فابن خلدون كان يجهل أو يتجاهل أن هذا قياس لا أساس ينهض به في مقام الحجية، لأن ملك داود وسليمان هو مما آتاهم الله إياه من دون غلبة أو عصبية، وإنه لم يكن في مقاومة أناس ربيين، أو سفك الدماء المؤمنة، أو سب الرموز الدينية، ومعاوية بن أبي سفيان، ممن أجرى أودية من الدماء كان ضحيتها جيل كامل من المسلمين، وإنه أقام ملكه على محاربة رموز الإيمان ومنازلة التراث الديني، وحسبك أن يعترف ابن خلدون بقيمة أهل البيت في مقام آخر حين اقتضى ذلك منمه التبرير، وقد كان معاوية شديدا عليهم، يقول ابن خلدون، متزلفا إلى الدولة الشريفية في المغرب ومدغدغا لمشاعرها: " على أن تنزيه أهل البيت عن مثل هذا من عقائد أهل الإيمان، فالله سبحانه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ففراش إدريس طاهر من الدنس ومنزه عن الرجس بحكم القرآن. ومن اعتقد خلاف هذا فقد باء بإثمه وولج الكفر من بابه ". ولا يهمنا هنا إن كان ابن خلدون قال ذلك في لحظة الدفاع عن مآرب أخرى. كأن يركز على طهارة المنسب ورفعته في عصمة بعض الخلفاء من القيام بما ذكره المؤرخون في أحوالهم كالرشيد والمأمون. إن ذلك عندي من باب " صلى وصام لأمر يطلبه، فلما قفى الأمر فلا صلى ولا صاما ".
ولكنها تبقى شهادة منه تؤكد على عظمة شأن أهل البيت وعصمة القرآن لهم، وهذا لم يمنعه من أن يبرر ملك معاوية الذي قام على قتال وحصار أهل البيت (ع). حتى أن ابن خلدون أنهى كلامه في كل تلك الأحداث بمدح معاوية والدعاء قائلا:
" والله يحشرنا في زمرتهم ويرحمنا بالاقتداء بهم ".
لقد أسس ابن خلدون موقفه من معاوية على أساس النسب والشرع،
أولا: النسب
النسب بالنسبة لابن خلدون من المسائل الأساسية في تاريخه، بها افتتح كتاب العبر، وضرب الآراء بعضها ببعض، ما بين ناف ومثبت، وانتصر لعلم الأنساب، مشيرا إلى أهميته قائلا:
" قالوا وتدعو الحاجة إليه في كثير من المسائل الشرعية، مثل تعصيب الوراثة وولاية النكاح، والعاقلة في الديات، والعلم بنسب النبي (ص)، وإنه القرشي الهاشمي الذي كان بمكة، وهاجر إلى المدينة. فإن هذا من فروض الإيمان ولا يعذر الجاهل به. وكذا الخلافة عند من يشترط النصب فيها. فهذا يدعو إلى معرفة الأنساب ويؤكد فضل هذا العلم وشرفه، فلا ينبغي أن يكون ممنوعا " وفي ذلك المبحث تعرض لنسب الأمويين وأشار إلى معاوية قائلا:
" وعقب معاوية بين الخلفاء والإسلام بين معروف يذكر عند ذكرهم (106) ".
وركز ابن خلدون على نسب قريش في موضوع السقيفة، وجعله منطقا وجدالا انتصروا به على الأنصار، فلا يخفى بعد هذا إن ابن خلدون ممن يهتم بالأنساب ويجعل لها أهمية كبرى في تمييز الأشخاص والعشائر.
ونطرح السؤال: هل هناك ما يثبت طيب مولد معاوية وطهارته؟.
النسابة هشام بن محمد الكلبي، من المعتمدين عند ابن خلدون وممن استشهد بتراجمهم، يوقفنا في مثالبه الشهيرة عند نسب معاوية قائلا: كان معاوية لأربعة:
لعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي، ولمسافر ابن عمرو، ولأبي سفيان، ولرجل آخر سماه.
وكانت حمامة، وهي بعض جدات معاوية، كان لها راية بذي المجاز يعني من (106) نفس المصدر ص 377 ج 2.
بهذا النسب.. يستقيم أمر معاوية، ويستسيغه المخيال الخلدوني، ويجعل أمره لا يخالف النبوة والخلافة.
ثانيا: الشرع
تقوم شرعية معاوية فيما خاضه من حروب، في أنه اجتهد، وهذا رأي ابن خلدون على أساس ذلك الاجتهاد تحل إشكالية الموقف المطلوب اتخاذه إزاء معاوية وأعماله، ولكن لا بد من طرح السؤال، على أي أرضية إيمانية بنى معاوية ملكه؟
وعلى أي أساس شرعي يسوغ تصويب ابن خلدون لفعاله كلها، وكان معاوية - كما أجمع المؤرخون - قد سن لعن علي على المنابر والمساجد.. هذا ناهيك عن قتله للمسلمين وإحداثه في الدين كما أخبر بذلك الرسول (ص) في الروايات المستفيضة في التنبوء ببني أمية.. وهو في نفس الوقت تخطئ لعلي (ع) في قتاله لمعاوية، وفي اعتباره من أهل الفسوق.
____________
(107) تذكرة الخواص، وربيع الأبرار للزمخشري.
كربلا... نموذجا آخرا
لو كانت أحداث كربلاء وحدها لكفت في فضح حقيقة الكفر الأموي، ولأبانت عن طبيعة النفاق الذي بقي ردحا من الزمن يتفاعل داخل نفوس بني أمية يترقب لحظة الانتصار، ليعبر عن قسوته وخشونته ضد البيت العلوي.. ولم يعد بعد واقعة كربلاء ما من شأنه أن يضبب الرؤية، ويعتم الطريق.. فالدماء التي أهرقت في الطف كافية لإعطاء صورة حقيقية لمن شاء أن يعتبر.. ولم يبق بعد ذلك من شك في الأمر إلا عند من طبع الله على قلبه، وأرداه في غواية النواصب وتجار الخلافة.
