مقدمة المؤلف
الحمد لله رب العالمين، وأزكى الصلاة وأتمّ التسليم على خاتم الأنبياء والمرسلين، شفيع الذنوب وطبيب القلوب، أبي القاسم المصطفى محمدّ، وعلى آل بيته الطاهرين وصحبه الأخيار الميامين وبعد.
إنّ الوحدة العقائدية بين البشر عموماً، والإسلام والمسيحية خصوصاً، حلم يسعى لتحقيقه كل ذي فكر وقلم، ولكن ما هي الأسس التي تجعل من هذا الهدف واقعاً ملموساً؟
إنّ الحوار هو السبيل الوحيد للوصول إلى مثل هذا المبتغى السامي، ولابد من استخدام المسلمات المتوفرة لدى الطرفين.
ومن البديهي أن يكون الكتاب المقدس مسلماً عند النصارى كما
ومن الضروري أيضا ان يخرج المتحاورون من مستنقع التعصب والعصبية إلى شاطئ الأمان المتمثل بالتجرّد المطلق واتّساع الأفق والنظر إلى الأولويات والأهداف النبيلة التي نسعى إليها من خلال هذا الحوار.
وقد ألزمنا أنفسنا بهذه القواعد في كتابنا هذا، آملين من الطرف المقابل بأن يتمتع بالروح الحوارية عينها كي تثمر الجهود وتنضج فيحين موعد القطاف المنتظر.
وعليه فإننا نتوجّه بالطلب إلى إخواننا من النصارى بالرضوخ إلى حكم العقل الذي أقرّته الحجّة المدونة في هذا الكتاب، فقد استنبطنا الإسلام ورسوله من الكتاب المقدس الحالي مما يلزم النصارى باتباع الإسلام كعقيدة سواء بعنوان التحوّل إليه أم بعنوان الالتزام بنصوص الكتاب المقدس الحقيقي في حال توفره.
وقد دعا القرآن الكريم إلى الحوار مع النصارى في عدّة
ومن المؤسف أن لا نرى اليوم على الساحة أي بوادر للحوار وفي المقابل نواجه عائق الهجوميّة والتفريق، ومن هنا فعلى المسلمين والمسيحيين أن يتحاوروا عن (علم وهدى وكتاب منير) فالحوار فيما بينهم يجب أن يكون دون خيانة للحقيقة، وأن يجمع ولا يفرّق، وأن ييسّر ولا يعسّر فقد (كان الناس أمّة واحدة فبعث الله النبين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) (البقرة: 213). هدانا الله جميعاً إلى ما فيه خيرنا وصلاحنا.
والحمد لله رب العالمين.
الفصل الأول
البحث عن الله تعالى ومقاصده
لطالما كان البحث عن حقيقة وجود الله عزّوجلّ، الهدف الأسمى لدى الإنسان منذ إطلالته الأولى على الحياة الدنيا، ويتناسب ذلك مع واقع خلقه على فطرة الله تعالى حيث نقرأ في سورة الروم 30 (فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله).
فالتساؤل عن الله والبحث عن مقاصده أمر تكويني، ينبع من الأعماق دون قصد أو إرادة، ولكن ما هي العوامل التي تبعد المخلوق عن خالقه وتكبت هذه الفطرة؟
إن ما يكبت الفطرة ويسيطر عليها هو المجتمع الذي ننشأ
ولكن هل يمكن اعتبار هذا المقياس في مسألة المعرفة وما هي المقاييس المشتركة بين المسيحية والإسلام للوصول إلى معرفة الله؟
المقياس الأول:
يستعين الإسلام لمعرفة الله وكل الأحكام الدينية الموافقة لإرادته بثلاث أدوات لكلّ منها مجال يختص به ويستعين الكتاب المقدس بذات الأدوات كطرق لمعرفة الله تعالى.
1- الحسّ: ومن أبرز الحواس المستعملة في هذا المجال السمع والبصر، وقد رود عن ذلك في القرآن الكريم (والله أخرجكم من بطون أمهتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع
والشكر يعني التطبيق الصحيح لما توصّل إليه العبد عن طريق السمع والبصر، الطريقة الأولى للتمييز بين الحق والباطل.
السمع والبصر وسيلتان للمعرفة في الكتاب المقدس.
