الصفحة 30

هل كانت المتعة من الأمور المعفوِّ عنها؟

بعد أن فرغنا من الرد على من فسر تعارض آراء الصحابة في مسألة نكاح المتعة بأن السبب وصول خبر النسخ إلى بعضهم دون الآخر, نأتي الآن للاحتمال الثاني الذي أورده الدكتور وهبة الزحيلي سابقاً: " أو يقال إن إباحة المتعة كانت في مرتبة العفو التي لم يتعلق بها الحكم كالخمر قبل تحريمها ثم ورد النص القاطع بالتحريم".انتهى.

إذاً, الحل الثاني لتعارض الآراء الذي يقترحه فضيلته هو أن تكون المتعة موجودة قبل الإسلام كما كان الخمر وعندما أتى الإسلام فإنه لم يحرمها مباشرة وبشكل تام, بل تدرج في تحريمها كما حرم الخمر.

أقول إن هذا الاحتمال غير وارد مطلقاً, لأن نكاح المتعة عندما يذكر في القرآن فإنه يعرف مباشرة بأنه نكاح إلى مدة محددة مقابل مهر محدد, ويفترق الزوجان بمجرد انتهاء المدة المذكورة في العقد دون الحاجة إلى التلفظ بلفظ الطلاق المعروف, كما أن المرأة التي تطلق من المتعة عليها أن تعتد فترة زمنية أقل من الفترة التي تقضيها المطلقة من الزواج الدائم عدا أن الزوجة في نكاح المتعة ليس لها نفقة ولا ترث زوجها إلا إذا اشترطت ذلك....أفيعقل أن تكون كل هذه الأحكام الفقهية التي تقترن بنكاح المتعة موجودة عند أهل الجاهلية قبل الإسلام؟!

بل إن الروايات تدل على عكس ذلك مثل:

عن عمار مولى الشريد قال: سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال: المتعة كما قال الله تعالى. قلت: هل عليها عدة؟ قال: نعم حيضة. قلت: يتوارثان، قال: لا. انتهى.(85)

وهذه الرواية تدلنا على أن معاصرين لابن عباس لا يعرفون أحكام المتعة أفيكون أهل الجاهلية المشركون أعلم بها منهم؟!

ثم تأمل الرواية التالية:

عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جده قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة.. الحديث. انتهى.(86)

إن هذه الرواية تدل على أن المتعة كانت بأمر مباشر من رسول الله (ص) وليس أنه قد غض الطرف عنها تمهيداً لتحريمها بشكل كامل, فالرواية تقول"أمرنا رسول الله".

____________

85- تفسير القرطبي ج5 ص132/تفسير قوله تعالى (والمحصنات من النساء..).

86- صحيح مسلم ج4 ص132 / كتاب النكاح / باب نكاح المتعة...


الصفحة 31
ثم إن قول الخليفة (ر)" متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة الحج ومتعة النساء" واضح بأن المتعة كانت على عهد رسول الله (ص) وهو لم يذكر أبداً أنها كانت على عهد الجاهلية أيضاً, مع أن من مصلحة عمر(ر) في هذا المقام أن يبين أن المتعة إنما هي من رواسب الجاهلية كالخمر فإن هذا أدعى لأن يقتنع الناس بنهيه عنها.

ثم ما ورد في حديث الربيع بن سبرة أن أباه حدثه انه كان مع رسول الله (ص) فقال يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء, وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة.." الحديث .... إن عبارة قد أذنت لكم وما تلاها من قوله أن "الله قد حرم" يدل على أن التحريم سبقه إذن صريح من النبي (ص) بالمتعة وليس غضاً للنظر عنها....وكذلك قول الربيع بن سبرة أن أباه غزا مع رسول الله (ص) فتح مكة قال فأقمنا بها خمس عشرة.. فأذن لنا رسول الله (ص) في متعة النساء فخرجت أنا ورجل من قومي.....الحديث. فهذه الرواية أيضاً تدل على أن ممارسة الصحابة للمتعة كان بإذن صريح في تلك الحادثة وليس مجرد سكوت منه وغض للبصر عنها, فلو كانت المتعة موجودة في الجاهلية والنبي(ص) غض الطرف عنها في بداية الأمر لما احتاج الصحابة إلى إذن من رسول الله (ص) لكي يمارسوها كما توحي الرواية في قوله"فأذن لنا".

ولنتأمل الباب الذي وردت أحاديث المتعة تحته في صحيح مسلم وعنوان الباب هو: "نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة"(87) ... فعنوان الباب كما نلاحظ واضح في أن نكاح المتعة ابتدأ إباحة من قبل النبي(ص) ولم يبدأ كأمر معفو عنه ثم حُرِّم!