وإن ابن خلدون لممن حبا على الدرب يؤسس للظلم تاريخا مزيفا.. ويضع قواعد لتسويغ تراث الأمويين والعباسيين.. ولو كانت كربلاء مما جاء بالنصر الدنيوي للإمام الحسين (ع) لما كان ابن خلدون تخلف عن مدحه وملكه، والتعريض بإعداءه.. إنها عقلية " التلال " و " الصلاة مع من غلب " أولم يقلها رجل ليس من ملتنا.. بأنه شخصية وقحة، لا تعرف إلا حقوق القوة، ولا تدرك غير الطغيان!! إي والله، إنه الصواب!.
ولأن واقعة كربلاء، نمت عن مقتل الحسين، وهزيمة جماعته وزوال آخر منافس من آل البيت (ع) تبنى العنف المقدس في كبح جماح الباطل.. فإن ابن خلدون رأى من الحق أن ينتصر ليزيد، ويخطئ الحسين (ع) بصورة يأباها العقل السليم وتمجها الفطر النقية.
إن الحسين (ع) في تاريخ مكيافيلي العرب.. كان رجلا مشهورا.. وإن كان عادلا ومحقا.. وذلك عندما ظنها من نفسه بأهليته وشوكته (108) "... وإن كان ابن خلدون قد اعترف له بالأهلية.
" فأما الأهلية فكانت كما ظن وزيادة " إلا أنه خطأه في ظن الشوكة " وأما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها ".
ودليله على ذلك، " أن عصبية مضر كانت في قريش، وعصبية قريش في عبد مناف، وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية، تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس (109) ".
وقد أسرف ابن خلدون في نسبة الغلط إلى الإمام الحسين (ع) إذ قال غير ما مرة:
1 - وأما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها.
2 - فقد تبين لك غلط الحسين (ع) إلا أنه في أمر دنيوي لا يضره الغلط فيه.
3 - وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه لأنه منوط بظنه، وكان ظنه القدرة على ذلك.
4 - وعلموا غلطه في ذلك ولم يرجع عما هو بسبيله لما أراده الله.
5 - فلا يجوز قتل الحسين مع يزيد ولا ليزيد.
ابن خلدون الذي أسرف في التصويب في شأن معاوية ويزيد، هاهو يبالغ في تخطئة الحسين (ع)، وقد كان أحرى به أن يرد الأمور إلى منطقها الحقيقي، من دون تعسف ولا افتعال، ذلك أن الأمور يومها كانت تتحرك في دائرة المسؤولية الدينية، وأن المسلم به يومها أن الخلافة أمر شرعي يتولاها من هو أحق بها، ولم يكن منطلق الحسين (ع) ظني كما يحلو لابن خلدون أن يسميه، وإن كان الأمر
____________
(108) تاريخ ابن خلدون ص 228 ج 1.
(109) نفس المصدر ص 228.
إن ابن خلدون وقع في التباس خطير، عندما اعتبر الاجتهاد منطلقا لثورة الحسين (ع) ويكفيه أن يرجع إلى الخلف، ليرى أن محاربة الخلافة الظالمة كانت ديدنا للبيت الهاشمي.. فأبوه قاتل معاوية.. وكذلك ابنه الحسن (ع) فأي اجتهاد والحكم بفسق يزيد بن معاوية هو مما أقر به بن خلدون نفسه.. وأهليته في إدراك شرع الله كان مما أقر به أيضا، في قوله:
وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في هذا فقال في كتابه الذي سماه بالعواصم والقواصم ما معناه إن الحسين قتل بشرع جده، وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء (110).
هنا يتبين التناقض المهول الذي تاه فيه ابن خلدون.. أليس جوهر ما ينطق به هو أن من شرع جده أن ينهض يزيد لقتله وأن يسكت أصحابه على ذلك وعدم الخروج على فسقه.
هل هناك منطق يعترف بهذا النوع من التصويب المبتذل الذي يجعل للحق أكثر من وجه:
" والحسين فيها شهيد مثاب، وهو على حق واجتهاد، والصحابة الذين كانوا مع يزيد على حق أيضا واجتهاد (111) ".
ومن هو الذي على باطل، ومن هو الذي يستحق القتل؟
إن منطق القياس (القياس المبتذل)، هو حمار المصوبة في كل المناسبات الذي
____________
(110) نفس المصدر ص 229.
(111) نفس المصدر ص 229.
هناك سؤال يفرض نفسه على الباحث: إذا تبين أن يزيد ثبت فسقه في أيام أبيه، بشهادة ابن خلدون حيث قال: " بل كان يعذله أيام حياته في سماع الغناء وينهاه عنه " (112).
فإن التهمة - إذن - توجه في الأساس إلى معاوية.. خصوصا وأن اتفاقية الصلح بين الحسن ومعاوية كانت تقتضي رجوع الخلافة إليه أو إلى أخيه الحسين (ع).
ذكر ابن خلدون أن بيعة يزيد حدثت لاعتبارات كثيرة منها:
1 / جلب مصلحة ودرأ مفسدة " والذي دعى معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ " (113).
وقال: " فالأول منها ما حدث في يزيد من الفسق أيام خلافته، فإياك أن تظن بمعاوية، رضي الله عنه أنه علم ذلك من يزيد، فإنه أعدل من ذلك وأفضل، بل كان يعذله أيام حياته في سماع الغناء وينهاه عنه، وهو أقل من ذلك، وكانت مذاهبهم فيه مختلفة ".
2 - إن بيعته كانت باتفاق كبار الصحابة وما ثبت عن ابن عمر، هو بسبب تورعه.