ورد في سفر الأمثال 20: 12 (معيار فمعيار مكيال فمكيال.. الولد أيضاّ يعرف بأفعاله هل عمله نقي ومستقيم الأذن السامعة والعين الباصرة الرب صنعهما كلتيهما... يوجد ذهب وكثرة لآلئ أما شفاه المعرفة فمتاع ثمين).
ويقول صاحب المزمور في كتابه 95: 9: (اختبروني أبصروا أيضاَ فعلي).
وعليه تكون الطريقة التي يتبعها الإسلام في تحديد الصواب والخطأ هي عينها التي يقرّها الكتاب المقدس في نصوصه.
ومن البديهي أن نعلم أن الذي يرى الحق ويبتعد عنه سوف يصاب بعمى البصيرة وهذه هي إرادة الشيطان التبي بيّنها بولس في 2كو: 4: 4 حيث نقرأ (الذين فيهم إله هذا الدهر (الشيطان) قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلاّ تضيء لهم إنارة
2- العقل: وهو يكتشف الحقيقة في مجالات محدودة منطلقاً من البديهيات النظرية والعملية كما أنّ القرآن يعتبره مصدراً من مصادر المعرفة كما تشير إليه الآية التي أشرنا إليها في الصفحة السابقة وقد عرّف بالأفئدة، وقد عرّف العقل كحجة في الكتاب المقدس وكوسيلة لمعرفة الله في عدّة أمكن منها.
تثنية 32: 28 و 29 (إنّهم أمة عديمة الراي ولا بصيرة فيهم لو عقلوا لفطنوا بهذه وتأملوا آخرتهم) إذن فالعقل الفطري وسيلة للمعرفة والعملي وسيلة للخلاص في الآخرة.
وقد أمر العهد الجديد باستعمال العقل كوسيلة للتأكد من الأمور حيث قال: (فليتيقن كل واحد في عقله) رومية 14 /: 5.
وهكذا تتم كلمات بولس الواردة في رسالته الى تيطس 2: 12 حيث نقرأ (لأنّه قد ظهرت نعمة الله المخلّصة لجميع الناس معلمة إيّانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية ونعيش بالتعقل والبرّ والتقوي في العالم الحاضر).
(إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأنّ الله أظهرها لهم لأنّ أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنّهم بلا عذر لأنّهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي وبينما هم يزعمون أنّهم حكماء صاروا جهلاء وابدلوا مجد الله الذي لا يفني بشبه صورة الإنسان (المسيح) الذي يفني).
3- الوحي: (الذي هو وسيلة لارتباط ثلّة ممتازة ومميزة من البشر بعالم الغيب) (كتاب العقيدة الإسلامية ص15).
وقد قال سبحانه عن الوحي في محكم تنزيله: (وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم) (الشورى: 51).
ولذلك كان من الواجب على كلّ مكلّف أن يستعمل الوسائل
وقد استعمل الوحي كوسيلة ارتباط بين الأنبياء والله تعالى في الكتاب المقدس حيث نقرأ في رسالة بطرس الثانية: 1: 21:
(لأنه لم تات نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلّم بها أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس) والأسلوب الذي يربط هذه الثلة الطاهرة بالروح القدس هو الوحي حيث نقرأ في تيموثاوس الثانية: 3: 16 (كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتاديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكلّ عمل صالح).
الخلاصة:
إنّ كيفية الوصول الى المعرفة أمر لابدّ من الحصول عليه وله وسائله الخاصة وطرقه الثابتة وقد بيّنا في هذا الفصل كيف يمكن أن نصل إلى معرفة الله تعالى ومقاصده من خلال الكتابين الإلهيين القرآن والكتاب المقدس مثبتين بذلك الوحدة فيما بينهما على الأقل في هذا المضمار، وإن وجد ما يخالف هذه النظرية المثبتة فهو قطعاً مدسوس وليس من وحي
والحمد لله رب العالمين.
الفصل الثاني
الرسول الأكرم (ص) في التوراة والإنجيل
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وأزكى الصلاة وأتمّ التسليم، على سيد الأنبياء والمرسلين شفيع الذنوب وطبيب القلوب، أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آل بينته الطيّبين الطاهرين، وصحبه الأخيار الميامين أما بعد.
