في معنى الصديقة الكبرى

الصديقة الكبرى : وهو لقب شريف عظيم مدح الله تبارك وتعالى به مريم ( عليها السلام ) في القرآن المجيد قال تعالى : ( ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام أنظر كيف نبين الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ) .

ولقب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة الطاهرة ب‍ الصديقة الكبرى قال ( صلى الله عليه وآله ) : وهي الصديقة الكبرى وعلى معرفتها دارت القرون الأولى .

والصديق على وزن فعيل من أبنية المبالغة كما يقال : وهو كثير الصدق ، والصدق نقيض الكذب ، ومنه قوله تعالى : ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) .

والصديق والصديقة بالتخفيف : الخل والمحب ، رجلا أو امرأة ، والصديق يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث .

وبديهي أن مقام الصدق والاستقامة في القول والفعل يأتي تلو مقام النبوة ومنه قوله تعالى : ( ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا )  .

وقال أيضا : ( والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون ) .

وقال أيضا : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) .

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في مدح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : هذا خير الأولين وخير الآخرين من أهل السماوات وأهل الأرضين ، وهذا سيد الصديقين وسيد الوصيين .

وقد مدح القرآن الكريم يحيى بن زكريا ونعته بالتصديق فقال : ( إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله ) .

روي أنه لما دخلت مريم على أم يحيى لم تقم ، لها فأذن الله تعالى ليحيى وهو في بطن أمه فناداها : يا أمة تدخل إليك سيدة نساء العالمين مشتملة على سيد رجال العالمين فلا تقومين لها ، فانزعجت وقامت إليها وسجد يحيى وهو في بطن أمه لعيسى ابن مريم ، فذلك كان أول تصديقه له .

وإنما مدحت مريم ووصفت ب‍ الصديقة لصدقها في دعواها أن عيسى منها ولم يمسسها بشر ، فشهد الله لها بالصدق ، فصارت صديقة لأن الله صدقها .

وسميت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) : الصديقة الكبرى ( عليها السلام ) لأنها صدقت بوحدانية الحق تعالى ونبوة أبيها وإمامة بعلها وإمامة أبناءها المعصومين واحدا بعد واحد وهي في رحم أمها وعند ولادتها .

ثم إنها كانت - وهي طفلة صغيرة - أول من سبق إلى التصديق بنبوة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد أمها ، وعاشت في كنف الرسالة ، واقتدت في جميع أحوالها وأفعالها وأقوالها بمربيها العظيم ، وأكملت منذ طفولتها ملكاتها القدسية النفسانية ، وعاشت مع الصادقين والصديقين ، وقد وصفها أبوها - وهو أصدق القائلين وأفضل الصديقين - بأنها الصديقة الكبرى وفضلها بذلك على مريم العذراء ، وقد قال : فاطمة مريم الكبرى .

وشهد لها بذلك - أيضا - عائشة بنت أبي بكر على ما رواه المشاهير والنحارير من العلماء أنها قالت مرارا ما رأيت امرأة أصدق منها إلا أباها .

وهذا الخبر صحيح ومعتبر عندهم ، ومع ذلك فقد آذاها أبو عائشة وأعوانه حينما طالبت بحقها الثابت ، وغمها وخذلها المهاجرون والأنصار وهي تشكو وتتظلم بينهم وتستنصرهم لإحقاق حقهم ، فلم تجد منهم ناصرا ولا من مغيث ، ولم يصدقوا قول تلك الصادقة المصدقة ، وكانت العاقبة أن عاشت أياما قليلة تكابد الهم والألم ، وفارقت الدنيا لتقف لهم غدا يوم القيامة بين يدي المنتقم الحق ، وتحاسب الرجال والنساء القساة الجفاة الذين صدقوا قولها وأذعنوا أن الحق معها ولها ، فدعواها حق وقولها الصدق ، ولكنهم ما تبعوا تصديقهم القولي بالعمل ، فكذبت أفعالهم أقوالهم وناقضوا أنفسهم ، وستحاجهم وتخاصمهم وتتظلم إلى الله ، فينصرها الله المنتقم نصرا عزيزا ويجازيهم بما كسبوا .