قال: " ولايتهم الإمام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه لأنه مأمون على النظر لهم في حياته، فالأولى أن لا يحتمل فيها تبعة بعد مماته، خلافا لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو لمن خصص التهمة بالولد دون الوالد، فإنه بعيد عن الظنة في ذلك كله، لا سيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه، من إيثار مصلحة أو توقع مفسدة فتنتفي الظنة عند ذلك رأسا، كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد وإن كان
____________
(112) نفس المصدر ص 222.
(113) نفس المصدر ص 221.
وقال: " وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم أجل من ذلك، وعدالتهم مانعته منه " (115).
ثم قال في شأن ابن عمر: " وفرار عبد الله بن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شئ من الأمور مباحا كان أو محظورا، كما هو معروف عنه ".
لنتوقف إذن عند حقيقة الوقائع التي عاصرت لحظة العهد ليزيد، لنتبين إذا ما كانت الأمور تتم من خلال هذا الوازع ووفق هذا التدبير.
ابن خلدون ينقل في مقام آخر كلاما لمعاوية نفسه جاء فيه:
" فلم يمض إلا قليلا حتى ازداد به مرضه، فدعا ابنه يزيد وقال:
يا بني إني قد كفيتك الرحلة والترحال، ووطأت لك الأمور، وأخضعت لك رقاب العرب.
وجمعت لك ما لم يجمعه أحد (116) ".
تلك هي الكلمة التي قالها معاوية، وهي تعكس البعد القهري في انتزاع البيعة لابنه، فكيف تم إخضاع الرقاب ليزيد؟.
يستحسن عندنا بادئ ذي بدأ، ذكر من عارض بيعة يزيد لنسخ دعوى اجتماع كبار الصحابة وإقرارهم على تلك البيعة، وسنبدأ بعبد الله بن عمر الذي اعتبر بن خلدون فراره محمولا على الورع المعروف عنه.
يذكر اليعقوبي إنه لما حج معاوية وحاول أخذ البيعة من أهل مكة والمدينة، أبى عبد الله بن عمر وقال: نبايع من يلعب بالقرون والكلاب ويشرب الخمر ويظهر
____________
(114) نفس المصدر ص 222 ج 1.
(115) نفس المصدر ص 222.
(116) نفس المصدر ص 22 ج 3.
وذكر الطبري (118) أن معاوية أرسل إلى عبد الله ابن عمر مائة ألف درهم فقبلها فلما ذكر البيعة ليزيد، قال ابن عمر: هذا أراد؟ إن ديني إذن علي لرخيص.
وفي هذا بيان شافي لما انتحله ابن خلدون من فرار بن عمر كان ورعا منه.
فهل ورعه هو الذي جعله يرفض الدخول في مثل هذا الأمر، أم أن المسألة قد تكون على جانب من الصواب إذا ابتنيناها على الأساس الدنيوي والمصلحي للخلافة، كما اعتقد ابن خلدون.
لقد اعتمد معاوية أسلوبين في إجبار الناس على البيعة، الأسلوب الأول يكمن في شراء الأصوات بالمال، كما ذكر ابن الأثير، إن المغيرة أوفد مع ابنه موسى عشرة ممن يثق بهم من شيعة بني أمية، وأعطاهم ثلاثين ألف درهم، فقدموا عليه، وزينوا له بيعة يزيد، فقال معاوية: لا تعجلوا بذا، وكونوا على رأيكم؟ ثم قال لموسى سرا: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال:
بثلاثين ألفا، قال: لقد هان عليهم دينهم.
ومنها أيضا ما سبق أن ذكرناه في حق بن عمر عندما بعث إليه معاوية بالمال لقاء البيعة، وبهذا الأسلوب يكون معاوية قد بنى ملكه على حساب الدين، ولم يبق أي مصلحة في ما رآه معاوية، إنه يدرك قبلا، م أن الدين عائق لبيعة ابنه يجب أن يشترى بالمال.
أما الأسلوب الثاني، فهو الاكراه والتهديد، وهذا ما اشتبه المؤرخون من أن معاوية كان يهدد من خالف البيعة ويجزل عطاء من بايع (119).
يقول ابن الأثير: " وكان معاوية يعطي المقارب ويداري المباعد ويلطف به حتى استوثق له الناس وبايعه (120) ".
____________
(117) تاريخ اليعقوبي.
(118) تاريخ الطبري وابن الأثير.
(119) العقد الفريد لابن عبد ربه.
(120) تاريخ ابن الأثير.
روى ابن الأثير، إن معاوية كتب إلى مروان في بيعة يزيد، فقام مروان خطيبا فقال:
إن أمير المؤمنين قد اختار لكم، فلم يسأل، وقد استخلف ابنه يزيد بعده، فقام عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: كذبت والله يا مروان! وكذب معاوية ما الخيار أردتما لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه، " والذي قال لوالديه أف لكما "، فسمعت عائشة مقالته من وراء الحجاب، فقامت من وراء الحجاب، وقالت: يا مروان! يا مروان! فأنصت الناس، وأقبل مروان بوجهه، فقالت:
أنت القائل لعبد الرحمن أنه نزل فيه القرآن، كذبت والله ما هو به، ولكنه فلان بن فلان، ولكنك فضض من لعنة الله.
وذكر أبو هلال العسكري (121) أنه لما قالت عائشة ذلك كتب مروان إلى معاوية بذلك، فأقبل، فلما دنى من المدينة استقبله أهلها، فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله ابن الزبير، والحسين بن علي، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فلما رآهم سبهم واحدا واحدا، ودخل المدينة، وخرج هؤلاء الرهط معتمرين، ثم خرج معاوية حاجا، فاستقبلوه ثم قال: ألا تعلمون أني كنت قد عودتكم من نفسي عادة أكره أن أمنعكم إياها حف أبين لكم؟ إني كنت أتكلم بالكلام فتعرضون فيه، وتردون علي، وإياكم أن تعودوا، وإني قائم فقائل مقالا لا يعارضني فيه أحد منكم إلا ضربت عنقه. ثم وكل بكل واحد منهم رجلين وقام خطيبا فقال:
إن عبد الله بن عمر وابن الزبير والحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر قد بايعوا، فبايعوا، فابتدر الناس يبايعون حتى إذا فرغ ركب نجائبه، ومضى إلى الشام، وأقبل الناس على هؤلاء يلومونهم، فقالوا: والله فما بايعناك ولكن فعل
____________
(121) الأوائل / أبو هلال العسكري ص 161.