لقد رفضت الكنيسة المسيحية منذ فجر الإسلام، فكرة بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بالنبوّة والرسالة الإلهية المباركة، ولطالما كانت الأسباب غامضة، إذ لم يحاول رجال الدين المسيحيون أن يبحثوا بتعمّق في هذا الجانب، أو حتّى أن يفسحوا المجال للحوار البنّاء في هذا المضمار.
وهذا دليل قاطع على وحي والهية الرسالة الإسلامية وكمالها، وتأكيد جازم على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وعلى صدق ما أتى به من إرشادات ومفاهيم.
وانطلاقاً من هذا الواقع، ارتأينا نحن وأحد الرهبان الأجلاء أن نفتح باباً منظماً للحوار البنّاء، على أن نضح دوماً الهدف الأسمى (كشف الحقيقة) نصب أعيننا.
ومن مواضيعنا المطروحة للمباحثة والمناقشة الموضوعية (نظرة المسيحية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد استعملنا أسلوب السائل والمجيب لاختصار الوقت والمسافة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الحوار:
المضيف: لقد تشرّفت بحضوركم إلى منزلي المتواضع وأنا من المقدرين لبحوثكم ونشاطاتكم، في مجال إيواء الرعية المسيحية تحت جناح الدين والمحبة، ولسعيكم الدائم بنية صافية للتقريب بين المجتمعين المسيحي والإسلامي.
ومن هذا المنطلق الطيّب أتجرّأ وأسأل، لماذا يرفض المسيحيون فكرة بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى ماذا يستندون في ادّعائهم بأنّه ليس بنبي أو رسول؟
الراهب: لقد تشرّفت بدوري بلقائنا هذا، وأتمنى أن نكون واقعيين في حوارنا، وأن لا ينحاز أحدنا إلى طرف دون الآخر فنقع في فخ التعصّب، ومن البديهي أن تعلم أنّ المسيحية ترتكز على الكتاب المقدس في مواقفها وأحكامها بأيّ مضمار أو شأن، ولقد رفضت الرسول محمّد لأنّ الكتاب المقدس يؤكّد على عدم مجيء أيّ نبيّ بعد المسيح حيث نقرأ في إنجيل متى 7: 15 إلى 2..
(احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة من ثمارهم تعرفونهم كل شجرة
وهذا تحذير واضح وطلب نهائي بعدم اتخاذ أو تصديق الأنبياء الذين سيظهرون بعد المسيح.
المضيف: لقد فسرتم هذا النصّ بأسلوب يتلاءم مع رفضكم لرسول الله صلى الله عليه وآله، ولو أردتم الحقيقة لوجدتم أنّ المسيح عليه السلام يحذّر فقط من الأنبياء الكذبة وبالتالي يعطي مواصفات لهم كمقياس للتفريق فيما بينهم، ومجرّد وضع هذا المقياس دليل على مجيء الصالحين والطالحين، الصادقين والكاذبين، وقد وردت ثمار كلّ منهما في الكتاب المقدس وهي على قسمين:
1- أعمال الجسد: حيث نقرأ: (أعمال الجسد... هي زنى عهارة نجاسة دعارة عبادة أوثان سحر عداوة شقاق خصام غيرة سخط تحزّب بدعة حسد قتل سكر بطر وأمثال هذه... والذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله).
2- ثمار الروح: (روح الرسالة النبوية الشريفة) فهي: (محبّة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان ووداعة وتعفف)..
الراهب: إننا لا ندّعي أنّ رسولكم يحمل مثل هذه الصفات الدنيئة (أعمال الجسد) لكننا نفترض ونقول إنّه كان زاهداً مصلحاً مؤمناً تأثّر بالشريعة الموسويّة التي أتاه بها جدّه اسماعيل، فأراد أن يظهر للناس إمكانيّة قيام العدل بدل الظلم والعلم والعمل بما يرضي الله بدل الجاهلية فابتدع دين أسماه الإسلام بنيّة حسنة وقصد شريف. وقد جزم الكتاب المقدس بعدم مجيء أيّ رسول بعد المسيح بدليل أوضح من الذي علقتم عليه إذ نقرأ (لأنّه يوجد إله وسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح) تيماوثاوس 2: 15.