ثم عبارة الشافعي"لا أعلم شيئا أحله الله ثم حرمه ثم أحله ثم حرمه إلا المتعة",تؤكد على ابتداء المتعة بالتحليل وليس بغض الطرف عنها.

مما سبق يتبين أن نكاح المتعة لا يمكن أن يكون من رواسب الجاهلية, وحتى إذا سلمنا للدكتور بذلك, فأين الدليل القاطع على تحريمها الذي أشار إليه, بعد أن بينا أن الأدلة التي ذكرت لتحريم المتعة لا ترقى لأن تكون ظنية حتى نعتبرها قطعية؟!! مع ملاحظة أن ابن عباس ومن وافقه لم يعتقدوا بما اعتقد به الدكتور من تحريمها بعد أن كان معفواً عنها. ثم إن هذا التحريم أيعقل ألا يصل ابن عباس وقد ثبت كما مر معنا أنه ثبت على قوله بحلية المتعة حتى بعد وفاة عمر , فهل كان ابن عباس مسافراً يعيش وراء البحار حتى أن تحريم المتعة لا يصله كل هذه السنوات الطويلة التي فصلت بين تحريم النبي لها قبل وفاته وبين ما بعد وفاة عمر؟

____________

87- شرح النووي ج9 ص179 .


الصفحة 32
ثم, ألم يُلقب ابن عباس بحبر هذه الأمة لشدة علمه و ألم يدعو النبي(ص) له بالدعاء المشهور"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"؟(88)

فإن كان من دعا له رسول الله (ص) بالتفقه في الدين لا يعلم حكماً حساساً يتعلق بالأعراض كالمتعة, فما فائدة دعوة النبي له؟! ثم عندما يفسر آية (فما استمعتم به منهن) على أنها نزلت في متعة النساء ويأتي من لا يقبل تفسيره هذا فما معنى أن يدعو النبي(ص) له بأن يكون عالماً بالتأويل؟ فإما أن النبي غير مستجاب الدعوة وكلامه لا قيمة له - حاشاه - وإما أن يكون الحق مع ابن عباس ومن وافقه وهذا هو الصحيح, فالمفترض بناء على الروايات المتعددة التي تدل على تميز علم ابن عباس أن يكون رأيه الفقهي مقدماً على رأي كثير من الصحابة. بل إن ابن عباس لم يتفرد بتفسير آية(فما استمتعتم به) بأنها نكاح المتعة, فقد فسرها كذلك كما مر معنا أبي بن

____________

88- والذي ورد نحوه في المصادر التالية: / مسند أحمد ج1 ص266/ باب مسند عبد الله بن العباس + المستدرك للحاكم النيسابوري وعلق عليه بقوله هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ج3 ص534 / كتاب معرفة الصحابة(ر)/ باب دعاء النبي لابن عباس + المعجم الصغير للطبراني ج1 ص197/ باب العين / باب من اسمه علي رقم الحديث (542) + المصنف لابن أبي شيبة ج7 ص520 /كتاب الفضائل رقم(30) / باب ما ذكر في ابن عباس (ر) + المبسوط للسرخسي ج1 ص43/ باب افتتاح الصلاة + بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج1 ص159 / فصل في بيان ما يستحب للإمام أن يفعله عقيب الفراغ من الصلاة + مجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص276/ كتاب المناقب / باب مناقب عبد الله بن عباس(ر) / باب جامع في علمه وما سئل عنه + فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر ج7 ص78 /باب فضائل أصحاب النبي(ص)/ ذكر ابن عباس(ر) حيث يعلق ابن حجر بقوله: وكان ابن عباس من أعلم الصحابة بتفسير القرآن + تحفة الأحوذي للمباركفوري ج8 ص226/أبواب تفسير القرآن عن رسول الله / باب ما جاء في الذي يفسرالقرآن برأيه + الآحاد والمثاني للضحاك ج1 ص287/ الحديث رقم (380) + الأذكار للنووي ص309 وعلق عليه بقوله وهو حديث صحيح رقم الحديث (933) + فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ج5 ص169/ باب كان وهي الشمائل الشريفة / حديث رقم (6684) + كشف الخفاء للعجلوني ج1 ص192/باب الهمزة مع الميم رقم الحديث(582) + تفسير مجاهد ج1 ص10/ باب هدى للناس + تفسير الثوري ص5 + معاني القرآن للنحاس ج1 ص354 + تفسير القرطبي ج4 ص18 + الأمثال في القرآن لابن قيم الجوزية ص22/ في الحاشية رقم(95) + تفسير ابن كثير ج1ص4 + تفسير الثعالبي ج1 ص141/ فصل فيما قيل في الكلام في تفسير القرآن والجرأة عليه ومراتب المفسرين + الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص365 / باب ابن عباس + تاريخ بغداد للبغدادي ج14 ص435 /ترجمة زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس رقم (7803) + تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج69 ص171/ ترجمة زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رقم (9350) + الإصابة لابن حجر ج1 ص89 حيث تجدأيضاً قول لابن عمر في ابن عباس وهو"هو أعلم من بقي فيما أنزل الله على محمد(ص)" + البداية والنهاية لابن كثير ج6 ص183/ قصة النبي مع الذي كان يصرع فدعا له...كما ورد بلفظ "اللهم فقهه في الدين" في البخاري ج1 ص45 / باب ما يقول إذا دخل الخلاء وورد بلفظ "اللهم علمه الحكمة" في البخاري ج4 ص217/ كتاب بدء الخلق / باب مناقب المهاجرين وفضائلهم. وورد بلفظ "اللهم علمه الكتاب" في البخاري ج1 ص27/كتاب العلم / باب قول النبي(ص) اللهم علمه الكتاب.


