الصفحة 1
بسم الله الرحمن الرحميم
الحمد لله رب العالمين والصلاة على خاتم
المرسلين محمد وآله الغرّ الميامين

مقدّمة المركز

من الثوابت المسلّمة في عملية البناء الحضاري القويم استناد الاُمّة إلى قيمها السليمة ومبادئها الاصلية، الامر الذي يمنحها الارادة الصلبة والعزم الاكيد في التصدّي لمختلف التحديات والتهديدات التى تروم نخر كيانها وزلزلة وجودها عبر سلسلة من الافكار المنحرفة والاثار الضالة باستخدام أرقى وسائل التقنية الحديثة.

وإن أنصفنا المقام حقّه بعد مزيد من الدقّة والتأمّل نلحظ أن المرجعية الدينية المباركة كانت ولا زالت هي المنبع الاصيل والملاذ المطمئن لقاصدي الحقيقة ومراتبها الرفيعة، كيف؟! وهي التي تعكس تعاليم الدين الحنيف وقيمه المقدّسة المستقاة من مدرسة آل العصمة والطهارة(عليهم السلام) بأبهى صورها وأجلى مصاديقها.

هذا، وكانت مرجعية سماحة آية الله العظمى السيّد علي السيستاني ـ مد ظله ـ هي السبّاقة دوماً في مضمار الذبّ عن حمى العقيدة ومفاهيمها الرصينة، فخطت بذلك خطوات مؤثّرة والتزمت برامج ومشاريع قطفت وستقطف أينع الثمار بحوله تعالى.

ومركز الابحاث العقائدية هو واحد من المشاريع المباركة الذي اُسس لاجل نصرة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)وتعاليمه الرفيعة.

ولهذا المركز قسم خاص يهتم بمعتنقي مذهب أهل البيت(عليهم السلام)على مختلف الجهات، التي منها ترجمة ما تجود به أقلامهم وأفكارهم من نتاجات وآثار ـ حيث تحكي بوضوح عظمة نعمة الولاء التي مَنّ الله سبحانه وتعالى بها

الصفحة 2
عليهم ـ إلى مطبوعات توزع في شتى أرجاء العالم.

وهذا المؤلَّف «الصحابة في حجمهم الحقيقي» الذي يصدر ضمن «سلسلة الرحلة إلى الثقلين» مصداق حي وأثر عملي بارز يؤكّد صحة هذا المدعى.

على انّ الجهود مستمرة في تقديم يد العون والدعم قدر المكنة لكل معتنقي المذهب الحقّ بشتى الطرق والاساليب، مضافاً إلى استقراء واستقصاء سيرة الماضين منهم والمعاصرين كي يتسنى جمعها في كتاب تحت عنوان «التعريف بمعتنقي مذهب أهل البيت».

سائلنيه تبارك وتعالى أن يتقبل هذا القليل
بوافر لطفه وعنايته

مركز الابحاث العقائدية
فارس الحسون   


الصفحة 9

مقدمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمّد وعلى آله الطاهرين وأصحابه المتقين.

أمّا بعد، إنّ الاختلاف ليس شيئاً بدعاً وكما أنه ليس رحمة، وقلّما وجدت جماعة أو فرقة أو شعب أو حضارة لم يدبّ إليها الاختلاف فيقطع أوصالها ويفرّق جمعها، بل لا نعلم جماعة اتسقت أُمورها وانتظمت وحدتها واستمرّ حالها على ذلك، وقد ورد في أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والائمة من آله النّهي عن الاختلاف والفرقة(1) ، إذ ما اختلفت جماعة إلاّ وكان بعضها متّبعاً للهوى، فالهوى هو السبب الرئيسي إن لم نقل الوحيد للاختلاف، وهكذا كان شأن هذه الاُمة الاسلامية التي تعبد ربّاً واحداً وتؤمن بكتاب واحد وبنبي واحد، حيث دبّ الاختلاف فيها فتقطعت طرائق قدداً وأحزاباً شتى وتقطعت تلكم الاحزاب الى أُخرى وهكذا حتّى اختلط الحابل بالنابل وكلّ يدّعي أنه على الصراط السويّ، والاتعس من ذلك من يدّعي أنّ غيره على باطل محض.

ولسنا الان بصدد البحث في هذه الاختلافات وأسبابها ومن يقف

____________

1) أنظر قول أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب في نهج البلاغة حيث يقول: «الخِلافُ يَهْدمُ الرَّأْيَ» ص646، الكلمات القصار.


الصفحة 10
وراءها.

أقول وبالله التوفيق: أنا المدعو الهاشمي بن علي التونسي، نشأت وترعرعت في مدينتي قابس مدينة البحر والواحة وعشت سنىّ طفولتي وشبابي في أحضان عائلة محافظة متوسطة الحال.

وكنت منذ سنىّ طفولتي متعلّقاً بالدين، حيث ما زلت أذكر تلك الايام الجميلة التي كنت أرافق فيها والدي لصلاة الجمعة في الجامع الكبير بالحيّ القديم من مدينتي، وقد رزقني الله سبحانه حافظة عجيبة فكنت أرجع الى البيت وأحكي لاهلي ما قاله الامام في خطبة الجمعة وما جاء فيها من وعد ووعيد.

وكانت لا تفوتني من الصلوات الخمس إلاّ صلاة الصبح، حيث كان يتعذر عليّ حضورها لانّ أهلي ما كانوا ليسمحوا لطفل صغير بالذهاب في ذلك الوقت المبكّر لاداء الصلاة، وكانت تقام في ذلك المسجد دروس في تاريخ الانبياء وتاريخ الصحابة وسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فما كان يفوتني منها حرف واحد.

وكنت أحفظ قصائد في مدح خير البريّة، حيث كنت أواظب على الحضور في المناسبات الاسلامية وخاصّة في المولد النبوي الشريف، وكان ممّا يرغبني في حضور تلك المناسبات ما يقدّم فيها من الحلويّات والمشروبات وما كان فيها من الزينة والجمال.