المضيف: لقد أمر المسيح عليه السلام وتلاميذه بحسب نصّ الكتاب المقدس بامتحان الرسالات والأنبياء لا برفضها وهذا دليل على مجيء من هم على صواب ومن هم على خطأ ووضع الميزان للتمييز بينهم حيث نقرأ في إنجيل يوحنا 4: 1 ـ 3:
(أيها الأحبّاء لا تصدّقوا كلّ روح (رسالة وحي) بل امتحنوا
إنّ هذا النصّ يعتبر دليلاً على إمكانيّة بعث رسول آخر بعد المسيح عليه السلام بل تأكيد على حصول ذلك والشرط! هو أن يعترف هذا النبيّ بأنّ المسيح قد جاء بالجسد، وهذا ما يعلّمه الإسلام في محكم تنزيل الله إذ نقرأ في سورة المائدة الآية 75: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمّه صديقة كانا يأكلان الطعام أنظر كيف نبيّن لهم الآيت ثم انظر أنى يؤفكون) وممّا لا شكّ فيه أنّ الذي يأكل الطعام كان موجوداً بالجسد.
وهكذا يكون الكتاب المقدّس قد وقّع على وثيقة القرآن الكريم عندما وضع هذا الشرط كقاعدة للتفريق والتمييز بين الرسالات الإلهية الصادقة، وبين الرسالات البشرية الكاذبة الواهمة.. ولمعرفة النبيّ المرسل من الدخيل الدجّال.
ولن نسمح للشيطان بخداعنا أبداً بظهوره أمامنا على شبه ملاك نور (1كو: 11: 14) فلو شاء المسيح ان يعلم بمجيء نبيّ بعده لما قال أنّه الوسيط الوحيد بين الله والناس، ولكان الكتاب المقدس متضمناً للتعاليم والنبوّات الدالّة على ذلك وهذا ما لم يحصل أبداً..
المضيف: لقد كان الأنبياء كلّ على شاكلته وسطاء بين الله والناس كلّ في عصره ذلك كونهم يحملون الرسالة الإلهية لأتباعهم، والمسيح عليه السلام عندما قال بأنّه الوسيط الوحيد كان يقصد بلا أدنى شك، الزمان الذي أرسل فيه ولم يشتمل قوله هذا المستقبل.
كيف ينبأ الكتاب المقدس بالرسول محمد صلى الله عليه وآله؟
ورد في إنجيل يوحنا 1 ك 25 و 26: (وكان المرسلون من الفريسيين فسألوه وقالوا له (أي يوحنا) فما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي فأجابهم يوحنا قائلاً أنا أعمد بالماء ولكن في وسطكم قائم... الذي لا أستحق أن أحل سيور حذائه)..
ورد هذا النصّ في متوسّط قصّة التمهيد لمجيء المسيح عليه السلام من قبل المكلف بذلك يوحنا المعمدان وقد أتى إليه الفريسيّون بعد تلك الضجّة التي نتجت عن دعوته ليسائلوه، فقالوا له كيف تعمد إن لم تكن أنت المسيح ولا إيليا ولا النبي؟
والسؤال الذي يطرح نفسه من هو هذا النبي الذي ينتظره اليهود؟
لا شكّ أنه طرف ثالث ياتي بعد المسيح عليه السلام وهو المذكور في نبّوات العهد القديم، إنّه من سلالة إسماعيل عليه السلام والذي أقرّيتم به منذ قليل عندما وصفتم رسول الله بأنّه متأثّر به في السؤال الماضي وقد ورد ذكره في سفر التثنية 33: 1 ـ 3 حيث نقرأ.
(وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران... وعن يمينه نار شريعة لهم).
من الملفت للنظر ذكر ثلاثة أماكن يأتي منها نور الله وهي:
أولاً: سيناء:
وتقع في مصر أرض بني يعقوب منشأ الرسالة الإلهيّة الأولى الناموس الموسوي (التوراة).
ثانياً: سعير:
وهي في أرض فلسطين موطن المسيح عليه السلام
ثالثاً: جبل فاران:
وهو من أسماء الجزيرة العربيّة موطن النبيّ محمد صلى الله عليه وآله والظهور فيها هو الأتمّ إذ يقول: إنّ نور الله قد تلألأ منها والتلألؤ هو أفضل درجات الجلاء والوضوح والظهور.
