوقية متكاملة تقف بخط متواز مع المجموعة الحقوقية الإلهية!

وعليك أن تلحق المجموعة الحقوقية التي صنعها الخلفاء بالمجموعة الحقوقية التي وضعها الله ورسوله! فالدين والشرع هو المجموعتان معا!!

وجاء التاريخ السياسي الإسلامي ونصر المجموعة التي وضعها الخلفاء، وتفنن أهل طاعة الخلفاء باختلاق الأحاديث التي تبرر ما فعله الخلفاء، فلا نجد نصا إلا ونجد نقيضا له، فنص يأمر بعدم إطاعة الظالم، ونص آخر يأمرك بطاعة الظالم حتى لو أخذ مالك وجلد ظهرك! وعليك أن تأخذ المنظومتين الحقوقيتين معا أو تتركهما معا!!


الصفحة 429
وركزت دولة التاريخ السياسي إعلامها على وحدة المنظومتين، وسخرت كل موارد الدولة لإقناع العوام بذلك، ومع الأيام صار العالم كالعامة، وصار التاريخ دينا حقيقيا، وتناسى الناس الدين الحقيقي الذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبق لهم إلا شكله!!

ولله عاقبة الأمور، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

42 - للخليفة قداسة فاقت قداسة النبي!

أشاع إعلام الخلفاء أن الرسول كان يغضب فيلعن ويسب ويؤذي من لا يستحقها.

راجع صحيح بخاري كتاب الدعوات، وصحيح مسلم كتاب البر، وهم يقولون ذلك عن خير البشر، وعن صاحب الخلق العظيم، ولكن هل يجرؤ أحد أن يقول ذلك عن أبي بكر أو عمر رضي الله عنهما!

وأشاع إعلام الخلفاء أن النبي قد سمع رجلا يقرأ في المسجد فقال النبي: رحمه الله أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا! راجع صحيح بخاري - باب قول النبي وصلى عليهم، وكتاب الشهادات - باب شهادة الأعمى، وراجع صحيح مسلم - كتاب فضائل القرآن!!! من يجرؤ أن يقول ذلك عن أحد الخلفاء!!!

وما حدث في الغرفة المباركة لآية. النبي يريد أن يكتب كتابا والخليفة لا يريد أن يكتب النبي! فقال الخليفة وحزبه: لا حاجة لنا بالكتاب (حسبنا كتاب الله)! ولما أصر النبي، قال الخليفة وحزبه: النبي قد هجر!! ومع هذا لا أحد يلوم الخليفة، وما فعل الخليفة ذلك إلا لحكمة، وانتصر الخليفة وكسروا خاطر النبي الشريف!!

فالخليفة حتى بمواجهته مع النبي بطل ولا يقول إلا الحق!!! وقد وثقنا ذلك أكثر من مرة.

ذلك أثر من آثار انتصار النظام البديل، ولله عاقبة الأمور، إذ قدم المتأخر، وصار المتأخر متقدما!!

* *

الصفحة 430

الصفحة 431

الفصل الثامن
تفكيك النظام الإلهي وتعطيل مسيرته المباركة

1 - ركنا النظام الإلهي

النظام الإلهي يقوم على ركنين هما:

1 - كتاب الله المنزل وهو القرآن الكريم.

2 - نبي الله المرسل وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):

أ - بذاته ب - بقوله ج - بفعله د - بتقريره.

فالنظام الإلهي لا يعمل إلا بالاثنين معا، ولا يعطي أكله إلا بركنيه، ولا يستجيب إلا بوحدة هذين الركنين والثقة المطلقة بهما.

وهذا النظام مفصل ليقود الدين، ويقود الدولة، ليحكم الحياة الدنيا، والحياة الآخرة، وليكون نظاما للعائلة الإنسانية كلها.

2 - الإستيلاء على السلطة بالقوة لا يتحقق إلا بتفكيك النظام الإلهي

الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة بعد وفاة الرسول أدركوا استحالة تحقيق هدفهم هذا بدون تفكيك النظام الإلهي خاصة القواعد المتعلقة بظاهرة السلطة.