وفي رواية لابن الأثير: فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم إنه قد أعذر من أنذر، إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح وإني قائم بمقالة فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه فلا يبقين رجل إلا على نفسه.
كذلك تمت بيعة يزيد. بشراء الضمائر وإرهاب المعارضين. وكيف يوافق هما رأينا من أمر بيعة يزيد ما ذهب إليه ابن خلدون قائلا: والذي دعى معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ (123) ".
لقد أدرك معاوية كما أكدنا سابقا، فسق ابنه وعلم أنه لا يصلح لحمل الناس على حكم الشريعة فيزيد هو ممن اشتهر فسقه واستهتاره وإن العهد إليه بالأمر قد يسبب مفسدة للأمة، وخرابا لبنيانها الشامخ.
لقد ذكر ابن كثير إن يزيد، اشتهر بالمعازف وشرب الخمور والغناء والصيد واتخاذ القيان والكلاب والنطاح بين الأكباش والدباب والقرود وما من يوم إلا ويصبح فيه مخمورا: وكان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال، يسوق به ويلبس القرد قلانس الذهب وكذلك الغلمان وكان يسابق بين الخيل وكان إذا مات القرد حزن عليه وقيل أن سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقرها فعضته (124).
وذكر البلاذري: كان ليزيد بن معاوية قرد يجعله بين يديه ويكنيه أبا قيس، ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل أصاب خطيئة فمسخ وكان يسقيه النبيذ ويضحك مما يصنع وكان يحمله على أتان وحشية ويرسلها مع الخيل فيسبقها، فحمله يوما وجعل يقول:
____________
(122) نفس المصدر، قال أبو هلال.. هذا معنى الحديث.
(123) سبق ذكره.
(124) تاريخ ابن كثير 8 / 436.
وذكر أبو الفرج الأصفهاني، إن يزيد بن معاوية كان أول من سن الملاهي في الإسلام من الخلفاء، وآوى المغنين وأظهر الفتك وشرب الخمر، وكان ينادم عليها سرجون النصراني مولاه، والأخطل وكان يأتيه من المغنين سائب خاثر فيقيم عنده فيخلع عليه (126).
ولقد أتى به أبوه يطلب له البيعة، وهو لا يزال سكرانا، وأرسل معاوية يزيد إلى الحج وقيل بل أخذه معه فجلس يزيد بالمدينة على شراب فاستأذن عليه عبد الله بن العباس والحسين بن علي فأمر بشرابه فرفع، وقيل له: إن ابن عباس إن وجد ريح شرابك عرفه، فحجبه وأذن للحسين، فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب، فقال: ما هذا يا ابن معاوية؟ فقال: يا أبا عبد الله هذا طيب يصنع لنا بالشام ثم دعا بقدح فشربه ثم دعا بقدح آخر فقال: إسق أبا عبد الله يا غلام فقال الحسين: عليك شرابك أيها المرء. فقال يزيد:
فوثب الحسين عليه وقال: بل فؤادك يا ابن معاوية تبلت (127).
فهذه يا عزيزي القارئ هي المصلحة التي توخاها معاوية للإسلام من خلال العهد لابنه وذاك هو الغلط الذي ارتكبه الحسين - حاشاه - في تاريخ ابن خلدون لما ثار ضد يزيد الذي بعثه أبوه سكرانا إلى الحسين لتختلط عليه الأمور ويدعو حفيد الأنبياء وبحبوحة الطهر والتقوى إلى السكر فيقول له:
____________
(125) الأنساب / ج 4 القسم الأول ص 2، والمسعودي في مروج الذهب.
(126) الأغاني 16 / 68.
(127) الأغاني وابن الأثير في التاريخ.
ولو كانت كلمة " لا " فقط توجب القتل لكانت واجبة على هذا الوضع الذي تكثر فيه الجرأة على الإسلام؟.
فهل هذا يدع مجالا للشك في أمر يزيد، أو التصديق بما انتحله ابن خلدون من أن أباه لم يكن على علم بذلك.
لقد بذل الوسع في تبرير تلك الأحداث، ولو باستضعاف الحقيقة الواضحة، وعمدته في كل لك القياس مع الفارق، والتصويب المبتذل، وتسويغ التناقض.
ثم تعال لكي نرشف من ذلك الكشكول الذي يبعث على الضحك والبكاء على النشوة والعرف على التسلي والاشمئزاز، لترى كيف يتسربل الكفر ببرد الإيمان وكيف برغم انفك الظالمون الذين عاشوا قبلنا كيف تحاسب على ظلمك ولا يحاسب من سبقوك لقد نسي ابن خلدون أن يسمي ذلك صراع طبقي بين طبقات التاريخ.
يقول: (128) " هذا هو الذي ينبغي أن تحمل عليه أفعال السلف من الصحابة والتابعين، فهم خيار الأمة، وإذا جعلناهم عرضة للقدح فمن الذي يختص بالعدالة، والنبي (ص) يقول: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم مرتين أو ثلاث ثم يفشوا الكذب "، فجعل الخيرة، وهي العدالة مختصة بالقرن الأول والذي يليه.