الصفحة 33
كعب وهو من أشهر كتاب الوحي وبالتالي من أولى الناس بتفسيره, بالإضافة إلى العديد ممن فسر الآية بذلك كما مر معنا.

إشارة ابن عمر (ر) إلى الأحاديث المكذوبة في هذا المجال:

عن عبد الرحمن بن نعيم الأعرجي قال سأل رجل ابن عمر عن المتعة وأنا عنده - متعة النساء - فغضب وقال والله ما كنا على عهد رسول الله (ص) زنائين ولا مسافحين ثم قال والله لقد سمعت رسول الله (ص) يقول يكونن قبل المسيح الدجال كذابون ثلاثون أو أكثر(89).

وهذا الحديث كما هو واضح يسأل فيه أحدهم ابن عمر(ر) عن متعة النساء أحلال هي أم حرام ولا بد أن سؤال الرجل ناتج عن كثرة الاختلاف واللغط في هذه المسألة في عصر ابن عمر, ولكن بدل أن يجيبه ابن عمر بأن المتعة قد نسخت وأنها حرام فإنه يجيبه بأنهم لم يكونوا من الزناة إذ مارسوها في عهد رسول الله(ص), وهذا أشد تأكيداً منه لحليتها من أن يقول للرجل بأنها حلال ويسكت. ومن الواضح أن حديث ابن عمر قد جرى بينه وبين الرجل بعد وفاة رسول الله (ص) أفيكون أيضاً لم يصله النسخ؟!..إن ابن عمر(ر) هنا لا يكتفي بأن يؤكد على حلية المتعة وإنما يحذر من الكذابين الذين يضعون أحاديث ملفقة على لسان رسول الله (ص), وينقل إلينا تنبؤ النبي(ص) بظهور هؤلاء الكذابين وبما أنه لا دخان بدون نار وبما أن السياق أحد قرائن تفسير النص فإن ابن عمر لا يفسر هذا الاختلاف في متعة النساء واللغط حولها بأن البعض وصله النسخ والبعض لم يصله النسخ وإنما اعتبر أن القضية قضية وجود أحاديث مكذوبة على رسول الله(ص) تحكي تحريم المتعة, وهي السبب في هذا التضارب في الآراء الذي أدى إلى غضب ابن عمر كما تشير الرواية.

وقد يقول قائل أن ابن عمر(ر) بقوله "ما كنا على عهد رسول الله (ص) زنائين ولا مسافحين" ,لم يقصد التأكيد على حلية المتعة وإنما العكس فهو يؤكد على أنها حرام ويشير إلى أنهم لم يمارسوا نكاح المتعة على عهد رسول الله(ص) وذلك لأن هذا النوع من النكاح هو سفاح وزنا!!

الجواب: إن تسليمنا بهذا القول يؤدي بنا إلى نتيجة خطيرة وهي تكذيب كلاً من ابن عمر(ر) وابن عباس(ر) لأن نفي ابن عمر(ر) ممارسة المتعة عن الصحابة في عهد رسول الله(ص) يخالف ما هو معلوم بالبداهة بأن متعة النساء كانت تمارس في صدر الإسلام بل في أواخره أيضاً كما تشير بعض أحاديث حجة الوداع ,كما أن اتهام ابن عمر(ر) بأن من يمارس المتعة هو من الزناة فيه

____________

89- رواه أحمد في مسنده ج2 ص104/ مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب(ر), كما ورد نحوه في مجمع الزوائد ج7 ص333/ باب الكذابين الذين بين يدي الساعة + مسند أبي يعلى ج10 ص69 رقم الحديث (5706).