قال الطبرسي ( رحمه الله ) في مجمع البيان في ذيل الآية المذكورة ( ومن يطع الله ورسوله . . . الخ ) الصديق المداوم على التصديق - أي دائم الصدق - بما يوجبه الحق .

وقيل : الصديق الذي عادته الصدق ، وهذا البناء يكون لمن غلب على عادته فعل ، يقال لملازم الشرب شريب ( ولملازم الشكر شكير ) وقيل في معنى الصديق : إنه المصدق بكل ما أمر الله به وأنبيائه ، لا يدخله في ذلك شك ، ويؤيده قوله : ( والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون ) .

وبناء على ما مر ، فقد اتفق المخالف والمؤالف على أن فاطمة الزهراء هي الصديقة الكبرى قولا وقلبا وفعلا ، لم تكذب قط كذبة واحدة ، وكانت تفعل ما تقول ، ولم تتخلف قط في أداء أي تكليف أو امتثال أي أمر ، وكان لها في ذلك صدق نية وعزم وثبات ومداومة ومراقبة تامة .

قال أهل التحقيق : إن التصديق يلازمه التبعية في الأقوال والأفعال ، كما صنع يحيى ( عليه السلام ) حين صدق بنبوة عيسى ( عليه السلام ) وتابعه متابعة كاملة من المهد إلى اللحد .

وقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ( فمن تبعني فإنه مني ) .

وقد صدقت فاطمة ( عليها السلام ) بما أمر الله وبما جاء به النبي ( صلى الله عليه وآله ) واتبعته ، ولا شك أن التابع يعد من المتبوع ، فهي من النبي والنبي منها لاتحاد التابع والمتبوع المذكور في قوله ( فمن تبعني فإنه مني ) ، إضافة إلى جهة النسب والقرابة ، والأبوة والنبوة ، وأما حديث فاطمة مني وأنا من فاطمة فشرف آخر وفضيلة خاصة .

فإن قال المخالف : إن أبا بكر صديق أيضا ، لما ورد في حديث المعراج من أنه صدق النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

نقول : إن تصديقه بالمعراج لا يدل على ثبوت الصدق والدوام عليه ، ثم إنه صدق بما جاء به النبي ( صلى الله عليه وآله ) في قصة المعراج - على ما هو المفروض - وتصديق قول من أقوال النبي لا يدل على تصديق جميع أقواله ، لأن التصديق بالفرد لا يلازم التصديق بالكل سيما في صيغة المبالغة ، والحال أن صدق صيغة مبالغة دالة على الدوام والاستقامة ، إلا أن يقال أنه أكثر من التصديق في قصة المعراج فصحت المبالغة ! ! !

ويمكن للشيعي أن يقول : لما طالبت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بفدك كذب أبو بكر قولا وفعلا ، والحال أن ابنته عائشة شهدت بصدق فاطمة وكذا صدقها سيد الصديقين أمير المؤمنين وثلة من الصحابة من محبي أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتكون أن عائشة شهدت على أبيها بالكذب .

أمور يضحك السفهاء منها * ويبكي من عواقبها اللبيب * * * أرى تحت الرماد وميض حجر * ويوشك أن يكون له ضرام واستحضر الآن ما ورد في البحار في حديث طويل : أن فاطمة ( عليها السلام ) وعدت الحسن والحسين ( عليهما السلام ) بثوب جديد يأتي به إليهما الخياط ، فأمر الله جبرئيل أن ينزل بثوبين إلى فاطمة ( عليها السلام ) ، فصدق الله قول تلك الصادقة المصدقة .

معرفة دائرة لفاطمة الطاهرة لقد رأيت قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : فاطمة هي الصديقة الكبرى وعلى معرفتها دارت القرون الأولى   كثيرا في كتب المناقب ، ولكني لم أجد أي إشارة إلى ما فيه من رموز وأسرار ، ولذا ارتأيت أن أشير إليه في هذا المقام إشارة إجمالية ، فكيف دارت على معرفتها القرون الأولى مع أنها لم تكن من زمرة الأنبياء أو الخلفاء ؟ ! أولا : يطلق القرن : على كل ثمانين سنة ، أو سبعين ، أو ثلاثين ، أو أهل كل زمان ، أي من يعيشون في جيل واحد وفي فترة زمانية واحدة ويبعث فيهم نبي ، أو أنه غالب عمر الناس ، أي المعدل الذي يعمر فيه الإنسان .