وقلّما مرّت فرصة يزورنا فيها أو أزور فيها بعض الاهل والاصدقاء إلاّ وطفقت أحدثهم عمّا امتلات به ذاكرتي، فتارة أُحدثهم عن النبي يوسف (عليه السلام)، وأُخرى عن تقوى الصحابة وإيثارهم، وثالثة عن القيامة،

الصفحة 11
ورابعة عن الجحيم وأهوالها، وأُخرى عن الجنة ونعيمها، وكان البعض يتعجّب ممّا أقول فلم يكن سمع بذلك طول عمره ولا واتته الفرصة أن يسمع.

وهكذا استمر بي الحال حتّى دخلت الى مرحلة التعليم الثانوي، حيث بدأنا ندرس فيها التاريخ الاسلامي منذ عصر ما قبل الاسلام الى الفتنة الكبرى كما يقولون.

الصدمة:

كنت أدرس في الصف مادة التاريخ، وكان عندنا أُستاذ يتبنّى الفكر القومي، ولمّا مررنا على معركة صفّين ابتسم الاُستاذ وقال: «فاقترح الداهية عمرو بن العاص فكرة رفع المصاحف حتّى يخدعوا جيش علىّ وينجوا من الهزيمة المنكرة التي بدأت تلوح لهم».

صعقني جدّاً هذا الكلام، فقلت في نفسي أعمرو بن العاص يفعل هذا؟ هذا الصحابي الجليل ـ الذي عرفناه من أقتاب الصحابة كماقال لنا شيوخنا ـ يخدع ويمكر؟! إذاً أين تقوى الصحابة وإخلاصهم الّذي دمغجنا به شيوخنا؟! شعرت حينها بتمزّق نفسيّ شديد بين ثقافتي الاسلامية التي تقدّم كل الصحابة وترفعهم الى صفوف الملائكة وبين حقائق التاريخ إن كانت حقّة؟!

رجعت الى البيت مغموماً وسألت أخي عن المسألة فقال لي: إنّ هذا ليس من شأننا فلا تخض فيه وهم ـ أي الصحابة ـ أدرى بزمانهم و....

لم يقنعني هذا الكلام البارد الفارغ من كلّ معنى، وهل يمكن أن يمارس

الصفحة 12
المؤمن العادي الخداع والمكر؟! فكيف بالصحابة؟!

وتمضي السنوات وتبقى في نفسي أشياء وأشياء، لكني لمّا لم أصل الى الجواب قفلت عليها في صدري وألقيت حبلها على غاربها ومضيت...

وتشاء الاقدار أن تجمعني بصديق قديم وزميل دراسة كنّا تفارقنا مدة من الزمن وإذا بي أسمع أنه شيعىّ؟!

لقد كنت أعتقد أنّ المذهب السنّي هو المذهب الصافي وخاصة أتباع الامام مالك إمام دار الهجرة حيث أنّ أكثر إفريقيا مالكيّون، وكنت أعتقد أنّ بقية المذاهب الثلاثة وإن كانت على الحق لكن المذهب المالكي أصفاها وأحقّها، نعم كانت أحياناً تجول في خاطري تساؤلات حول الاختلافات التي ما بين هذه المذاهب الاربعة وكنت لا أرى مبرّراً لاختلافها، نعم لقد تعلّمنا منذ صغرنا أن اختلافها رحمة وأنهم كلهم من رسول الله ملتمس، لكن كان في نفسي من ذلك ما كان، لكني قنعت بحجّة شيوخنا أو ربمّا أقنعت بها نفسي.

وكنت قاطعاً ببطلان مذهب الشيعة وأنهم متطرفون في عقائدهم، وكنت أسمع ما كان ينقله البعض حول بكاءهم على الحسين وسبّهم للصحابة فيزداد عجبي، وكنت أتمنّى أن ألتقي بواحد منهم لاُقنعه أو على الاقل لاعرف لماذا هم هكذا.

كان أوّل ماناقشني فيه صديقي الشيعي حديث العشرة المبشّرين

الصفحة 13
بالجنة(1) وقال لي: هل يُعقل أن يكون طلحة والزبير وعلي في الجنة وقد قتل بعضهم بعضاً وشتم بعضهم بعضاً؟! وهل يعقل كذلك أن يكونوا في النار؟!

فكان ممّا أجابني به أنّ الصحابة على ثلاثة أقسام: قسم الثابتين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقسم المرتدّين (فعلاً لا قولاً)، وقسم المنافقين، وعليه لا يمكن أن يكونوا كلهم عدولاً.

ومّما واجهني به صديقي هذا من الحجج حديث الثقلين الذي يقول فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض»(2) وقد كفانا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤونة إمامة الاُمّة السياسيّة والعلمية بالائمة من أهل بيته.

وخضنا نقاشات عديدة حول تنزيه الله تعالى عن الرؤية والحركة والانتقال وتنزيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الذنوب والكبائر والخطأ والنسيان.

وهكذا رأيت أنّ عائشة وحفصة نزلت فيهما سورة كاملة تهددهما بالطلاق وبعذاب النار... ورأيت أنّ كل بناء السنة العقائدي متهاو بل هو من صنع وبناء حكّام بني أُمية أعداء الله ورسوله وبني العباس ومن بعدهم من

____________

1) أنظر ذلك في سنن ابن ماجة 1:48، باب فضائل العشرة.

2) سنن الترمذي: ج5 فضائل أميرالمؤمنين.


الصفحة 14
الظالمين إلى اليوم.

ورأيت أنّ الشيعة مذهب صاف عقلاني مليء بالحجج الدامغة من القرآن الكريم والسنّة المحمدية ولا مجال للخرافات والتحريفات والاكاذيب فيه، وهكذا إذ بينما كنت أنسب إلى الشيعة كلّ قبيح، استفقت على أنّ مذهبهم حقّ، ولهذا كثرت حوله الاباطيل والدعايات الباطلة التي لم يُرم بها حتّى دين اليهود والمجوس.

وعرفت حينها معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة...)(1) .

وعرفت الحديث القائل: «الناس أعداء ما جهلوا»(2) .

وأنا من موقعي هذا أدعُ كل إنسان حرّ أن يطّلع على كتب الشيعة وعلى آرائهم دون واسطة، كما عرفت أنا كتب السنّة كالبخاري والموّطأ دون واسطة.