الصفحة 34
اتهام للصحابة الذين مارسوها في عهد النبي(ص), ثم إن تلميح ابن عمر(ر) إلى الأحاديث المكذوبة على رسول الله(ص) فيما يتعلق بمتعة النساء , إن كان يشير به إلى الأحاديث المكذوبة التي تروي حلية المتعة فيكون بذلك يكذب عدداً من الصحابة وعلى رأسهم ابن عباس فهو من الرواة الذين اشتهر عنهم رواية إباحتها, وهل أقبح من تكذيب حبر هذه الأمة؟! إذاً لتنزيه ابن عمر(ر) وابن عباس(ر) عن الكذب علينا العودة إلى التفسير الذي ابتدأنا بها تعليقنا على الحديث السابق فهو أليق بمقام الصحابة (ر).

تقديس الناس للخليفة عمر(ر) بشكل مفرط:

نقل ابن حزم:

وقال ابن عباس: ألا تخافون أن يخسف الله بكم الأرض، أقول لكم قال رسول الله (ص) وتقولون قال أبو بكر وعمر. انتهى.(90)

وهذه الرواية تدلنا كم كان الناس يغلب عليهم الإفراط في تقديس الخليفتين أبي بكر وعمر(ر) إلى حد لعل الخليفتين أنفسهما لا يرضيان عنه, فهم يرجحون اجتهاد أبي بكر وعمر على حديث الرسول(ص) ذاته.

وإذا ضممنا هذا التقديس إلى الكذب على رسول الله(ص) الذي أشار إليه ابن عمر(ر) نخرج بنتيجة: أنه أصبح من الممكن جداً القول أن نهي عمر(ر) عن المتعة ومحبة الناس الشديدة له أدت إلى اختلاق بعضهم أحاديث نسبوا فيها النهي عن المتعة إلى رسول الله(ص), ليدعموا فيها موقف الخليفة في نهيه, وما علموا أولئك الجهلة أن عمراً(ر) لو أمسك بأحدهم لربما أوجعه ضرباً بدُرَّته.

العلاج كان بالمتعة ولم يكن العلاج هو الصبر فقط:

وفيما يلي الشيخ عبد الرحمن الجزيري يشرح أصل مشروعية نكاح المتعة حيث يقول: "أما أصل مشروعية نكاح المتعة، فهو أن المسلمين في صدر الإسلام كانوا في قلة تقضي عليهم بمناضلة أعدائهم باستمرار، وهذه حالة لا يستطيعون معها القيام بتكاليف الزوجية وتربية الأسرة، خصوصاً أن حالتهم المالية كانت سيئة إلى أقصى مدى، فليس من المعقول أن يشغلوا أنفسهم بتدبير الأسرة من أول الأمر، وإلى جانب هذا أنهم كانوا حديثي عهد بعاداتهم التي ربوا عليها قبل

____________

90- الأحكام ج4 ص581 / الباب19 في أفعال رسول الله(ص)/ فصل واختلفوا هل يدخل أهل الأهواء في الإجماع.. كما ورد نحو ذلك في المحلى لابن حزم ج11 ص355/ باب ذكر ما يقطع من السارق واختلاف العلماء .. ط دار الفكر.


الصفحة 35
الإسلام، وهي فوضى الشهوات في النساء. حتى كان الواحد منهم تجمع تحته ما شاء من النساء. فيقرب من يحب ويقصي من يشاء فإذا كان هؤلاء في حالة حرب فماذا يكون حالهم؟ ألا إن الطبيعة البشرية لها حكمها. والحالة المادية لها حكمها كذلك. فيجب أن يكون لهذه الحالة تشريع مؤقت يرفع عنهم العنت، ويحول بينهم وبين تكاليف الزوجية.