فإياك أن تعود نفسك أو لسانك التعرض لأحد منهم، ولا تشوش قلبك بالريب في شئ مما وقع منهم، والتمس لهم مذاهب الحق وطرقه ما استطعت فهم أولى الناس بذلك، وما اختلفوا إلا عن بينة، وما قاتلوا أو قتلوا إلا في سبيل جهاد أو إظهار حق، وأعتقد مع ذلك أن اختلافهم رحمة لمن بعدهم من الأمة، ليقتدي كل واحد بمن يختاره منهم، ويجعله إمامه وهاديه ودليله، فإنهم ذلك، وتبين حكمة الله في خلقه وأكوانه، وأعلم أنه على كل شئ قدير وإليه الملجأ والمصير، والله تعالى أعلم ".
____________
(128) تاريخ ابن خلدون ص 230 ج 1.
وهل جهاد من يزيد أو إظهار حق منه لما جاء سكرانا إلى الحسين (ع) يدعوه إلى البيعة والخمر معا.
وهل إن ذلك الاختلاف الخطير رحمة كما زعم، أو أن تلك الحروب والمعارك الدامية كانت رحمة لنا.
مثلما جعل الله رحمته ومغفرته لآدم في إراقة دم المسيح، في العقيدة النصرانية.
هل الحق حق واحد أم له وجوه وبطون، لشد ما شطح ابن خلدون!.
شبهات بن خلدون والرد عليها
في الفصل السابع والعشرين من المقدمة، خصص ابن خلدون حديثا طويلا عن مذاهب الشيعة في حكم الإمامة ضمنه تحامل شديد على مذاهبهم التي قسمها حسب ما جرت عليه أهواء أصحاب الملل والنحل والتراجم إلى فرق متعددة كان ابن خلدون فيها مجرد مقلد متعصب لمذهبه تبنى الطعون الناصبية على علاتها وقذف بها ذات اليمين وذات الشمال.
والحق أقول، إن ابن خلدون كان أكثر تعسفا وتعصبا من المظنون فيه وأكثر سطحية وعناد مما اشتهر به من نفاذ البصيرة وثاقب النظر.
يبدأ بتعريف لغوي للشيعة ويلخص نظرتهم في الإمامة في أنها ركن الدين وقاعدة الإسلام ثم يقول بعدها: " وأن عليا رضي الله عنه هو الذي عينه صلوات الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتفى مذهبهم، لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة (129) ".
وهنا لا بد أن نستفسر ابن خلدون عن هذه النصوص التي ينقله الشيعة ويؤولونها على مقتفى مذهبهم، يقول:
وتنقسم هذه النصوص عندهم إلى جلي وخفي: فالجلي مثل قوله:
____________
(129) نفس المصدر ج 1، ص 207.
هذا هو الجلي من نصوصهم وعلى الرغم من أن ابن خلدون ادعى أنها من النصوص التي لا تصح أو تؤول على غير وجهها فإنه لم يتطرق إلى سندها ولم يباشر في تأويلها على الوجه المطلوب. كما هو دأبه في الرد على ما يقوى عليه، إنه اكتفى بالادعاء وذلك مما لا يغفر على محقق كبير في مستوى ابن خلدون، فمقتضى قوله إن هذه النصوص المنقولة إما أنها لا يعرفها جهابذة السنة ونقلة الشريعة موضوعة أو مطعون فيها أو أنها مؤولة على نحو فاسد.
وهنا لا بد من التركيز على كلمة " جهابذة السنة ونقلة الشريعة " ذلك أننا إذا استنطقنا تراث ابن خلدون عمن هم من تلك المقامات لأجاب على الفور إنهم الطبري واليعقوبي والمسعودي من دواة التاريخ وثقاته. وقافلة المحدثين وأصحاب الصحاح الستة من رواة السنة.
ولا يخفى على الباحث إلى أي حد من الاسراف هو هذا الادعاء. فحديث الولاية المعروف بحديث الغدير.
هو من المشهورات عند نقلة الشريعة، وحسبك أن لم تخلوا منه كتب المشاهير من مؤرخي ورواة الأخبار بمن فيهم ناصبيها الكبار، كصاحب الصواعق المحرقة، وابن كثير.
وقبل أن نذكر مختلف الطرق التي روي بها الحديث وتواتر عليها، لا بد من أن نحصي عدد رواته.
ذكر صاحب كتاب الغدير - محسن الأميني - إن عدد رواته من العلماء تسعة وخمسين وثلاث مئة (359) وإن عدد رواته من التابعين أربع وثمانين (84) ومن الصحابة، مئة وعشر (110) (130).
وقد ذكره نقلة الأخبار بأسانيد وطرق مختلفة، فمن المؤرخين ذكره الطبري في مؤلفه الخاص، وابن كثير في التاريخ وابن الأثير في أسد الغابة وابن عساكر في الأوائل، كما رواه من أعلام المحدثين أحمد بن حنبل، النسائي، الحاكم،
____________
(130) راجع كتاب الغدير / حسن الأمين.
ومن المتعصبين الذين اعترفوا بتواتره وصحته، صاحب الصواعق المحرقة بن حجر الهيثمي والذهبي وابن كثير، إذ قال: شيخنا أبو عبد الله الذهبي، وهذا حديث صحيح.
وحسبك أن يكون ابن جرير الطبري كبير الممدوحين والمعتمدين لدى ابن خلدون، قد أفرد لهذا الحديث كتابا خاصا سماه " الولاية " من خمسة وسبعين طريقا.
وهاك بعض من تلك الطرق التي روي بها:
ذكر الحاكم في مستدركه عن زيد بن أرقم من طريقين: قال لما رجع رسول الله (ص) من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقمن فقال: كأني دعيت فأجبت وإني قد تركت فيكم الثقلين: أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ثم قال:
إن الله عز وجل مولاي وأنا مولى كل مؤمن ثم أخذ بيد علي فقال من كنت مولاه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وذكر الحديث بطوله ولم يتعقبه الذهبي في التلخيص.
ورواه الإمام أحمد بن حنبل (131).