وقارنوا بين المذاهب، فلسنا أقلّ من معاوية الذي قتل النفوس وأحدث الفتن ثم يقال عنه: إنّه اجتهد فأخطأ، فنحن إن وصلنا الى الحقّ ـ إلى دين الله ورسوله ـ فلنا أجران، وإن لم نتوصّل الى ذلك فلعلّ الله يكتب لنا أجراً واحداً، وذلك لصدق نيّاتنا وصفاء سرائرنا.

وجرّبوا أن تطالعوا عن التشيّع والشيعة الاثني عشريّة، فليس في ذلك

____________

1) سورة الحجرات: 6.

2) نهج البلاغة: 172 الكلمات القصار.


الصفحة 15
بأس ولا ضرر ولا فتنة ولا سمّ كما يدّعي بعض العلماء المتحجّرين، بل إنّ أحدنايفاخربأنّه قرأمجموعة آثارفيكتورهيجو مثلاً أو اطّلع على مسرحيّات شكسبير وتجده جاهلاً بما يقوله إخوانه وبما يعتقدونه جهلاً مطبقاً.

أقول قولي هذا واستغفر الله العلىّ العظيم

الهاشمي بن علي رمضان

قابس ـ تونس

1 ـ شوال ـ 1419 هـ


الصفحة 16

مفتاح الحقيقة

رأيت طوال حياتي ـ سنّياً ثم شيعيّاً بعد ذلك ـ أنّ مسألة الصحابة عموماً من المواضيع الحسّاسة والمهمة والتي جعلت فيما مضى على عيني حجاباً منعني من الولوج في عالم البحث عن الحقيقة، وكان سبب ذلك شيئان:

أوّلهما: أنني كنت خائفاً في داخلي من التعرض للصحابة باعتبار ما تربّينا عليه من التخويف والنهي عن الخوض في هذه المسألة، فكانت تمثّل خطّاً أحمراً بالنسبة لي بالرغم ممّا كان يجيش في صدري من صرخات وعذابات.

وثانيهما: ما كان يقوله شيوخنا بأن نكفّ عمّا شجر بين الصحابة فهم كلهم من أهل الصلاح وأنهم حاملوا لواء الرسالة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا ما جعلني أصرف النظر عن هكذا بحوث.

ولهذا اخترت موضوع مقالتي هذه مسألة الصحابة، حتّى ترتفع الضبابيّة عن الاعين.


الصفحة 17

الصفحة 18

الولوج في البحث

إنّ مسألة الصحبة من المسائل التي أسالت حبراً كثيراً وصار حولها لغط كثير، فأهل السنّة عموماً يعتبرون الصحابة جزءاً لا يتجزأ من إيمان الفرد المسلم، وإذا طعن أي فرد بأيّ واحد من الصحابة فقد اقترف إثماً عظيماً ووزراً كبيراً.

لكن هذه المسألة ـ مسألة الصحابة ـ لو يتجرّد الباحث المسلم المنصف للخوض فيها فسيرى ويعلم علم اليقين أنّها لَيسَتْ من المعتقدات المهمة سواء التي اتفقت عليها طوائف المسلمين كالتوحيد والمعاد والنبوّة، ولا من التي اختُلِفَ حولها كالعدل والامامة.

فأركان الاسلام عند أهل السنة خمسة وهي: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمّداً رسول الله، والصلاة والزكاة وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً والايمان بالقضاء والقدر خيره وشرّه.

فأين الصحابة من هذه الاركان الخمسة التي يقوم عليها الاسلام؟!

وأما عند الشيعة فأُصول الدين خمسة وهي: التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد، والامامة، وإن كان العدل والامامة من أركان وأُصول المذهب عندهم أي لا يكفر الانسان بإنكارها، وكما ترى فلا أثر للصحابة في هذه العقيدة ولا وجود لهم.


الصفحة 19
وأمّا الايمان، فكما اتفقت عليه كلمة المسلمين وكما ورد في القرآن فمؤسّس على الايمان بالله وكتبه ورسله والملائكة.

اقرأ قوله تعالى في سورة البقرة حيث يقول: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسِلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ)(1) .

وانظر إلى قوله تعالى في سورة النساء حيث يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذيِنَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرُسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعيداً)(2) .

فأين محلّ الصحابة في هذا الايمان؟!!

ثم أليس لكلّ نبىّ صحابة؟! فإذا كان الايمان بصحابة رسول الله من ضرورات الاسلام أو من أركان الايمان، فلماذا لا يكون الايمان بصحابة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى كذلك؟!

ثم بأيّ دليل من الكتاب والسنّة نجد أن الايمان بمسألة الصحابة جميعاً واجب علينا كالايمان بالله ورسوله؟!

____________

1) سورة البقرة: 285.

2) سورة النساء: 136.


الصفحة 20

الصفحة 21

كلمة الصحبة ومشتقاتها في القرآن

وقبل الخوض في هذا الموضوع بتفاصيله وأبعاده نرى لزاماً علينا أن نأتي على كلمة الصحبة ومشتقاتها من القرآن الكريم، لنرى أنّها استعملت في معان عديدة مختلفة.

يقول تعالى في كتابه المجيد مخاطباً مشركي قريش: (مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّة)(1) ، فأنت ترى أن الله جعل عتاة قريش الذين اتهموا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالجنون، تراه يخاطبهم بأنهم أصحابه، وهذا المعنى لا يخفى على كل فطن، إذ معناه رسولكم الذي أُرسل إليكم.

نفس هذا المعنى تجده في قوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)(2) .

ويتكرّر هذا المعنى في قوله تعالى: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون)(3) .

____________

1) سورة سبأ: 46.

2) سورة النجم: 2.

3) سورة التكوير: 22.


الصفحة 22
كذلك يطلق لفظ الصاحب أو الصحابي في القرآن على النسبة إلى مكان، كقوله تعالى: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ)(1) ، فبالرغم من أنّ رفيقي يوسف (عليه السلام)كانا كافرين بدليل قوله تعالى: (أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ)(2) .

لكن لانّه جمعهما مكان واحد مع يوسف، صارا صاحبين له نسبة إلى المكان الذي اجتمعوا فيه.

هذا المعنى موجود أيضاً في قوله تعالى: (وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(3) ، وأصحاب النار كما هو معلوم بالبداهة أهلها وساكنوها.

ونفس المعنى أيضاً موجود في الايات التالية:

(أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً)(4) .

(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا

____________

1) سورة يوسف: 39.