وذلك هو نكاح المتعة. أو النكاح المؤقت. فهو يشبه الحكم العرفي المؤقت بضرورة الحرب وذلك لأن الجيش يحتوي على شباب لا زوجات لهم ولا يستطيعون الزواج الدائم كما لا يستطيعون مقاومة الطبيعة البشرية، وليس من المعقول في هذه الحالة مطالبتهم بإضعاف شهواتهم بالصيام، كما ورد في حديث آخر، لأن المحارب لا يصح إضعافه، بأي وجه، وعلى أي حال. فهذه الحالة هي الأصل في تشريع نكاح المتعة...وهذا هو المعقول الذي تقتضيه قواعد الدين الإسلامي، التي تعتبر الزنا جريمة من أفظع الجرائم وتحظر كل ما يثير شبهة، أو يسهل ارتكاب منكر، ويكفي في ذلك قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} وقوله صلى اللّه عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، وكفى بالزنا إثماً أنه يترتب عليه هتك الأعراض. واختلاط الأنساب. وفقد الحياء. وغير ذلك من الرذائل التي جاء الإسلام بمحاربتها، والقضاء عليها، وقد نجح في ذلك مع هؤلاء العرب نجاحاً باهراً. فقد يدرج بهم في معارج الأخلاق الفاضلة حتى وصلوا إلى نهاية ما يمكن أن يصل إليه البشر من مكارم الأخلاق. فكانوا في ذلك قدوة للعالم..". انتهى.(91)

يتضح مما سبق أن الشيخ يصرح بأن الأسباب التي دعت إلى تشريع نكاح المتعة هي ما يلي:

  • كان المسلمون المناضلون للأعداء باستمرار عاجزين عن القيام بتكاليف الحياة الزوجية.

  • كان المسلمون حديثي عهد بعاداتهم الجاهلية ومنها فوضى الشهوات في النساء فوجب التدرج معهم إلى أن يصبحوا قدوة العالم.

  • الجيش يحتوي على شباب لا زوجات لهم ولا يستطيعون الزواج الدائم ولا يستطيعون مقاومة الطبيعة البشرية وليس من المعقول مطالبتهم بإضعاف شهواتهم بالصيام، لأن المحارب لا يصح إضعافه على أي حال.

    الغريب في الأمر أن هذه الأسباب ذاتها هي التي نعانيها اليوم! فلم لا تكون المتعة حلالاً في أيامنا هذه؟! هذا إذا غضضنا الطرف عن كل الأدلة التي عرضناها على أن المتعة لم تنسخ أصلاً, وإنما عمر (ر) هو من نهى عنها....فالعاجزون عن القيام بأعباء الحياة الزوجية ما أكثرهم اليوم

    ____________

    91- الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري /ج4 ص91/ باب النكاح المؤقت أو نكاح المتعة.


    الصفحة 36
    من طلاب جامعة ومن موظفين ذو دخل محدود وغيرهم, بل حتى مناضلة الأعداء باستمرار نحن مقبلون عليها - غالباً - بعد أن نبدأ الحرب مع إسرائيل وكما تشير الوقائع, فكأن هذه الحرب هي أقرب مما كنا نتوقع بكثير.

    ثم إن كان الغارق بالشهوات تدرج الله معه شيئاً فشيئاً وأباح له المتعة كنوع من التدرج, فعلى هذا يجب أن نصف المتعة لمن يأتينا تائباً من انغماسه في الخمور والزنا والنوادي الليلية كمرحلة انتقالية حتى لا نبتعد بذلك عن أسلوب رب العالمين الرحيم بعباده.

    وإن كان وجود شباب لا زوجات لهم في جيش هو سبب لإباحة المتعة فما أكثر نسبة الشباب العزاب في جيوشنا وما أشد وطأة الشهوة عليهم حتى أن بعض الدول تسقي أفراد الجيش شراباً مهدئاً للشهوة على الرغم من أنه يوهن القوة.

    السؤال إذاً: هل الصحابة كانوا أضعف إيماناً منا حتى يراعي الله ظروفهم ولا يطالبهم بالصبر على شهوتهم بل يشرع لهم حكماً واقعياً, ثم يتوجه لنا ويأمرنا نحن بالصبر ويحرم علينا ما أحله للصحابة الكرام, بالرغم من اشتراكنا بالظروف ذاتها؟!!........حاشا لله!!

    النقطة الأخيرة التي أحب أن ألفت نظر الشيخ إليها وهي: أن النبي(ص) لم يكن يأذن بالمتعة فقط في حال الحرب وإنما أذن بها في حجة الوداع ولم يكن هناك حرب أو غزو يومها كما أن حجة الوداع كانت في أواخر حياة النبي(ص) أي أن المسلمين كان قد مضى على إسلام الكثير منهم أكثر من 22 سنة وذلك بحسب بعض الروايات السابقة(92).

    أفيعقل أن يكون قد أذن بها يومها لقرب المسلمين من عهد الجاهلية, أولم تكن كل هذه السنين كافية لتقبلهم للإسلام بكل ما فيه؟!