عن البراء بن عازب من طريقين أيضا، قال: كنا مع رسول الله فنزلنا بغدير خم فنودي فينا الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله (ص) تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيد علي فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا بلى، قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه، قالوا: بلى قال: فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل
____________
(131) مسلم أحمد ج 4، ص 281.
" أيها الناس يوشك أن أدعى فأجيب وإني مسؤول وإنكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وجاهدت ونصحت فجزاك الله خيرا فقال:
أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن جنته حق وأن ناره حق وأن الموت حق وأن البعث حق بعد الموت وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور قالوا بلى نشهد بذلك قال: اللهم اشهد ثم قال: فمن كنت مولاه فهذا مولاه - يعني عليا - اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". (132).
وذكره النسائي عن عائشة بنت سعد قالت سمعت أبي يقول سمعت رسول الله (ص) يوم الجحفة فأخذ بيد علي وخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني وليكم قالوا صدقت يا رسول الله ثم رفع يد علي فقال هذا وليي ويؤدي عني ديني وأنا موالي من والاه ومعادي من عاداه.
هذه نماذج يسيرة جدا فيما لو قيست بخضم المرويات التي لا طائل من ذكرها هنا، وقد بلغ التواتر به حدا أضحى كلاما يجري على ألسن كبار الشعراء وتتلقاه الآذان من دون رد ولا استغراب.
قال أبو تمام:
____________
(132) الخصائص ص 25 في باب الترغيب في موالاته والترهيب من معاداته.
(133) ديوان أبي تمام.
ولو أننا قبلنا الخوض في مثل هذه الترهات التي لا سند من العقل ينهض بدليلتيها. لاختزلناها في كبير النواصب بن حجر الهيثمي، الذي قبل الحديث وصححه، وراح وراء تأويله الفاسد.
وهاك ما رامه من تأويل لكي نعلم أي الحزبين أكثر تقلبا في فساد التأويل.
يقول ابن حجر في الصواعق المحرقة: " لا نسلم إن معنى الولي ما ذكره، بل معناه الناصر والمحبوب، وهو حقيقة في كل منها، وتعيين بعض معاني المشترك من غير دليل يقتضيه تحكم لا يعتد به، وتعميمه في مفاهيم كلها لا يسوغ (134) ".
ولا أظن أن ابن خلدون، وابن حجر، يجهلان معنى المشترك اللفظي.
إن ثمة معايير أتقنها أهل اللغة والحديث. في تأويل ذلك النوع من الألفاظ.
وأنه لمن السخف والعار أن يدعي أن الحقيقة موجودة في كل معانيه، في مقام حديث الغدير من دون الإشارة إلى القرينة كشرط في تخصيص معناه. فابن حجر يريد أن يقول:
1 / لا نسلم بأن معنى الولي ما ذكروه، بل معناه الناصر والمحبوب.
2 / تعيين بعض معاني المشترك من غير دليل يقتضيه تحكم لا يعتد به وتعميمه في مفاهيم كلها لا يسوغ.
لو سألنا ابن خلدون عن أفضل من تعاطى مع حديث الغدير بالتأويل
____________
(134) الصواعق المحرقة.
في العبارة الأولى هناك مجازفة تنطوي على جهل وقلة علم، فقوله:
لا نسلم بأن معنى الولي ما ذكروه، يخفي موقف التمذهب، لأن التسليم في هذه المقامات ليس من اختيار الأهواء النفسية والمذهبية، بقدر ما هو تقرير العلم، فاختياره الناصر والمحبوب هو أيضا مما يثقل تقبله على العقل، لأنه لا دليل يقتضيه، وهو من قال: تعيين بعض معاني المشترك من غير دليل يقتضيه تحكم لا يعتد به، كما أن معنى الناصر والمحبوب هي أبعد المعاني عن مفهوم الولي من الإمامة نفسها، والقرائن على ذلك ظاهرة، يدل عليها الحال من خطبة الرسول (ص) وظروفها النفسية والتاريخية.
فتاريخ الخطبة تزامن مع نهاية وختم الرسالة، وعلى أثرها نزل الوحي معلنا بإكمال الدين. وجغرافيتها منطقة نائية، وطقس حار. كل هذا لا يدل على أن المقام، هو مقام حديث عن المحبة والنصرة.
هذا بغض النظر عن عدم وفاء أصحابه بالمحبة والنصرة. بل وإنه حتى على أساس هذا التأويل يبقى ابن خلدون محاصرا بحرج شديد. في أمر الأمويين الذين لم يحبوا ولم ينصروا عليا (ع).
وهكذا يكون الجلي من نصوص الشيعة جليا حقيقة. ولا مهرب بعد ذلك من إقامة الحد على الادعاء الخلدوني. جزاء وفاقا لما رامه من تهريج يمجه طبع الغرير.
وفي مورد آخر يتعرض ابن خلدون لما تدعيه الشيعة من وصية الرسول (ص) للإمام علي (ع) قال:
" والأمر الثاني هو شأن العهد من النبي (ص) وما تدعيه الشيعة من وصية لعلي (رض) وهو أمر لم يصح ولا نقله أحد من أئمة النقل (135) ".
____________
(135) مقدمة ابن خلدون ص 224.
وحسبك من ذيوع خبر الوصية أن الشعراء تغنت به في مختلف المعارك التي شهدها الإمام علي (ع) وإن ذلك كان من مختصاته.
حتى قال فيه حسان بن ثابت:
وحتى قال فيه أحد أعداءه في حرب الجمل وهو من ضبة:
وقول الكميت (138):
وقول السيد الحميري (139):
وقول المتنبي (140):
____________
(136) تاريخ اليعقوبي ج 2 / ص 128 وشرح النهج لابن أبي الحديد.
(137) شرح النهج لابن أبي الحديد.
(138) الكامل للمبرد.