3 - الإنفراد بالنبي

هنالك وحدة عضوية بين القرآن المنزل، والنبي المرسل، فالقرآن معجزة النبي، ودليل نبوته، والنبي هو الشاهد الأوحد على أن القرآن من عند الله، وأن مهمته هي

الصفحة 432
بيان ما أنزل للناس من ربهم، فمن غير المتصور عقلا هدم هذه الوحدة العضوية بين الاثنين، ولكن لا بديل أمام الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة من هدم هذه الوحدة العضوية تمهيدا لتفكيك النظام الإلهي. فأعلنوا تمسكهم بالقرآن الكريم، وأنه لا خلاف عليه، وقرروا أن يتفردوا بالنبي وحده كخطوة لفك الوحدة العضوية بين القرآن الكريم والنبي العظيم!

4 - التشكيك بقول النبي

الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة أشاعوا مبكرا وقبل وفاة الرسول بمدة طويلة أن كلام الرسول كله ليس صحيحا لأنه يتكلم بالغضب والرضا، فما قاله الرسول بالرضا فهو حق، وما قاله بالغضب فهو ليس بحق (حاش لك يا رسول الله) ولا أحد يدري غضب الرسول من رضاه سوى أولئك الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة!

لذلك منعا للالتباس وإشفاقا على المسلمين، نهى أولئك الذين خططوا للاستيلاء على السلطة بالقوة نهوا عن كتابة أحاديث رسول الله، ولما علم رسول الله بذلك أخبر الذي أطلعه على هذه الإشاعة بأنها غير صحيحة، وأنه لا يخرج من فمه الشريف إلا حق، وأقسم له الرسول على ذلك.

5 - الدليل على صحة ما ذكرناه

جاء في سنن الدارمي مجلد 1 صحفة 125 باب من رخص في الكتابة، من المقدمة، وسنن أبي داود مجلد 2 صفحة 126 باب كتابة العلم ومسند أحمد مجلد 2 صفحة 162 و 207 و 216 ومستدرك الحاكم مجلد 1 صفحة 105 - 106، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر صفحة 85 عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال (كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنهتني قريش، وقالوا تكتب كل شئ سمعته من رسول الله ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا؟!


الصفحة 433
فأمسكت، وذكرت ذلك لرسول الله فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال (أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق).

فتأكد من المراجع السابقة واسأل نفسك: من هي قريش التي نهت ابن العاص؟

وما هي مصلحتها بهذا النهي؟ ومتى اجتمعت قريش دفعة واحدة عند ابن العاص؟

عندئذ تدرك أن الذين نهوا هم أنفسهم الذين خططوا لابتزاز الحق من أهله، وللاستيلاء على السلطة بالقوة! وخطتهم لذلك هي التشكيك بأقوال رسول الله حتى لا يحملها الناس محمل الجد!!

ومن الطبيعي أن تنطلق هذه الإشاعات، وأن تجد في صفوف المنافقين آذانا صاغية، والإشاعة تلد إشاعة، والشر يخلق شرا، والإثم يفرخ بغير حساب.

6 - مواجهة النبي والتشكيك به وجاهيا

النبي على فراش الموت، وجبريل يلازمه، ولا ينقطع عن زيارته، كما وثقنا ذلك.

وغرفته المباركة غاصة بعواده، وهو على علم بالفتن التي تتربص بالمسلمين، وتنتظر موته لتندلع، فأراد أن يلخص الموقف لأمته، وهذا حق له كقائد، لأنه ما زال رئيسا للدولة، وحق له كنبي لأنه ما زال نبيا، وحق له كإنسان وكمسلم بأن يقول ما يشاء.

فقال للحاضرين (قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا).

من يقل لي بربكم ما هو الخطأ بقول رسول الله؟ وأي عيب فيه؟!!

7 - المواجهة

بمجرد أن سمع عمر عرض النبي هذا قال: (حسبنا كتاب الله) لا حاجة لنا بالكتاب، وانقسم الحاضرون إلى قسمين، قسم يقول قربوا يكتب لكم رسول الله، وحزب عمر يقول: القول ما قال عمر!!