ولكن كيف نستطيع أن نظهر أوجه الربط بين إسماعيل عليه السلام والرسول محمّد وأرض فاران؟
من المعلوم في التاريخ أن الرسول صلى الله عليه وآله يعود بنسله إلى جدّه إسماعيل عليه السلام وقد ذكرته التوراة قبل بعثه بآلاف السنين حيث نقرأ في سفر التكوين 16: 7 إلى 11: (يا هاجر جارية ساراي من أين أتيت وإلى أين تذهبين فقالت أنا هاربة من وجه مولاتي ساراي فقال لها الملاك أرجعي إلى مولاتك... وقال لها ملاك الرب تكثيراً أكثر نسلك فلا يعدّ من الكثرة... ها أنت حبلي فتلدين أبناً وتدعين أسمه إسماعيل لأنّ الرب قد سمع لمذلّتك).
ولكن ما هي علاقة إسماعيل عليه السلام بأرض فاران؟
هذا ما بيّنه لنا نصّ التكوين 21: 17 إلى 20 حيث نقرأ: (ونادى ملاك الله هاجر من السماء... لا تخافي لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو قومي أحملي الغلام و شدّي يدك به لأنّ سأجعله أمّة عظيمة... وكان الله مع الغلام وكان ينمو رامي قوس وسكن في بريّة فاران).
إذاً ففاران هي مسكن إسماعيل عليه السلام ومنها سوف يخرج خاتم النبييين متلألئاً بالرسالة النبوية الشريفة ومن سلالة هذا النبي يخرج اثنا عشر رئيساً يكوّنون أمّة عظيمة حيث نقرأ في سفر التكوين 17: 20:.
(وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره
وهذا ما حدث فعلا فقد خرج للرسول محمّد من ذرّيته اثنا عشر إماماً معصوما وهم أركان الأمة الإسلامية التي تمثّل أمّة عظيمة دون أدنى شك وهكذا يصبح الحجر الذي رفضه اليهود قد أصبح رأس الزاوية كما هو مدوّن في مزمور 118: 22 و 23.
صفات الرسول محمد في الكتاب المقدس:
ورد في أشعياء 42: 1 إلى 4: (هوذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سرّت به نفسي وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته).
وهذا ما تثبته كتب السيرة والأخلاق، وهذا ما قاله الرسول محمد في غالب الأحاديث المتواترة ومنها أن الرسول بعث ليتمم مكارم الأخلاق.
ومن صفاته صلى الله عليه وآله أنه صادق أمين كما هو مدوّن في إنجيل متى 24: 45 حيث نقرأ في نبوّة أطلقها المسيح عليه السلام عنه: (اسهروا إذا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربّكم.. فمن
ومن المعلوم في كتب التاريخ أنّه لم يلقب أحدهم بالأمين حتى أصبح ينادى بهذا اللقب بدلا عن اسمه سوى الرسول محمد صلى الله عليه وآله، ولم يخرج نبي بعد المسيح عليه السلام برسالة تعتبر طعاماً روحياً غير محمّد الذي أخرج التوحيد في حينه بعد أن انتشر الشرك ابتداء من القرن الرابع حتى بعثته.
وقد حدّد الكتاب المقدس نوعية هذا الطعام حيث قال في إنجيل يوحنا 14: 26 بأنّ المسيح سوف يرسل من بعده المعزي (محمد) (أمّا المعزّي... الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بما قلته لكم).
إذاً الطعام الذي سيحمله الرسول محمّد إلى الناس هو تعاليم تشبع جوعهم لمعرفة الله وتروي عطشهم نحو الحق بعد أن عمّ الضلال.
وتعبير معزّياً آخر دليل على كونه كالمسيح نبيّ فالمسيح هو المعزي الأول ومحمد هو المعزي الآخر الذي يأتي بعده.
جاء في سفر الرؤيا 19: 11: (اسجد لله فإن شهادة يسوع التي ألقاها على الناس هي روح النبوة ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والمجالس عليه يدعى أمينا وصادقا وبالعدل يحكم و يحارب).
وفي هذا النص عدّة صفات لا تنطبق سوى على الرسول محمد صلى الله عليه وآله.
1ـ أنّه يدعى أمينا وصادقاً وهذا ما لم يدع به أحد في التاريخ سوى محمد صلى الله عليه وآله.