قيل : إذا ذهب القرن الذي أنت فيه * وخلفت في قرن فأنت غريب وقال تعالى : ( فما بال القرون الأولى ) أي سعادة الأمم السابقة وشقاوتها ، والمراد بالقرن الزمان فذكر الزمان وأراد الحال .

وفي الحديث : أولي العزم من الرسل سادة المرسلين والنبيين ، عليهم دارت الرحى .

ثانيا : إن في الحديث إشارة صريحة إلى عظمة أولئك النفر الذين دارت الأرض والسماوات على وجودهم ، كما في الحديث إشارة صريحة إلى عظمتهم لمطاعيتهم في جميع الأملاك وسكان الأرض دون استثناء أحد .

وقد عبر الإمام أمير المؤمنين عن هذا المضمون بتعبير أدق حيث قال : إن محلي منها محل القطب من الرحى ، وإن كان المراد هنا رحى الخلافة ، ولكن يكشف - أيضا - لان دوران العالم كله قائم بوجود خليفة الله والأنبياء من خلفاء الله أيضا .

بناء على ذلك ، تبين من الحديث النبوي السابق أن جميع الأنبياء والمرسلين أمروا أممهم بمعرفة الصديقة الكبرى ، وكلفوهم عرفان المقامات الفاطمية ، أي أن أحكام جميع الأمم وتكاليفهم الشرعية منوطة بمعرفة الزهراء ( عليها السلام ) قطب فلك الجاه والعصمة ، فلو أن أية أمة من الأمم وأي قرن من القرون لم يعرفا حقيقة العصمة وتلك الذات المقدسة ، لكان أداءهم لجميع الواجبات باطلا غير مقبول ، بل كان عملهم كله هباء منثورا .

وبعبارة واضحة : إن السعادة والشقاء لأهل كل زمان تدور مدار التولي والتبري لجناب الصديقة الكبرى ، وإن دين الأنبياء جميعا منوط بحبها ، فكيف - والحال هذه - لا تدور هذه الشريعة على معرفتها وحبها ؟ ! وكيف لا تدور بوجودها المقدس رحى الإسلام والدين المبين ؟ ! ! فأسال الله الذي أكرمني بمعرفتها ومعرفة عترتها ، ورزقني البراءة من أعدائها ، أن يجعلني من موالي مواليها ، ومن محبي محبي ذريتها وبنيها ، وأن يثبت لي عندها قدم صدق في الدنيا والآخرة ، وأن يجري لساني فيما بقي من عمري بمناقب المعصومين من العترة الطاهرة ، والحمد لله على وضوح الحجة وكشف المحجة .

ولقد قلت آنفا في حقها ( عليها السلام ) نظما واسترسل القلم في ذكر بعض الأبيات فقلت :

هي والله آية لرسول الله * بل رحمة بها أهداها

هي عند الإله أعظم خلقا * وبها دار في القرون رحاها

هي مشكاة عصمة علقت * من سماء الوجود مثل ركاها

أم آل الرسول عصبتهم * هي لولاها لم يكن آل طه

بأبي ثم اسرتي ثم أهلي * ثم مالي ومن سواها فداها

بأبي فاطما وقد فطمت * باسمها نار حشرها ولظاها

بأبي فاطما شفيعة حشر * بأبي من بحكمها شفعاها

بأبي من تكون خالصة * عن ميولات نفسها وهواها

شمس أم القرى وأم أبيها * بأبي أمها وأمي أباها

ولقد قلت أنها علمت * آخر الكاينات من مبداها

كل من يجتني ثمار علوم * هي والله أمها ومناها

كيف أحصي ثنائها ولعمري * عجز الناس عن أداء ثناها

العودة إلى الصفحة الرئيسية