2) سورة يوسف: 39.

3) سورة البقرة: 275.

4) سورة الفرقان: 24.


الصفحة 23
عَجَباً)(1) .

(وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ)(2) .

(وَنَادَى أَصْحَابُ الاَعْرَافِ)(3) .

(وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الاَيْكَةِ لَظَالِمِينَ)(4) .

(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ)(5) .

(وَأَصْحَابَ مَدْيَنَ)(6) .

(أَصْحَابَ القَرْيَةِ)(7) .

(أَصْحَابِ القُبُورِ)(8) .

____________

1) سورة الكهف: 9.

2) سورة التوبة: 70.

3) سورة الاعراف: 48.

4) سورة الحجر: 78.

5) سورة الحجر: 80.

6) سورة الحج: 44.

7) سورة يس: 13.

8) سورة الممتحنة: 13.


الصفحة 24
(أَصْحَابُ الاُخْدُودِ)(1) .

هذا وقد تُطلق كلمة الصاحب أو الصحابي أو الاصحاب نسبة إلى زمان كقوله تعالى: (... كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ)(2) .

وقد يطلق لفظ الصحبة نسبة إلى حيوان كقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ)(3) و: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ)(4) .

كذلك يطلق لفظ الصحبة نسبة إلى آلة كقوله تعالى: (وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ)(5) .

كما يطلق لفظ الصحبة أو الصاحبة على الزوجة كما في قوله تعالى:

____________

1) سورة البروج: 4.

2) سورة النساء: 47.

3) سورة الفيل: 1.

4) سورة القلم: 48.

5) سورة العنكبوت: 15.


الصفحة 25
(أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ)(1) ، و: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً)(2) ، و: (يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمَئِذ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيِهِ)(3) .

وقد يطلق معنى الصحبة على رجل يحاور آخر بغض النظر عن كفر أو إيمان الصاحب كقوله تعالى: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً)(4) .

كذلك يُطلق لفظ الصحبة نسبة إلى الحق أو الباطل كقوله تعالى:

(فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنْ اهْتَدَى)(5) .

____________

1) سورة الانعام: 101.

2) سورة الجن: 3.

3) سورة المعارج: 12.

4) سورة الكهف: 37.

5) سورة طه: 135.


الصفحة 26
(فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ)(1) .

(وَأَصْحَابُ المَشْئَمَةِ)(2) .

(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ)(3) .

ويطلق لفظ الصحبة كذلك نسبة إلى شخص كقوله تعالى:

(قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى)(4) .

(فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطى فَعَقَرَ)(5) .

وهكذا ترى أن لفظ الصحبة ومشتقاتها ليس له أىّ فضل في ذاته ولا أىّ مزيّة، بل نستطيع أن نقول إنّه لفظ محايد.

بعد هذا الاستعراض لهذه الايات القرآنية نأتي إلى تعريف الصحابي لغة:

يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي في مادة «صحب»: «الصحاب يُجمع بالصَّحب والصحبان والصحبة والصحاب. والاصحاب: جماعة الصحب والصحابة مصدر قولك: صاحبك الله وأحسن صِحابتك. ويقال عند الوداع: مصاحباً معافى... إلى أن يقول: «وكلّ شيء لاءم شيئاً فقد استصحبه»(1) .

هذا وقد أعرضنا عن بقية كتب اللغة خشية التطويل.

____________

1) سورة الواقعة: 8.

2) سورة الواقعة: 9.

3) سورة الواقعة: 41.

4) سورة الشعراء: 61.

5) سورة القمر: 29.


الصفحة 27

الصحابي اصطلاحاً

يقول ابن حجر العسقلاني في كتابه الاصابة في تمييز الصحابة: «الصحابي من لقي النبىّ (صلى الله عليه وسلم) مؤمناً به ومات على الاسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعُمي، ويخرج بقيد الايمان من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أُخرى...»(2) .

وقال الامام البخاري في تعريف الصحابي مايلي: «ومن صحب النبي (صلى الله عليه وسلم) أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه»(3) .

____________

1) كتاب العين للخليل: 2 / 970 حرف الصاد.

2) كتاب الاصابة 1: 4.

3) صحيح البخاري 5: 2.


الصفحة 28
وعلى هذين التعريفين يكون كلّ شعب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صحابة من الطفل الصغير إلى الشيخ الكبير إلى المرأة.

وياليت الامر وقف عند هذا الحدّ، بل إنّ علماء السنّة أجمعوا على أن كل الصحابة عدول ثقات!!


الصفحة 29

الصفحة 30

عدالة الصحابة

يقول ابن الاثير في مقدمة كتابه أُسد الغابة في معرفة الصحابة ما يأتي: «والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ الجرح والتعديل، فإنهم كلّهم عدول لا يتطرق الجرح إليهم، لانّ الله عزّوجلّ ورسوله زكّياهم وعدّلاهم، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره»(1) .

أما ابن حجر العسقلاني فيقول عن عدالة الصحابة: «اتفق أهل السنّة أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(2) وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ اُمَّةً وَسَطاً)(3) ، وقوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ

____________

1) مقدمة ابن الاثير في كتابه أُسد الغابة 1: 10.

2) سورة آل عمران: 110.

3) سورة البقرة: 143.


الصفحة 31
المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)(1) ، وقوله: (وَالسَّابِقُونَ الاوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرينَ وَالاَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)(2) ، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ)(3) ، وقوله: (لِلْفُقَراءِ المُهَاجِرينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) إلى قوله: (إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)(4) ، في آيات كثيرة يطول ذكرها وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها...، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله لهم إلى تعديل أحد من الخلق...، إلى أن يقول إلى أن روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق، وإنما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة وهؤلاء (وهم) يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتاب

____________

1) سورة الفتح: 18.

2) سورة التوبة: 100.

3) سورة الانفال: 64.

4) سورة الحشر: 8.


الصفحة 32
والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة انتهى...»(1) .

فعلى رأي علماء أهل السنّة كل شعب رسول الله الذي آمن به صحابة، وهم أيضاً عدول كلّهم لا يتطرق الشك إليهم أبداً حتّى إلى واحد منهم.

وقالوا: من يطعن في صحابي واحد فهو زنديق، وقالوا: إنّ الله طهرهم وزكّاهم جميعاً.