    أما إن كانت تعاليم الإسلام ثقيلة إلى هذا الحد فكيف يمكننا دعوة الناس إليها؟!

    نكاح المتعة لا يستحق فاعله الحد:

    السياق المنطقي لمن يسوق أدلة تحريم المتعة أن يؤدي بالنتيجة إلى أن فاعل هذه المتعة يستحق الحد تماماً كالزاني, إلا أن كتبنا الفقهية تفاجئنا بأن نكاح المتعة لا يستحق فاعله الحد وإليك ما ذكره عبد الرحمن الجزيري: " وسواء كان نكاح المتعة هو عين النكاح المؤقت. أو غيره فهو

    ____________

    92- التي ذكرت في: مسند احمد ج3 ص404/ باب حديث سبرة بن معبد(ر) + سنن ابن ماجة ج1 ص631/ باب النهي عن نكاح المتعة الحديث رقم(1961).


    الصفحة 37
    باطل باتفاق، وإذا وقع من أحد استحق عليه التعزيز لا الحد..... وذلك لأنه نقل عن ابن عباس أنه جائز، وذلك شبهة توجب سقوط الحد". انتهى.(93)

    وهكذا يتبين لنا أن نكاح المتعة لم يتمكن فقهاؤنا من الاستدلال على تحريمه بشكل قاطع, مما دفعهم إلى العجز عن إيقاع الحد على مرتكبه, وهو إنصاف يشكرون عليه.

    ما قيل في ابن جريج فقيه مكة الذي كان يفتي بمتعة النساء ويفعلها:

    وردت عن الإمام الذهبي ترجمة لفقيه مكة الذي اشتهر عنه ممارسته للمتعة ونلاحظ كم كانت لهذا الفقيه مكانة مرموقة بين أهل العلم حيث يقول الذهبي: "ابن جريج الإمام الحافظ فقيه الحرم أبو الوليد ويقال أبو خالد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي الأموي مولاهم المكي الفقيه صاحب التصانيف أحد الأعلام....أدرك صغار الصحابة... قال أحمد بن حنبل: كان من أوعية العلم: وهو وابن أبي عروبة أول من صنف الكتب. وقال عبد الرزاق: ما رأيت أحداً أحسن صلاة من ابن جريج، كنت إذا رأيته علمت أنه يخشى الله. ويقال أن عطاء قيل له من نسأل بعدك؟ قال: هذا الفتى إن عاش، يعنى ابن جريج... وقال جرير كان ابن جريج يرى المتعة تزوج ستين امرأة.... قال أبو عاصم كان ابن جريج من العباد كان يصوم الدهر إلا ثلاثة أيام من الشهر. وكانت له امرأة عابدة. قال ابن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول استمتع ابن جريج بتسعين امرأة حتى انه كان يحتقن في الليلة بأوقية سيرج طلبا للجماع، وعن عبد الرزاق قال كان ابن جريج يخضب بالسواد ويتغلى بالغالية. وكان من ملوك القراء..". انتهى.(94)

    كما وردت ترجمته في تاريخ ابن معين، للدارمي:

    "عن عبد الله بن عمرو..... قلت: عبد الله بن أبي سليمان أحب إليك أو ابن جريج فقال: كلاهما ثقتان".(95)

    نصوص الفقهاء في صحة العقد المؤقت بالنيَّة:

    ثم إن هناك سؤالاً عريضاً, لماذا يكون نكاح المتعة حراماً؟ هل السبب فقط أنه عقد مؤقت؟ إن كان كذلك فهذه طائفة من أقوال العلماء المعتبرين والتي تجيز أن يكون الزوج والزوجة يريدان

    ____________

    93- الفقه على المذاهب الأربعة ج4 ص90 /النكاح المؤقت أو نكاح المتعة.

    94- تذكرة الحفاظ / ج1 ص169 / ترجمة رقم 164 - 11/5 ع .

    95- حكاية عن يحيى بن معين ص 143/ باب العين رقم (485).


