في تعيين اليوم والشهر والسنة التي ولدت فيها فاطمة الزهراء صلوات الله عليها

 إعلم أن هناك اختلافا بين الإمامية وبين أهل السنة والجماعة في تعيين اليوم والشهر والسنة التي ولدت فيها فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) .

سنة ولادتها : أما سنة ولادتها فأغلب علماء العامة قالوا : إنها ولدت لخمس سنوات قبل البعثة ، وقال بعضهم : ولدت بعد سنة من البعثة .

وروى الدياربكري صاحب تاريخ الخميس عن ابن إسحاق أنه قال : فولدت له - أي خديجة - قبل أن ينزل عليه الوحي ولده كلهم . . .   إلا إبراهيم من مارية القبطية ، ولد بعد النبوة .

وعن أبي عمرو الدياربكري أيضا : ولدت فاطمة سنة إحدى وأربعين من مولده ( صلى الله عليه وآله ) وهو مغاير لما زعمه ابن إسحاق ونسبه المجلسي إلى بعض المخالفين .

وقال أبو الفرج الأصفهاني في كتاب مقاتل الطالبيين : كان مولد فاطمة ( عليها السلام ) قبل النبوة وقريش حينئذ تبني الكعبة .

وإليه ذهب أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة .

وفي تاريخ الخميس عن أبي جعفر : دخل العباس على علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله ( عليهم السلام ) وأحدهما يقول لصاحبه : أينا أكبر ؟ فقال العباس ( رضي الله عنه ) : ولدت يا علي قبل بناء قريش البيت بسنوات ، وولدت فاطمة وقريش تبني البيت .

وهذا القول سخيف وضعيف لعدة وجوه ، فلا يعتنى به ولا يعتمد عليه .

وروى الدياربكري أخبار انعقاد نطفة فاطمة ( عليها السلام ) عن ذخائر العقبى ، ثم قال : وهذه الروايات تقتضي كون ولادة فاطمة بعد البعثة ، لأن الإسراء كان بعد البعثة ، ثم رجح قول أبي عمرو .

فتبين أن علماء السنة مختلفون أيضا في سنة ولادتها ، ولهم أقوال متعارضة تعارضا ظاهرا ، ولكنهم جعلوا تحديد سنة ولادتها دليلا على طول عمرها ، كما سيأتي بيانه في محله .

وأما الإمامية فذهبوا إلى أن ولادتها كانت بعد البعثة بخمس سنين ، كما في الكافي : ولدت فاطمة بعد مبعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بخمس سنين ، وبعد الإسراء بثلاث سنين .

وروى محمد بن جرير بن رستم الطبري في دلائل الإمامة عن أبي بصير ، عن الصادق ( عليه السلام ) قال : ولدت فاطمة . . . سنة خمس وأربعين من مولد النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

وكذا قال صاحب المناقب محمد بن شهرآشوب .

وقال صاحب كشف الغمة علي بن عيسى الأربلي : ولدت فاطمة بعد ما أظهر الله نبوة نبيه وأنزل عليه الوحي بخمس سنين وقريش تبني البيت .

وروى في موضع آخر أنها ولدت لسنتين قبل النبوة .

ويستفاد من العبارة الأخيرة أن في سنة بناء البيت اختلافا أيضا ، وفيه قولان : قبل النبوة وبعدها .

وقال في المصباح : ولدت سنة اثنتين من البعثة . وفي رواية أخرى : سنة خمس من المبعث ، والعامة تروي أن مولدها قبل المبعث بخمس سنين  .

وقال الشيخ المفيد في الحدائق : كان مولد السيدة فاطمة الزهراء سنة اثنتين من المبعث .

وقد ذهب إلى هذا القول هذين العلمين من الإمامية ، وكذا روي في كشف الغمة .

وعلى أية حال ، فإن أغلب علماء أهل الخلاف ذهبوا إلى أن مولد فاطمة ( عليها السلام ) كان قبل البعثة بخمس سنين ، ولكنهم تورطوا بالأخبار المعراجية التي لا يمكن العدول عنها ، لذا مال المتأخرون منهم إلى قول الإمامية وقالوا أن عمرها كان أكثر من ستة عشر عاما بقليل . وذكر صاحب كتاب جنات الخلود أقوالا أخرى .

شهر ولادتها : أما شهر ولادتها ( عليها السلام ) فقد وقع الخلاف فيه بين شهر رمضان ، ورجب ، وربيع الأول ، وجمادى الأولى ، وجمادى الآخرة ، ولكن الأغلب والأكثر والأشهر بين الفريقين أنه في العشرين من جمادى الآخرة .

وأما الطائفة الإمامية المحقة - وخصوصا قدماؤهم - فقد اتفقوا على شهر ولادتها بلا خلاف - أي جمادى الثاني - كصاحب الكافي والدلائل والحدائق والمناقب والمصباح وغيرهم من المتأخرين ، حيث أجمعوا على هذا اليوم ، وعليه عمل العلماء والمعاصرين في هذا الزمان .

والمراد العشرون من جمادى الآخرة ; لأنها قبل رجب بعشرة أيام ، وعين سنة الولادة بخمسة سنين بعد البعثة ووصف المخالف لهذا القول بالأبله .

أما يوم الولادة : أما يوم ولادتها ( عليها السلام ) ففيه اختلاف أيضا .

ففي كشف الغمة والمصباح : إنه يوم الجمعة ، وذهب بعض العامة والخاصة إلى أنه الثلاثاء ، والحق القول الأول .

وأغلب الأخبار لم تعين يوم الولادة ، لأن المناط والمهم تعيين سنة ولادة حبيبة ذي الجلال ، لا اليوم والشهر .

وبناء على القول المشهور : أهل البيت أدرى بالذي فيه وقول عبد الله بن الحسن لما دخل على هشام بن عبد الملك وعنده الكلبي النسابة ، فسألهما عن سن فاطمة فاختلفا ، فقال عبد الله بن الحسن : سلني عن أمي فأنا أعلم بها ، وسل الكلبي عن أمه فهو أعلم بها ; لا بد من الرجوع إلى أنباء فاطمة وأهل البيت ( عليهم السلام ) لمعرفة مذهبهم .

وقد ذهب الأئمة المعصومون ( عليهم السلام ) والسلسلة المتصلة بالعصمة الكبرى فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) إلى ما ذكرناه ، وأخبروا مرارا أن عمر فاطمة ثمانية عشر عاما وبضعة أشهر ، ولو خالف أحد علماء الشيعة في ذلك فلأسباب ، ويبقى إجماع أهل البيت دليلا متينا على سنة ولادتها ، وسيأتي تحقيقه في خصيصة أخرى إن شاء الله .

ويكفي الطائفة المحقة والطريقة الحقة ما ورد عن الإمامين الهمامين الصادقين ( عليهما السلام ) وهم صراط الهداية وسبل النجاة ; والأفضل لأهل الخلاف أن ينصفوا في مثل هذه الموارد ويقبلوا بما خرج عن بني فاطمة ( عليهم السلام ) وهو ما يوافق مذهبهم كما أنهم مختلفون في أقوالهم اختلافا شديدا لا يوصف .

وقبول قول الإمام الحسن والإمام الحسين في تاريخ ولادتها ( عليها السلام ) أولى من التمسك بأقوال الحسن البصري وسفيان الثوري وفلان وعلان ممن لا يعرفون أعمار آبائهم وأمهاتهم .

العودة إلى الصفحة الرئيسية