وحتّى يتبيّن لك الامر تعال إلى كلام الله المجيد وانظر رأي القرآن في الصحابة أو فقل رأيه في كثير منهم.

____________

1) الاصابة في تمييز الصحابة 1: 6 ـ 7.


الصفحة 33

الصحابة في القرآن

يقول تعالى في سورة الفتح: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً»(1) .

فمن ينظر إلى أول الاية يرى أن الممدوحين مع رسول الله هم عموم الصحابة، لكن انظر إلى قوله تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ...) .

فلم يَعِدْ الله جميع الصحابة بالمغفرة والاجر، بل فقط مَنْ آمن وعمل صالحاً، ولو كان الوعد للجميع لقال: (وعدهم الله...) فتأمل.

ويقول تعالى في نفس هذه السورة: (إِنَّ الَّذينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ

____________

1) سورة الفتح: 29.


الصفحة 34
أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)(1) .

وأنت ترى في هذه الاية أنّ الله تعالى يحذّر الناكثين بأنهم إنّما ينكثون على أنفسهم وليسوا بضارّي الله تعالى شيئاً.

ولدى قراءة سورة الحجرات تصادف هذه الاية: (إِنَّ الَّذينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَآءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَروُا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(2) .

فانظر لوصف الله تعالى هذه الفئة من المسلمين حيث وصفهم بأبشع وصف وهو أنهم لا يعقلون، وقد وصفهم الله في صدر السورة بأنهم يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي مع أنهم مؤمنين به (صلى الله عليه وآله وسلم).

ويقول في سورة الحجرات أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(3) .

ومن المعلوم والمشهور أن هذه الاية نزلت في الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان بن عفان لامه، عندما بعثه إلى بني المصطلق فرجع وكذب على

____________

1) سورة الفتح: 10.

2) سورة الحجرات: 4 ـ 5.

3) سورة الحجرات: 6.


الصفحة 35
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(1) ، فالله يصف الوليد بالفاسق، وأئمة السنّة يقولون إنّه عدل؟!

ويقول تعالى في سورة التوبة: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَة وَيَوْمَ حُنَيْن إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرينَ)(2) .

في هذه الاية يذكر الله ويشنّع على المسلمين فرارهم يوم حنين حيث تركوا النبي مع ثلة قليلة عدد أصابع اليد وفرّوا، وقد اغترَّ المسلمون في حنين بكثرتهم حتّى قال أبو بكر: «لن نُغلَب اليوم من قلّة»(3) .

وقال الله أيضاً مخاطباً الصحابة: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيْلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الاَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الاخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الاخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِل قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(4) .

____________

1) أنظر تفسير الفخر الرازي (التفسير الكبير) في سورة الحجرات: 6، تفسير الطبري 26: 78، تفسير الدرّ المنثور 7: 555.

2) سورة التوبة: 25.

3) أنظر تفسير الفخر الرازي (التفسير الكبير) في سورة التوبة: 25.

4) سورة التوبة: 38 ـ 39. يقول الفخر الرازي في تفسير سورة التوبة: وهذا يدل أنّ كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف، وذلك التثاقل معصية. ويقول الرازي بعد ذلك، إنّ خطاب الكل وارادة البعض مجاز مشهور في القرآن.


الصفحة 36
فالله هنا يقرّع الصحابة بسبب تثاقلهم عن الغزو وكما لايخفى فإن الله تعالى توعّد الصحابة في هذه الاية بالعذاب الاليم وباستبدالهم بقوم آخرين ـ الفرس على رأي ـ إذا لم ينفروا في سبيله، فأين مدح الله للصحابة هنا؟!

وفي نفس سورة التّوبة هذه تقرأ قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يُلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)(1) .

المشهور أن هذه الاية نزلت في أحد الصحابة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ثعلبة بن حاطب الانصاري، الذي شكا لرسول الله الفقر وطلب أن يدعو له الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالغنى والثروة، ولمّا أعطاه الله سؤله رفض دفع الزكاة وقال: إنّها الجزية أو أخت الجزية، فأنزل الله فيه هذه الاية.

إنّ ثعلبة صحابي أنصاري عاش مسلماً مؤمناً بالله ورسوله لكنه يوصف بالنفاق كما قال تعالى; فأين عدالة الصحابة جميعاً ؟! وأين ما يدّعيه علماء

____________

1) سورة التوبة: 75 ـ 77.


الصفحة 37
أهل السنة وأئمتهم ؟! ثم يأتي من يقول: إذا انتقصت أحداً من الصحابة فأنت زنديق !! فها هو الله ينتقص بعضهم بل كثير منهم، افتونا بعلم إن كنتم صادقين.

ويقول تعالى في سورة الاحزاب: (وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً)(1) .

قد يقول كثير من علماء أهل السنة: إنّ هذه الاية خاصة بالمنافقين ولا دخل لها بالصحابة (وسنُبيّن أن المنافقين هم صحابة كذلك فيما بعد) ولكن من ينظر مليّاً إلى الاية فسيجدها تقصد فئتين، المنافقين ثم فئة أُخرى غير المنافقين وهم الذين في قلوبهم مرض.

يقول الله تعالى عزّوجلّ في سورة الاحزاب أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءامَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْي مِنَ الحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاء حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً)(2) .

وقد قال الامام الفخر الرازي في تفسيره: «القائل هو طلحة بن عبيدالله

____________

1) سورة الاحزاب: 12.

2) سورة الاحزاب: 53.


الصفحة 38
الذي قال: لئن عشتُ بعد محمّد لانكحنّ عائشة»(1) .

ويقول تعالى في آية أُخرى من سورة الاحزاب: (يَا نِسَاءَ النَّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً)(2) .