2ـ أنّه يحارب الكفر ويجعل العدل الإلهي قائما دون رهبة وهذا ما قام به محمد صلى الله عليه وآله، مقابل الرسالة المسالمة التي جاء بها المسيح عليه السلام.
الخلاصة:
بات واضحا ان الكتاب المقدس يقرّ بمجيء الرسول محمد صلى الله عليه وآله ممّا يجعل الوحدة العقائدية في هذا المضمار واقعاً وما على النصارى الآن إلا ان يطبقوا كتابهم ويؤمنوا بما أقرّه، والنتيجة أن الكتاب المقدس قد أقرّ حتى الآن الشهادتين وهما: (أشهد أن لا إله إلا الله ـ وأشهد أنّ محمّد رسول الله) كما بيّنا في الكتاب السابق عن التوحيد في الكتاب المقدس.
والحمد لله رب العالمين.
النساء بين القرآن والإنجيل
المرأة في القرن العشرين مشاكلها ومطامحها
على ضوء الكتاب المقدس والقرآن الكريم
مقارنة مع الحلول المتوفرة في المجتمع العلماني
الرجال والنساء ما هي الفوارق بينهما؟
منذ إطالة الوجود البشري يتشارك الرجال والنساء كوكب الأرض، وقد أنشأوا عائلات وعملوا واجتهدوا في كافة المجالات، العلمية والاجتماعية منها والسياسية، وتمتعوا بأوقات طيبة كما أحتملوا المتاعب المشقات معا، ورغم هذا جرت معاملة النساء بخلاف الرجال في معظم الأماكن وأغلب الحقبات التاريخية.
ففي بعض الأحيان جرى الاعتناء بهن وحمايتهن وغالباً ما اعتبرن مجرّد مقتنيا أو جرى احتقار بصفتهن أدنى فلما هذا التناقض؟
(معاشر النساء إن النساء نواقص الإيمان نواقص العقول نواقص الحظوظ فأمّا نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة في أيام حيضهن وأمّا نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة رجل واحد وأمّا نقصان حظوظهن فنصيب امرأتين كنصيب رجل واحد فأحذر خيارهن الخ).
ونؤكد أنّ هذه الخطبة المباركة لا تحتوي أبداً على ما يوحي بإنزال مرتبة المرأة او ينقص من عقلها ولا يسند إليها ضعفاً بل قوة فقد بيّن الإمام أنّ تكليف المرأة أسهل من تكليف الرجل المسلم، وهذا امتياز أعطاها إيّاه الله لوجود فروقات تكوينية من تركيبة الجسد ونحوه، وقد بيّن ذلك الشهيد مطهري في كتابه الشهير نظام حقوق المرأة في الإسلام، بعد مناقشته بأسلوب
ومع ذلك فإنّ النساء والرجال يختلفون، فما هو وجه الاختلاف؟ وهل يعني هذا أنّ أحدهم أدنى من الآخر؟
الفوارق الجسدية (التكوينية):
إنّ بعض الفوارق الجسدية بين الرجال والنساء تبدو ظاهرة، فقد جرى إعداد المرأة من حيث تكوينها لتكون أمّا، وكوّن الرجال وأعدّوا ليكونوا آباء، وتركيب أجسادهم يعكس هذه الحقيقة، ولكن ثمة فوارق أخرى بينهما أبرزها...
أ ـ في كل بلد تقريبا تحيا النساء حتى سن متقدمة أكثر من الرجال، وقد أثبتت الإحصاءات المتكررة أنّه ومنذ أجيال عديدة يجرى الحبل بـ 130 فتى مقابل 100 فتاة وبعد تسعة أشهر، فإنّ عدداً من أجنّة الذكور يفوق أجنّة الإناث يخفق في البقاء حيّاً.