(139) الأغاني 9 / 4 يوم الخريبة ترجمة السيد الحميري.
(140) ديوان المتنبي.
فكيف مع كل هذا يدعي ابن خلدون إن ذلك لم يصح. ويا ليته قال ذلك وكفى.
بل زاد الطين بلة حين ادعى للهوه أنه " ولا نقله أحد من أئمة النقل ".
وقد أثبتنا بقاطع البرهان، أن المؤرخين المعتمدين عند ابن خلدون، قد ذكروا روايات عن الوصية ومنهم اليعقوبي في تاريخه، بل إن مؤرخين كالطبري والمسعودي وهما العمدة عنده، أفردوا لحديث الوصية كتابين خاصين، ابن جرير الطبري سماه " الولاية " كما ذكرنا، والمسعودي سماه " إثبات الوصية " هذا مع أن الصحاح الستة تطفح بما يخرص الألسن من الروايات المؤكدة لوصيتهم.
لقد أورد ابن خلدون حديث الدواة، مدعيا إن ذلك دليل على عدم الوصية.
وأضاف إلى ذلك بعضا من شطحاته التي انتهت به إلى القدح في شخص الإمام علي (ع) بإيراد رواية شاذة جدا، يدل على ضعفها الحال من سلوك الإمام علي ومواقفه في قضية الخلافة، قال: والذي وقع في الصحيح من طلب الدواة والقرطاس ليكتب الوصية وأن عمر منع من ذلك فدليل واضح على أنه لم يقع، وكذا قول عمر (رض) حين طعن وسئل في العهد فقال: إن أعهد لقد عهد من هو خير مني يعني أبا بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني النبي (ص) لم يعهد، وكذلك قول علي للعباس (رض) عنهما حين دعاه للدخول إلى النبي (ص) يسألانه عن شأنهما في العهد، فأبى علي من ذلك وقال:
إنه إن منعنا منها فلا نطمع فيها آخر الدهر؟ وهذا دليل على أن عليا علم أنه لم يوص ولا عهد إلى أحد (141).
وقد سبق أن تعرضنا إلى تفاصيل الحدث الذي سماه ابن عباس بالرزية.
وابن خلدون طوى كشحا عن تسمية الحديث بما يشير إلى ملابساته وخطورة معناه.
وكأن ابن خلدون هو أدرى من ابن عباس بالمغزى من حديث الدواة. لذا استسهل وهون لما استفظعه ابن عباس، ولم يتعرض أيضا لقول الرسول (ص)
____________
(141) مقدمة ابن خلدون ص 224.
وبعدها لم يجد ابن خلدون في نفسه حرجا مما أقدم عليه من اتهام لشخص الإمام علي (ع) في أنه امتنع عن الاستجابة للعباس حرصا على طلب الخلافة وهو أمر يكفي رده بما سبق أن ذكرناه، ولا أدل على ذلك من موقف الإمام علي (ع) فلو كان الأمر كذلك، إذن لما جرى له من صراع مع الخلفاء ولما حارب من أجل استرداد ما رآه حقا مغتصبا.
وهذا لعمري، هو عين التحريف، وقلب الحقائق على خياشيمها.
يزيد ابن خلدون كلامه، بهذه العبارة التي تلخص نظريته المتداعية حول الإمامة:
" وشبهة الإمامية في ذلك إنما في كون الإمامة من أركان الدين كما يزعمون وليس كذلك، وإنما هي من المصالح العامة المفوضة إلى نظر الخلق.
ولو كانت من أركان الدين لكان شأنها شأن الصلاة، ولكان يستخلف فيها كما استخلف أبا بكر في الصلاة، ولكان يشتهر كما اشتهر أمر الصلاة (142) ".
ولعل الشبهة التي دفعت ابن خلدون إلى جمع ما شذ من أخبار في تصويب تيار الغلبة هو اعتبار الإمامة أمرا ثانويا متروكا للمصلحة وحتمية الغلبة، وهي الشبهة أيضا التي أكبت ابن خلدون على وجهه ليلعق طرق التدليس والتلبيس على صحون التصويب والأقيسة الرديئة!.
لقد قاس الإمامة على الصلاة، واعتبر الأولى أقل شأنا من الثانية، متناسيا أن لا قيمة للصلاة إذا لم تكن على أساس من الولاية، مما يقيم صرح كل العبادات،
____________
(142) المقدمة ص 224.
واعتبر عدم شهرة الوصية مقابل شهرة الصلاة، كدليل على عدم وقوع الأولى، وشبهته في ذلك واضحة، ذلك أن الشهرة لا تجبر الضعيف، ورب حديث تواتر نقله على ألسن الغوغاء وهو في أصله من مرفوعات الوضاعين، ورب حديث صحيح صريح، استضعفته يد السلطان، فصار في دهاليز الآحاد، وهبنا قبلنا طريقة برهانه، فإن أحاديث الوصية كما ذكرنا هي مما اشتهر وتواتر، وإن حديث الصلاة رغم إنه لا يفيد في هذا المقام هو مما شذ وضعف فأي شهرة باتت لحديث الصلاة، وبأي الحديث أنتم مؤمنون!.
ويشط النصب بابن خلدون فيقرر:
" ويدل ذلك أيضا على أمر الإمامة والعهد بها لم يكن مهما كما هو اليوم (143) ".
ويقول:
" فانظر كيف كانت الخلافة لعهد النبي (ص) غير مهمة، فلم يعهد فيها. ثم تدرجت الأهمية زمان الخلافة بعض الشئ (144) ".
أي إن الإمامة لم تكن ذات أهمية إلا مع تدهور الوازع الديني وذهاب الوصي وغياب المعجزة، وحلول العصبية محل ذلك، وهذا لعمري تناقض كبير، فها هو يعتبر أن الإمامة لم تكن تقوم على العصبية، ويعترف في ما سبق من كلام بما جرى من جدال داخل السقيفة على أساس أن الفريقين كانا يجادلان بالانتساب إلى العشيرة، كانتساب أبي بكر لقريش ورد عمر على الأنصار بنفس المنطق.