    الصفحة 38
    الزواج لفترة معينة, حيث يصح عقد زواجهما بشرط ألا يصرحا بنية التوقيت عند التلفظ بألفاظ العقد:

    ورد عن الإمام الشافعي قوله:

    "وإن قدم رجل بلدا وأحب أن ينكح امرأة ونيته ونيتها أن لا يمسكها إلا مقامه بالبلد أو يوما أو اثنين أو ثلاثة كانت على هذا نيته دون نيتها أو نيتها دون نيته أو نيتهما معا ونية الولي غير أنهما إذا عقدا النكاح مطلقا لا شرط فيه فالنكاح ثابت ولا تفسد النية من النكاح شيئا.. وكذلك لو نكحها ونيته ونيتها أو نية أحدها دون الآخر أن لا يمسكها إلا قدر ا يصيبها فيحللها لزوجها ثبت النكاح وسواء نوى ذلك الولي معهما أو نوى غيره أو لم ينوه ولا غيره والوالي والولي في هذا لا معنى له أن يفسد شيئا ما لم يقع النكاح بشرط يفسده". انتهى.(96)

    أما في مذهب الإمام الحنفي فورد ما يلي:

    "(وبطل نكاح متعة ومؤقت) وإن جهلت المدة أو طالت في الأصح , وليس منه ما لو نكحها على أن يطلقها بعد شهر أو نوى مكثه معها مدة معينة" انتهى.(97)

    وورد في المذهب الحنبلي ما يلي: "وإن تزوجها بغير شرط إلا أن في نيته طلاقها بعد شهر أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم إلا الأوزاعي قال هو نكاح متعة والصحيح انه لا بأس به ولا تضر نيته وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته وحسبه إن وافقته وإلا طلقها".(98)

    كما أن عبد الرحمن الجزيري يقول:

    (المالكية - قالوا... ولا يتحقق نكاح المتعة إلا إذا اشتمل على ذكر الأجل صراحة، للولي، أو للمرأة، أو لهما. فإن لم يذكر قبل العقد أو يشترط في العقد لفظاً، ولكن قصده الزوج في نفسه، فإذا لا يضر، ولو فهمت المرأة أو وليها ذلك..

    الحنفية - قالوا: .....وإذا نوى معاشرتها مدة ولم يصرح بذلك فإن العقد يصح. كما إذا تزوجها على أن يطلقها غداً أو بعد شهر فإن العقد يصح ويلغو الشرط. فإن شرط الطلاق ليس تأقيتاً للعقد..) انتهى.(99)

    كما ذكر د.وهبة الزحيلي ما يلي:

    ____________

    96- كتاب الأم / ج5 ص 86 / باب نكاح المحلل ونكاح المتعة.

    97- الدر المختار بحاشية ابن عابدين ص57 ج3 / كتاب النكاح.

    98- المغني لابن قدامة ج7 ص573 / باب نهي النبي(ص) عن متعة النساء.

    99- الفقه على المذاهب الأربعة ج4 ص92/ باب النكاح المؤقت أو نكاح المتعة.


    الصفحة 39
    إلا أن الإمام زفر اعتبر الزواج المؤقت صحيحاً وشرط التأقيت فاسداً أو باطلاً , أي لا عبرة بالتأقيت ويكون الزواج صحيحاً مؤبداً لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة. انتهى.(100)

    ومن فتاوى الدكتور البوطي على الانترنت في هذا المجال:

    س1: هل نية الديمومة أحد شروط صحة الزواج؟

    الجواب: هذه النية ليست شرطاً لصحة الزواج بالاتفاق.

    س2: أود السؤال عن مسألة الزواج بنيّة الطلاق دون تحديد المدة؟

    الجواب: لا خلاف في صحة النكاح الذي نوى معه الزوج أن يطلق، بعد حين بشرط أن لا تتقيّد صيغة النكاح بالتأقيت.

    عقد الزواج بلفظ الإجارة:

    وهي مسألة وقع نزاع فيها بين فقهاء المسلمين وهي وقوع النكاح بلفظ الإجارة. ومنشأ هذا الرأي يستند إلى الآية الكريمة (فآتوهن أجورهن) حيث سمى الله تعالى المهر أجرا والأجر لا يكون إلا للإجارة كما يكون المسمى في العوض بالبيع ثمنا. وممن ذهب لذلك الشافعي وأصحابه وأبو الحسن الكرخي وابن حبيب وابن خويز منداد.(101)

    وقد رد أبو بكر الرازي على الكرخي: بأن الإجارة عقد مؤقت والنكاح عقد مؤبد وهما متنافيان. والذي يتبادر إلى الذهن من رد أبي بكر الرازي أنه فهم من رأي الكرخي جواز النكاح بالإجارة كان يستأجرها لمدة وتنتهي المدة بانتهاء الإجارة أو يعقد معها عقدا على العمل ويرى أن العقد يشمل جميع منافعها ومنها البضع ولذا رد عليه بقوله: إن عقد الإجارة عقد مؤقت والنكاح عقد مؤبد وهما متنافيان.و إلا لو لم يكن فهم ذلك منه فلا معنى لقوله هذا لأنه إذا كان المراد وقوع النكاح الدائم بمعناه المعروف ولكن بلفظ الإجارة لا يستقيم الرد حينئذ وينتقل النزاع إلى اللفظ دون المضمون فيقال: هل يستبدل لفظ زوجت - مثلا - بلفظ آجرت أم لا؟