بحيث يولد 106، فتيان مقابل كل مائة فتاة وما إن يشبّوا حتى تكون الفتيات قد تجاوزن الفتيان عدداً وهناك أيضاً عوامل
ب ـ لدى الرجال الرياضيين خصوصاً اكتاف وأذرع عضلية أكبر وأكثر ولديهم كذلك أرجل أضخم واقوى، وقلوب ورئات أكبر وهكذا يتفوق الرجال على النساء إنجازاً في معظم السباقات وفي نفس الميدان مقابلاً تتمتع النساء الرياضيات بالعضلات البطنية القوية بقدر تلك التي للرجال ومع أنّ النساء يفرزن العرق بغزارة أقلّ إلاّ أنّ غددهم العرقية أفضل توزيعا وإفرازهن العرق أكثر فعالية وهذا يساعدهن على الاحتمال: ويزودهن بالمخزون الدهني في الجسم مع قابلية أكبر وقدرة أعظم على الطفو على الماء، ولذلك تهيمن النساء على رياضة السباحة للمسافات الطويلة: و من الفوارق المدّعاة بدون دليل نذكر ما يلي:
أ ـ الاختلاف الفكري:
هل يفكر الرجال بخلاف النساء؟ هذا موضوع بالغ
تغدو الفتيات أكثر مهارة بأيديهن من الفتيان وينطقن في وقت أبكر وبطلاقة أكثر، ويصبحن أفضل في اللغات وهنّ غالباً أفضل في الحفظ والتفكير البديهي والمعلوم أنّ النساء تعالج العمل التفصيلي والترتيب بفعالية أكثر من الرجال، وينمو الفتيان ليصبحوا أفضل في الرياضيات، والتفكير التحليلي والتفقه والغوص في خضم المسائل العقائدية والعلمية، وهم أفضل كذلك في التنظيم الفضائي ونفاذ البصيرة حيث تشعر وفرة من النساء أنهنّ لا يستطعن ضبط عواطفهن كالرجال رغم أنّ بعضهم ينكر هذا الواقع.
نعم ليست هذه الفوارق دقيقة وصارمة بالطبع فثمّة رجال بارعون في الأعمال اليدوية والترتيبية واللغات، وثمّة نساء يتفوقن في الرياضيات وكلّ من يراقب ممرضة أثناء حادثة طارئة كلّفت بها يعلم أنّ العواطف لا تتحكم كليّاً بالنساء فكثيرات يعملن برباطة جأش وفعالية تحت الضغط وبالمقابل كم من
يشعر كثيرون أننا صنعنا على نحو مختلف داخليا وخارجيا ايضا، وقد أثبتت الاختبارات أن المرأة تملك من العاطفة والحنان أضعاف ما يملكه الرجل العادي غالباً، والرجل يحمل من القسوة المطلوبة والرزانة واحتمال الأمور على عدّة محامل قبل البت بها أكثر من النساء، واعتقد أن هذا فضل من الله تعالى على البشرية، فقد وضع كل عناصر ومقومات الأمومة في المرأة لتربي الجيل الصاعد بصبر بما يرضي الله عزّوجلّ فيتناسب ذلك مع ضعف الطفل المولود حديثاً.
وللبيئة التي يحيا بها الفرد تأثير بالغ عليه، ممّا يجعله وارثاً لما فيها من عادات شائعة وتقاليد ثابتة، وهنا يكمن دور المرأة التي تحمل المسؤولية الأعظم وهي حماية أطفالها من التأثيرات السلبية الناتجة عن المعاشرات الرديئة وغير المحددة والمدروسة والتي غالباً ما تؤدّي إلى تفكك العائلة وخرابها.
ولا شكّ أنّها إن استطاعت أن تعمل في أي مضمار اجتماعي
ولكن الفوارق موجودة قطعاً ولا يمكن لأحد أن يخفيها أو ينفي وجودها ويقول العلماء أنّ هرمونات الذكر أو الأنثى تجعل دماغ الشخص لا جسده فقط يعمل بطريقة رجولية أو أنوثية ويصرّ آخرون على أن الفوارق بين النساء والرجال إنّما تحددها طريقة ترعرع الفتيان والفتيات... الخ.
والنتيجة معاملة غير مسؤولية للنساء في أغلب البلدان فكثيراً ما جرى استغلالهن وقيّدت حريتهن إلى حدّ كبير، فلنبحث في بعض الأمثلة.
النساء واقعاً أناس في المرتبة الثانية:
قبل وقت ليس بطويل مثل رجل أمام المحكمة في بلد آسيوي يدّعي المساواة الشرعية بين الرجل والمرأة، وأتّهم بقتل زوجته الزانية، ووجد مذنباً.
العقاب؟ حكم مع وقف التنفيذ.