نعم هذا هو منطق القرآن لا قرابة بين الله وبين أحد من خلقه ولا مجاملة من الله ولا من رسوله لاحد، لا لصحابي ولا لزوجة النبيّ، إنّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم بما في ذلك الانبياء والمرسلين، بل إنّ صحبة الرسول مسؤولية خطيرة وكذلك الزوجيّة له (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن لم يراعها حقّ رعايتها كان عذابه مضاعفاً لمارأى من الحق ومن هدي الرسول الكريم، فهل بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من هاد وهل بعده من عظيم؟! ولولا رسول الله لاخذ عذاب الله كثيراً من الصحابة كما أخذ السامريّ ومن كان قبل الصحابة من أتباع وأصحاب الانبياء، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ

____________

1) تفسير الفخر الرازي لهذه الاية 25: 180، تفسير الدرّ المنثور 6: 643، وأنظر تفسير الالوسي حيث يورد رواية عن ابن عباس لكنّه كعادة القوم لم يذكر طلحة بالاسم فيها وإنّما بلفظ «رجل»، ثمّ أورد إسمه في رواية ثانية حاول تضعيفها بدون أيّ دليل ! أنظر روح المعاني للالوسي البغدادي 11: 249 ـ 250.

2) سورة الاحزاب: 30.


الصفحة 39
وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(1) .

ويقول الله تعالى في سورة الاحزاب: (إِنَّ الَّذينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالاخِرَةَ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُّهِيناً)(2) .

إنّ الله لا يتأذّى ولكن أذى الله من أذى الرسول، وعليه فكلّ من آذى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)صحابيّاً أو غيره فقد آذى الله، وهذا نظير قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)(3) ، وما أكثر من آذى الرسول من الصحابة والصحابيّات، ومن أراد اليقين فليبحث فسيرى عجباً.

ويقول الله تعالى في سورة آل عمران: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الُمؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 121 ƒ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيَّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنونَ)(4) .

ويقول الفخر الرازي في تفسيره: «أنها نزلت في حيّين من الانصار همّا

____________

1) سورة الانفال: 33.

2) سورة الاحزاب: 57.

3) سورة النساء: 80.

4) سورة آل عمران: 121 ـ 122.


الصفحة 40
بترك القتال في أُحد والعودة إلى المدينة أُسوة برأس النفاق عبدالله بن أُبي بن أبي سلول»(1) .

ويقول تعالى في سورة آل عمران حول معركة أُحد: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الاَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُريدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُريدُ الاخِرَةَ...)(2) .

ويقول كذلك: (إذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(3) .

ويقول أيضاً: (إِنَّ الَّذينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمَ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(4) .

____________

1) التفسير الكبير للفخر الرازي ـ تفسير سورة آل عمران: 121 ـ 122، تفسير الطبري 4: 48، الدرّ المنثور 2: 305.

2) سورة آل عمران: 152.

3) سورة آل عمران: 153.

4) سورة آل عمران: 155.


الصفحة 41
مرحى لهؤلاء الصحابة الذين يفرّون من ساحة المعركة ويتركون الرسول خلفهم والرسول يناديهم في ذلك الموقف الشديد.

وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره: «أنّ عمر بن الخطاب كان من المنهزمين، إلاّ أنّه لم يكن في أوائل المنهزمين!! ومن الذين فرّوا يوم أُحد عثمان بن عفان ورجلين من الانصار يقال لهما سعد وعقبة، انهزموا حتّى بلغوا موضعاً بعيداً ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد ذهبتم بها عريضة»(1) !

ثم لنأت إلى سورة الجمعة ولنقرأ هذه الاية: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(2) .

وقد نزلت هذه الاية في الصحابة الذين كانوا يصلون الجمعة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى إذا دخل دحية الكلبي ـ وكان مشركاً ـ المدينة بتجارة من الشام فترك الصحابة المسجد وخرجوا إليه ولم يبق معه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ اثنا عشر رجلاً على رواية، حتّى قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فيهم: «لو اتّبع آخرهم أوّلهم لالتهب

____________

1) تفسير الفخر الرازي في تفسير الاية 155 من سورة آل عمران، تفسير الطبري 4: 96، تفسير الدرّ المنثور 2: 355 ـ 356.

2) سورة الجمعة: 11.


الصفحة 42
الوادي عليهم ناراً»(1) .

ونأتي إلى سورة التحريم حيث ترى عجباً، إذ فضحت هذه السورة زوجتين من زوجات الرسول وهما عائشة وحفصة، حيث جاء في سبب نزولها أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأتي زينب بنت جحش ويأكل عندها عسلاً، فاتفقت عائشة مع حفصة على أن تقولا للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّ فيك رائحة مغافير (الثوم)، وهكذا كان إلى أن قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد حرّمتُ العسل على نفسي»، فنزلت سورة التحريم ومنها قوله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)(2) .

وصالح المؤمنين كما رواه البعض هو علي بن أبي طالب (عليه السلام)(3) .

ومعنى صغت كما قال الفخر الرازي في تفسيره: مالت عن

____________

1) انظر تفسير الفخر الرازي سورة الجمعة، تفسير الدر المنثور 8: 165، تفسير الطبري 28: 67 ـ 68.

2) سورة التحريم: 4.

وأنظر قصة المغافير هذه في صحيح البخاري 6: 194.

3) أنظر تفسير روح المعاني للالوسي البغدادي 14: 348. في تفسيره لسورة التحريم.


الصفحة 43
الحقّ.

وتواصل السورة: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَات مُؤْمِنَات قَانِتَات تَائِبَات عَابِدَات سَائِحَات ثَيِّبَات وَأَبْكَاراً)(1) .

فالله يقول لعائشة وحفصة لا تظنّا أنكما أفضل النّساء لانكما زوجتا الرسول، بل يستطيع الله أن يبدله نساءاً خيراً منكنّ.

ثم يقارن الله تعالى عائشة وحفصة بامرأة نوح وامرأة لوط ليحذّرهنّ أنّ كونهما زوجتين لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدرأ عنهما عذاب النار ولا يجعلهنّ بالضرورة من أهل الجنة، يقول تعالى: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)(2) .

ثم يأتي علماء أهل السنة بعد كلّ هذه الادلة ليقولوا: إنّ عائشة أحبّ النّاس لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والويل لمن يقول غير ذلك!(3) .

ثم تعال معي إلى سورة النور، حيث يقول العزيز الحكيم: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بالاِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ

____________

1) سورة التحريم: 5.

2) سورة التحريم: 10.

3) أنظر مثلاً صحيح الترمذي 5: 707 حديث رقم 3890.


الصفحة 44
امْرِئ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الاِثْمِ وَالَّذي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(1) .

