اللهم صل على محمد
وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعدائهم
هناك رواية، رواها أخوننا أهل السنة بعد اتفاقهم وتصافقهم على صحتها، وعضّوَا عليها بالنواجذ واعتمدوها في السجالات العقائدية، ألا وهي:الرواية الواردة عن طريق
أبي هريرة: "إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد"
وليس الكلام هنا في مدى مصداقية هذه الرواية عند مدرسة أهل البيت ، أو في مواردها، إنما الكلام في تطبيقها على ما وقع من أحداث وفتن واقتتال بعد رسول الله ، فما هو ثقل هذه الرواية في ميزان القرآن الكريم؟ .
ونجيب على هذا السؤال، بعد الإستعانة على الله تعالى، فنقول:
1- لقد أكدَّ القرآن الكريم في آيات عديدة على رسالية النبي الأكرم ، "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ" (144) سورة آل عمران،"مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ" (40) سورة الأحزاب، "يس *وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ" (3) سورة يــس.
2- ومن الآيات المؤكدة على رسالية النبي الأكرم ، قوله تعالى:
"تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ" (252) سورة البقرة، وقد جاء بعد هذه الآية الكريمة والتي اشتملت على عدة توكيدات، قوله تعالى:" {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ولكنِ اختَلَفُوا فَمِنهُم مَن ءَامَنَ وَمِنهُم مَن كَفَرَ وَلَو شَآءَ اللهُ مَا اقتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفعَلُ مَايُرِيدُ" (253) سورة البقرة، فهذه الآية المباركة اشتملت على عدة أمور، منها:
أ- بعد شموليتها للنبي الأكرم ، بما أنه رسول، بيَّنت أن الرسل يتفاوتون في الفضل، "تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ"، فمع الوحدة التي تجمعهم ألا وهي الرسالة إلا أنهم في الفضل ليسوا سواء، وذلك لإختلاف مهمّاتهم، وكذلك اختلاف مقدار تضحياتهم، بالإضافة إلى ما يتفاوتون به من جوهر ومعدن، ثم ذكرت الآية الكريمة بعض الأمثلة، ككليم الله تعالى موسى " مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ"، وكنبينا والذي اصبح في رأس الهرم بالنسبة إليهم ، ومادونه بالنسب المتفاوتة "وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ"، وكنبي الله عيسى الذي وهبه الله تعالى البراهين الواضحة، مثل شفاءالمرضى واحياء الموتى" وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ".
ب- بعد هذا العرض، ذكرت الآية الكريمة حقيقة تقع بعد كل رسول، ألا وهي "الإقتتال والحرب بين الأتباع، وقد جاء في تفسير الأمثل لآية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، أن الآية الكريمة تشير إلى وضع الأمم السالفة بعد الإنبياء والإختلافات التي جرت بينهم فتقول: " وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ" فمقام الإنبياء وعظمتهم لن يمنعا من حصول الإختلافات والإقتتال والحرب بين أتباعهم، لأنها سنة إلهيّة أن جعل الله الإنسان حراً ولكنه اساء الإستفادة من هذه الحرية:" وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ".
ت- بعد أن ذكرت الآية الكريمة أنه بعد كل رسل يقع إقتتال، بيّنت حقيقة أخرى، وهي أن هذا الإقتتال الواقع بعد الرسل ، لايكون ولايحدث أثر اشتباه أو لبسْ عند البعض، وإنما هذا الإقتتال لايقع ألا والبينات والدلائل الواضحات حاضرة عند جميع الأطراف المتقاتلة، ومن لطائف الأمور أن الله تعالى في هذه الآية الكريمة عبّر عن الدلائل الحاضرة عند جميع أطراف الإقتتال ب أمرين، الأول وصفها بالبينات، إذ أن هذه الأدلة واضحة جلية ، والأمر الثاني بكلمة جاء" مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ"، فكأن هذه البينات إنسان تحرك ومثُلَ بين يدي جميع الأطراف المتقاتلة .
ث- نتيجة هذا الإقتتال، ليس كما يذكر أخوننا أهل السنة من مقولة اجتهد فأصاب فله أجران، والآخر اجتهد فأخطأ فله اجر، فإن ذلك مخالفاً لصريح هذه الآية الكريمة، إذ أن هذه الآية الكريمة افرزت الأطراف المتقاتلة إلى فرقتين، فرقة آمنت، وأخرى كفرت: "ولكنِ اختَلَفُوا فَمِنهُم مَن ءَامَنَ وَمِنهُم مَن كَفَرَ".
ج- أخيرأً، أكدت الآية الكريمة كما جاء في تفسير الأمثل أن الله تعالى قادرٌ على منع الإختلاف بالإرادة التكوينيّة وبالجبر، ولكنه يفعل مايريد وفق الحكة المنسجمة مع تكامل الإنسان ولذلك تركه مختاراً "ولكنِ اختَلَفُوا فَمِنهُم مَن ءَامَنَ وَمِنهُم مَن كَفَرَ".
الخلاصة:
بيّنت الآية الكريمة أن بعد كل رسل لابد أن يقع قتال بين الأتباع، وهذا القتال ليس فيه ادنى اشتباه أو لبسْ عند أي طرف من الأطراف المتقاتلة، بل أن هناك البينات الماثلة والحاضرة عند الجميع، ثم بيّنت الآية الكريمة أن نتيجة هذا القتال ليس كما يُذكر اويقال فريق له اجر وآخر له اجران ،وإنما صريح الآية الكريمة فريقٌ آمنَّ وفريقٌ قد كَفَرَ ، وأخيراً أن السنة الآلهيّة اقتضت هذا الأمر فالله تعالى يفعل مايريد..
وفي تاريخ الإمام المظلوم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب :
كما جاء في تفسير العياشي تفسير العياشي، عن أصبغ بن نباتة، قال: كنت واقفاً مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب () يوم الجمل فجاء رجل حتى وقف بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين كبر القوم و كبرنا، و هلل القوم و هللنا، و صلى القوم و صلينا، فعلى ما نقاتلهم؟! فقال (): على هذه الآية « تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ - مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ -وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ - وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ - وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ - وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ»
فنحن الذين آمنا و هم الذين كفروا فقال الرجل: كفر القوم و رب الكعبة ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله.
ولابد من هنا ذكر ملاحظة في غاية الأهمية كما ذكرها صاحب الميزان السيد محمد حسين الطبطبائي
وهي: أنه () أخذ الكفر في الآية بالمعنى الأعم من الكفر الخاص المصطلح الذي له أحكام خاصة في الدين، فإن النقل المستفيض و كذا التاريخ يشهدان أنه () ما كان يعامل مع مخالفيه من أصحاب الجمل و أصحاب صفين و الخوارج معاملة الكفار من غير أهل الكتاب و لا معاملة أهل الكتاب و لا معاملة أهل الردة من الدين، فليس إلا أنه عدهم كافرين على الباطن دون الظاهر، و قد كان () يقول: أقاتلهم على التأويل دون التنزيل.
نسأله تعالى بحق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن يجعلنا من الفريق الذي قال الله تعالى عنهم "فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ "
بقلم الشيخ عمار المنصور-شبكة توافق الاخبارية