وتتذمر الكثير من النساء عند النظر إليهن كمواطنات من الرتبة الثانية دون الحقوق والحصانات والاعتبارات ذاتها التي ينالها الرجال، والحقيقة هي أن النساء في أغلب البلدان لا يجري تقييمهن وتقديرهن كالرجال وما ورد آنفاً إنّما هو مثال على ذلك وثمّة أمثلة كثيرة ومنها هذا التقرير المحزن في الهند، ثاني بلد مكتظ بالسكان في العالم.
(وليس غير شائع اليوم أن نسمع عن أطفال جرى التخلّي عنهم في مصارف مياه المدينة، وفي الأدغال أو خارج هيكل أو مأوى أطفال أو كنيسة، ومقابل كل طفل صبي يهجر، هنالك خمسة أطفال إناث، وتبلّغ الممرضات المتمرسات في المستشفيات العامة أن الرغبة في التخلّص من الأطفال الإناث باتت عارمة إلى حدّ أنّه يلزم إكراه بعض الأمهات على إطعامهن بل إنها تدفع الآباء في بعض الأحيان إلى قتل الأطفال الإناث).
(الهند هذا اليوم في 1 / 5 / 1997).
ولكن السؤال من هو الملام على هذا الواقع؟
يتهم أغلب الناس من العام الدين بأنّه المسبب الأول والأخير لهذه المعاملة، وهذا ناشىء عن سوء التصرف من قبل بعض رجال الدين.
وبالنظر إلى الواقع فهنالك في المقابل ثلّة من المؤمنين ذات مستوى أسمى وأرقى فبتطبيقهم لنصوص القرآن والسنّة النبوية الشريفة استطاعوا أن يتحرروا من عادات الجاهلية التي تنادي بإذلال النساء واستعبادهم.
إنّ اللوم يقع في الدرجة الأولى على من يدّعون التحضّر فالأفكار التقليدية بأنّ بعض الأعمال يختص القيام بها بالرجال وسواها متعلّق بالنساء ولذلك مع الجهل بالمتطلبات الدينية وكيفية المعاملة المطلوبة على ضوئها، يرتبك رجال كثيرون عند اضطرارهم للمساعدة في عمل منزلي خشية الهزء بهم.
وللعالم العصري نصيبه من اللوم فهو الذي ينتج الضغوط
وبغضّ النظر عن الفساد الأدبي والتحرّش الجنسي أثناء العمل فإنّ العالم العصري يضع النساء أمام خيار من أثنين يعتبران أقوى رغبتان قويّتان وهما:
1ـ إرضاء الله باتباع ما يأمر به العقل والدين.
2ـ إرضاء الذات والمجتمع المتحضر بالرضوخ للعاطفة والغرور وحبّ الذات والدنيا.
والسؤال هو هل من آراء مساعدة إزاء هذه الخيارت؟
نعم فلننظر إلى بعض الأمثلة.
تقول إمرأة مسيحية مؤمنة عالمة في الكتاب المقدس (أو مسلمة عارفة للقرآن والسنّة). إنّه من البديهي أن تكون الأجرة متساوية عندما تتشابه الكفاءات، ولا بدّ أن يعمل كلّ منهما (الرجل والمرأة) بكدّ وجدّية.
1ـ أنّها تحتاج إلى المال فتعمل لكسبه بهذا الهدف.
2ـ أو أن تعمل على أمر تشعر أنّه يستأهل جهدها.
وفي الحالة الأولى على فرض كونها تكسب ما يكفي حاجاتها، أو إن وجد من يعيلها كالأب أو الزوج فلابدّ أن تكتفي بذلك إذ تعلم موقف الكتاب من الطامعين بكثرة المال والغنى وهو القائل: (وأمّا الذين يريدون أن يكونوا أغنياء فيسقطون في تجربة وفخّ وشهوات كثيرة غبيّة ومضرّة تغرق الناس في العطب والهلاك لأنّ محبة المال أصل كل الشرور الذي إذا ابتغاه قوم ضلّوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة وأمّا أنت يا إنسان الله فاهرب من هذا واتبع البرّ والتقوى والإيمان والمحبة والصبر والوداعة جاهد جهاد الإيمان الحسن وأمسك بالحياة الأبدية التي إليها دعيت أيضاً) 1 تي: 6: 9 إلى 12.