الصفحة 434
من أقنع الأكثرية التي أيدت عمر بصحة رأيه حتى أيدوه سوى رابطة التفكير الحزبي المبيت والموحد!!

ما الذي نفر هذه الأكثرية من عرض رسول الله!!

8 - لو أصر النبي لأصروا بأن النبي قد هجر!

لما عجب الحاضرون ممن كانوا خارج دائرة التخطيط المبيت، وقالوا: قربوا يكتب لكم رسول الله، صاح حزب عمر، (حسبنا كتاب الله) إن رسول الله قد هجر، استفهموه إنه يهجر!! حاشا لك يا رسول الله!

ولو أصر النبي على كتابة الكتاب لأصر حزب عمر على القول بأن رسول الله قد هجر، ولأثبتوا هذا الزعم بكل وسائل الإثبات!!!

9 - صدموا خاطره الشريف

وصدم خاطر النبي الشريف من تلفظهم بهذه الكلمة النابية، وقال لهم: قوموا عني، ما أنا فيه خير مما تدعونني إليه! فخرج عمر وحزبه منتصرين ولكن على النبي!!

وفائزين ولكن على الشرعية!!!

10 - الدليل على صحة ما ذكرناه عن المواجهة مع النبي

لقد ذكر بخاري هذه الحادثة بست روايات، راجع صحيح بخاري مجلد 2 صفحة 9 باب قول المريض قوموا عني، ومجلد 1 صفحة 37 ومجلد 5 صفحة 137 ومجلد 2 صفحة 132 وذكرها مسلم في صحيحه آخر كتاب الوصية مجلد 5 صفحة 75 وصحيح مسلم بشرح النووي مجلد 11 صفحة 95، ومسند الإمام أحمد مجلد 4 صفحة 356 الحديث 2992 وشرح النهج مجلد 6 صفحة 51 ومجلد 2 صفحة 16 الحديث 11 صفحة 94 و 95 من صحيح مسلم بشرح النووي، وابن الجوزي في تذكرة الخواص صفحة 62

والطبري في تاريخه مجلد 2 صفحة 192 - 193، وراجع شرح النهج لعلامة المعتزلة مجلد 3 صفحة 114 سطر 27 الطبعة الأولى - بيروت ومجلد 12 صفحة 79 سطر 3


الصفحة 435
بتحقيق محمد أبو الفضل - مكتبة الحياة ومجلد 3 صفحة 167 دار الفكر، وراجع كتابنا نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام صفحة 287 وما فوق.

11 - هل فعل المتغلبون ذلك لحكمة؟ وما هي الحكمة؟

كيف يمكن الاعتذار عما فعله المتغلبون؟ وهل واجهوا رسول الله لحكمة؟ وما هي الحكمة؟

من يرضى لنفسه أن يكون بالصف المواجه لرسول الله؟

من يملك الادعاء بأنه أعلم بكتاب الله من رسول الله، أو أبعد نظرا منه!!

كيف يمكن تفسير ذلك سوى أنه حلقة من سلسلة من الحلقات، تقود إلى السلطة عن طريق القوة والتغلب؟؟؟

12 - التشكيك بذات الرسول حتى بعد وفاته

جاء في صحيح بخاري كتاب الدعوات - باب قول النبي: من آذيته، وفي صحيح مسلم - كتاب البر والعلة - باب من لعنه النبي (أن رسول الله كان يغضب فيلعن، ويسب ويؤذي من لا يستحقها...) وجاء في صحيح بخاري - باب قول الرسول: وصل عليهم وكتاب الشهادات - باب شهادة الأعمى ونكاحه، وفي صحيح مسلم كتاب فضائل القرآن - باب الأمر بتعهد القرآن، عن عائشة (أن النبي سمع رجلا يقرأ في المسجد فقال: رحمه الله أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا....!

تلك حقيقة جديدة للتشكيك بذات الرسول حتى بعد وفاته، وهي امتداد للحلقات السابقة!!!