    والذي يعضد هذا الاستنتاج أن ما ينسب لأبي حنيفة من جواز استئجار المرأة للزنا وانه إذا استؤجرت فلا يعتبر ذلك زنا وبالتالي فلا حد: أعتقد أن منشأه ذلك وهو الاستظهار من لفظ (فآتوهن أجورهن) بأن ذلك يفيد نكاحا مشروعا بالأجرة ينتهي بانتهاء مدة الإجارة و إلا فلا يعقل أن هناك طالبا مبتدءاً من طلاب العلم يجهل أن الزنا محرم وأن الزانية غالباً تأخذ عوض بضعها ولا يعتبر ذلك مهراً ولا العمل حلالاً فكيف بشخص كأبي حنيفة الذي لا يتصور أن يجهل ذلك

    ____________

    100- الفقه الإسلامي وأدلته ص6552/ شروط صحة الزواج/ آراء الفقهاء في زواج المتعة والزواج المؤقت.

    101- تفسير القرطبي ج13 ص273 / تفسير قوله تعالى (ولما ورد ماء مدين..الآيات), مطلب في النكاح والتزويج.


    الصفحة 40
    كما توحي به عبارة ابن حزم في (المحلى) والتي يقول فيها: إن أبا حنيفة لم ير الزنا إلا ما كان مطارقة أما ما كان فيه عطاء واستئجار فليس زنا ولا حد فيه.(102)

    وعلى هذا يتوجه رأي الكرخي ورد أبي بكر الرازي عليه. ولو صح هذا الاستظهار فهو رأي صريح بالمتعة.

    إضافة زمن إلى العقد لا يجعله حراماً:

    تبين مما سبق أن مجموعة كبيرة من الفقهاء تعتبر عقد النكاح صحيحاً لو نوى أحد الطرفين أو كلاهما بأن يفترقا بعد مدة محددة, فالمهم عندهم أن لا يذكرا نيتهما بالزواج إلى مدة محددة ضمن ألفاظ العقد, بل إن بعضهم اعتبر أن الذي يذكر المدة التي يريد أن يستمر زواجه إليها صراحة ضمن ألفاظ العقد فإن هذا لا يضر بصحة العقد وإنما يعتبر ذكر المدة لاغياً ويبقى العقد دائماً وطبعاً تبقى نية الشخص بالزواج إلى مدة محددة قائمة. وقد مر معنا المثال الذي طرح من قبل الشافعي وابن قدامة وهو مثال الرجل الذي يقدم البلد ويتزوج ناوياً تطليق زوجته بعد انتهاء مدة إقامته في هذا البلد.

    ونحن نعلم أن الزواج من حيث الأصل هو مجلبة للثواب والأجر لقوله (ص): "...وفي بضع أحدكم صدقة".

    وبناء على ذلك أتساءل: هل يعقل أن يحرم الله المتعة بعد أن شرعها ثم يحرمها ثم يبيحها مرارا ثم يحصل تشديد على تحريمها كل ذلك من اجل ذكر المدة صراحة؟! على الرغم من انه الأفضل للمرأة أن تعلم بنية الرجل صراحة حتى لاتفاجأ بانفصاله عنها على حين غرة و تكون على بينة من أمرها منذ البداية؟ هل يعقل أن المتعة حرمت للإضرار بالمرأة ولدفع الرجل إلى إخفاء نيته عنها ومن ثم مواجهتها بالطلاق بعد فترة قصيرة بعد أن أفقدها عذريتها ولربما لو علمت بنيته منذ البداية لرفضت؟!

    فإن قيل إن الرجل بإمكانه أن يخبر زوجته بنيته في أن يتزوجها مدة محددة ولكن خارج ألفاظ العقد, فنقول وما الفرق إذاً؟ هل ستتقدم البشرية و تزدهر الحضارة لأني ذكرت المدة خارج ألفاظ العقد أي فصلت بين ذكري للمدة وبين ألفاظ العقد بضع دقائق؟ أم أن الأعراض ستهتك وتضيع الأنساب لمجرد ذكر هذه المدة ضمن ألفاظ العقد بينما تحفظ الأنساب والأعراض في ذكرها قبل العقد بدقائق؟

    ____________

    102- المحلى لابن حزم ج11 ص250 / كتاب الحدود/ حكم المستأجرة للزنا....ط دار الفكر.