اللهم صل على محمد
وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعدائهم
مذكرات مهجر -2
وضعنا عصا الترحال، ونزعنا ملابس السفر، وملأنا البطون بما يسد الجوع ويقيم الأود، في فندق متواضع جدا، بجوار مقام فاطمة المعصومة بمدينة قم المقدسة.
هذه كانت نهاية رحلة العذاب والتهجير الأولى، التي استمرت ثمانية عشر ساعة.
الرحلة بدأت الساعة العاشرة والنصف مساء، وهو وقت خروجنا من بيوتنا، بعد الإلحاح والاتصال المتكرر من مسؤولي الحملة.
وصلنا مطار الدمام الساعة الحادية عشر ليلا، بانتظار فتح مكتب الرحلة.
ومر الوقت ونحن ننظر بوجل لذلك المكان الذي تعودنا وجودها فيه، كما ينظر الطفل لمحالب أمه بلهفة وشوق.
فجأة أحسسنا كما أحس من كانوا قعود حولنا في القاعة ما بين حانوت القهوة ومحل الهدايا، بشيئ غريب يجري خفية، كما تجري المياه سلسة في مجرى تحت الأرض.
نظرنا في القاعة حولنا فلم نرى من كانوا وقوفا قريبا منا، بانتظار فتح المكتب، لقد اختفوا كما يختفي السراب بقيعة عند الاقتراب منه. فقررنا الذهاب بحثا عنهم، يلفنا الاستغراب لاختفائهم المفاجأ. تحركنا من مقاعدنا لنكتشف الموقف عن قرب، كما يكتشف الجنود موقع المعركة قبل بدايتها. وإذا برفاق الدرب قد اصطفوا في مكان آخر، واحد تلو الآخر، كما يصطف الجنود استعدادا لاستقبال ضيف شرف. ودون أن نعلم أو نفتقد، لا من مسؤولي الحملة ولا منهم، كأننا أطفال أيتام تائهون لا عائل لهم، ولا احد يهتم لأمرهم.
اصطففنا معهم، وانهينا إجراءات السفر وتسليم الأمتعة، وانتقلنا من مدرج لآخر، على أمل ركوب الطائرة. وبدل من إقلاع الطائرة الساعة الثانية صباحا كما هو مقرر لها، حطت بجوارنا في ذلك الوقت، فحلقنا متجهين لمطار طهران الساعة الثالثة صباحا.
ما هي إلا ساعات قليلة حتى وصلنا الأراضي الإيرانية، وانهينا إجراءات الدخول، ونحن على أمل التوجه للفندق لنأخذ قسطا من الراحة استعدادا ليوم جديد.
لكن ما حدث كان أفظع من أن يتصور، وأعظم من أن يحتمل. كان علينا انتظار مجموعة من الركاب وصولوا معنا دون الحصول على تصاريح دخول الأراضي الإيرانية.
توجهنا لمسؤولي الحملة نشتكي لهم وضعنا البائس، وبؤسنا الذي لا يرضي عدوا ولا صديق.
لكن تلك هي الأوامر ولابد من الانتظار، ولا يمكن الذهاب بدونهم، هكذا اخبرونا.
صرخنا بما استطعنا من قوة، احتججنا بحرقة وأبدينا اعتراضنا: لقد دفعنا أكثر منهم، وحجزنا تذاكرنا ومقاعدنا قبلهم، لنشتري راحتنا، ولكن لا نرى فرقا بيننا وبينهم.
إذا وصلتم للفندق اشتكوا للمسؤولين هناك، هذا ما أجابونا به.
رضخنا تنازلنا لعله يكون آخر السوء، ولكن!
وبعد مضي ثلاث ساعات أو أكثر، بين أطفال رضع وعجائز قعد، دون نومة مريحة أو أكلة نظيفة، نقلنا كالمساجين لهدف لا نعرف وجهته.
كنا نعتقد إن وجهتنا لمكان راحتنا واستجمامنا، وسد أبواق جوعنا، وإراحة ظهورنا التي لم تعد تقدر على إسناد أجسامنا، ولكن جدنا أنفسنا أمام مقام الإمام الخميني (ق س).
كنا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما البقاء في الحافلة، يمزق أحشائنا الجوع ويملأ قلوبنا الغيظ، أو نترجل نزور الإمام مع بقية من رضخ وانصاع للأوامر.
تقدمنا مع المتقدمين، وجررنا كما تجر الأضاحي للذبح يوم العيد. فدخلنا الحرم الشريف وقلوبنا تشتعل غيضا وحنقا، وليس أمامنا من نفرغ غيظنا فيه إلا هؤلاء الكوادر الضعفاء.
لذا تراهم يتحاشوننا ويبتعدون عنا، كما تبتعد الشياه خوفا من فتك الذئاب، أو أن يقع ما لا يحمد عقباه.
هذه هي الأوامر، والاعتراض لن يفيدكم حتى تصلون الفندق.
لا نعلم هل نحن في تجنيد إجباري، أم هذا جزء من تدريب إلزامي علينا اجتيازه.
السنا زوارا يتوجب على الحملة العناية بنا، وإعطائنا ما نستحق من عناية، مقابل ما دفعنا من أموال. وهل هؤلاء أناس مثلنا، يحسون بما نمر به من صعوبات. أما عبيد مأجورون ينفذون ما يأمر به سيدهم، ولو بقطع الرقاب وتسبيل العيون!؟
عند حرم الشاه عبدالعظيم لم نبرح الحافلة، ولم نستجب لنداءاتهم بالنزول، لكن غضبنا وغيظنا لم يحرك لهم ساكنا، ولم يعدلوا من برنامجهم.
كان علينا عند وصلنا الفندق كتم ما يدور في نفوسنا من الم، لعدم وجود من يمكن الشكوى إليه، أو نبدي إليه احتجاجنا، وعلينا الصبر حتى ملاقاة ذلك الشيخ الخفي المزعوم الذي وعدنا بلقياه، فهو من يستطيع إعادة حقنا، حتى وصولنا مشهد.
هكذا امتصوا غضبنا واسكتوا غيظنا.
بقلم: حسين نوح مشامع