فتأمّل قوله تعالى: (عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) ، ألا يعني ذلك أنهم داخلون في دائرة الصحابة، وقد ورد في التفاسير أنّ الذين جاؤوا بالافك (اتهام عائشة) هم زيادة على رأس النفاق عبدالله بن أبي سلول، حسان بن ثابت شاعر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والاسلام، وزيد بن رفاعة ومسطح بن أُثاثة وحمنة بنت جحش(2) .

وقد يدّعي الكثير من البسطاء أنّ هذه فضيلة لعائشة حيث برّأها الله وأنزل فيها قرآناً من فوق سماواته، لكن من يتأمّل الحالة جيّداً يجد أنّ الاية نزلت لتبرأة ساحة النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتنزيهه، ولو كانت عائشة زوجة لغير رسول الله ما كان ينزل فيها حرف واحد، لانّ الله تعالى بيّن أحكامه وأحكام السرقة والخمر وغيرها في كتابه، لكن نظراً لحساسية موقع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنزلته العظمية برأ الله ساحته ونزّهها.

ويقول الله تعالى في سورة الانفال: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الارْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الاخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذابٌ

____________

1) سورة النور: 11.

2) راجع تفسير الفخر الرازي في تفسير سورة النور، تفسير الدرّ المنثور 6: 148، تفسير الطبري 18: 68.


الصفحة 45
عَظيمٌ)(1) .

في هذه الايات خطاب شديد للصحابة الذين حاربوا في بدر لانهم أخذوا أسرى، وليس هذا من شأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ليس من شأن الانبياء السابقين، لكن الله سمح لهم بعد ذلك بأخذ الفداء، والعجيب أنّ كثيراً من المفسّرين أدخلوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا التهديد مع أنّ ظاهر الاية واضح في مخاطبة الصحابة، ثم أنّ رسول الله ما كان ليقوم بفعل أو قول دون إذن الله فلماذا يدخل في دائرة التهديد؟! نعم هذا ما فعلته أيدي بني أُمية الحاقدة على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته فينطبق عليهم قول الله تعالى: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ)(2) .

وتقرأ في سورة الانعام هذه الاية: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ...)(3) .

____________

1) سورة الانفال: 67 ـ 68.

2) سورة المائدة: 41.

3) سورة الانعام: 93.

أُنظر تفسير الفخر الرازي في تفسيره للسورة 13: 93، تفسير الطبري 7: 181، تفسير الدرّ المنثور 3: 317.


الصفحة 46
وفي قول نزلت هذه الاية في عبدالله بن سعد بن أبي سرح أخو عثمان بن عفان والذي أهدر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دمه لانّه قال إنني أستطيع أن أقول مثل ما أنزل الله، والعجيب أنّ هذا الافّاك الاثيم يصبح في زمن عثمان أحد وزراء الدولة وقادة الجيش؟!

هذا غيض من فيض، ولولا أنّ المجال لا يتّسع لاكثر من هذا لاتينا على كلّ الايات النازلة في شأن الصحابة والتي كانت تفضح بعضاً منهم أو تُقرّع البعض الاخر أو تهدّدهم وتتوعّدهم.

وهكذا ترى أنّ القرآن يضع الصحابة في محلّهم الطبيعي.

والعجب أنّ علماء أهل السنّة كما أشرنا إلى ذلك سابقاً يزعمون أنّ الله والقرآن عدّلا الصحابة جميعاً، وعليه إنّ أىّ قدح في أىّ واحد منهم هو خروج عن الاسلام وزندقة، فها هو القرآن يكذّب آراءهم النابعة من الهوى ويقول غير ما قالوا، ولا كلام بعد كلام الله وإن كره الكارهون.

ثمّ دعنا من الصحابة ولنأت إلى أشرف ولد آدم وأفضل رسل الله ورأس أُولي العزم (عليهم السلام) حيث إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكتسب تلك المنزلة العظيمة بالاماني بل بأعماله، وها هو القرآن يشير إلى هذه الحقيقة قائلاً: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ)(1) .

وحاشا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشرك، لكن هذا هو مقياس الله، لا مجاملة

____________

1) سورة الزمر: 65.


الصفحة 47
ولا محاباة مع أىّ أحد في أحكامه وشرائعه.

ثم انظر إلى قوله تعالى في سورة الحاقة: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَقَاوِيلَ لاََخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ)(1) .

فليس معنى كون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّاً يحجزه عن العقاب إذا خرج عن حدود الله، فما بالك بعد هذا بالصحابة؟!

إنّ الصحابة هم أوّل المكلّفين في الاسلام وأوّل المسؤولين.

فهم إذن تحت الشرع وليسوا فوقه، وليس عندهم جواز عبور إلى الجنّة، هيهات ليس الامر بالاماني.

إنّ الصحابة في موضع خطير حيث أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بين أظهرهم ولا حجّة لمن تعدّى حدود الله منهم غداً يوم القيامة، فقد شاهدوا نور النبوّة وآيات الله نزلت بينهم وقد تمت عليهم الحجّة والويل لمن لم يُنجِه كلّ ذلك.

____________

1) سورة الحاقة: 44 ـ 46.


الصفحة 48

رأي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصحابة

بعد استعراضنا لكثير من الايات الموضحة والمبيّنة لرأي القرآن في الصحابة، نأتي الان لنرى رأي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في أصحابه.

نفتح صحيح البخاري ونقرأ: عن عقبة (رضي الله عنه) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج يوماً فصلّى على أهل أُحد صلاته على الميّت ثم انصرف على المنبر فقال: «إنّي فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإنّي والله لانظر إلى حوضي الان، وإنّي أُعطيتُ مفاتيح خزائن الارض أو مفاتيح الارض، وإنّي والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها»(1) .

وجاء هذا الحديث بألفاظ أُخرى منها هذا الحديث التالي: عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم)قال: «بينا أنا قائم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلمّ، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمّ، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص

____________

1) صحيح البخاري 8: 151، صحيح مسلم باب الفضائل.


الصفحة 49
منهم إلاّ مثل هَمَلِ النَّعم»(1) .

فإذا نظرت إلى الحديث الاوّل ترى أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «وأنا شهيد عليكم» أي على أفعال أصحابه، وهذا يذكرنا بقول عيسى بن مريم (عليه السلام)حيث قال: (... وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ)(2) .

فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس مسؤولاً عن أفعال أصحابه بعد حياته.

ثم انظر إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها».

نعم هكذا كان، حيث صار الصحابة بعد فتح البلدان من أغنى الناس كطلحة والزبير وغيرهما، ولهذا حاربوا علىّ بن أبي طالب (عليه السلام) لانّه كان أشد الناس في الحق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وتأمّل هذه المفردة في الحديث (حتّى إذا عرفتهم) وهذا يعني أنهم عاشوا مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وليسوا أفراداً من أُمّته متأخرين أو المنافقين كما يدّعى البعض.

ثم تأمّل هذه المفردة (إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم

____________

1) صحيح البخاري 8: 151.

ويُراجع صحيح مسلم 4/1793 كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبيّنا، مسند أحمد 1: 406.

2) سورة المائدة: 117.

الصفحة 50
القهقرى).

نعم هكذا كان، وانظروا كتب التواريخ وما فعله كثير من الصحابة من كنز الاموال وقتل النفوس وتعطيل حدود الله وتغيير سنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لترى عجباً!!


الصفحة 51

مخالفات الصحابة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الباحث المتجرّد سيكتشف أنّ الصحابة هم أوّل من خالف الله ورسوله ولم يكونوا جميعاً مطيعين متهالكين في طاعته (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يدّعي البعض، وإليك غيض من فيض من هذه المخالفات:

عن البراء بن عازب (رضي الله عنه) قال: «جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الرجّالة يوم أُحد ـ وكانوا خمسين رجلاً ـ عبدالله بن جبير فقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتّى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هَزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتّى أرسل إليكم، فهزموهم (هزيمة المشركين)، قال فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهنّ وأسوُقُهنّ رافعات ثيابهنّ، فقال أصحاب عبدالله بن جبير: الغنيمة أىْ قوم الغنيمة، ظَهرَ أصحابكم فماتنتظرون، فقال عبدالله بن جبير: أنسيتم ماقال لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قالوا: والله لنأتيّن الناس فلنصيبنّ من الغنيمة، فلمّا أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخراهم، فلم يبق مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غير اثني عشر رجلاً فأصابوا منّا سبعين»(1) .

أُنظر إلى هؤلاء الصحابة يخالفون أوامر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) علانية حتّى

____________

1) صحيح البخاري 4: 79.


الصفحة 52
تسببوا في هزيمة المسلمين وشهادة خيار الصحابة كمصعب بن عمير وحمزة وغيرهما، ولو لم ينزلوا من الجبل لكانت معركة أُحد الضربة القاضية للمشركين، ولما تجّرأوا بعدها على خوض حروب أُخرى ضد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كغزوة الخندق وغيرها.

ويا ليته كان فرارهم الاوّل بعد هزيمتهم، لكن أعادوا نفس الفعلة في غزوة حنين.

وإليك حادثة أُخرى وقعت قبل أربعة أيام من وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي المعروفة برزيّة يوم الخميس:

عن ابن عباس قال: «يومُ الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتّى خضب دمعه الحَصْبَاء، فقال: اشتدّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبدا، فتنازعوا ـ ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ـ فقالوا: هَجَر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة»(1) .

مرحى لهؤلاء الصحابة يأمرهم الرسول فيقولون إنّ النبيّ يهجر (يخرّف)!! ولا يطيعونه حتّى يُعرض عنهم.

____________

1) صحيح البخاري 4: 85، وصحيح مسلم 3: 1257 كتاب الوصية، ومسند أحمد 1: 222.


الصفحة 53
ويا حسرة على ذلك الكتاب الذي لم يُكتَب والذي قال عنه الرسول (لَنْ تضلّوا بعده) ولو فعل الصحابه ما أُمروا به لما اختلف مسلمان إلى يوم القيامة، فانظر إلى ما جناه علينا الصحابة من الضلال وما حرمونا منه.

حديث آخر فخذه:

«عن علىّ (رضي الله عنه) قال: بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سريّة وأمّر عليهم رجلاً من الانصار وأمرهم أن يُطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: عزمتُ عليكم لما جمعتم حطباً وأوقدتم ناراً ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطباً فأوقدوا، فلمّا همّوا بالدخول نظر بعضهم إلى بعض قال بعضهم: إنمّا تبعنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فراراً من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً إنّما الطاعة في المعروف»(1) .

انظر إلى هذا الامير المتلاعب كيف يأمر الصحابة بالهلاك وسوء العاقبة في الدنيا والاخرة، وانظر استنكار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك الفعل وما قاله.

والاعجب من هذا كلّه أنك تجد في كتب وصحاح أهل السنّة أحاديث في الطاعة ما أنزل الله بها من سلطان، بل مخالفة لصريح القرآن والفطرة الانسانيّة مثل هذا الحديث الاتي:

____________

1) صحيح البخاري 9: 113، ما جاء في السمع والطاعة.


الصفحة 54
عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اسمعوا وأطيعوا وإن أستُعمِل عليكم عبد حبشي كأنّ رأسه زبيبة»(1) .

نقول: أوّلاً: حاشى لرسول الله أن تصدر منه هكذا أوصاف في حقّ عباد الله، وهو الذي وصفه الله تعالى بالخُلق العظيم ولا يعيّر الرسول أحداً من الخلق ولا يقول رأس فلان ككذا ولا غيرها.

وثانياً: أليس الله تعالى يقول: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ...)(2) .

فالله ينهي عن طاعة الظالمين فكيف يأمر بها نبيّه؟!

نعم، إن معاوية وملوك بني أُمية وبني العباس وضعوا هذه الاحاديث حتّى لا يخرج عليهم أحد ولا ينهاهم مسلم، وهل يريد الحكّام الظالمون أكثر من ذلك؟!

وتعالَ إلى حديث آخر شبيه بالسابق:

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر، فإنّه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلاّ مات ميتة جاهليّة»(3) .

إنّ هذا الحديث كذب صريح، وإلاّ لو كان صحيحاً فلماذا خالفه الصحابة

____________

1) صحيح البخاري 9: 113.

2) سورة هود: 113.

3) تجد الحديث قريب منه في لفظه في مسند أحمد 4: 96.