وليتني عرفت أي طريق يسلك ابن خلدون لأقتفي آثاره، ومن أي معين يغترف تبريره لكي أضبط قصده، إذ كيف تكون الإمامة غير مهمة في تلك الفترة، وهي مما أثار أشد الخلافات بعد رسول الله (ص) وفيها يقول الشهرستاني: ما استل سيف في الإسلام مثل ما استل في الإمامة (145).
____________
(143) نفس المصدر ص 224.
(144) نفس المصدر ص 225.
(145) الملل والنحل / الشهرستاني.
وهكذا يتوضح لك - عزيزي القارئ - أن ابن خلدون لم يكن محققا ولا موضوعيا فيما ذهب إليه في هذا الأمر. لقد رقع غير ما مرة حتى اتسعت الرقعة على راقعها، وزيف الأحداث بنوع من السخف يثير على القرف والغثيان.
وإنه ما فعل ذلك إذ فعله إلا دفاعا عن مذهبه، لا دفاعا عن الحقيقة المقدسة، وهو الذي قال بعد سلسلة من التحريفات، " فلا يقعن عندك ريب في عدالة أحد منهم، ولا قدح في شئ من ذلك، فهم من علمت، وأقوالهم وأفعالهم إنما هي عن المستندات، وعدالتهم مفروغ منها عند أهل السنة، إلا قولا للمعتزلة فيمن قاتل عليا لم يلتفت إليه أحد من أهل الحق ولا عرج عليه (146) ".
فالحق عنده هو ما استقر عليه مذهبه، وأهل الحق هم من انتسب لفريقه، فأهل الحق على أساس ادعاءه هم وحدهم أهل السنة، وهذا بهتان عظيم.
وقد كان كلامنا عن ابن خلدون، لأنه من أشهر المؤرخين الذين حاولوا أن يفلسفوا الإمامة عند أهل السنة، وحاولوا تأسيسها نظريا، انطلاقا من مجريات واقع الخلافة وواقع تداعيتها بكثير في التحريف والتزوير.
كان ابن خلدون بلا شك، أشبه بميكيافيلي في موقفه من الأمير.
____________
(146) تاريخ ابن خلدون ص 226 ج 1.
الباب الثالث
عبقريات في الميزان
أوهام... مقدسة
لا أقصد من خلال هذا المبحث، النيل من أصحاب القداسة، حبا في التجرؤ على المقدس، ونزوعا إلى الثورة على الأوضاع، ورغبة في التغيير الفوضوي للمفاهيم والقناعات، إنها نتيجة موضوعية لنظر دقيق في التاريخ، بنوع من الاستقلال ونحو من التجرد.. وغاية نبيلة من وراء ذلك، وهو إنفاذ العقول من تقديس البطل الوهمي، وعبادية، وهؤلاء العباقرة الذين نتوخى دراسة أخبارهم، ليسوا وهميين في أشخاصهم، فأبو بكر الذي هو من تيم والذي مات من أثر السم، وعمر بن عدي، الذي قتل في المسجد، وعثمان من بني أمية المقتول يوم الدار، ليسوا وهميين من ناحية تشخيصية، فكل ذلك واقعي وحقيقي، إنما الأشخاص الوهميين عندنا، هو عندما تسود النظرة الأسطورية لهؤلاء الأشخاص، وتتعاظم صورتهم بشكل تكثر فيه المبالغة، عظمة تفوق أحيانا، عظمة الأنبياء والمرسلين.
ولمن رام ذلك عذره فقد حاولوا ذلك حتى يرمموا ما فسد، ويضمدوا جرح التاريخ ويلموا شعثه، ولكن ما لنا وتلك الأعذار، نحن طلاب حقيقة ولسنا طلاب تبرير.
وهكذا استنجد ربي على من غلط في حقنا، وأساء الظن في قصدنا، ورمى الحقيقة من وراء ظهره، ألا يكون علينا إن شاء الله شديدا.
وما دام أن بحثنا يصب في قالب الخلافة والتحريف، ارتأينا اختيار نموذج لتلك
العبقرية
أتسأل أحيانا عمن هو العبقري؟ أهو العقاد - نفسه - عندما جعل من الأسطورة، حقيقة. بأدبه الراقي وشاعريته المرهفة. أم أشخاصه الذين تعرض لهم وسماهم عباقرة.
وليعذرني الأديب العربي القدير. على هذه الجرأة التي لا تحجب مقدرة الرجل وعظمة إبداعه. ولقد كان أجاد رحمه الله وصف علي (ع) في عبقريته، والحسين (ع) في أبي الشهداء والزهراء في فاطمة والفاطميون. ولمن أوتي ملكة التمييز وذائقة القراءة الحرة. يمكن أن يكتشف مدى مغالاة العقاد في الشيخين، وكأن العياء بدا يصيب أديبنا في نهاية المطاف.
وليعذرني الأديب العربي الذي قدرنا عظمة إبداعه، واغترفنا من معين أدبه، أن لا يؤاخذنا ونحن ننسف الأسس التي أقام عليها مباني عبقريته، وصروح أبطاله، فرحمة الله عليه لم يكن يعلم أن التصوير الفني الزائد لمثل هؤلاء الأشخاص قد يتحول إلى دين. فلنضح هذه المرة، بالأدب في سبيل إعلاء راية التحقيق فإن ثمرة ذلك أعم نفعا وذات إيجابية على أمتنا.
فما هي العبقرية... ومن هو العبقري؟
العبقرية مفهوم معقد. لأنه ينطبق على أشخاص معقدين. ليس معنى ذلك
على نحو ما تعارف عليه أطباء النفس الإنسانية. وإنما العقدة هنا منظور إليها من