الرب جلت قدرته شهد بأن رسول الله على خلق عظيم بآية محكمة، وأنه ما ضل وما غوى، وأنه لا ينطق عن الهوى، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وأنه الشهيد على هذه الأمة، فهل يعقل من كانت هذه صفاته ومن يؤتمن على الوحي، وهو الذي يتبع

الصفحة 436
ما يوحى إليه، هل يعقل أن يهبط إلى الصورة التي صوره بها بخاري ومسلم؟

إن أي إنسان عادي يترفع أن يكون بهذه الصورة!!! فكيف بسيد ولد آدم، وبآخر الأنبياء والرسل!!!

لكنها حلقة وامتداد لحلقات سابقة صورها أولئك الذين أصروا على الاستيلاء على السلطة بالقوة والتغلب ثم انظر إلى الحديث الثاني الذي رواه بخاري ومسلم، وكيف أنه من نفس المشكاة، فلو لم يسمع النبي هذا الرجل لبقيت تلك الآية ساقطة!!!

إنها ضرب على نفس الوتر الذي صنعته القوة المتغلبة، وكانت أول من حرك أصابعه عليه!

13 - مطاردة وملاحقة أقوال النبي حتى بعد موته

هذا الرسول البشر الذي يتكلم في الغضب والرضا، يجب إخراجه تماما عن مسرح الحدث السياسي، وعدم إتاحة الفرصة لأقواله وأحاديثه للتأثير على الحدث السياسي، لأن القوة المتغلبة لا تؤمن إلا بالحق، وليس مضمونا عندها أن كل ما تكلم به الرسول كان حقا، خاصة الأحاديث المتعلقة بظاهرة السلطة! والحل الأفضل هو:

1 - حرق كافة الأحاديث المكتوبة على عهد رسول الله.

2 - منع كتابة أحاديث رسول الله.

3 - منع رواية أحاديث رسول الله.

14 - حرق كافة الأحاديث

جاء في كنز العمال مجلد 5 صفحة 237 وفي تذكرة الحفاظ مجلد 1 صفحة 5 عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت (جمع أبي الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب، فقلت يتقلب لشكوى أو لشئ بلغه، فلما أصبح قال: أي بنية هلمي بالأحاديث التي عندك فجئته بها، فأحرقها)

الصفحة 437
جاء في طبقات بن سعد مجلد 5 صفحة 140 بترجمة محمد بن أبي بكر (أن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها) وحرقت كافة الأحاديث المكتوبة التي قالها النبي للناس. وبعث في الأمصار من كان عنده شئ فليمحه! راجع بيان العلم لابن عبد البر.

ربك يسارع في هواك

جاء في صحيح بخاري مجلد 6 صفحة 24 ومجلد 6 صفحة 128 أن عائشة رضي الله عنها قد قالت للنبي: إن ربك يسارع في هواك!!

وجاء في صحيح بخاري مجلد 2 صفحة 122 أن عمر بن الخطاب قال للنبي في صلح الحديبية: أأنت نبي حقا؟!

وجاء في صحيح مجلد 2 صفحة 29 قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أنت الذي تزعم أنك نبي!

وجاء في صحيح بخاري مجلد 4 صفحة 47 على لسان صحابي للنبي: والله ما قصدت بهذه القسمة وجه الله!

(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا في الإيمان)

15 - المطلوب أن كتاب الله وحده يكفي

لقد قال عمر وحزبه للرسول مواجهة: (حسبنا كتاب الله) أي أن كتاب الله وحده يكفينا، ولا حاجة لنا بكتابك!! وقد وثقنا ذلك.

وروى بخاري هذا الشعار (حسبنا كتاب الله) بست روايات، ورواه مسلم، وذكره النووي عند شرحه لصحيح مسلم، والأمة متفقة على صحته.

كان هذا والرسول على فراش الموت! وبعد وفاة النبي كما روى الذهبي في تذكرة الحفاظ بترجمة أبي بكر (رضي الله عنه) أن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال (إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا! فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه!