الأنبياء عليهم السلام فوق الشبهات

( في تعرية كتاب مراجعات في عصمة الأنبياء )

 

الجزء الأول

محمد  محمود  مرتضــى العاملي

 

دار السيرة

بيروت ـ لبنان / قم ـ إيران

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطبعة الاولى : 5/5/1422 هجرية

 

مقــدمــة

 

بســم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين، من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين .

 

لماذا تثار المسألة مجدداً ؟

يبدو أن الاعتبارات التي أملت علينا القيام بالردّ على كثير من الأفكار والآراء التي طرحت من قبل بعض الذين يحسبون أنفسهم الطليعة التي تقود تيار التغيير والثورة على الموروث والقديم  ما تزال قائمة !

فقد كان يفترض أن تقف المجابهة عند حدودها الطبيعية ، لكن قيام هذا "البعض" بإطالة المشهد الجدالي زمنياً ، يبدو مثيراً للريبة، وباعثا على التفكير مليا بإعادة النظر في أصل المشكلة ، والبحث عن جذورها ، وعن الأسباب الكامنة وراء الحرص الشديد من قبل هؤلاء على عدم إقفال هذا الملف، وتحريكه من حين إلى آخر، وإذكاء ناره وتأجيجها ، لأن المتابع والمستقرىء لكل نتاج ذلك "البعض" والمؤيدين له ، يبدو له أن هناك مسلكا يتّسم بالإصرار على المضي قدما في هذا النهج والتمسك بخيوطه الخفي منها والمعلن!

إنحراف لا يمكن تجاهله

عندما يلاحظ المتتبع يرى أن الذي يُطرح ، إنما هو برنامج متكامل ، تجمع بين خطوطه مفاصل أساسية تبرز بوضوح حجم هذا المشروع الذي يراد تثبيته وترسيخه، وهو أمر يثير الارتياب والشك !

إقتحام المسلمات والمفارقات الحداثوية

 نجد أن هذا "البعض" وفي أول خطوة عملية له لإظهار ولائه للحداثة ، وإبراز صدقه في أنه في عداد "الحداثويين"، صرّح بأنه "يسعى لاقتحام المسلمات". حيث أن هذا الاقتحام يمثل "بطاقة" الدخول إلى عالم الحداثة والمجتمع الحداثوي المميز !!

ولكن ثمّة مفارقة واضحة في خطاب هؤلاء وسلوكهم العلمي  فإن هؤلاء الداعين إلى "تنقية التراث" من الشوائب ، وإعادة النظر في النصوص المقدسة وفق المناهج العلمية الحديثة ، والآليات الإجرائية المستحدثة ، مدّعين أن ما قدم من نصوص ليس نهائيا ولا يصح جعله كذلك ، فالمتقدمون رجال ونحن رجال على حدّ تعبيرهم ، ففي الوقت الذي يقولون فيه ذلك ، يعتبرون أن ما يحاولون إرساءه من قواعد ومبادىء عقلانية بزعمهم، هي قضايا راسخة ونهائية، لا يجوز المساس بها ، ولا تصح مناقشتها أو توهينها، لأن ذلك مساس بأصحابها ، ومحاولات للنيل من رموزها الذين هم بنظرهم رموز الدين والإسلام ، فيصبح التراث فجأة وسيلة لإضفاء نوع من القداسة عليهم ، وبطاقة حصانة لهم من أي نقد .

 

ذاتية بلباس الموضوعية

ولهذا وذاك، تصبح ممارساتهم التي تهدف إلى توهين المعتقد والركائز الاعتقادية للناس تمثل أقصى حالات الانفتاح الفكري، وأرقى مراتب الحوار العلمي، أما مناقشة أفكارهم وإظهار زيفها وبطلانها فيمثل "أبشع حالات العدوان" وأكثر المناهج "تخلفاً "، لأنها تريد النيل من "الرموز" بتصوّرهم، و"إسقاط الساحة" في ظلام "الفتن والتخلف"!!

وهنا تتلبس الذاتية بلباس الموضوعية، وترتدي "الأنا" رداء "النحن"، ويغدو التحجّر "انفتاحا"، والتخلف "حداثة"

صخب أجوف

ومن جهة أخرى فإن ذلك الذي يدعو إلى إعادة النظر بالموروث، مدعيا احتواء هذا الموروث على الكثير من الخرافات لا نجد له عملا واحدا تحقيقيا، ولا محاولة جدّية واحدة تدلل على عمله بما يدعو الناس إليه.

بل إننا لو تأملنا فيما يقدمه للناس من تشكيكات، وما يرسمه من علامات استفهام على أنه من إبداعاته الفكرية، لألفيناه قديما قد " أكل عليه الدهر وشرب " وأبطله علماؤنا منذ عشرات أو مئات السنين، وهو في الواقع، وبعد تصفيته من المفردات اللفظية الجديدة، وفصله عن الصخب الذي يثير في القارىء إحساسا بالرهبة والإحباط معا، ليس إلا شرابا معتقا قدم في قوارير جديدة وملمعة.

وتكون النتيجة هي: أن هؤلاء يرفضون ما عندهم ويسقطونه، ثم لا يقدمون أي شيء سواه مما يدّعونه أو يدعون الناس إليه، ورغم ذلك لا يتوقف ضجيجهم وصخبهم.

 

الشاذ المطلوب

والمتأمل في نصوص هؤلاء التي تحدثوا فيها عن التراث ، يجد أنهم قد أنزلوا أنفسهم المنزلة التي لا يستحقون، فتكلموا بما لا يعرفون ، وتطاولوا على البتّ فيما لا يفقهون مع إيجابهم على الناس قبول كلامهم فيه وترك ما يؤثر من خلافه .

ولا أدل على قلة اطلاع هذا " البعض" على معارف التراث ، وضعف استيعابهم لمقاصده من اتباعه للشاذ والغريب من الأقوال ، فكأنه مولع بكل ما يشذ ، ويستوحش من كل متسالم عليه مشهور !

محاولة استكشاف أصل المشكلة

إن جذور المشكلة عند هؤلاء ، وسبب انحرافهم عن جادة الصواب، وتنكرهم للتراث تكمن في مسلكهم المعرفي ، وكيفية تكوّن شخصيتهم الفكرية ز ومن سمات هذا المسلك :

الثقافة المنفردة

وما نتحدّث عنه هو قيام " البعض" بالعمل على تكوين بنية ثقافية عامة وواسعة بشكل منفرد ومنعزل، من خلال قراءة الكتب ومطالعتها على تنوّعها واختلافها وتشعبها .

إذ ثمة فرق كبير بين من هو كذلك، وبين آخر يعمل في دائرة علمية واسعة متشكلة من مجموعة كبيرة من رواد المعرفة، وتحت إشراف أساتذة كبار كفوئين تقوم بينهم روابط متينة من التواصل والتباحث ، وتدور فيما بينهم المناقشات والمطارحات حول المسائل ، الأمر الذي يؤثر في بلورة واستخراج المواهب الكامنة وصقلها ، كما تعمل على تحفيز القدرات الكامنة، مما يساعد على تكوين ذهنية علمية صحيحة على أسس منهجية صحيحة لا ينفرد الفرد فيها برأيه ، بمعزل عن الآخرين

فالثقافة الأحادية الجانب ، بالغاً ما بلغ شأنها تبقى محكومة للنظرة الضيقة والأبعاد المحدودة لهذا الشخص ، وبالتالي عدم النفاذ إلى أعماق المسائل وجواهرها .

ولعل من أخطر مساوىء هذا المسلك الأحادي الجانب، أن صاحبه يصبح عرضة لانحرافات خطيرة ، تشكل مع الوقت بنية ذهنية تعمل على تكوين خصائصها واتجاهاتها الفكرية الخاصة بها، لتصبح مع مرور الوقت معلما من معالم شخصيته التي تميزه عن الآخرين؛ ولعل الأخطر من ذلك، أن تتحوّل هذه البنية الفكرية المنحرفة عند أصحابها إلى ميزات يفتخرون بها .

إن الإنعزال عن البحوث العلمية الجادة ، والثقافة الفردية الآحادية، إذا أضيف اليه إنبهار بالغرب والحداثة ومنجزاتها .

الحوار القمعي

ثم بعد ذلك كله، يدعونك للولوج في أبواب الحوار التي يدّعون أنها مشرعة ! فإذا ما حاول أحدهم ولوجها ارتطم بجدران محصنة، وانكشفت له الحقيقة !

يتساءل بعضهم : هل فتح باب الحوار كما كان متوقعا؟ فجاءتهم الإجابة الصحيحة والصريحة لتقول: نعم لقد فتح باب الحوار لكنه من نوع آخر غير الذي كان يدعو إليه ذلك "البعض" إنه " الحوار القمعي" !

فالنقد بالدليل العلمي جزاؤه القمع والاتهام ، والسباب والشتائم !! فبعض المنتقدين صنفه ذلك "البعض" بأنه ينطلق من عقد نفسية ، وآخر تحركه مطامع مالية، وثالث يستحكم به جهله ، ورابع تحركه المخابرات الدولية

 وخامس خرج عن خط الحوار الصحيح ولا يعيده إليه، إلا " التأديب " بالضرب المبرح حتى يشرف على الموت !!

إنها مفردات "قاموس الحوار الحديث" التي تمسك بها هؤلاء، وأخذوا يطلقونها عشوائيا يمينا ويسارا على كل من تسوّل له نفسه حتى أن يفكر بتوجيه أي نقد ولو علمي محض ، إلى "الرمز" و "المرشد".

وهكذا استطاعوا أن يسكتوا الناصحين ويقمعوا المنتقدين  ولكن الى حين .

العلامة المحقق والدور غير العادي

 باتت المواجهة شبه مستحيلة لسيطرة أصحاب الحوار القمعي .

لقد أخمدت الأصوات التي كادت أن تهمس بالنقد لـ " الرمز " و" المرشد "، ويكاد الناس لا يعلمون بها أصلا .

ولا شك أن أي محاولة نقدية جديدة من هذا النوع سيتم إخمادها بسهولة عبر الأساليب الحديثة " للحوار". ولكن جاء ما لم يكن بالحسبان !

ففي يوم من الأيام، وفي مسجد الإمام الرضا (ع) في بئر العبد ( بيروت ) ، وفي محاضرة لمجموعة من الأخوات ، ودون أي سابق إنذار عمد ذلك "البعض" ابتداءا، إلى طرح ما يجول في خاطره، ما أطلق عليه هو أنه علامات استفهام، وهو في الحقيقة تشكيك يستبطن الإنكار لكل ما جرى على الزهراء (ع) من مهاجمة القوم لدارها، وإحراق بابه، وكسر ضلعها الشريف، وإسقاط جنينها بدعوى أن القوم الذين هجموا على الدار كانت قلوبهم مملوؤة بحب الزهراء (ع) فكيف نتصوّر أن يهجموا عليها ؟! وأضاف : على أن البيوت آنذاك لم يكن لها أبواب !!!

وفي مناسبة أخرى تحدث عن قول الخليفة الثاني لمن قال له عندما همّ بإحراق الباب إن فيها فاطمة فقال: وإن، وتجلت في حديثه هذا فنون رفيعة من الذوق اللغوي، والخبرة البالغة باللغة العربية الفصيحة والبليغة والتي ظهرت بأبهى حللها، وبأحسن صورها، حين أصبح معنى : " وإن "  في فقهه : "ما إلنا شغل بفاطمة إحنا جايين ناخذ علي" !!!

وهكذا فكما كان موقف الزهراء (ع) في حياتها من موضوع الخلافة وفدك، وموقفها الصارخ بعد وفاتها بوصية إخفاء قبرها، موقفا حاسما فتح الباب على مصراعيه لإثبات عدم صلاحية وأهلية من تصدّى لمقام الخلافة، بل وحفظ بذور التشيع، فقد كان لإنكار مظلوميتها وقهرها الدور الحاسم أيضا في ظهور الأمر وانكشاف الحقيقة .

الانحناء أمام العاصفة !

وذاع الخبر وانتشر حتى وصل إلى مدينة قم المقدسة ؛ من يصدّق : فلان يشكك بما جرى على الزهراء (ع) بعد وفاة أبيها (ص) ؟!!!

لقد كانت الظروف التي أشرنا إليها آنفا تجعل من الصعب تصديق ذلك، وراحت الأعذار تنطلق من هنا وهناك:  ربما يكون الناقل مخطئا ؟ ربما ثمة مؤامرة خلف ذلك ؟  ربما يوجد للكلام معنى آخر خاف ؟

لكن ردّ هذه الأعذار متيسر وسهل؛ حيث كان الشريط المسجل ( فيديو كاسيت ) حاضرا واستمع إليه القوم هناك ، وكانت المفاجأة .

ضجت الحوزة العلمية من هذه المقولة ، وتحرك المخلصون لتطويق ذيول القضية، ظنا منهم أنها تنحصر بما جرى على الزهراء (ع) .

 لقد كانت خلفية تحركهم مقنعة للغاية: ينبغي تطويق القضية، وخنقها في مهدها قبل أن تنتشر فتصبح ذريعة يتمسك بها المخالفون حيث سيقولون : لقد ظهرت براءة فلان وفلان مما نسب إليهم من هتك لحرمة الزهراء (ع) وذلك على لسان واحد من المعروفين منهم .

وقد بادر العلامة المحقق إلى إرسال رسالة إلى ذلك " البعض" يستوضح فيها عن حقيقة الأمر الذي نسب إليه، فأجاب الأخير بأن ذلك صحيح؛ لكنه كان مجرد طرح علامات استفهام ، وقد كان ذلك قبل الاطلاع على النصوص التاريخية، وبعد الاطلاع ، فقد وجد في كتاب: دلائل الإمامة للطبري ما يثبت الحادثة تاريخيا.

وقد حاول العلامة المحقق أن يستفيد من هذه الرسالة الجوابية في تلطيف الأجواء ، وأخذ يتصل بالمعاهد والحوزات العلمية ، حتى طبع منها المئات وعلّقت على لوحات الإعلان في المدارس وغيرها ، وأرسل عددا وفيرا منها إلى الشخصيات العلمية .

فقد بات واضحا لكل أحد ، أن فلانا قد تراجع ، وعليه ، فقد أقفل الملف ، وعادت الأمور إلى طبيعتها وارتاح القوم وتنفس الجميع الصعداء .

الزهراء عليها السلام تتدخل مجدداً

ولكن صاحب هذه المقولات لم يهدأ بل أخذ يثير الأمر من جديد .

وفجأة وبسبب ظروف خاصة تتعلق بالحياة العائلية للعلامة المحقق جعفر مرتضى العاملي، من حيث إصرار والده الذي كان مريضا آنذاك على أن يكون إلى جانبه، فاضطره ذلك إلى ترك قم والإقامة في لبنان ، حيث كانت تتم زيارات متبادلة بينه وبين ذلك " البعض" ولقاءات واتصالات حتى كان اليوم الموعود .

وتدخلت الزهراء عليها السلام من جديد ! فقد بدأ " البعض " بطرح مقولاته حول الزهراء عبر وسائل الإعلام المتوفرة لديه، بمناسبة وبغير مناسبة، حتى بلغ به الأمر حدا جعله يعلن أنه لم يتراجع عن تشكيكاته حول ما جرى على الزهراء (ع) ، وأن ما جرى في قم في هذا المجال، لا سيما رسالته الى قم التي تراجع فيها عن ذلك، قد كان بمثابة " الانحناء أمام العاصفة " ففجر بذلك قنبلة من العيار الثقيل .

لقد كان وقع هذا التصريح كالصاعقة على كل من عمل في ذلك الوقت على رأب الصدع، ولعلهم شعروا بالإهانة من تلك الطريقة الرخيصة التي استغلّ بها ذلك " البعض" علاقاتهم مع المعاهد والحوزات العلمية والثقة التي يولونها لهم وهذا أمر يمكن التغاضي عنه، لكن الأخطر من ذلك هو: كيف السبيل لإقفال هذا الملف؟

وعادت الوساطات إلى الواجهة ، ولم تنقطع اللقاءات والمحاورات بين العلامة المحقق وذلك " البعض" إلا في وقت متأخر .

وتوالت الأيام وأخذت الصورة تتّضح أكثر فأكثر : إن ذلك " البعض" ربما لم يترك مفردة من مفردات الدين الأساسية إلا وله رأي مختلف فيها، وتأخذ في معظمها طابع التشكيك في المعتقدات والشذوذ في الآراء .

 

الاتصالات تفشل 

وكتاب مأساة الزهراء عليها السلام يبصر النور

واستمرت الاتصالات لحل القضية ، والأدلة العلمية المحكمة لم تبق عذرا  لمعتذر . واستمر ذلك " البعض"  بالتشكيك المبني على غير أساس علمي صحيح وقويم .

وتوجهت الأنظار نحو العلامة المحقق نظراً لمركزه العلمي المتميز ، وقد بات غير قادر على السكوت لا سيما مع توالي الأسئلة عليه ، وانتظار موقف حاسم منه . وبعد تفكير مليّ ، وانتظار أشهر لعلّ الوساطات تفلح ، شرع العلامة المحقق بتأليف يضيء فيه بعض زوايا المشكلة ويزيل الغموض عن بعضها الآخر، ويجيب عن الأسئلة المطروحة بإلحاح حول ما جرى على الزهراء (ع) مما شكك به ذلك " البعض " .

وبحسب بعض الأشخاص الذين تابعوا الاتصالات، فقد كان الكتاب الذي يعده العلامة المحقق عبارة عن أسئلة وأجوبة تعالج بعض تلك المقولات، واستجابة لتدخلات بعضهم بحجة أن ذلك " البعض" قد يعتبره على هذه الطريقة إهانة يصعب معها الاستمرار في الوساطة فقد تم تعديل صيغة الكتاب.

وأثناء عمل العلامة المحقق على إنجاز كتابه، طلب من الأخوة الساعين في تلك الاتصالات الاستمرار في اتصالاتهم، وأعلن عن استعداده لوقف النشر حتى لو كان الكتاب قد أنجز ، إذا ما توصلوا إلى نتيجة إيجابية .

لكن ، كل تلك التحركات والوساطات باءت بالفشل، وأُعلن عن انتهائها برفض ذلك " البعض"  لعقد أي مجلس حوار منطقي متكافئ  فكان لابد لكتاب "مأساة الزهراء (ع)" أن يبصر النور، وكانت الزهراء (ع) كما هي دوما هي الشعلة التي تضيء الطريق .

ردود الفعل من مراجع النجف وقم

كانت الردود الأبرز هي تلك التي صدرت من الجهات العلمية، لا سيما مراجع الأمة ، وأساتذة الحوزة في قم المقدسة، والنجف الأشرف ، حيث أعلن هؤلاء تأييدهم لما جاء في هذا الكتاب ، وباركوا وأثنوا على مؤلفه عبر رسائل نشر بعضها ، كما أعلنوا في بيانات وتصريحات موقفهم السلبي من صاحب تلك المقولات نشرت أيضا في حينه ، وجمع بعضها في كتاب " الحوزة العلمية تدين الانحراف " الذي طبع أكثر من مرة .

ردود الفعل من " البعض "

أما " البعض" وأنصاره فقد تزعزعت أركانهم من هذا الكتاب ؟!! وزاغت أبصارهم ونشطوا في تخبط لايحسدون عليه !!

ولم تمر أشهر قليلة على صدور كتاب "مأساة الزهراء (ع) " حتى صدرت "باكورة " أعمال "البعض" الانتقامية فصدر أول كتابب اسم ( هوامش نقدية ) لمؤلفه محمد الحسيني ، وقد تكفلت شخصيا بالرد عليه، ونظرا لما كان يحويه فقد أسميته كتاب ( الفضيحة ). ولم يتوجه "الخبث" في ذلك الكتاب نحو العلامة المحقق، بقدر ما توجه الى المذهب وأعلامه، وعمل على تخريب آرائهم وتزييفها وتحريفها !

 ولم تمض أيام حتى أصدر متطفل ثالث كتاباً آخر ،  ارتكب فيه تحريفاً سافرا لا يخفى حتى على الأعمى ، وهو كتاب (مأساة كتاب المأساة ) للمدعو نجيب نور الدين ، وكالعادة ، فقد كانت الحجج ترتكز على أن "البعض" لا يقصد ما يُفهم من كلامه !

وقد قام فضيلة الشيخ القطيفي بالرد عليه في كتاب أسماه ( جاء الحق ).

كتاب خلفيات والمفاوضات

في هذا الوقت ، كان يعمل المحقق العاملي على مسوّدة كتاب يوضح فيه خلفيات إقدامه على كتابة " مأساة الزهراء (ع )" وقد جمع فيه مجموعة من المقولات "الجريئة" و"الخطيرة" التي تكشف عن حجم المشكلة التي يعاني منها "البعض" وبالتالي فإن القضية ليست قضية إنكار ما جرى على الزهراء (ع) وحسب، بل هي تتعدى ذلك إلى حد يطال الكثير من معالم المذهب وحقائقه التاريخية والعقيدية والفقهية.

وبشكل غير مسبوق ومفاجىء ، سرقت إحدى المسوّدات الأولية للكتاب بعد أن دفع ثمن سرقتها آلاف الدولارات كما يقال! وقد اعترف بعد مدة أحد المقربين جدا من "البعض"  بدفع المال للحصول على المسودة، إلا أنه أنكر أن يكون هو الممول، وذكر أن المال دفع من أحد المتبرعين !

 فكان ذلك سبباً لتجديد تأليف الكتاب وتوسيعه ، وكان المحقق العاملي أطلق عليه اسما أوليا هو "مئتان ويزيد ولدينا المزيد" ثم صدر فيما بعد بكتاب "خلفيات كتاب مأساة الزهراء "

وقبل نشر الكتاب تدخلت بعض الأوساط بمبادرة وساطة لتقريب وجهات النظر حول إمكانية إيجاد حل ما. وجاء وفد إلى العلامة المحقق وطلبوا منه تأخير إصدار الكتاب أسبوعين ، وطرحوا فكرة الانطلاق بالمبادرة، وزعموا أن ذلك "البعض" لم يرفضها وذلك على أساس الوعد الذي حملوه بتصحيح المسار ؛ فأعلن المحقق العاملي تأييده لكل عمل من شأنه أن ينزع هذا الفتيل ، ويقفل هذا الملف نهائيا ، وأعلن استعداده لمساعدة هذا "البعض" بكل صورة ممكنة لتحقيق هذا الغرض .

ثم عاد الوفد للتحرك ، وطلبوا من المحقق العاملي طالبا منه تأخير إصدار كتابه أسبوعين آخرين ، وأن تعطى المبادرة بعض الوقت،ثم عادوا وطلبوا تمديد المهلة ثالثة ، فلم يمانع العلامة المحقق حرصا على نجاح المبادرة رغم كون الأمل ضعيفا بأن يقبل الطرف الآخر  وهكذا توالت طلبات التمديد حتى وصلت إلى حوالي ثلاثة أشهر، حيث جاءت المفاجأة بصدور الرد على كتاب خلفيات قبل صدوره !!!

وقد بات الأمر واضحا، لقد كانت هناك خديعة مورست حتى على الوفد الوسيط ليصدر الرد على الكتاب المسروق قبل صدوره !!

كتاب مراجعات في عصمة الأنبياء (ع) من منظور قرآني

جاء شخص يحمل الى العلامة المحقق رسائل من " أبو مالك الموسوي" هي نقد كتاب خلفيات ، وقد تمنى فيها صاحبها أن تبقى طي الكتمان، كاشفا عن أنه بصدد إعداد رسالة أخرى في الموضوع أحال العلامة المحقق الرسالة إلي لتسجيل الملاحظات عليها، تأييدا أو تفنيدا.

ولم يمض سوى بضعة أسابيع حتى وصلت رسالة الثانية يتابع فيها كاتبها وقفاته " النقدية " على كتاب خلفيات   وبعد أشهر قليلة، كشف ذلك "البعض" صاحب المقولات المعروفة عن أن ثمة كتابا سيصدر قريبا من إيران للمدعو " أبو مالك الموسوي".

وذكر " الكاتب " في مقدمته إرساله رسالة الى المحقق العاملي وانتظاره للجواب عليها ، وأنه انتظر طويلا وصول الرد بناء على الوعد لكنه لم يستلم شيئاًً 

ولم يذكر الكاتب أنه كان ينوي بالفعل نشر كتابه وأن الأمر برمته مفتعل ومدبر .

السيد فضل الله يقوم بحملة دعاية للكتاب

وبعد بضعة أسابيع من الرسالة الثانية وقبل حوالي ثلاثة أشهر من صدور كتابه كشف "السيد" فضل الله عن وجود كتاب سيصدر قريبا في قم للمدعو " أبو مالك الموسوي" يناقش كتاب خلفيات ! وكان أول من كشف عن ذلك .

النصر الموهوم

تعاطى "البعض" مع ذلك الكتاب على أنه النصر الحاسم الذي سيغيِّر "المعادلة " لكن سيتبيّن أنه نصر موهوم.

وقد وضع " البعض " كل ثقله في هذا الكتاب، وقام بتوزيعه يمينا وشمالاً ، مختومة بختم هدية مكتب سماحة (آية الله العظمى السيد) محمد حسين فضل الله". على المعاهد والحوزات العلمية، وعلى العلماء والمثقفين، ولم يُستثن العوام من هذه الهبات والهدايا. وأرسلوا منه ألوف النسخ وزعوها في موسم الحج ! واهتم بتوزيعه في لندن  لندن، أميركا، كندا وغيرها من البلدان.

لكن لا ندري الى أي مدى سيذهب " البعض " في تبني هذا الكتاب بعد إفتضاح أمره بإصدار كتابنا هذا؟!

ربما سيكون نصيبه مثل الكتب الثلاثة التي كان تبناها ذلك " البعض "، وقام بتوزيعها وتسويقها عبر إذاعته وغيرها من الوسائل، وبعد إصدار الردود عليها وافتضاح أمرها وأمر " كتّابها "، وما مارسوه فيها من تحريف وتزييف، عمد ذلك "البعض" الى التنصل وإظهار البراءة منها !!.

    محمد محمود مرتضى /

بـيــروت 15 ربيع الثانــي 1422

*             *

 

 

 

 

مدخـل في ( منهج ) الكاتب

سمى " الكاتب " ملاحظاته " نقدية " لكن الاسم الحقيقي المنطبق على (منهجه) هو الأعمال الستة التالية :

1- التجاهل : حيث يتجاهل " الكاتب " نصوص المشكلة التي صرّح بها "البعض" ، وأشار إليها العلامة المحقق في كتاب "خلفيات" ويجر القارىء إلى بحوث أخرى تجعله ينسى النقاط الحساسة كلية . وقد ارتكب ذلك في أغلب فصول الكتاب، ومن نماذجه بعض ماجاء في فصل آدم(ع) وإبراهيم(ع) ونوح(ع)

2- التدليس : حيث قام "الكاتب" بعمليات تمويه في كلام "البعض" أخفى بها عيوب هذا كلامه وأظهره على غير حقيقته، ويمكن اعتبار بعض ما جاء في فصل آدم(ع) ويوسف (ع) وداود (ع) ونوح (ع) من مصاديق هذا التمويه والتدليس .

3-  الإنكار: ونعني به قيام "الكاتب" بإنكار نسبة بعض المقولات التي أطلقها "البعض" إليه، والادعاء بأنها افتراء عليه، وهو ما بيّنا بطلانه. ويمكن ملاحظة ذلك في فصل آدم (ع) ويونس (ع) ويوسف (ع).

4- تحريف مطابقة: ونقصد به قيام "الكاتب" بتحريف آراء العلماء والأعلام عن مقاصدها لتظهر وكأنها مطابقة لما ذكره "البعض" وموافقة له، ويمكن ملاحظة ذلك في أغلب الموارد التي نقل فيها تلك آراء هم .

5- تحريف انطباق: وإن عجز "الكاتب" في بعض الأحيان عن ممارسة تحريف مطابقة، عمد إلى ممارسة تحريف انطباق ، ونعني به قيامه بتحريف كلام " البعض " نفسه ليظهر مطابقا أو موافقا لما ذكره العلماء والأعلام . وأمثلة ذلك كثيرة كما سترى .

6 - التعمية: ونعني بذلك قيام "الكاتب" بذر الرماد في العيون، بهدف التعمية على موضع الإشكال، وأمثلة ذلك كثيرة أيضا كما سترى .

7- وختاماً  نذكِّر  بأن الكاتب تجاوز قاعدة ( عدم جواز تأخير البيان عن موضع الحاجة ) حيث ادعى في محاولاته لتصويب مقولات "البعض" أن هذا الرأي أو تلك المقولة قد ذكر صاحبها إيضاحات لها في كتاب آخر أو جزء آخر أو موضع آخر من كتابه، وذلك مخالف لما قرره العلماء الأعلام في محله، من "عدم جواز تأخير البيان عن موضع الحاجة".

وقد أشار العلامة المحقق إلى هذا الأمر في مقدمة كتاب "خلفيات ج1" حيث قال: "قد يقال: إن بعض الموارد التي يرد عليها الإشكال قد ذكرت لها في مواضع أخرى حدود وقيود تجعلها مقبولة ومعقولة

ونقول: إن من الواضح أن من يكتب شيئا في مقالة ما، فإنه لا يصح له أن يكتب ويطلب من الناس أن يقرأوا كل ما كتبه طول عمره، ليعرفوا ماذا يقصد بكلامه في مقالته تلك، وليس له أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة، فيفصل بين مراده وبين الشاهد والقرينة عليه؟!".

وأضاف (أعزه الله) قائلا: "وكيف يصح أن يقال: إنه من أجل معرفة المراد من آية قرآنية، لا بد من قراءة تفسير القرآن كله بجميع أجزائه؟!"( خلفيات : 1/35 40).

أضف إلى ذلك: إن ما يحيل عليه الكاتب ، قد صدر بعد سنوات أو قبل سنوات من صدور النص موضع الإشكال، فكيف يصح جعله توضيحا له؟! بل هو جدير بأن يكون تناقضا من "البعض" !

 

 

الفصل الأول

 

آدم عليه السلام

 

 

 

 

خلاصة الانتقادات

1 ـ ارتكب "الكاتب" أسلوب التمويه فأظهر للقارئ أن مورد الإشكال هو زواج أبناء آدم (ع)، والحقيقة أن الإشكال إنما هو في قول " البعض " : " لا طريق إلا تزويج الإخوة بالأخوات". وقوله : "لم يكن هناك بديل عن زواج الإخوة بالأخوات مع ما يستبطن هذا القول من تقييد لقدرة الله تعالى ونسبة العجز إليه ".

2 ـ تجاهل " الكاتب" وصف " البعض" لبيت آدم (ع) بأنه كان غير نظيف من الناحية الجنسية ولم يتعرض لهذا القول له أبداً !

3 ـ تجاهل "الكاتب" حديث "البعض" عن عدم وجود مناعة جنسية في بيت آدم حتى بين الأم والأب تجاه أولادهما ، ولم يتعرض لهذا القول !

4 ـ نسب "الكاتب" زوراً لأعلام الأمة وعلمائها ومراجعها كالطوسي والطبرسي والخوئي والطباطبائي قدس سرهم أنهم يقولون بما يقوله صاحبه !

5 ـ قام الكاتب بالتدليس في نص صاحبه عندما حذف عبارة توضح الإشكال في حديثه عن أن معصية آدم كمعصية إبليس !

6 ـ حاول "الكاتب" تضليل القارئ عندما أخذ يحشد نصوصاً لصاحبه إما من غير كتابه ( من وحي القرآن ) موضوع النقد ، أو من غير الجزء الذي ورد فيه الإشكال ، وقد ذكرنا أن ذلك مخالف للقاعدة الأصولية التي تنص على عدم جواز تأخير البيان عن موضع الحاجة .

7 ـ حرَّف "الكاتب " رأي العلامة الطباطبائي بأن آدم (ع) قد نسي تحذير الله لهما بالإقتراب من الشجرة ونسب اليه أنه يضعف هذا الرأي ، والحقيقة أن الطباطبائي قدس سره رفضه رفضاً قاطعاً وقال عنه إنه غير صحيح.

8 ـ قام "الكاتب" بحذف نص لصاحبه كان ذكره هو بنفسه في رسالته للعلامة المحقق، والإشكال فيه ظاهر وهو عن طلب آدم وزوجه للمغفرة والرحمة ، بأنه قد ينطلق من الشعور بالإساءة إلى مقام الله في ترك اتباع نصائحه !

9 ـ قام "الكاتب" بالعبث بكلام العلامة الطباطبائي المتعلق بمعنى نسيان آدم (ع) ليخرجه عن دلالته الحقيقية !

10 ـ نسب "الكاتب" زورا وبهتانا للشهيد الصدر وغيره أنهم يقولون بما يقول به صاحبه !

11 ـ افترى " الكاتب " على العلامة المحقق فأشار الى أن تعريف السذاجة بأنها "التطلع إلى الأمور بنظرة حائرة بلهاء" هو تعريف للعلامة المحقق ، بينما هو تعريف صاحبه !

12 ـ افترى "الكاتب" على العلامة الطباطبائي عندما اعتبر أنه قدس سره وصف آدم بالسذاجة.

13 ـ افترى "الكاتب" في عنوان بحثه على علماء الأمة عندما ادعى أن الحديث عن ضعف آدم (ع) أمام الحرمان، وأنه أقدم على ممارسة الرغبة المحرمة، قد صرح بهما الكثير من المفسرين دون أن يذكر نصاً واحدا لهم !

14 ـ افترى على العلامة المحقق عندما ألمح إلى أنه أعزه الله يعتبر أن آدم (ع) قد ضعف أمام إغراءات إبليس.

15 ـ تجاهل "الكاتب" حديث صاحبه عن إقبال آدم (ع) على ممارسة الرغبة المحرمة مع أنه جعلها في عنوان بحثه !

16 ـ اتهم "الكاتب" العلامة المحقق بأنه راح يستهزئ بمقولة الدورة التدريبية لآدم (ع) من خلال حديثه أيده الله عن الأوامر الإمتحانية والعسكرية . والحقيقة: أن هذا التعبير هو لصاحبه نفسه !

17ـ تجاهل "الكاتب" مقولات عديدة لصاحبه :

فقد تجاهل حديثه عن انحراف آدم عن خط المسؤولية في طاعة الله.  وتجاهل قوله أن ابليس أوصل آدم إلى مرحلة السقوط بسبب الغرور الذي أوقعه فيه . وقوله إن آدم وزوجه (ع) قد شعرا بالخزي والعار . وقوله : وتمثلت الجريمة لهما بمستوى الكارثة .  وقوله إن إبليس أسقط آدم (ع) من مكانته لئلا يبقى هو الساقط الوحيد في عملية التمرد على الله . وقوله :  فها هو إبليس يشعر بالزهو والرضا لأنه استطاع أن يهبط بقيمة هذا المخلوق الذي كرمه الله عليه إلى درك الخطيئة ليصبح منبوذا من الله . وقوله : ولكن آدم لم يتعمق في وعي المفهوم ولم يأخذه مأخذ الجدية والإهتمام ..!

إلى غيرذلك مما أتحفنا به "البعض" وتجاهله "الكاتب" !!

الآيات القرآنية في الموضوع

( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة ، وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين . فأزلهما الشيطان فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى  حين . فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ) (18) .

 (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما . وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى . فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى . إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى . وإنك لا تظمأوا فيها ولا تضحى. فوسوس إليه الشيطان قال ياآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى . فأكلا منها فبدت لهما سؤاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى . ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) (19).

(ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين . فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سؤاتهما، وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين . وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين . فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سؤاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة فناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما

عدو مبين. قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) (20) .

ما قاله " البعض "

14ـ معصية آدم كمعصية إبليس.

15ـ الفرق بين آدم وإبليس هو في الإصرار والتوبة.

16ـ آدم ينسى ربه، وينسى موقعه منه.

17ـ آدم استسلم لأحلامه الخيالية وطموحاته الذاتية.

18ـ آدم طيب وساذج، لا وعي لديه (أبله) !.

19ـ آدم يعيش الضعف البشري أمام الحرمان.

20ـ آدم يمارس الرغبة المحرمة.

21ـ الدورة التدريبية لآدم عليه السلام.

22ـ كان عاصيا ولم يكن مكلفا.

23ـ لا طريق إلا تزويج الإخوة بالأخوات.

24ـ لا مناعة جنسية حتى بين الأم وولدها.

25ـ بإمتداد النسل يحصل الجو النظيف جنسيا "(21).

نص أقواله

 "وغفر لهما وتاب عليهما، ولكنه أمره بالخروج من الجنة كما أمر إبليس بالخروج منها، لأنهما عصياه كما عصاه، وإن كان الفرق بينهما أنه ظل مصرا على المعصية ولم يتب، فلم يغفر له الله، بينما وقف آدم وزوجته في موقف التوبة إلى الله، فغفر لهما".

"فانطلقا إليها بكل شوق ولهفة، وأطبقت عليهما الغفلة عن مواقع أمر الله ونهيه، لأن الإنسان إذا استغرق في مشاعره، وطموحاته الذاتية، واستسلم لأحلامه الخيالية، نسي ربه ونسي موقعه منه".

"كيف نسيا تحذير الله لهما؟ وكيف أقبلا على ممارسة الرغبة المحرمة؟".

"كان يعيش الضعف البشري أمام الحرمان".

"فالله أراد أن يدخل آدم في دورة تدريبية، ولذلك لم يكن أمرا جديا ولكنه كان أمرا امتحانيا، إختباريا، تجريبيا، وكان أمرا تدريبيا، تماما كما يتم تدريب العسكري، ولذلك فالجنة لم تكن موضع تكليف، وما يذكر لا يرتبط بالعصمة أبدا، إن الأنبياء من البشر وهم يعيشون نقاط الضعف، ولكن نقاط الضعف التي لا تدفعهم إلى معصية الله، أما مسألة الجنة وقصة آدم في الجنة فهذا خارج عن نطاق التكليف، لقد أراد الله أن يدخله في دورة تدريبية حتى يستعد للصراع القادم عندما ينـزل هو وإبليس إلى الأرض ليكون بعضهم لبعض عدوا حتى يتحرك في مواجهة العداوة التاريخية".

"الله أراد لآدم أن يمر في دورة تدريبية في مواجهة إبليس لأن آدم طيب وساذج، ولم يدخل معترك الحياة".

"أول الخلق كان هذا الشيء حلال، لماذا؟ لأن هذا هو الذي يفسح المجال لإنطلاقة البشرية، ولا يوجد طريق غيره".

"فنظام العائلة مكون من أب وأم، وأخوة وأخوات، وهو إنّما يتوازن ويستقيم عندما تكون هناك مناعة عند الأب وعند الأم وعند الأخ وعند الأخت ضد أي إحساس جنسي تجاه الآخر، لأنه لو فرضنا أن الأحاسيس الجنسية كانت موجودة في حياة الأب والأم تجاه أولادهما، أو في حياة الأولاد تجاه بعضهما البعض، فلن تستقر حياة عائلية ولن تنسجم في خصوص الجو العائلي المغلق حيث يفسح المجال لهذه الأمور بشكل فوق العادة لذلك فإن الله سبحانه وتعالى بعد أن صار هناك أبناء عم أو أبناء خال وخالة، أي عندما امتد التناسل وأصبحت هناك علاقات طبيعية، حرّم الله ذلك ليستقيم نظام العائلة، ولتنمو العائلة في جو طاهر نظيف من الناحية الجنسية، وبعد ذلك تنطلق لينشئ كل واحد منهم عائلة " (22) .

توالد أبناء آدم عليه السلام

اعتبر الكاتب أن تزويج آدم للإخوة بالأخوات على حد زعمه مقولة جريئة !  ثم استعرض رأي السيد الطباطبائي (قده) والشيخ الطوسي (قده) والطبرسي (قده) وغيرهم ، محاولاً تحريفها للدفاع عن رأي "البعض" فيما سماه من وحي القرآن !

وترك عبارة " البعض " محل الإشكال والتي جاءت في مجلة الموسم وتكررت في نفس المجلة في مكان آخر منها فهي قوله: "في بداية الخليقة لم يكن هناك بديل عن زواج الإخوة بالأخوات" (2).

وقوله: "أول الخلق كان هذا الشيء حلال، لماذا؟ لأن هذا هو الذي يفسح المجال لإنطلاقة البشرية، ولا يوجد طريق غيره " (26) .

وبالعودة إلى العناوين التي تعّرض لها العلامة المحقق في كتاب خلفيات، فسنجدها ثلاثة وهي :

1ـ لا طريق إلا تزويج الإخوة بالأخوات .

2ـ لا مناعة جنسية حتى بين الأم وولدها .

3ـ بامتداد النسل يحصل الجو النظيف .

ولو تدبرنا وتأملنا فيها لعرفنا مورد الإشكال ، ولوجدنا العلامة المحقق قد تحدث في وقفتين قصيرتين: الأولى: عن الإشكال الثاني والثالث. والثانية: عن الإشكال الأول. ولوجدناه، قد أشكل على: "حصر الطريق" بتزويج الإخوة بالأخوات لا على نفس تزويج الإخوة بالأخوات.

وقد أشار إلى ذلك صراحة بقوله : "ويزعم أنه لم يكن ثمة طريق يمكن بواسطتها حل هذه المشكلة، وإنطلاقة البشرية من خلالها " (23) .

ولذا ذكر رواية الصدوق قدس سره عن الإمام الصادق (ع) التي يقول فيها: "ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال ؟! " (24) .

 إذن فمورد الإشكال كما ترى هو : في مصادرة كلام " البعض " لقدرة الله سبحانه وتعالى!  وعليه: يظهر الفرق واضحا جليا بين ما تقدم من كلام العلامة المحقق وبين ما حشّده "الكاتب" من أقوال العلماء التي استشهد بها على أمر لم يكن مورداً للبحث أصلاً .

وللمزيد من التوضيح نقول : لنفرض أننا سألنا العلامة الطباطبائي (قده): كيف امتد النسل من ولد آدم عليه السلام ؟ لأجاب: لقد تزوج الإخوة بالأخوات، ولا مانع حسب رأيه طبعا من ذلك لأن الله تعالى حلله ثم بعد ذلك حرمه، لا سيما أنه حكم تشريعي يعود لله وحده الحكم فيه وتشريعه أنى ومتى وكيفما شاء.

ولو سألناه: ألم يكن هناك طريق آخر لامتداد النسل ؟

لأجاب: إن الله قادر على كل شيء فالذي خلق آدم عليه السلام من تراب قادر على أن يخلق غيره منه ومن غيره بل من لا شيء ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) فالأمر لا يتعلق بالإمكان بل بما كان وبما وقع . 

إن قلت إنه لا يعقل أن ينكر "البعض" قدرة الله تعالى على الخلق ؟

قلنا: إننا ذكرنا في مقدمة الكتاب، أن العلامة المحقق أعزه الله قد صرّح وصرّح بأن ما أورده في كتاب خلفيات يتفاوت ويختلف الأمر فيه من حيث الأهمية، وبأن الإشكالات لا تنحصر بخطأ الرأي فيه، فقد يورده لفساد طريقة التعاطي معه، ولوجود خطأ أساسي في معالجته له حيث ينبغي على الكتّاب أن يختاروا كلماتهم وألفاظهم، وتعابيرهم بدقة لاسيما في مقام الحديث عن الله سبحانه وتعالى، والأنبياء، والأئمة عليهم السلام.

وعليه: فإن إشكال العلامة المحقق في هذا المورد إنما هو حول هذا الحصر وهذا النفي لوجود طرق أخرى للتوالد، وبدائل لإمتداد النسل، بغض النظر عن رأيه في هذه القضية، وإن كان قد صرّح بأنه يضعّف حصول التوالد عبر تزويج الإخوة بالأخوات لقوله: "وأما خبر الإحتجاج، وقرب الإسناد فيضعفه مطابقته في هذا الأمر لمذهب غير الشيعة " (28) .

  ومن الشواهد اللطيفة على هذا الأمر ما نقله العلامة الطباطبائي (قده) في تفسيره عن نهج البيان عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه عن الباقر (ع) قد قال له عندما سأله من أي شيء خلق الله حواء، وأن اليهود يقولون أنه تعالى خلقها من ضلع آدم. قال عليه السلام :كذبوا، أكان الله يعجزه أن يخلقها من غير ضلعه (30) .

  ترى إن كان القول: إن الله خلق حواء من ضلع آدم استلزم هذا الردّ من الإمام (ع) بأن في هذا القول إنتقاصاً من قدرة الله، فماذا كان سيقول عليه السلام لو سمع " البعض " ؟!!

سيغموند فرويد تلميذاً !

أما فيما يتعلق بالإشكالين الآخرين، فإن "البعض" نظر الى قضية التزاوج عبر المقدمة التالية: "إن نظام العائلة لا يتوازن إلا بوجود مناعة جنسية عند الأب والأم والأخ والأخت، وهذه المناعة لا تحصل في خصوص الجو العائلي المغلق حيث يفسح المجال لهذه الرغبات، ومع انعدام المناعة، أي مع وجود الأحاسيس الجنسية في حياة الأم والأب تجاه أودلاهما فلن يحصل ذلك التوازن، إلا أنه عندما صار هناك أبناء عم وأبناء خال وخالة أي بعد أن امتد النسل وأصبحت هناك علاقات طبيعية حرّم الله ذلك ليستقيم نظام العائلة، ولتنمو العلاقات في جو طاهر نظيف من الناحية الجنسية." (31)

  هذا التنظير الذي دخل فيه صاحب هذه المقولات حول عدم توازن نظام العائلة بسبب عدم وجود المناعة، أدى به إلى القول بأنه كان يوجد أحاسيس جنسية من الإخوة تجاه الأخوات الذي أدى إلى التزاوج وامتداد النسل كذلك كان يوجد أحاسيس جنسية بين الأب والأم، والأولاد بسبب ما أسماه: "خصوص الجو العائلي المغلق" وهذا ما تبناه بشكل صريح وواضح، وإلا لماذا لم يحصر عدم وجود المناعة بين الإخوة والأخوات وحسب ؟!

فهل يريد أن يمهد الطريق لبعض الأفكار الإسرائيلية للتوراة التي تتحدث أن بعض الأنبياء نزا على بناته ؟!!

ثم إذا كان هذا الزواج قد شرعه الله، فما معنى وصفه لنظام العائلة بعد التحريم "بالنظيف جنسياً" ؟ ألا يلزم من ذلك القول أن الجو العائلي قبل التحريم لم يكن نظيفا ؟!

ونتساءل :كيف عرف صاحب هذه المقولات أنه عندما صار هناك أبناء عم وأبناء خال أصبحت هناك علاقات طبيعية ليأتي التحريم بعد ذلك؟!. علما أن العلاقات الطبيعية لا ترتبط بوجودهم؛ لأن وجودهم لا يمنع تلك الأحاسيس من أن تعّبر عن نفسها بين الإخوة والأخوات وبين الوالد وابنته والأم وولدها ما دامت تشريعية .

وإذا غضضنا النظر عن القضية المتعلقة بالأب والأم وأحاسيسهما الجنسية تجاه أولادهما، كان ينبغي أن يقول: عندما صار هناك أبناء عم وأبناء خال وخالة، أصبح بالإمكان تحريم ذلك،  ليصبح هناك علاقات طبيعية. (المقصود بالطبيعية ما يقابل الإستثنائية فاقتضى التنويه منعا للإلتباس).

ولا نعتقد أن " البعض " قصد بالطبيعية هذا المعنى ، وإلا كان ينبغي عليه نصب قرينه تدل على ذلك . هذا مع أنه قد تحدث عن العلاقات الطبيعية قبل التحريم، حيث قال: إن التحريم جاء بعد ذلك . وهذا نص كلامه: "لذلك، فالله سبحانه وتعالى بعد أن صار هناك أبناء عم وأبناء خال وخالة، أي عندما امتد التناسل وأصبحت هناك علاقات طبيعية حرّم الله ذلك"32).

فيتضح أن الحديث عن العلاقات الطبيعية إن كان بعد التحريم، فيقصد به  ما يقابل العلاقات الإستثنائية قبله .

أما الحديث عن العلاقات الطبيعية عند امتداد النسل وقبل التحريم، فلا نرى فيه إلا حديثا عن العلاقات الطبيعية في مقابل العلاقات الشاذة غير الطبيعية، مما لا يتناسب وينسجم مع القول بتشريعية القضية، فلايصح نعتها ووصفها بتلك النعوت والأوصاف ما دامت كذلك!!

بعبارة أخرى : ينبغي جعل العلاقة الطبيعية نتيجة للتحريم، أي تأتي بعده، لا أن التحريم جاء بعدها؛ لأن القضية ما دامت تشريعية خاضعة للحكم الإلهي، فإن المناعة لا تحصل عبر تزويج الإخوة بالأخوات وبالتالي: فإن قبول هذا التزاوج والوجود المفترض لهذه الأحاسيس والميول، سيبقى مركوزا في أذهانهم ووجدانهم ومشاعرهم، ولن يروا ضيرا في استمراره والتعبير عنه ولن تكون هناك علاقات طبيعية إلا بعد التحريم.

طبعا، كل ذلك على فرض القبول بمقولة التزاوج المرفوضة .

أما دعوى تعارض الروايات المعارضة لمقولة التزواج (35) فغير دقيق إذ الجمع بينهما جمعا دلاليا أمر ممكن .

بعد مامرّ نسأل " الكاتب ": هل يتبنى العلامة الطباطبائي والشيخ الطوسي والطبرسي قدس سرهم ، وغيرهم من العلماء الأعلام ، هذه "النظرية" التي لم تخطر حتى على بال سيغموند فرويد نفسه ؟!

وهل هذا مما يكاد يجمع عليه المفسرون الشيعة ؟!

ولماذا قدم "الكاتب" نصوصا منتقاة ومختارة لصاحبه ليست محط النظر، في الوقت الذي تجاهل فيه النصوص المشكلة ؟!

ثم ما معنى كلمة الطاهرة أليست في مقابل القذرة ؟!

وما معنى المناعة الجنسية ،أليست في مقابل الإنفلات الجنسي!!

ولماذا لم تكن لديه الجرأة على عرض النص الكامل المشتمل على هذه الترّهات أمام القارئ علما أنه النص الأساسي، بل الوحيد الذي قدّمه العلامة المحقق ؟! ألا يعتبر ذلك تعمدا وإمعانا في التمويه والتعمية والتضليل ؟!

ولعمري فإن من وضع نفسه في مواضع التهمة هذه كيف له أن يلوم من أساء الظن به !

شاهد طريف

في معرض حشده لآراء العلماء الذين ذهبوا إلى تزويج الإخوة بالأخوات عرض "الكاتب "نصا يعبر عن رأي السيد الخوئي (قده) ننقله بحرفيته :

"سئل المرجع الراحل السيد الخوئي(قده): هل تزوج أبناء آدم من اخواتهم أم حورية، وجنّية؟ فأجاب: الأخبار الواردة في ذلك مختلفة ولا محذود فيما لو صدقت إن كان بالأخوات لإمكان أنها لم تكن محرمة في شرع آدم على الإخوة.

وقد وافقه على هذا الجواب تلميذه سماحة الشيخ جواد التبريزي حفظه الله [صراط النجاة  1/461] "(39) .

الطريف في هذا الشاهد هو : أن إجابة السيد الخوئي (قده)، ومتابعة الشيخ التبريزي حفظه الله له أمر طبيعي جدا،حيث إن الإجابة منزلة على سبيل الفرض ، وهو المقصود من قوله قدس سره : "فيما لو صدقت "أي فيما لو صدقت الأخبار والروايات، وهذا الرأي المشروط بهذا الفرض، لا يوافقه عليه الشيخ التبريزي (حفظه الله) وحسب، بل كل إنسان له عقل وإن كان يميل (من الناحية العلمية التحقيقية) إلى استبعاد مقولة تزويج الإخوة بالأخوات !

إذ مع الفرض المذكور لا بد من التسليم بأن هذا الأمر لا شك أنه لم يكن محرما في شرع آدم عليه السلام وإلا كان تكذيبا للمعصوم، وردا عليه، فضلا عن أنه اتهام للنبي (ص) بإشاعة الفحشاء والمنكر ونشر الفساد والإفساد، والعياذ بالله، ولا يقول ذلك إلا كافر، فاجر، مارق عن الدين خارج عن الإسلام. وعليه، فإن صح جعل هذا النوع من الإجابات الفرضية شاهدا فما أكثر الشواهد والشهود!!

قصة آدم عليه السلام والجنة

أخل "الكاتب" بالأصول العلمية والمنهجية، وافترى على العلماء الأعلام بتقويلهم ما لم يقولوه، وحرف كلماتهم لتظهر على غير ما أرادوه 

ليست معصية آدم عليه السلام كمعصية إبليس

ذكر "الكاتب" أن هاتين المقولتين قد تبدوان  : "غريبتين، وجريئيتين، بيد أن الرجوع إلى سياق الحديث والأحاديث الأخرى للسيد في نفس الكتاب (من وحي القرآن) يظهر المقصود بصورة جلية وواضحة"(40).  ونقول له :

أ ـ مما لا يخفى أن العودة إلى سياق الحديث ضرورية، هذا إذا كان هناك  قرائن وشواهد، ترفع الشبهة وتحل الإشكال إلا أن العودة إلى سياق الحديث تقتضي العودة إلى موضع الآيات موضع الشرح، لا العودة إلى الأحاديث الأخرى المشتتة في خمسة وعشرين مجلدا هي مجموع مجلدات كتاب "من وحي القرآن". على أن الارجاع مواضع بعيدة مخالف للقاعدة الأصولية الثابتة:"عدم جواز تأخير البيان عن موضع الحاجة" التي تقتضي بأنه لو خليّ النص لوحده بمعزل عن النصوص الأخرى المتباعدة زمانا ومكانا ، يكون فيه ما يرفع الشبهة ويدفع اللبس ؟

على أن دعوته للعودة إلى الأحاديث الأخرى الواردة في كتاب " من وحي القرآن " بمجلداته الخمس والعشرين ! مما لم يسبقه إليه ولم يخطر على بال أحد.!!  فهل سيطلب منا كلما وجد إشكال العودة إلى كل الكتاب  ؟!!

وماذا لو عدنا إليه ولم نجد ما يرفع الإشكال ؟!!

وماذا لو وجدنا ما يؤكد الإشكال ويثبته ؟!!

فهل سيطلب منا العودة إلى الكتب الأخرى ؟!!

وماذا عن الذين لا يملكون بعض أجزاء كتابه فضلا عمن لا يملكون كتبه الأخرى ، لا سيما تلك التي لم تكتمل حلقاتها بعد؟!! ألا يعني ذلك أنه علينا إنتظار صدور كتبه الأخرى التي ربما ستصدر لترفع الإشكال عما صدر ؟!!

وماذا لو أن عمر المؤلف لم يتسع ليصل إلى المورد الذي يرفع فيه الإشكال؟! ! !

فهل سيطلب منا العودة إلى المسودات وأشرطة التسجيل والفيديو وما شابه؟ ! !

وماذا لو لم يف عمر القارئ بمراجعة كتبه ونشراته وأشرطته ومحاضراته قبل أن يطلع على ما يرفع  الإشكال وهو مقتنع بما فيه من الضلال؟.

ومن يضمن أن حجم النصوص المشكلة لن يتضاعف ويتضاعف؟!!

وإن قرر "الكاتب" الشروع بهذه المهمة، فننصحه أن لا يهمل الإستماع إلى أشرطة "الكاسيت" ليقارن بين المسموع والمقروء إذ لعل وعسى يجد فيها ما يساعده على رفع الإشكالات

ومن الضروري اشهاد رجلين أو رجل وامرأتين على كل مقولة وردت في المحاضرات المسجلة ممن كانوا حاضرين عند إلقائها، وليحرص على أن تكون الأشرطة التي يقتنيها ممهورة ومختومة من قبل الجهات المختصة والمؤسسات المعنية لضمان سلامتها وعدم تعرضها للدبلجة من قبل أجهزة المخابرات العالمية والإقليمية والمحلية !!

وعليه أن يتوقع بعد ذلك كله أن يقال له : إن هذا الختم مزوّر، أو أن صاحب هذه المقولات لم يقصد ما يفهم منها، أو أنهم فهموا كلامه خطأ، أو أنه من سهو القلم أو أن الطباع دسها في كتابه، وما شابه ذلك من مبررات لا طائل تحتها مع أننا نقرأ له ونسمع منه ما يؤكد نسبتها إليه وتبنيه لها وإصراره عليها وعلى مضامينها ومعانيها ودلالاتها وملازماتها.

أضف إلى ذلك أنها موجوده في كتبه ومتداولة بين مريديه الذين يدافعون عنها صراحة ويتباهون بها جهارا بل ويضفون عليها هالة من القداسة، ويُرمى من يعترض عليها بشتى أنواع السباب وأقذعة، ويتهم بالتجرؤ على المقامات المقدسة، هذا إذا لم يتهم بتهديد الساحة الإسلامية باسرها !! فهل "كاتبنا" مستعد لمواجهة كل ذلك؟  وعلى قاعدة الإنفتاح على الآخرين على طاولة الحوار المزعوم ؟!!!

ب ـ لنفرض جدلا أن " البعض" لم يقصد من هذا النص ما يظهر و يفهم منه، وأنه أوضح مقصوده في أماكن أخرى، فليكن عندئذ هذا المورد من الموارد التي قال عنها العلامة المحقق أنها تحتاج إلى إيضاح لا إصلاح.

ج ـ أضف إلى ذلك كله أن النصوص مورد الإشكال لو لم يكن فيها ما فيها لما امتدت أيدي المدافعين عن صاحبها لحذف بعض عباراتها كما فعل "كاتبنا " حيث ذكر أن هاتين المقولتين: "هما في الحقيقة مقولة واحدة جاءت في سياق واحد حيث يقول السيد: "أنهما عصياه كما عصاه [أي كما عصاه إبليس] وإن كان الفرق بينهما أنه [أي إبليس] ظل مصرا على المعصية"(41).

ومن يراجع النص يجد ما فعلته يد هذا "الكاتب" السمحة الكريمة حيث حذف العبارة التي توضح المشكلة التي تقع قبل الكلام الذي نقله مباشرة وهي   قوله:  " ولكنه أمره [أي أمر آدم عليه السلام] بالخروج من الجنة كما أمر إبليس بالخروج منها ، لأنهما عصياه كما عصاه إلخ (42) . حيث إن المعصية التي ادعاها قد أثرت أثرا واحدا لكليهما، وهو خروجهما من الجنة على حد سواء.

د ـ وإذا كانت المعصية من إبليس لأمر مولوي قد استلزمت هذا العقاب وهو الخروج من الجنة، ألا يعني ذلك أن المعصية من آدم (ع) كانت لأمر مولوي أيضاً ؟! لأنها استلزمت نفس العقاب؟! وإلا فما معنى لام التعليل الواردة في عبارته:  " أمره بالخروج من الجنة كما أمر إبليس بالخروج منها (لـ) أنهما عصياه كما عصاه" ؟!

  ولتوضيح ذلك نقول: لنفترض أن أستاذا في مدرسة عاقب زيدا بطرده من الصف لأنه خالف النظام، ثم بعد ذلك طرد عمروا فلو قال قائل: لقد طرد عمروا كما طرد زيدا لأن الأول خالف النظام كما خالفه الثاني، فهل يبقى هناك شك بأن طرد عمرو كان عقابا وأن مخالفته كانت كمخالفة زيد؟!!

وهل يوجد فرق بين هذا المثال، وبين كلام صاحب هذه المقولة؟! لا سيما أن النص باللغة العربية الواضحة المعنى والدلالة  وبسبب شدة وضوحها عمد "الكاتب"  إلى حذف القرينة الدالة على الإشكال حينما عجز عن توجيه النص الوجهة التي يريد، فكان التمويه والتعمية والتحريف والتضليل أقصر الطرق وأيسر الوسائل!!!.

هـ ـ وإذا كان " البعض" قد صرّح في مواضع أخرى، بخلاف ما صرّح به في الجزء العاشر منه ، وأن عملية الهبوط لم تكن عقوبة لآدم فلا أقل من القول بأن ذلك من المتناقضات التي ينبغي رفع الفاسد منها من كتبه، الأمر الذي أشار إليه العلامة المحقق حيث قال:

 "إذا كانت أقوال "البعض" متناقضة فليدل على الصحيح منها ليؤخذ به، وليبين للناس الفاسد ليجتنب عنه كما أن من مسؤولياته أن لا يتكلم بالمتناقضات"(43).

و ـ وإذا كانت هذه العبارة أو تلك موهمة لا مشكلة ، وما دام الحديث عن أسباب خروج نبي الله آدم (ع) من الجنة وعلاقة ذلك بالمعصية، فإنه كان على صاحب هذه العبارة أن يبادر إلى التوضيح بأن الخروج من الجنة لم يكن عقابا لآدم (ع)، والتوضيح بأن معصيته ليست كمعصية إبليس، وأن الفرق إنما في طبيعة المعصية وحيثياتها ؛ حيث الأولى إرشادية والثانية مولوية !

فذلك أولى وأهم من التفريع في كلامه عن الفرق على أنه الإصرار والتوبة

وليعترف أن  "صاحب العبارة" أخطأ في ترك الأولى ، فإنه أولى من الأنبياء بهذا النوع من الأخطاء !

اللهم إلا إذا كان "الكاتب" يعتقد بعصمة صاحبه عن ترك الأولى دونهم (ع).

ز ـ وأما قطع "الكاتب" في تعليقه على النص بأن مقصود صاحبه: " ليس التشابه من جميع الجهات والوجوه بل من جهة واحدة فحسب"(44) فهو مما لا دليل عليه، ولا قرينة ترشد إليه، بل هو تمحل صرف لا سيما مع وجود القرينة التي أشرنا إليها.

وإذا كان ذلك هو مقصوده فليصلح عبارته بحيث تدل عليه دلالة صريحة وواضحة حتى لا يقع في محذور الطعن بالأنبياء والجرأة على مقامهم.

النسيان وعدم العزم

وتحت هذا العنوان يفاجئنا "الكاتب" بالمبادرة إلى القول: إن هاتين المقولتين:  " قد صرّح بهما القرآن الكريم [!!] وأن السيد الطباطبائي (قده) ذكرهما في تفسيره [!!](45). وذلك منه مصادرة واضحة لأن الإشكال إنما هو حول معنى النسيان والعزم المذكورين في القرآن الكريم !! وليس على نفس استعمال الكلمات . ولعل "الكاتب" قد رجع إلى "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن" فوجد لفظة " نسي" ولفظة "عزم" فاعتبرهما تصريحا بالمقولة !!

أما قوله: إن العلامة الطباطبائي (قده) ذكرهما في تفسيره فسنناقشه فيه وسنبين أنه لم يتدبر كلامه، بل لم يفهمه وأنه يفتري عليه ويقوّله ما لم يقله وعلى أي حال، فإن من الواضح البيّن أن النسيان المنسوب لآدم (ع) قد جعله صاحب من وحي القرآن سيفا قاطعا سلطه على رأس آدم عليه السلام حيث يقول: "كيف نسيا تحذير الله لهما" ؟! (46). ويقول: "ونسي ربه"؟! (47). ويقول: "ونسي موقعه منه"؟!!(48).

فهلاّ أرشدنا "الكاتب" أين ذكر الله ذلك في القرآن الكريم؟ وهلاّ أرشدنا إلى ذلك الذي نسيه عليه السلام؟ فهل هو التحذير، أم ربّه، أم موقعه منه ؟

ثم ما معنى قوله:(49) "قد ينطلق من الشعور بالإساءة إلى مقام الله في ترك اتباع نصائحه"(50). فهل المعصية الإرشادية إساءة إلى مقام الله أم إلى النفس؟!. وهل عصيان نصيحة الطبيب إساءة إلى الطبيب وإلى مقامه أم إساءة من المريض إلى نفسه؟! وهل يعقل أصلا أن تكون معصية آدم (ع) إساءة إلى مقام الله تعالى ؟! وهل هناك من يقول بمثل هذه المقولة ؟!!

وحتى لوكان العلامة الطباطبائي (قده) يقول: "إن النسيان هو نسيان عهد الربوبية" فإنه قدس سره قد ذكر أن ذلك يعني "غفلة الإنسان عن ذكر مقام ربه" لا الإساءة إليه سبحانه وتعالى، فهناك فرق بين القولين

بل أن العلامة الطباطبائي قد صرّح بما لا يقبل الشك أن آدم (ع) قد أساء إلى نفسه، وفسّر قوله تعالى: "فتكونا من الظالمين" بالظالمين لأنفسهم، حيث قالا على ما حكاه الله عنهما: "ربنا ظلمنا أنفسنا". كما استدل رحمه الله على هذا المعنى بأنه تعالى: بدّل هذه الكلمة في سورة طه بقوله: "فتشقى" أي فتتعب، وأن وبال هذا الظلم هو التعب في الحياة الدنيا فعلى هذا يكون الظلم منهما ظلم لأنفسهما لا بمعنى المعصية المصطلحة(51).

بعد ما مرّ نسأل "الكاتب": هل أن ما ذكره " البعض" من أن آدم (ع) أساء إلى مقام الله سبحانه هو مما يكاد يجمع عليه العلماء ؟! وهل هو نفس ما ذكره العلامة الطباطبائي (قده) والشهيد الصدر (قده) وغيرهما ؟!

والعلامة الطباطبائي (قده) لم يضعفه كما ذكر الكاتب(52) بل رفضه رفضا قاطعا وقال: إنه غير صحيح (53) إذ كيف نسيا تحذير الله لهما وقد ذكره إبليس أمامهما كما في قوله تعالى: ( فوسوس لهما الشيطان وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين )

ولنفترض أن النسيان بمعنى الغفلة، فهل هذا يبرر كل هذا التهويل بتلك العبارات من مثل:"أطبقت عليهما الغفلة عن مواقع الله ونهيه"(54).وهل غفلا عن مواقع بالجملة!! أم عن موقع واحد بحسب الفرض؟!! و"استسلم لأحلامه الخيالية"(55).

فهل هذا من أدب الحديث عن أنبياء الله عليهم السلام ؟!!

أضف إلى ذلك أن النسيان لوكان يتعلق بالنهي، لاكتفي ابليس بإرشادهما إلى الشجرة ودعوتهما للأكل منها بدون ذكر النهي  لكنه ذكر النهي أمامهما وعمد لعنه الله إلى الإغواء  (الإغواء المقابل للرشد) بأن الأكل من الشجرة فيه منفعة كبيرة، وهو ما يتوافق مع كلام العلامة المحقق الذي قال: "إن عمل إبليس تركّز على إظهار أن الإلتزام بنهي الله وإن كان فيه منفعة كبيرة لأنه يدفع ضررا، إلا أن تحمّل هذا الضرر بالأكل يجلب منفعة أعظم"(56). وهو ما أشار إليه العلامة الطباطبائي (قده) في شرحه لمعنى الغيّ في قوله تعالى: "وعصى آدم ربه فغوى" حيث قال: "إن الغي خلاف الرشد الذي هو بمعنى إصابة الواقع وهو غير الضلال الذي هو خروج عن الطريق"(57). فالغيّ هو عدم إصابة الواقع، وهو ما يتلاءم مع كلام العلامة المحقق، لأن عمل آدم (ع) بكلام إبليس لم يصب به الواقع فلم يحصل فيه منفعة.

أما " البعض " فقد اعتبره " إنحرافا" بقوله: "لم تكن عملية الهبوط عقوبة لهذا الإنحراف عن أوامر الله"(58). والإنحراف هو خروج عن الطريق، أي هو الضلال كما أشار إليه العلامة الطباطبائي (قده).

وعليه فإن "البعض" في تفسيره لمعنى الغيّ بحسب رأي العلامة الطباطبائي  اعتبر الغيّ ضلالا. فكيف يصح ادعاء "الكاتب" بأنه لا فرق بين كلام العلامة الطباطبائي (قده) وكلام صاحبه .

ونسأل "الكاتب" ومعه صاحب المقولة: أي إرادة لله عصاها وتمرد عليها آدم عليه السلام ؟! هل هي الإرادة التكوينية أم الإرادة التشريعية ؟!

وعلى أي حال، فالفرق واضح بين ما ذكره " البعض"  وبين كلام العلامة الطباطبائي الذي اعتبر أن المعصية الإرشادية أي أن الأكل من الشجرة لم يكن نتيجة للنسيان، بل النسيان كان نتيجة للأكل، لأن النسيان يسببه عيش الإنسان في الدنيا وهي دار الغفلة، ولا يتم تجنبه إلا بالتوبة والتقرب إلى الله  قال رحمه الله : "ومن هنا تحدث إن كنت ذا فطانة أن الشجرة كانت شجرة في إقترابها تعب الحياة الدنيا وشقائها وهو أن يعيش الإنسان في الدنيا ناسيا لربه غافلا عن مقامه، وأن آدم (ع) كأنه أراد أن يجمع بينها وبين الميثاق، ووقع في تعب الحياة الدنيا، ثم تدورك له ذلك بالتوبة"(60).

ومعنى كلامه أن آدم (ع) أراد أن يجمع بين الميثاق والخلود الذي يسببه الأكل من الشجرة كما أقسم له عليه إبليس. لكن الأكل أدى إلى الهبوط إلى الدنيا وهي دار الغفلة التي تقتضي نسيان الميثاق، ما لم يتقرب الإنسان إلى الله وهذا الكلام صريح بأن النسيان كان بسبب الأكل من الشجرة الذي أدى إلى الخروج من الجنة إلى الأرض .

بعد هذا ألا يعتبر ما ذكره "الكاتب" حول رأي العلامة الطباطبائي (قده) كما قدّمه افتراء عليه، أو على الأقل قلة تدبر وتأمل منه في كلامه؛ لا سيما أنه شبّهه بكلام " البعض".

وصفه لأبينا آدم عليه السلام بالسذاجة

أما اتهام"الكاتب" للعلامة الطباطبائي (قده) بأنه وصف آدم (ع) بالسذاجة فمما يندى له الجبين ! والحق أن العلامة الطباطبائي (قده) إنما تحدث عن الإنسان الأول، ولم يتحدث عن الأنبياء، لأنهم (ع) كانوا حالة مميزة عن الإنسان الأول، وهذا التميز هو سبب الإصطفاء، وبالتالي: فلا يصح حمل كلامه (قده) على الأنبياء .

أضف إلى ذلك، أنه كيف يمكن وصف نبي الله آدم (ع) بالسذاجة!! (بمعنى سذاجة الفكر وبساطة الإدراك) كما عرفها "الكاتب" نفسه (61) والحال أن الله تعالى، كان قد علمه الأسماء كلها، بغض النظر عن ماهية تلك الأسماء، ومسمياتها، وذلك قبل إسكانه الجنة .

ثم إن "الكاتب" قد ذكر أن السذاجة تارة تعني البساطة في الإدراك، وامتلاك البديهيات، وقليل من النظريات، وأخرى تعني عدم الإطلاع على مكائد، وأساليب إبليس(62).

فهل هذه تساوي تلك؟! أي هل عدم الإطلاع على مكائد إبليس وأساليبه يساوي البساطة في الإدراك؟! أم أن ذلك من تبعات تلك ؟!

وهل حديث العلامة الطباطبائي (قده) عن الإنسان الأول وأنه كان يعيش على بساطة، وسذاجة في الفكر هو الدليل الذي يملكه على أن ذلك مما أجمع عليه علماء المذهب أو كادوا ؟!!

ويا ليته بيّن لنا كيف فهم ذلك من كلامه؟! وأين كلمات الشيخ الطوسي والطبرسي وغيرهما مما ذكره، فهل يقول هؤلاء بهذه المقولة؟! وهل يصفون نبي الله آدم (ع) بهذه الصفة (أي السذاجة) والسقوط إلى درك الخطيئة، وما شابه ؟! ومن أي معجم لغوي حصل على هذا التعريف أن السذاجة تعني: "عدم الإطلاع على مكائد إبليس" ؟!

وكيف تكون السذاجة التي تعني البساطة في الإدراك غير منافية لتعلمه الأسماء كلها ؟!

ثم من أين علم هذا " الكاتب " أن العلامة المحقق لم يطلع على ما

ذكره صاحب "لسان العرب "الذي يفسّر السذاجة بـ :"عدم إمتلاك البرهان القاطع " ؟ !

أليس في قول العلامة المحقق أيده الله: "وكيف يكون آدم (ع) ساذجا وقد خلقه الله تعالى بيده، وعلمه الأسماء كلها، وأثبت لهم أنه أوسع علما ومعرفة منهم" (63)

 ولعل "الكاتب" فهم من كلام العلامة المحقق أنه يذهب إلى أن السذاجة تعني : " التطلع إلى الأمور بنظرة حائرة بلهاء " ؟! (64) ولهذا قال إنه " لا ينبغي أن يتبادر إلى ذهن العلامة المحقق هذا المعنى على الإطلاق، لأن السذاجة لا تعني البلاهة وإن هذا التبادر خاطئ (65).

لكن قوله هذا إفك وتضليل ، فالعلامة المحقق إنما نقل كلام صاحبه الذي يدافع عنه، فإنه هو الذي عرّف السذاجة بهذا المعنى حيث يقول: "لأن توجيه الوجه لله لا يعني في مدلوله العميق هذا الموقف الساذج الذي يتطلع فيه الإنسان نحو الأفق الممتد في السماء بنظرة حائرة بلهاء"(66).

على أن " البعض" وصف نبي الله إبراهيم الخليل (ع) بالسذاجة أيضا ! حيث قال وهو يتحدث عنه (ع): "لأن الفكرة الساذجة تجعله في الأفق الأعلى البعيد (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال: هذا ربي) في صرخة الإنسان الطيب الساذج". وقال: "ولعل هذا هو الذي نستوحيه من الجو النفسي الساذج الذي توحي به الآية". وقال: "فتكبر الصرخة في طفولة بارزة: هذا ربي وهذا أكبر لأن الأشياء الكبيرة توحي للفكر الساذج بالهيبة والعظمة "       (67) .

ففي أربعة موارد كرر " البعض" هذا الوصف لشيخ الأنبياء إبراهيم الخليل (ع) في أربع صفحات متتالية من كتابه منهما مرتان في صفحة واحدة !!!

ورغم ذلك فقد تجاهل "الكاتب" هذا الأمر ولم يتعرض له في حديثه عن إبراهيم (ع)؟!(68).

ولعله يريد أن يوحي بأن ذلك يتوافق مع تفسير الآيات، بأن ذلك كان في زمن طفولة إبراهيم (ع)، وأن هذا التفسير هو الإتجاه الثاني الذي تحدث عنه " البعض". ولكن هذه المحاولة منه للإفلات لن تنجح لأنه أكد وأكد بأن "البعض " يعتبر الإتجاه الأول هو الأقرب !

وكيف يمكن التأليف والتوفيق بين ما نقله " الكاتب " عن "البعض" بأن اسلوب إبراهيم (ع): "أسلوب رائع من أساليب الحوار"(72) وبين هذه الأوصاف ؟! فهل من يمارس هذا الأسلوب الرائع يوصف بالسذاجة والبساطة في الإدراك وفق تعريف "الكاتب نفسه"؟!!.

ولو فرضنا أن "الكاتب" رجح الإتجاه الثاني، فإن مشكلته ستبقى ، وسيوقعه ذلك بما هو أمرّ وأدهى وهو أن إبراهيم (ع) قد عاش مع الكوكب في حالة من التصوّف والعبادة لهذا الرب النوراني، وأنه اكتشف الحقيقة الصارخة، وأنه أقبل عليه (أي على الكوكب) في خشوع العابد وفي لهفة المسحور وغير ذلك من صور وأشكال حلّق بها "البعض " في وحيه تائهاً !

أضف إلى ذلك أن المعصوم لا يحتمل في حقه أنه قد عبد الكوكب ! ووجود الإحتمال لا يجتمع مع الإعتقاد لأن الإعتقاد معناه اليقين .

فكلمة " رجح " تفيد أن الإحتمال المرجوح باقٍ فكيف يقول: أنه يعتقد بعصمته عن الشرك وعبادة الكواكب ؟!

فالواقع أن الإتجاهين الأول والثاني لاينسجمان مع ما استعمله "البعض" من ألفاظ وتعابير وأوصاف بحق نبي الله إبراهيم (ع) الأمر الذي كان محط نظر العلامة المحقق ومحل إشكالاته، حيث إن تبني أو ترجيح الإتجاه الأول لا ينسجم مع وصف النبي، الذي قدم أسلوبا رائعا في الحوار، بالسذاجة.

والحقيقة أن "الكاتب" كان غاية في التقليد والترديد لمقولات "البعض" المتهافتة والمتناقضة بحيث أنه لم يأت بشيء جديد .

 وإن أبى إلا الإصرار على استعمالها فيمكنه الإشارة في الهامش إلى أن المقصود من "السذاجة " مثلا هو هذا المعنى لا المعنى المتبادر !

لكن تقدم أن " البعض " قد حدد معنى بأنه التطلع للأمور بنظرة حائرة بلهاء!

الضعف البشري والرغبة المحرمة

قال "الكاتب" إنه قد صرح بهاتين المقولتين الكثير من المفسرين !

وقد عجزنا في العثور على قول مفاده: أن نبي الله آدم (ع) كان يعيش الضعف البشري أمام الحرمان أو أنه قد مارس الرغبة المحرمة !

بل لم نعثر على ما يشير من حيث الشكل أو المضمون لهاتين المقولتين لا سيما عند الطباطبائي (قده) والطوسي (قده) والطبرسي (قده) !

فكيف تكون هاتان المقولتان مما يكاد يجمع عليهما علماء التفسير منذ عصر الشيخ الطوسي(قده). حتى عصرنا الحاضر؟!.

على أن ما ذكره "الكاتب" عن قول العلامة المحقق في "الصحيح في سيرة النبي الأعظم" حول قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ) وبالحرف الواحد: "إن هذه الآية تدل على أنه لو كان لآدم (ع) طاقة وتحمل لما أقدم على ما أقدم عليه، مما يعني أن النسيان ناشئ عن عدم القدرة على التحمل"(77). فهو تشبيه غريب لكلام العلامة المحقق وكلام " البعض " وحديثه عن الضعف البشري أمام الحرمان.

إذ أن ما استظهره العلامة المحقق من الآية هو: إنها تربط بين النسيان والعزم (فنسي ولم نجد له عزما) أي لم يجد له عزما بسبب نسيانه وهذا هو المعنى اللغوي لكلمة لم نجد له عزما فقد ذكره ولم يوضح حقيقته، ولا أشار إلى أسبابه، بل أراد مجرد الإشارة إلى الربط بين النسيان وبين العزم. بغض النظر عن معنى النسيان .

ولم يقل كما قال " البعض " إن آدم كان يعيش الضعف البشري أمام الحرمان وإغراءات إبليس ، والحال أن آدم (ع) لم يقدم على ما أقدم عليه بسببه بل بسبب  قسم إبليس أنه له لمن الناصحين .

أما تجاهل "الكاتب" لمقولة "البعض"  حول إقبال آدم (ع) على ممارسة الرغبة المحرمة(78) فهو أمر اعتدناه منه في الكثير من الموارد المحرجة، والفاضحة، التي يمثل عرضها إدانة لمطلقها فكيف بتبنيها والدفاع عنها وكيف يمكن أن يكون إقدام نبي الله آدم (ع) على الأكل من الشجرة ممارسة للرغبة المحرمة ؟!وهل يمكن أن تكون هذه المقولة حقا ؟!

الاستهزاء بالدورة التدريبية للمعصومين عليهم السلام

أما عن هذه المقولة وإدعاء "الكاتب" أن العلامة المحقق راح يستهزئ بها !79 ).

فإننا بدورنا سنعرض كلامه الذي نقل "الكاتب" بعضه لنرى مدى الإفتراء والتجني عليه  . يقول العلامة المحقق: "

أما الدورة التدريبية التي تحدث عنها بالنسبة لآدم ولغيره من الأنبياء فنحن نخشى أن يكون ثمة رغبة في الحديث عن دورات مماثلة لعيسى والإمامين الجواد والهادي، والمهدي عليهم السلام !! حيث أن تصدّيهم للمقامات الإلهية لم تسبقه دورة تدريبية فيها أوامر إمتحانية وعسكرية إلا أن يقال: إن إمامتهم لم تبدأ في ذلك السن، وبقي مقام النبوة والإمامة شاغراً إلى أن انتهت دوراتهم التدريبية .

ولعل ما يعزز هذا الإحتمال ما قالوه من أن "غيبة الإمام المهدي عليه السلام إنما هي ليكتسب خبرة قيادية" فلما أوردنا عليهم الإشكال قالوا: "إن الشهيد الصدر هو الذي قال ذلك" فراجعنا كلام الشهيد الصدر فوجدناه يقول: "وعلى هذا الأساس نقطع النظر مؤقتا عن الخصائص التي نؤمن بتوفرها في هؤلاء الأئمة المعصومين أي من أجل تقريب الفكرة لمن يعتقد بما نعتقده كذا وكذا"(80).

فنسأل هذا "الكاتب" من أين علم أن العلامة المحقق راح يستهزئ ؟! فلعله قرأ قوله : " فيها أوامر امتحانية وعسكرية" فاستنبط منه أن في ذلك إستهزاءا، وهو لا يدري أن ذلك كلام " البعض" الذي يقول: "ولكنه كان أمرا إمتحانيا، إختباريا، تجريبيا، وكان أمرا تدريبيا، تماما كما يتم تدريب العسكري"(81). فإذا كان في هذا الكلام استهزاء فهو كلام " البعض" .

أما العلامة المحقق فلم يلتفت إلى ما التفت إليه هذا "الكاتب" من استهزاء في هذا الكلام ولم يحمل على هذه المقولة بالذات، إنما أراد أن يعبر عن خشيته من أن يكون الحديث عن دورة تدريبية لآدم (ع) تمهيدا للحديث عن دورات تدريبية لعيسى (ع) ولبعض الأئمة (ع) كالإمام الجواد (ع) والهادي والإمام المهدي عليهم السلام، فيكون بذلك قد ألفت الى إمكانية دعاوى من هذا النوع ! وهذه الخشية لم تأت من فراغ بل لها علامات تبرّرها كمقولة تعليل غيبة القائم (عج) بأن الغاية منها هي اكتساب الخبرة القيادية، هذه المقولة التي ينشؤون عليها الأجيال في إحدى الجمعيات الإسلامية للتعليم الديني ! رغم ما تثيره هذه المقولة من علامات استفهام  توحي بأن القائم عجل الله فرجه يحتاج لإقامة الحكومة الإسلامية لبضع سنين ـ كما تشير إلى ذلك الروايات ـ إلى دورة تدريبية لاكتساب خبرة قيادية تستمر أكثر من ألف عام، ومن يدري فقد تحتاج إلى آلاف الأعوام حيث لا زالت هذه الدورة مستمرة ؟!

وتوحي أيضا أن عدم نجاح الأئمة عليهم السلام في إقامة الحكومة الإلهية يعود لعدم اكتسابهم لمثل هذه الخبرة ولعدم قيامهم بمثل هذه الدورة؟!!

ولما كان الإمام الحجة (عج) آخر الأئمة (ع) كان لا بد من غيبته هذه لاكتساب هذه الخبرة القيادية إحترازا من الفشل، وبالتالي ضمان النجاح؟!!.

ولعمري إنها لأطول دورة تدريبية عرفها التاريخ وأغربها وأعجبها ولعلها تستحق أن تدرج في ( موسوعة غينيس ) للأرقام القياسية

ولعمري إنها مقولة فيها استهزاء بالدين والعقيدة ، فضلا عن كونها تجرؤا على مقامات الأنبياء والأئمة عليهم السلام !!

وهناك علامات أخرى تبرّر للعلامة المحقق خشيته، فإن ثمة مقولات شفهية وإن لم تصل بعد إلى حد المقولات المكتوبة تحامل فيها "مستوحيها" على إعتقاد الشيعة بإمامة الجواد عليه السلام وهو في سن السادسة من العمر بقوله خلال أحد اللقاءات التي جرت بينه وبين العلامة المحقق قبيل إصدار كتاب مأساة الزهراء ما مضمونه: إنه كيف يقنع الناس بأن إمامهم صبي عمره ست سنوات، لذا هو يستبعد ذلك ويحاول أن يثبت أن عمره الشريف كان آنذاك أكثر من ذلك بكثير ، وهو ما ذهب إليه السيد هاشم معروف الحسني في كتابه "سيرة الأئمة الإثنى عشر" رغم عدم وجود أي نص يشير إلى ذلك ورغم وجود نصوص صريحة تؤكد صغر سنه بإعتراف الحسني نفسه(82) الأمر الذي ينتهي بشكل أو بآخر إلى إنكار إمامة الجواد عليه السلام بناء على هذه المقولة التي ترتكز على استبعاد قيام الإمام عليه السلام بشؤون الإمامة وهو غلام صغير !!

ولا يتوقف الأمر على إمامة الإمام الجواد (ع) كما أشرنا بل يستلزم ذلك أيضا إنكار إمامة الهادي (ع) والإمام المهدي وكذلك إنكار نبوة عيسى في المهد حيث صرّح نفس صاحب هذه المقولة في معرض الحديث عن قوله تعالى (آتاني الكتاب وجعلني نبيا .) أنه حديث عن المستقبل وقد جاء بصيغة الماضي للتأكيد على حصوله أي أن الله سيأتيه الكتاب وسيجعله نبيا في المستقبل!!(83). وعليه، فمن حق العلامة المحقق أن يعبر عن خشيته وعن مخاوفه، بل من واجبه ذلك ومن حقنا أن نتساءل وأن نثير علامات الإستفهام والإستهجان حول هذه المقولات الجريئة غير البريئة !

هذا في الوقت الذي يدعي فيه صاحبها أنه قد تصدّى لكتابة المقالات الأدبية، بل ولإصدار مجلة، وإستكتاب بعض الشخصيات وهو بسن العاشرة أو الحادية عشر!!(84) وكأن الله اجتباه واختصّه بما لم يختص به أولياءه وأغناه عن الحاجة إلى دورة تدريبية بما لم يغنهم عنه ! فتبارك الله أحسن الخالقين!!

وخلاصة القول:

إن " البعض" يستبعد أن يتصدّى المعصوم لشؤون الإمامة صغيرا في الوقت الذي يدرس فيه العلماء ظاهرة النبوغ المبكر لدى الأطفال، حيث بتنا نسمع ونرى بين الحين والآخر آيات عبارة عن أطفال يتميزون بطاقات وقوى يعجز العلم والعقل عن تفسيرها . حتى أن بعض هؤلاء قد نال شهادة الدكتوراه في العلوم الرياضية عالج في رسالته أعقد مسائلها ! إنهاآيات يرينا إياها الله تعالى بين الحين والآخر لنـزداد رسوخاً في الإيمان و العقيده.

ولعمري فإن مغزى كلام العلامة المحقق ومؤاخذاته على هذه المقولة لا يدركه من كان ذو عصبية، وإنما يدركه من كان متجرداً حراً في رأيه .

مقولات تجاهلها الكاتب

حصر "الكاتب" مقولات " البعض" المتعلقة بآدم (ع) بما مرّ، وتجاهل غيرها!! خاصة تلك التي تتعلق بالتعابير والألفاظ التي وصفها العلامة المحقق بأنها: "ليست لغة سليمة، ولا مقبولة، مهما حاولنا التبرير، والتوجيه، والإلتفاف على الكلمات" وبأنها "عبارات تستعمل لأقل الناس وأحطهم"(91).

فنتساءل : ما الدافع لتجاهل "الكاتب" قول " البعض" : (فلا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) الذين يظلمون أنفسهم ويسيئون إليها بالإنحراف عن خط المسؤولية في طاعة الله "؟!!(92).

وما الدافع لإغفاله قول "البعض"  : ( فدلاّهما بغرور، أي أنزلهما

عن درجتهما الرفيعة فأوصلهما إلى مرحلة السقوط بسبب الغرور الذي أوقعهما فيه ) ؟! (93).

فهل هناك جرأة أكثر من ذلك ؟! وهل صحيح أن إبليس أوقع آدم (ع) وزوجه بالغرور؟!!.

ولعل "كاتبنا" ومعه صاحب العبارة قد  فهما من كلمة غرور المعنى (العامي) لها وهو: رؤية النفس باستعلاء وتكبر ! فإن كان كذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ونعوذ به من هذا الوحي والإستيحاء والإستئناس بالمعاني العامية ومفاهيمها ! وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على غربة هذا  "الكاتب" وصاحبه عن عالم التفسير واللغة .

ونقول لهذا "الكاتب" الذي يدعي أنه يعيش في عالم التفسير ويتهم الآخرين بعدم الإطلاع على التفاسير: ألم يقرأ التبيان للشيخ الطوسي ليعلم أن الموصوف بكلمة الغرور إنما هو إبليس ؟!! وأن معنى الغرور هو: "إظهار النصح وإبطان الغش"(94) فيكون معنى قوله تعالى: "فدلاهما بغرور" أي أنزلهما من الجنة إلى الأرض عبر إظهاره للنصح وإبطانه للغش. وليخبرنا هذا "الكاتب" لماذا تعامى عن قول صاحبه: "فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما  وشعرا بالعري الذي بدأ يبعث في نفسيهما الشعور بالخزي والعار"؟!!(95)

علما أن "الكاتب" قد تعرّض لمناقشة موضوع السوءات(96) ومع ذلك تجاهل كليا تعبير صاحبه بكلمة: "الخزي والعار"

على أن سبب هذا التعامي بات معروفا، بل مفضوحا لا يخفى على أحد !

وماذا عن تعبير صاحبه الذي يقول: "وتمثلت الجريمة لهما بمستوى الكارثة"!!(97)  حيث لا يوجد مبرر لغض النظر عنه ؟!!.

فنسأل "الكاتب": أي نوع من أنواع الجريمة يقصد ؟ أم أن هناك أيضا جريمة إرشادية وأخرى مولوية ؟! فإننا لا نستبعد أن يتحفنا بهذا التقسيم للجريمة .

وماذا عن قوله: فأسقطه من مكانته لئلا يبقى هو الساقط الوحيد في عملية التمرد على الله ؟! (98).

ألا يعتبر هذا الكلام الساقط عن الإعتبار تمردا على الله تعالى ؟ لما فيه من اتهام لأنبيائه عليهم السلام .

وماذا عن قوله: "فها هو إبليس يشعر بالزهو والرضا لأنه استطاع أن يهبط بقيمة هذا المخلوق الذي كرمّه الله عليه إلى درك الخطيئة ليصبح منبوذا من الله"(99). فيا له من تكريم!!!

وماذا عن قول" البعض " : " ولكن آدم لم يتعمق في وعي الموضوع، ولم يأخذه مأخذ الجدية والإهتمام ." (100) 

ونسأل "الكاتب": هل هذه هي عقيدة الشيعة بالأنبياء، أم هي عقيدة آخرين؟!!  أوليس في هذا القول اتهام لآدم (ع) بأنه لم يأخذ النهي على محمل الجد؟!! فهل كان الله سبحانه يمازح آدم (ع) ويلاطفه ويداعبه بإصدار الأوامر له حتى اشتبه عليه الأمر بحيث لم يدر أن هذا الأمر جدي أو غير جدّي؟!! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

وماذا عن أمثال العبارات التالية المستوحاة من القرآن كما يزعم"البعض": "فينحرف من موقع الغفلة". "ولو فكر جيدا". "واستسلما للجو الخيالي المشبع بالأحاسيس الذاتية المتحركة مع الأحلام وغير ذلك كثير 

فهل هذا كله حقاً من وحي القرآن ؟!

 

هوامش الفصل الأول

(18) سورة البقرة / الآية 35 - 37.

(19) سورة طه / الآية 115 - 122.

(20) سورة الأعراف / آية 19-23.

(21) خلفيات : 1/ 55 و 61.

(22) راجع : خلفيات : 1/56-57 و 62 نقلا عن: من وحي القرآن : 10/31 و 34 و : 15/171 و 176 و 177، والندوة : 1/314 و 315 و 360 و 737 ، والموسم عدد 21 و 22 ص 293 و 294 و 319.

(25) الموسم العددان 21 و 22 ص 309.

(26) ن . م ، ص 319 .

(23) خلفيات ج 1 ص 63.

(24) خلفيات ج 1 ص 63.

(28) خلفيات ج 1 ص 64.

(29) تنزيه الصفوة ص 21 و 22 و 10 و 11، خلفيات ج 1 ص 64.

(31) راجع: خلفيات ج 1 ص 62، والندوة ج 1 ص 737.

(32) الندوة ج 1 ص 737.

(35) ن. م ص 33 (الهامش).

(39) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 32.

(40) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 44.

(41) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 56 و 57.

(42) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 56 و 57 و ? من وحي القرآن ? ج 10 ص 34.

(43) خلفيات ج 1 ص 39.

(44) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 57.

(45) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 57.

(46) من وحي القرآن ج 10  ص 33.

(47) من وحي القرآن ج 10  ص  31.

(48) من وحي القرآن ج 10 ص 31.

(49) كان "الكاتب" قد ذكر هذا النص في رسالته ص 21 قبل طبع الكتاب لكنه تدارك ذلك وحذفه لعلمه بأنه لا يتناسب والدفاع عن صاحبه خاصةً وأن هذا النص مما لم يذكره العلامة المحقق.

(50) من وحي القرآن ج    ص 187.

(51) راجع: الميزان ج 1 ص 130.

(52) راجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص 49.

(53) راجع: الميزان ج 1 ص 128.

 (54) من وحي القرآن ج 10 ص 31.

(55) من وحي القرآن ج 10 ص 31.

(56) خلفيات ج 1 ص 58.

(57) الميزان ج 15 ص 222.

(58) من وحي القرآن ج 11 ص 187.

(60) الميزان ج 1 ص 130.

(61) راجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص 62.

(62) راجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص 67.

(63) خلفيات ج 1 ص 60.

(64) خلفيات ج 1 ص 60.

(65) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 60.

(66) من وحي القرآن ج 9 ص 123.

(67) من وحي القرآن ج 9 ص 114 و 115 و 116 و 122.

(68) راجع مراجعات في عصمة الأنبياء ص 113.

(72) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 126.

(77) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 69 و 70. وراجع : الصحيح في سيرة النبي الأعظم : 3/221 الطبعة الأولى.

(78) من وحي القرآن : 10/31 ، وراجع خلفيات : 1/55 و 56 و 57.

(80) خلفيات ج 1 ص 61.

(81) الندورة ج 1 ص 315.

(83) من وحي القرآن ج 15 ص 37.

(84) مجلة المرشد العددان 3 و 4 ص 57، وتحدي الممنوع ص 28.

(91) خلفيات ج 1 ص 48 و 49.

(92) من وحي القرآن ج 10 ص 25.

(93) من وحي القرآن ج 10 ص 32.

(94) التبيان ج 4 ص 372.

(95) من وحي القرآن ج 1 ص 32.

(96) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 77.

(97) من وحي القرآن ج 10 ص 33.

(98) من وحي القرآن ج 10 ص 181 و 182.

(99) من وحي القرآن ج 10 ص 181 و 182.

(100) من وحي القرآن ج 15 ص 169.

 

 

 

الفصل الثاني : يونس عليه السلام

 

 

 

خلاصة الانتقادات

1 ـ زعم "الكاتب" أن نبي الله يونس عليه السلام فر من ربه عز وجل ! في حين أجمع أعلام المفسرين على أن فراره عليه السلام كان من قومه وليس من ربه .

 2 ـ حرف "الكاتب" كلام الطوسي في حديثه عن فرار يونس (ع) محاولاً أن ينسب إليه أنه يقول بأن يونس فر من ربه وأبق منه . بينما صرح الشيخ الطوسي بشكل لا لبس فيه أن فراره كان من قومه.

3 ـ وكذلك فعل " الكاتب" برأي الطبرسي والفيض الكاشاني وأبن أبي جامع العاملي قدس الله سرهم .

4 ـ قام "الكاتب" بالتلاعب برأي العلامة الطباطبائي في مسألة الإباق  لإخراجه عن معناه الذي قصده ، علما أن العلامة الطباطبائي إنما تحدث عن أن ذلك كان تمثيلاً بالهروب لا هروباًً بالمعنى الحقيقي .

5 ـ أصر "الكاتب" على الطعن بنبي الله يونس (ع) عندما وصفه بأنه قد هرب من ربه من دون مبرر، ومن دون عذر، وأنه متمرد في ذهابه وفراره ، وزعم أن هذا المعنى واضح وبديهي.

6 ـ حذف "الكاتب" بعضا من كلام الطوسي مما لا يناسبه حول تعريفه قدس سره للمعنى اللغوي لكلمة ( أبق ) .

7 ـ تجاهل "الكاتب" تعريف الطبرسي لكلمة أبق .

8 ـ عمد "الكاتب" إلى التضليل بالإستشهاد بروايات لا تصلح لتأييد مبتغاه.

9 ـ ادعى "الكاتب" كذباً أن مقولة  " تهرب يونس من مسؤولياته" لم يقلها " البعض " ، بينما هو قالها .

10 ـ حذف "الكاتب" قول صاحبه: إن خروج يونس كان انفعالا في اتخاذ القرار.

11 ـ ادعى "الكاتب" كذباً أن معاجم اللغة تجمع على أن كلمة "مُليم" تعني أنه أتى ما يستحق اللوم عليه. مع أن بعضها صريح بأنها تعني : أتى ما لا يستحق عليه اللوم، وبعضها الآخر صريح بأن مُليم بمعنى ما يستحق اللوم إنما هو عند بعض العرب، وقد نُقل هذا القول عن الفراء .

12 ـ دلس "الكاتب" في نص لسان العرب عندما وضع كلمة "مَليم" (بالفتح) دون تحريكها لتفيد معنى "مُليم" (بالضم) لإثبات ما يدعيه، وقد عمد لتحريك معظم الكلمات واستثنى هذه الكلمة.

13 ـ وكذلك فعل بنص كتاب "العين" للفراهيدي .

الآيات القرآنية في الموضوع

(وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين )( 103)

وإن يونس لمن المرسلين . إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين . فالتقمه الحوت وهو مليم . فلولا أنه كان من المسبحين . للبث في بطنه إلى يوم يبعثون . فنبذناه بالعراء وهو سقيم )( 104)

فاصبر لحكم ربك ولاتكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم . لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ) ( 105) .

( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) (106).

التهم التي وجهها "البعض" ليونس عليه السلام

84 ـ زعم أن يونس (ع) ليس لديه الصبر الكافي.

85 ـ وأن الله أدب نبيه يونس عليه السلام  بالمعنى العامي .

86 ـ وأن يونس (ع) تهرب من مسؤولياته.

87 ـ وأن الله تعالى اعتبر يونس (ع) هارباً كإباق العبد من سيده.

88 ـ وأن يونس (ع) يخرج دون أن يتلقى تعليمات من الله "(107).

قال : "ما كان عنده الصبر الذي تحتاجه المسألة، فتفسير (فظن أن لن نقدر عليه) ليس معناها أنه ظن أن الله لا يقدر عليه، أن لن نقدر عليه، يعني أن نضيق عليه كأنه في هذا المجال، وما في مانع أن أنبياء الله سبحانه يتعهدهم بالتربية والتأديب في حالة من الحالات، لا سيما إذا كانوا أنبياء في حجم يونس، وأمثال يونس من الأنبياء المحليين"(108).

"خرج مغاضبا إحتجاجا على ذلك، من دون أن يتلقى أية تعليمات من الله في ذلك منه (اعتقادا منه) بأن المسألة لا تحتاج إلى ذلك، فقد قام بدوره كما يجب، فلم يدخر جهدا في الدعوة إلى الله بكل الأساليب، والوسائل، ولم يبق هناك شيء مما يمكن عمله. ولكن الله اعتبرها نوعا من الهروب، فيما يمثله ذلك من معنى الإباق، تماما كما هو إباق العبد من مولاه"(109).

"نستوحي من هذه القصة الخاطفة، أن الله قد يبتلي الدعاة المؤمنين، من عباده ورسله، فيما يمكن أن يكونوا قد قصروا فيه أو تهربوا منه من مسؤليات.

وأن الداعية قد يضعف أمام حالات الفشل الأولى، أو أوضاع الضغط القاسية، أو مشاكل الظروف الصعبة، كنتيجة لفكرة إنفعالية سريعة، أو شعور حاد غاضب ثم يلطف الله بهم بعد أن يتراجعوا عن ذلك، ويرجعوا إليه، فينجيهم من بلائه، ويحوطهم بنعمائه، ويسبغ عليهم من ألطافه وآلائه، لئلا يتعقد الخطأ أو الإنفعال في شخصيتهم، لينطلقوا إلى الحياة من روحية الصفاء الروحي والنقاء الشعوري من جديد ليبدأوا الدعوة من حيث انتهوا ويتابعوا المسيرة بعزم وقوة وإخلاص .

ثم نلتقي في أعماق الموقف بالإبتهالات الخاشعة الخاضعة لله في روحية الإحساس بالعبودية، التي يشعر المؤمن معها بأن الله يلتقيه في مواقع الإنابة، مهما كانت الخطايا والذنوب، وأن الخطأ لا يتحول إلى عقدة بل يتحول إلى فرصة للقاء بالله من جديد، في مواقع التوبة الحقيقية الخالصة، التي يبدأ فيها التائب تاريخاً جديداً ، وصفحة بيضاء في حياته" (110).

ما ارتكبه "الكاتب  في الدفاع عن صاحبه

أول ما اتحفنا به "الكاتب " : إباق يونس عليه السلام من ربه !

إعتبرهذا الكاتب أن تفسير العلامة المحقق لمعنى الإباق "بالفرار من قومه" مما لم يقل به أحد من أعلام التفسير، وأنه مما لم يخطر على بال أحد مهما احتمل للآية من وجوه (111). واستدل على ذلك بـ: "إن الله سبحانه هو المتحدث، وهو الذي يقصّ علينا قصته (إذ أبق إلى الفلك المشحون) وأن الله هو الذي وصف فراره بالإباق، فكيف يمكن أن تقول: "اعتبروه فارا وآبقا منهم"(112).

ولعمري إنه استدلال عجيب،فحسب منطقه إذا قال قائل: هرب فلان إلى الجبل فإن ذلك يعني أنه هرب من القائل دون سواه، لأنه هو الذي وصفه بالهروب ؟! ولكي يتبين من الذي أتى ببدع من القول، ومن يفهم النصوص على وجه يصير معها دليل الإثبات دليلا للنفي، أو العكس، نستعرض كلام العلامة المحقق الذي يقول بعد عرضه للآيات المتعلقة بالبحث ، قال :

 1ـ كلمة مغاضبا تعني حدوث الإغضاب من الطرفين فلا يصح القول بأن المغاضبة قد كانت بين يونس (ع) وبين الله الحقيقة هي أن المغاضبة كانت بين يونس (ع) وبين فريق آخر، والظاهر أنهم قوم يونس (ع) فالتجأ إلى الفلك المشحون بالناس وكان قومه يطلبونه ليوصلوا إليه الأذى، لأنهم كانوا يرونه قد أساء إليهم، فاعتبروه فارا وآبقا منهم"(113).

وقد حمل "الكاتب" على كلام العلامة هذا ، وسعى جاهداً لإثبات أن الإباق كان من الله لامن قومه كما سيأتي !! ثم حشد نصوصا عديدة لبعض المفسرين زاعما أنها تؤيد ما ذهب إليه من أن الإباق إنما كان من الله لا من قوم يونس (ع) وأخذ ينشر العنوان تلو العنوان:

تفسير التبيان: يونس (ع) خرج قبل أن يؤمر.

مجمع البيان: يونس (ع) خرج قبل أن يؤذن له.

جوامع الجامع: ضجر فخرج من غير أمر. وهكذا

وهذه العناوين، كما هو واضح ، إنما تتحدث عن أن يونس (ع) خرج قبل أن يؤمر، وهذا ليس محل البحث ، علماً أن إخبار الله له (ع) بنزول العذاب بمثابة الإذن له بالخروج ، وأن عدم نزول العذاب كان من البداء .

وعلى التنـزل فإنه (ع) إن لم يؤمر بالخروج ، فإنه لم يؤمر بالبقاء وعدم الخروج أيضاً ، كما أشار الى ذلك العلامة الطباطبائي.

وهذه النصوص تؤكد ما ذكره العلامة المحقق وهو أن هروبه كان من قومه ، وللتدليل على ذلك نذكر أقوال المفسرين التي زعم أنها تؤيد ما يذهب إليه.

قال الشيخ الطوسي في تبيانه:

 " فالإباق هو الفرار، فالآبق الفار، حيث لا يهتدي إليه طالبه. يقال: أبق العبد يأبق إباقا فهو آبق إذا فرّ من مولاه، والآبق والهارب والفار واحد . قال الحسن: فر من قومه"(114).

وقال في تفسيره للآية 78 من سورة الأنبياء : وذا النون إذ ذهب مغاضبا:

" فأما ما روي عن الشعبي، وسعيد بن جبير من أنه خرج مغاضبا لربه، فلا يجوز ذلك على نبي من الأنبياء"(115). وهذا نص صريح يؤيد ما ذهب إليه العلامة المحقق من أن المغاضبة كانت لقومه .

وقال الشيخ الطبرسي في مجمع البيان:

 "وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون . أي فر من قومه إلى السفينة"(116). وهذا نص صريح بأن الفرار كان من قومه. وسيأتي في البحث اللغوي تفسيره لمعنى "أبق" فانتظر.

وقال في جوامع الجامع:

"والمعنى لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر، والمغاضبة لقومه"(117)  وهذا نص آخر يؤيد مقولة العلامة المحقق.

والملفت أن "الكاتب" جعل عنوان رأي العلامة الفيض كالتالي:

"تفسير الصافي: هرب من قومه بغير إذن ربه" ولعلّه لم يلتفت إلى كلمة: "من قومه" التي تقرر وتؤيد ما ذهب إليه العلامة المحقق صراحة.

وقال أيضا: " إذ ذهب مغاضبا لقومه"(118). وهذا أيضا يؤيد ما ذكره العلامة المحقق.

وقال ابن أبي جامع العاملي:

" فاطلق عليه لأنه هرب مختفيا من قومه"(119). وهذا أيضا تأييد لما جاء به العلامة المحقق، فإن الهروب كان من قومه.

وقد كان بإمكان الكاتب أن يذكر لنا العشرات من المصادر التي تؤيد ذلك لولا خوفه من الإطالة(120)!!! ومع هذا فلا حاجة له إكتفاءً بما تقدم .

 

 

ما نقله الكاتب عن العلامة الطباطبائي قدس سره

النص الأول: "والمراد بإباقه إلى الفلك المشحون خروجه من قومه معرضا عنهم، وهو وإن لم يعص في خروجه ذلك ربه، ولا كان هناك نهي من ربه عن الخروج، لكن خروجه إذ ذاك، كان ممثلا بإباق العبد من خدمة مولاه، فأخذه الله بذلك" ثم أحال العلامة الطباطبائي إلى كلامه ولنلتفت إلى قوله: "ولا كان هناك نهي من ربه عن الخروج" وهو ما أشرنا إليه قبل قليل. حول تفسير قوله تعالى: (وذا النون ) "(121).

النص الثاني: "فكان ظاهر حاله حال من يأبق من ربه مغاضبا عليه ظانا أنه لا يقدر عليه"(122).

النص الثالث: "ويمكن أن يكون واردا مورد التمثيل، أي كان ذهابه هذا ومفارقته قومه ذهاب من كان مغاضبا لمولاه، وهو يظن أن مولاه لن يقدر عليه، وهو يفوته بالإبتعاد عنه فلا يقوى على سياسته"(123).

هذه ثلاثة نصوص نقلها "الكاتب" في محاولة منه لإثبات دعواه بأن الهروب كان من ربه، وأن المغاضبة كانت بينه وبين ربهوفيما يلي رأي العلامة الطباطبائي قدس سره لترى كيف عبث "الكاتب" بنصه :

أ ـ يقول العلامة الطباطبائي: "وذهب لوجهه على ما به من الغضب والسخط عليهم، فكان ظاهر حاله حال من يأبق من ربه مغاضبا عليه" فلاحظ قوله: " على ما به من الغضب والسخط عليهم"(124).

ب ـ ويقول أيضا: "ويمكن أن يكون" أي يحتمل ذلك ولا يجزم به.

ج ـ إن تعبيره قدس سره بعبارات مثل: "وكان ممثلاً بإباق العبد من خدمة مولاه" و"فكان ظاهر حاله حال من يأبق من ربه". و"واردا مورد التمثيل"

هذه التعابير لا تحتاج إلى كثير عناء لمعرفة المراد والمقصود منها، إذ أنها صريحة في دلالات ألفاظها ومعانيها.

فكيف خفي الأمر على هذا "الكاتب"؟! ألا يرى أن هذه العبارات إنما يقصد بها التمثيل والتشبيه؟! وهل أن ذلك خفي على الكاتب أم أنه أدرك مرام الطباطبائي فحذف تتمة الكلام وهو قوله قدس سره :"بالإبتعاد عنه فلا يقوى على سياسته، وأما كونه مغاضبا لربه حقيقة وظنه أن الله لن يقدر عليه فمما يجل ساحة الأنبياء الكرام عن ذلك قطعا وهم المعصومون بعصمة الله"(125).

والجدير ذكره أن هذا التوجيه المرتكز على تنزيه الأنبياء يستعمله العلامة الطباطبائي كثيرا كما في توجيهه لقوله تعالى: (إني كنت من الظالمين)حيث يقول: "اعتراف بالظلم من حيث أنه أتى بعمل كان يمثل الظلم وإن لم يكن ظلما في نفسه ولا هو (ع) قصد به الظلم والمعصية"(126).

والملفت أنه السيد الطباطبائي كرّر عبارته هذه لإيضاح مقصوده من كلمة: "يمثل" أكثر من مرة، وفي صفحة واحدة، حتى لا يشتبه الأمر على أحد فكيف خفي على "الكاتب" ذلك كله؟!! لا سيما أنه نقل قوله قدس سره: "فما ورد فيه مما يوهم ذلك يحمل على أحسن الوجوه"(127).

فلماذا عمد "الكاتب " الى حذف تتمة هذا الكلام وهو قول الطباطبائي قدس سره: "يحمل على أحسن الوجوه بهذه القرينة الموجبة، ولذا حملنا قوله تعالى: (إذ أبق) وقوله تعالى: (مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه ) على حكاية الحال وإيهام فعله"(128)؟!!

في المعنى اللغوي للإباق

ظهر في تفسيرمعنى "أبق" بحالة يرثى لها، فما فتئ يطعن بنبي الله يونس (ع) طعنة تلو طعنة، ويحاول بكل ما أوتي من قوة، أن يتلاعب بمعنى الإباق، لا لشيء إلا لإثبات دعوى صاحبه التي ما أنزل الله بها من سلطان وهي أن يونس إنما هرب من ربه !!  وتراه بعد أن استعرض كلام بعض أعلام اللغة يردد مرة تلو الأخرى : "أسألكم يا سماحة السيد (يقصد العلامة المحقق): ممن ذهب العبد وهرب؟ ألم يكن ذهابه وهروبه من سيده . ؟! (129).

وقد تعجب هذا "الكاتب" من تفسير العلامة المحقق لمعنى الإباق: بأنه ليس فيه أن هروبه لا بد أن يكون من مولاه، وعلى صفة التمرد، والخروج من زي العبودية، وهو والله قول الحق لمن ألقى السمع وهو شهيد لأنه ليس في كلمة "أبق" بحد ذاتها أن هروبه كان من مولاه، وعلى صفة التمرد والخروج عن زي العبودية ، ولا يمكن حملها على هذا المعنى إلا بقرينة.

ألم ينقل "الكاتب" كلام الشيخ الطوسي في تبيانه: "فالإباق الفرار فالآبق الفارّ إلى حيث لا يهتدي إليه طالبه ، يقال: أبق العبد يأبق إباقا فهو آبق إذا فرّ من مولاه"(130)

فلاحظ تعريفه: "الإباق الفرار"، ولاحظ قوله: "الآبق الفار" ولاحظ قوله:"إلى حيث لا يهتدي إليه طالبه" وطالبه ليس بالضرورة أن يكون ربه، إذ ربما كان مولاه وربما كان غيره من البشر .

ولاحظ أيضا عندما قال: "يقال: أبق العبد إذا فرّ من مولاه" حيث عبر رحمه الله بقوله: "يقال أبق العبد" فجعل كلمة العبد قرينة على أن الهروب كان من المولى.

ونلاحظ أن "الكاتب" حذف من كلام الطوسي (قده) قوله: "يقال: أبق العبد يأبق إباقا إذا فرّ من مولاه. والآبق والهارب والفار واحد"(131).

فليلاحظ قوله ( قده ): " الآبق والهارب والفار واحد". وفيه دلالة على عدم كون الإباق مخصوص بالعبد ما لم تقم قرينة على ذلك . وكلمة العبد هي قرينة من القرائن.

أما سبب تجاهل "الكاتب" لكلام الطبرسي في مجمعه ، فسببه أن الطبرسي لم يضرب مثالا بإباق العبد !! فكلامه قدس سره لا يفيد "الكاتب" في هدفه، فقد قال الطبرسي في فقرة اللغة من كتابه مجمع البيان: "الآبق الفار إلى حيث لا يهتدي إليه طالبه"(132).

ولو تجاهلنا كل ما تقدم واكتفينا بما نقله "الكاتب" نفسه عن كليات أبي البقاء لوفينا المطلب حقه وهو قوله: "لا يقال للعبد آبق إلا إذا استخفى وذهب من غير خوف ولا كد عمل، وإلا فهو هارب"(133)

وهذا يعني أن العبد إذا ذهب من خوف وكد عمل ولم يستخف فهو هارب لا آبق. وعلى فرض أن يكون الإباق هو خصوص هروب العبد بلا خوف ولا كد عمل نسأل: ألم يتركهم (ع) بعد أن أخبره الله بنـزول العذاب؟ أولم يتركهم بعد أن دعا قومه للتوحيد لأكثر من ثلاثين سنة، كما تقول الروايات.

إذن فإن يونس (ع) قد تركهم من خوف وبعد كد عمل، فكيف وصف بأنه آبق بالمعنى الذي يحاول "الكاتب" تصويره ! لذلك كله لا محالة من القول بأنه هرب من قومه كما هو عليه إجماع الشيعة .

ثم ألم يجمع المفسرون على أنه يستحيل أن يكون المقصود من إباق يونس (ع) هو هروبه من ربه؟! وأن هذا غير جائز على الأنبياء عليهم السلام ؟!

ألم يقل الطوسي والطبرسي والفيض والمشهدي رحمهم الله وكل من افترى عليهم "الكاتب" من المفسرين أنه إنما فر من قومه؟! فهل قومه هم مولاه ، أم أنهم ربه فأبق منهم؟!!

ألا يعلم "الكاتب" أن العبد إنما يوصف بالآبق إذا كان يتعمد مخالفة مولاه؟! وهو لا يعقل في حق نبي الله تعالى ! وقد قال الرازي في تفسيره الكبير: "قال بعضهم: أنه أبق من الله تعالى وهذا بعيد ، لأن ذلك لا يقال إلا فيمن يتعمدّ مخالفة ربه"(134). فهذا قول الرازي وحاله معلوم في تجويزه على الأنبياء صدور الصغائر ، فكيف بأصحاب المذهب الملتزم بالقول بالعصمة؟!!.

وليخبرنا "الكاتب" عن مغزى قوله: "ويعني ذلك أنه هرب من دون مبرر ومن دون عذر ولهذا فهو متمرد في ذهابه وفراره"(135).

كيف وهو إنما يترك أرضا سينزل عليها عذاب الإستئصال وهل يصح بقاؤه بينهم، وهو يعلم ان العذاب نازل عليهم.

وما الذي يريد أن يثبته ويستدل عليه؟!!

ولأجل ماذا ولمن ؟ يصف نبيا من أنبياء الله بالتمرد ، وكأنه يصف فرعون أم نمرود ؟ وهل التمرد إلا المعصية والتحدي له تعالى ؟!

وهل هذا ما قاله الطوسي والطبرسي والطباطبائي وغيرهم من الأعلام؟!!

وهل نسبة ذلك إلى أنبياء الله تعالى إلا محض إفتراء ؟!

ألم ينقل "الكاتب" نفسه رواية جميل عن أبي عبد الله (ع) التي تقول: "أنه (ع) مرّ على وجهه مغاضبا لله" (136) ويسجل في الهامش تعليقة العلامة المجلسي (قده) في بحاره أن معنى قوله (ع) مغاضبا لله أي مغاضبا قومه لله بمعنى أن غضبه (ع) كان لله لا للهوى . فكيف يتمرد عليه تعالى ؟!!

ونختم بكلام السيد المرتضى علم الهدى قدس سره الذي قال :

"أما أن يونس (ع) خرج مغاضبا لربه من حيث لم ينزل بقومه العذاب فقد خرج في الإفتراء على الأنبياء (ع) وسوء الظن بهم عن الحد وليس يجوز أن يغاضب ربه إلا من كان معاديا له وجاهلا بأن الحكمة في سائر أفعاله" (137).

براءة يونس في روايات أهل البيت عليهم السلام

أما الروايات (138) التي نقلها "الكاتب" فليس فيها ما يدل على ما ذهب إليه! بل لا يفهم أحد منها ما فهمه هو منها، بل إن بعضها لا علاقة له بموضوع البحث ومحل الإشكال، ولا ندري سبب إيرادها ! وفيما يلي نعالج نموذجا يصلح أن تقاس عليه بقية الروايات التي نعيدها إلى "الكاتب" ليرشدنا إلى الفائدة منها فيما يدٌعيه في فرصة أخرى .

أ ـ إن رواية الفقيه والكافي التي تقول: "أي قضية أعدل من قضية تجال عليها السهام" لا تدل على أن يونس (ع) كان آبقا من ربه متمرّدا عليه ولا علاقة لها بموضوع البحث أصلا . بل إن الرواية المحال إليها في الفقيه في باب الحكم بالقرعة تشعر أن الإستهام كان لإلهاء الحوت، ودفعه عن السفينة عبر إلقاء أحدهم لنجاة الآخرين مما يصلح كدرس في الإيثار ولا يصلح للبحث في إباق يونس من ربه كما يحاول "الكاتب" إثباته، حيث تقول الرواية (139):

" روى حماد بن عيسى عن أبي جعفر (ع) قال: أول من سوهم عليه مريم بنت عمران ثم استهموا في يونس (ع) لما ركب مع القوم فوقعت السفينة في اللجة فاستهموا فوقع السهم على يونس (ع) ثلاث مرات قال: فمضى يونس (ع) إلى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى بنفسه"(140)!!!.

أما قوله تعالى "فكان من المدحضين" والتي جاءت في رواية الكافي، فقد ذكر الطوسي والطبرسي (قده) أقوالا حول معناها، ولكن رأيهما استقر أخيرا على أن المعنى هو: فكان من "الملقين في البحر" فيكون "الدحض" بمعنى السقوط، وقد استدل الطوسي ( قده ) بقوله تعالى "حجتهم داحضة" أي ساقطة (141)

ب ـ أما رواية أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر (ع) التي جاء فيها: "يا قوم إن في سفيتني مطلوبا" وهو قول ملاّح السفينة فليس فيها ما يدل أو يلمح إلى ما يسعى "الكاتب" إلى إثباته من أن نبي الله كان فارا من ربه مغاضبا له .

على أن الروايات التي تحدثت عن هذا الموضوع متعارضة ومتضاربة ؛ فبعضها يخبر أن الحوت كان يطارد السفينة حتى حبسها عليهم من قدامها، ولم يتركها إلا بعد أن ألقى يونس (ع) نفسه في فمه، وأن الملاّح عرف من خلال إصرار الحوت أن في سفينته مطلوبا، وبعضها الآخر يخبر أن السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري(142).

والغريب أن هؤلاء المتحمسين للدفاع عن هذه الآراء وصاحبها قد ردوا روايات مأساة الزهراء عليها السلام لاختلافات بسيطة رغم وضوح إمكانية الجمع بينها  وإذا بهم هنا يتمسكون بروايات ظاهرة التعارض !!

وعلى أي حال: فإن قول الملاح: "إن في سفينتي مطلوبا" ليس فيه ما يدل على أنه مطلوب من قبل الله ، كما يحاول الكاتب الإشارة إليه ، ولماذا لا يكون مطلوباً من قومه ملاحقاً منهم ؟

وما المانع من ذلك ، لا سيما إذا كان فيه تنـزيه له عما ينسب إليه مما لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام ؟

ولايفوتنا هنا أن نذكر بأن "الكاتب" وضع لبحثه الروائي عنوانا سيئاً أخذه من فقرة بمعنى آخر من رواية أبي حمزة الثمالي ، فجعل العنوان : "السهام لا تخطئ" وأصاب بها قلب نبي الله يونس عليه السلام ، وقلب عصمته ، فاتهمه بأنه عصى ربه وهرب منه !!

ولا أحد يدري ما ستتركه هذه السهام من آثار على عقول وقلوب الناس الأبرياء من الناس الذين يتلقونها على أنها تفسير للقرآن؟

وهو بذلك يقلد صاحبه الذي أطلقها قبله فأصاب بها قلب الزهراء عليها السلام وضلعها المكسور !! وقلب الأنبياء والأوصياء عليهم السلام !!

يونس تهرب من مسؤولياته

وحول هذه المقولة زعم "الكاتب": " أن صاحبه لم يقلها إطلاقا بل رفضها رفضا قاطعا في كتابه (من وحي القرآن) وصرّح على النقيض منها تماما"

(143). مع أن صاحبه صرّح في نفس السياق أن فعل يونس (ع): "قد لايكون تهربا من المسؤولية وحبا للراحة"(144).

وقد حذف  "الكاتب " الفقرة التالية : "وفي هذا الجو كان خروجه السريع بسرعة انفعالية في اتخاذ القرار" "(145-146)  يعني أن نبي الله يونس (ع) قد اتخذ قرارا انفعاليا كاد أن يكون ضحيته مائة ألف أو يزيدون ؟!!.

فقول صاحبه : "وقد لا يكون ذلك تهربا من المسؤولية" لم يكن على سبيل الجزم ، بل على سبيل الإحتمال !! وكلمة "قد" تفيد الإحتمال الذي يقابله احتمال أن يكون قد تهرب وهذا الإحتمال حتى لو كان ضعيفا جدا فهو ينافي الإعتقاد بالعصمة المستلزم لنفي الاحتمالات التي لا تليق بساحة قدس الأنبياء (ع) . ولنلتفت لقوله المتفرع عنه: "فربما كان الجو يتحرك في حالة شديدة من الحيرة، والغم، والحزن (147)

ثم قال "البعض" في ختام تفسيره للآية: "وهكذا نستوحي من هذه القصة الخاطفة أن الله قد يبتلي الدعاة المؤمنين من عباده ورسله، فيما يمكن أن يكونوا قد قصّروا فيه أو تهربوا منه من مسؤوليات "(148).

والأنكى من ذلك أنه لم يكتف باحتمال تهرب نبي الله يونس (ع) من المسؤولية بل ردد بينه وبين التقصير !! فكيف يقول بالعصمة على كل المستويات ثم ينسب التقصير الى نبي الله (149) .

فنبي الله يونس (ع) وفق " استيحاء البعض " إما قصّر في مسؤولياته أو تهرب منها!! فانتق منهما ماشئت .

والأنكى من ذلك أن هذا "المستوحي" عمم المسألة وخرج بقاعدة كلية مفادها: " أن الله يبتلي الرسل فيما يمكن أن يكونوا قد قصّروا فيه أو تهربوا منه من مسؤوليات " انتهى . ! فهو يحتمل إذن أن يصدر من الأنبياء جميعا تقصير في المسؤوليات أو تهرب منها! ومع ذلك هو قائل بالعصمة! فأي عصمة هي هذه التي يقول بها ؟!!

وبناء على استخلاصه الختامي هذا نفهم ما ذكره في ابراهيم عليه السلام وعبادته الكوكب ! ولا ينفع معه محاولة دفاع "الكاتب " بأن ذلك مجرد عرض للإحتمالات قبل اختيار الرأي الصحيح.

بعد هذا ، أين تصبح دعاوى "الكاتب" بأن مقولاته هذه ليست بدعاً في علم التفسير ، وأن علماء التفسير يجمعون على ما يتبناه "البعض " من مقولات  ؟!!

وأي مقولات حقة تلك التي يحتاج "الكاتب" في دفاعه عنها الى خيانة الأمانة  وتشويه أقوال المفسرين بالتزوير والتحريف والتقطيع والتدليس !!

قوله تعالى : وهو مليم

يقول "الكاتب": "هذه معاجم اللغة بين يدي تجمع على أن معنى "مليم" بأنه مستحق للوم"(150).

ويقول أيضا: "ولست أدري لحد الآن كيف يكون (مليم) بمعنى: "أتى ما لا يستحق اللوم عليه" ؟! هذه لغة عجيبة تذكرونها في كتاب خلفيات، ولهذا احتملت لأول وهلة أنها خطأ مطبعي، أو من سهو القلم، ولكن كم كانت دهشتي كبيرة عندما أكملت النص حيث تبين لي أنها ليست كما احتملت، حيث تقولون : " قوله: (وهو مليم ) أي يلوم غيره، لا أنه يلوم نفسه، فإن هذه الكلمة هي إسم فاعل من (ألام) بمعنى (لام)، أو بمعنى (أتى ما لا يستحق اللوم عليه)، وتلك إشارة أخرى تؤكد عدم استحقاق يونس (ع) لأدنى لوم"(151).

هذا ما قاله "الكاتب"، قبل وبعد أن استعرض آراء بعض المعاجم اللغوية. ولكن عن أي اجماع لمعاجم اللغة يتحدث ؟!  ولماذا يلجأ من يدعي الإجماع على التلاعب بالنصوص وتحريفها ؟!

الحق يقال : إن تعريف العلامة المحقق لكلمة: (مُليم) بـ: "أتى ما لا يستحق اللوم عليه": ليس لغة عجيبة، إلا لمن لم يطلع على المعاجم اللغوية التي بين يديه أو خلفه.ولم يكن هناك مبرر لهذا الإندهاش، لا سيما أن تعريف العلامة المحقق هذا لم يكن من سهو القلم، كما لم يكن خطأ مطبعياً كما زعم "البعض"  مراراً حين طولب ببعض المقولات !!

ونعرض للقارئ كلمات المعاجم اللغوية، ليرى بنفسه مقدار الصدق فيما إدعاه الكاتب ! حيث وجدنا فيها عكس ما يدعي ، واليك التفصيل:

محيط المحيط : ( ألام: أتى ما لا يلام عليه . ألامه إلامة بمعنى لامه فهو مُليم (بالضم) وذلك مُلام. وألام الرجل أتى ما لا يلام عليه أو صار ذا لائمة أو فعل ما يستحق عليه اللوم"(152).

ونسأل: من المعُبر عنه بلفظ "فهو" اليس الذي يلوم غيره، ويقابله المُعبر عنه بلفظ "وذلك مُلام" اليس الذي وقع عليه اللوم ؟!

أقرب الموارد : ألام : أتى ما لا يلام عليه : ألامه إلامة: بمعنى لامه فهو مُليم (بالضم) وذاك مُلام ( بالضم ) ( ألام ) الرجل: أتى ما لا يلام عليه، وقيل صار ذا لائمة، أو فعل ما يستحق عليه اللوم"(153).

وليلاحظ قوله: "فهو لائم" أي الذي لام غيره يُقال له: لائم، أما الآخر أي من وقع عليه اللوم فيقال له: مَليم (بالفتح) ومَلوم (بالفتح).

ونفس المعنى قوله: "لامه فهو مُليم (بالضم) (أي يلوم غيره وعبّر عنه بلفظ هو أي اللائم) وذلك مُلام (بالضم) (أي وقع عليه اللوم)". و عبّر عنه بلفظ وذلك اي مقابل اللائم والمُليم.

قوله: "ألام الرجل أتى ما لا يلام عليه"

 قوله: "ألامه بمعنى لامه" (تقدم أنه لام غيره) فهو (أي اللائم) "مُليم" (بالضم) وذاك (أي الذي وقع عليه اللوم) "مُلام" .

لاحظ قوله أيضا: "ألام الرجل أتى ما لا يلام عليه".

وإذا أضفنا تعريف صاحب محيط المحيط وأقرب الموارد لكلمة "أَلَامَ" إلى ما قاله صاحب المصباح المنير وغيره وهو قوله: "ألامه" بالألف لغة فهو (مُلام) والفاعل (مُليم) [ وهي تعني أن المُليم هو الذي يلوم غيره، أما من وقع عليه اللوم لإتيانه ما يستحق عليه اللوم فهو المُلام ].و(ألام) الرجل (إلامة) فعل ما يستحق عليه اللوم"(154).

إذا لاحظنا ذلك فلا أقل من القول أن كلمة (ألام) هي لفظ مشترك، ومع غياب القرينة اللفظية التي تحسم المعنى المقصود ، فلا بد لنا البحث عن القرينة العقلية وعصمتهم عليهم السلام كافية في ذلك  لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

هذا إن لم يكن ثمة اشتباه في بعض المعاجم بين "مُليم" (بالضم) "ومَليم" بالفتح . وما يقوي هذا الإحتمال قول صاحب تاج العروس : " وقوله تعالى (فالتقمه الحوت وهو مُليم) ، قال بعضهم: المُليم هنا بمعنى ملوم ونقله الفرّاء عن العرب أيضا".

إذن ذهب بعضهم إلى أن "مُليم" بمعنى مَلوم، وهو تصريح بوجود إختلاف في هذا الأمر . بل لاحظ قوله:" المُليم هنا بمعنى ملوم" وهو كلام يفيد أن المُليم في الأصل تعني الذي يلوم غيره لكنها هنا تعني "الملوم" وفق قول الفراء طبعا.

والملفت وجود أخطاء في تشكيل أو تحريك الكلمات في كتاب لسان العرب، ويتضح ذلك بقارنته بما جاء في تاج العروس .

قال في لسان العرب: " قال الفراء: ومن العرب من يقول المَليم (بالفتح) بمعنى الملوم "(155). والخطأ واضح هنا إذ ينبغي وضع الضمة بدل الفتحة فوق الميم لتصير الجملة: "ومن العرب من يقول المُليم (بالضم) بمعنى الملوم". وبذلك يستقيم المعنى ليتوافق مع ما نقله صاحب تاج العروس عن الفراء. وإلا فإن المَليم (بالفتح) هي بمعنى الملوم عند كل العرب.

أضف إلى ذلك أن المثل القائل: "رب لائم مَليم" (بالفتح) ذكره البعض بالفتح كما في أقرب الموارد ومحيط المحيط وتاج العروس وبعضهم ذكره بالضم.

لا نعتقد أن هذه الأمور قد غابت عن "الكاتب" الذي عمد إلى تحريف بعض النصوص بقيامه بتحريك بعضها وإهماله تحريك بعضها الآخر (156)؟!

والملفت في نص لسان العرب أن قوله "مَليم (بالفتح) استحق اللوم"، يفيد أن "المُليم" (بالضم) بمعنى اللائموإلا لم يحصل الفرق.

وعندما تعرّض لكلمة "مُليم" بالضم وأنها تعني "أتى ذنبا يلام عليه" نسبها الى صاحب التهذيب ، ثم عقبه بقول الفرّاء كما تقدم.

وهذا يدل على أن صاحب لسان العرب إنما ذكر رأي صاحب التهذيب لأن فيه مفارقة مع ما قدمه ، فعمد إلى إيضاح أن هذا المعنى إنما نقله الفرّاء عن بعض العرب !

2 ـ وما فعله "الكاتب" في نص لسان العرب فعله أيضاً في نص "العين" حيث تجاهل التحريك رغم أن الفتحة ظاهرة على الميم في "مَليم". قال الفراهيدي: "رجل ملوم ومَليم (بالفتح) قد استحق اللوم"(157).

أصل الفعل ( لام ) بإجماع أعلام اللغة

  إن من يراجع معاجم اللغة يتضح له أنهم يجمعون على أن أصل الفعل: "لام" وأن الآتي بما يلام عليه إنما هو مَليم (بالفتح) وملوم وأن الفاعل له إنما هو: لائم ومُليم (بالضم)(158). ولم نجد فيما بين أيدينا من مصادرمن نقل أن "مُليم" بمعنى الملوم إلا الفرّاء !

ولا يخفى أن القول بأن: ألام تعني أتى ما يستحق عليه اللوم لا تدل بالضرورة على أن مُليم (بالضم) قد أتى ما يستحق عليه اللوم وإلا لاستوى اللائم مع الملوم.

 على أن بعض المعاجم تحدثت أن كلمة  "ألام الرجل" تفيد أنه أتى ما يستحق عليه اللوم، أي أن هذه المفردات بهذه الصيغة وهذا الإشتقاق تفيد هذا المعنى لا أن أصل الفعل يفيده ، ولو كان الأمر كذلك، لاستوى كما ذكرنا معنى إسم الفاعل مع إسم المفعول وبالتالي فلا داعي للتفريق بين المُليم (بالضم) والمَليم (بالفتح) والمُلام واللائم وغيرها كما يحاول الكاتب أن يوحي!!.

وعليه، فألام الرجل أتى ما يلام عليه، والمُليم هو إسم فاعل أي الذي يلوم غيره، على أن إسم الفاعل لا يمنع من أن يكون الفاعل قد لام نفسه لكن حمل إسم الفاعل على هذا المعنى يحتاج إلى قرينة لأن أصل إسم الفاعل أن يكون لام غيره .

وعلى كل حال : فما دامت كلمة "مُليم" (بالضم) تحتمل في أحد وجوهها معنى لام غيره وهو الأقوى واستحق اللوم كما نقله الفراء  فإن الأنسب أن تحمل على ما يتناسب وعصمة الأنبياء  فيكون معنى الآية: إن الحوت قد التقم يونس (ع) وهو "مُليم" (بالضم) أي حال كونه يلوم قومه على تكذيبهم له الأمر الذي أدى لخروجه عنهم مغاضبا لهم فوقع بما وقع فيه من البلاء الذي أنجاه الله منه لكونه من المسبحين.

أو أنه ملوم من قبل قومه الذين لم يقبلوا دعوته بل إتهموه ورفضوا ما جاء به.

من هنا نقول: إن ما ذكره العلامة المحقق كلام دقيق يتوافق وأصول اللغة العربية وينسجم ومدرسة أهل البيت في عصمة الأنبياء وتنـزيههم، وهي إلتفاتة موفقة منه آدام الله بقاءه للذب عن مذهب أهل البيت عليهم السلام .

 

هوامش الفصل الثاني

(103) سورة الأنبياء / الآية 87-88.

(104) سورة الصافات / 139-145.

(105) سورة القلم / الآية 48-49.

(106) سورة يونس / الآية 98.

(107) خلفيات ج 1 ص 121.

(108) ن.م، ج 1 ص 122.

(109) ن.م ج 1 ص 122.

(110) خلفيات  ج 21 ص 123.

(111) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 94.

(112) نفس المصدر.

(113) خلفيات ج 1 ص 126 و 127.

(114) التبيان ج 8 ص 484.

(115) التبيان ج 7 ص 242.

(116) مجمع البيان ج 8 ص 716، وراجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص 96.

(117) جوامع الجامع ص 505 وراجع مراجعات في عصمة الأنبياء ص 97.

(118) الصافي ج 4 ص 351.

(119) الوجيزة ج 3 ص 88.

(120) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 99.

(121) الميزان ج 17 ص 163.

(122) الميزان ج 17 ص 166.

(123) الميزان : 14 / 315، وراجع مراجعات في عصمة الأنبياء ص 95.

(124) الميزان ج 17 ص 166.

(125) الميزان ج 14 ص 315.

(126) الميزان ج 14 ص 315.

(127) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 95.

(128) الميزان ج 17 ص 169.

(129) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 100 و 101.

(130) التبيان، ج8، ص484. ومراجعات في عصمة الأنبياء ص96.

(131) التبيان ج 8 ص 484 ومراجعات في عصمة الأنبياء ص 96.

(132) مجمع البيان ج 7 أو 8 ص 589.

(133) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 100.

(134) التفسير الكبير ج 26 ص 165.

(135) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 101.

(136) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 103.

(137) تنـزيه الأنبياء ص 141.

(138) راجع: مراجعات في عصمة الأنبياء ص 103 و 104 و 105.

(139) عمد الكاتب إلى حذف هذه الرواية من كتابه والتي كان قد ذكرها في رسالته تحت رقم(3).

(140) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 51.

(141) التبيان ج 8 ص 528 ومجمع البيان ج 8 ص 590.

(142) بحار الأنوار ج 14 ص 382 و 404 نقلا عن الطبرسي . 

(144) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 106.

(145) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 106.

(146) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 281.

(147) من وحي القرآن ج 15 ص 281.

(148) من وحي القرآن ج 15 ص 284.

(149) ولو سلمنا بأفضلية الأنبياء على الأئمة(ع) كما يقول هو به فاللازم أن ننسب إمكان التقصير الى علي (ع) وباقي الأئمة واللازم أن نحمل ظواهر العبائر الدالة على تقصير علي (ع) في دعاء كميل على ظواهرها .

(150) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 92.

(151) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 94.

(152) محيط المحيط ص 833.

(153) أقرب الموارد ج 2 ص 1172.

(154) المصباح المنير ص 560.

(155) لسان العرب ج 12 ص 558.

(156) لسان العرب ج 12 ص 557.

(157) العين ج 8 ص 342.

(158) راجع : القاموس المحيط : 2/1526 ، و أقرب الموارد : 2/1172، وتاج العروس : 9/65 ، ومحيط المحيطص 833 ، والعين : 8/343 ، ولسان العرب :12/557.

 

 

 

 

الفصل الثالث إبراهيم عليه السلام

 

 

 

خلاصة الانتقادات

1 ـ ارتكب "الكاتب " تحريف رأي العلامة المحقق بأن إبراهيم عليه السلام كان في مقام المحاجة لقومه .

2 ـ حذف "الكاتب" كلمة ( ربما ) التي تشير إلى تردد "البعض" في أن يكون ما قاله إبراهيم (ع) كان على سبيل المحاكاة الإستعراضية.

3 ـ تجاهل "الكاتب" تقريب " البعض " بأن ما قاله إبراهيم كان في طفولته وأنه (ع) قد عاش مع الكوكب في حالة روحية من التصوف والعبادة وأنه أقبل عليه في خشوع العابد وفي لهفة المسحور، وغيرها من عبارات.

4 ـ حرف "الكاتب " نصوص صاحبه المتعلقة بما أسماه "الشواهد" على تقريب " البعض "لمقولة " المحاكاة الإستعراضية ".

5 ـ حرف كلام صاحبه الذي ورد في كتاب "الحوار في القرآن" عندما جعله شاهدا على تقريب الإتجاه الأول (المجاراة والمحاكاة الإستعراضية)، وهو في الحقيقة شاهد على تقريب الإتجاه الثاني.

6 ـ تجاهل نص صاحبه الذي ورد في كتاب "الحوار في القرآن" وهو نص صريح بأن إبراهيم (ع) كان معتقداً بألوهية الكواكب ، لكنه كان اعتقادا طارئاً وسريعاً !

7 ـ إفتراؤه على العلامة مكارم الشيرازي بأن كلامه له نفس دلالات كلام "البعض" ، وأنه يفيد في ظهوره الأولي اعتقاد إبراهيم (ع) في ألوهية الكواكب !

8 ـ اعتبر "الكاتب "أن تفسير الإمام الرضا (ع) لقول إبراهيم بالاستنكار من أضعف الآراء في المسألة .

9 ـ تجاهل وصف صاحبه لإبراهيم (ع) بالسذاجة ، رغم أن العلامة المحقق قد وضعها في أول العناوين .

10 ـ شوه "الكاتب "رأي العلامة الطباطبائي المتعلق بقصة إبراهيم (ع) . ثم اعتبر أن ما ذكره "البعض" يوافق ما ذكره العلامة الطباطبائي قدس سره.

11 ـ حرف "الكاتب "رأيي الشيخ الطوسي والشيخ الطبرسي قدس سرهما!

الآيات القرآنية في الموضوع

( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين . فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين . فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (161).

ما قاله " البعض "

"وتطالعنا في هذا المجال شخصية إبراهيم (ع) ـ النبي التي يقدمها لنا القرآن في أجواء الصفاء الروحي، والبساطة الإنسانية والطبيعة العفوية التي تلامس في الإنسان طفولته البريئة فيما تلتقي به من حقيقة الأشياء ليفكر من خلال براءة النظرة في عينيه، وسلامة الحس في أذنيه ويديه، فيما يرى أو يسمع أو يلمس، فيما لديه من أدوات الحس الواقعي فنحن لا نرى فيه ـ من خلال الصورة القرآنية ـ شخصية الإنسان الذي يتكلف الكلمات التي يقولها للآخرين، ولا نلمح لديه روحية الشخص المشاكس الذي يبحث عن المشاكل في أفعاله وعلاقاته بل نشاهد فيه الشخصية البسيطة الواقعية التي ترتبط بالأشياء من جانب الإحساس، فتسمى الأشياء بأسمائها بعيدا عن تزويق الألفاظ، وزخرفة الأساليب، بقوةٍ وصدقٍ وواقعيةٍ وإيمان.

ففي الصورة الأولى، نلتقي به في موقفه من أبيه الذي يعبد الأصنام التي يعبدها قومه فيواجهه بالإنكار القوي الرافض للموقف من الأساس، لرفضه الفكرة التي يرتكز عليها فهذه الأصنام، هي أحجار جامدة، كبقية الأحجار الموجودة في العراء ولا ميزة لها إلا أن يد الإنسان قد أعطتها بعض ملامح الصورة، فحولتها إلى تماثيل فإذا كان الإنسان هو الذي أعطاها تلك الميزة التي تختلف بها عن سائر الأحجار فهي صنع يده، فكيف تكون آلهة له ومن الذي أودع فيها سر الألوهة؟ وهل الألوهة شيء يصنع ويخلق، أو هي قوة تصنع وتخلق ثم إن الألوهة تعني القدرة والعلم والحياة والغنى المطلق فيما تعنيه من ملامحها الحقيقية فما هي ملامح ذلك كله في هذه التماثيل؟ ولكنها الأوهام التي حولت الأشياء غير المعقولة إلى عقائد وتصورات ورموز قداسةٍ في مستوى الآلهة فكيف تتخذ هذه الأصنام آلهة؟ كيف؟ إن فكري لا يلمح أية إشراقة للحقيقة فيما تسير عليه ولو من بعيد بعيد بل كل ما هناك الظلام والتيه والضياع وهنا يتحول التساؤل إلى حكم قاطع في مستوى وعيه للحقيقة المنطلقة من خط الهدى التي تحدد ملامح الضلال في خطوط الآخرين.

إني أراك وقومك في ضلال مبين : إنه الموقف الصلب الذي لا يهادن ولا يجامل ولا يغلف الأشياء بغلاف سحري، بل يدفع الموقف إلى الأمام، بكل وضوح وصراحة بعيدا عن المجاملة واللياقة التي تفرضها علاقة الإبن بأبيه لأن قضية العقيدة لا تخضع للجانب  العاطفي للعلاقات لأن علاقة الإنسان بالحقيقة التي تربطه بالله أقوى من أية علاقة بأي إنسان كان.

وفي الصورة الثانية نشاهد إبراهيم يتطلع إلى السماء، كما لو كان شاهدها أول مرة، فهو ـ فيما توحيه الآية ـ يواجهها كتجربة جديدة لم يلتق بها من قبل، وذلك فيما تعنيه التجربة من المعاناة في حركة الحس البصري كمادة للتفكير، للإنتقال من المحسوس إلى المعقول، ومن المادة إلى المعنى فقد كان يشاهدها سابقا، في رؤية جامدة، لا تعني له شيئا، إلا بمقدار ما يعنيه إنعكاس الصورة في العين ـ لمجرد تجميع الصور في الوجدان فيما يلتقي به الإنسان من مألوفاته العادية في حياته اليومية وهكذا نجد أن الرؤية التي يتحدث عنها القرآن في قوله تعالى: )وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض( هي الرؤية الواعية الفاحصة المدققة التي تثير في الداخل المزيد من التأمل والحوار والإستنتاج بدليل قوله تعالى )وليكون من الموقنين(، مما يوحي بأنها الرؤية التي تبعث على القناعة من خلال اليقين وبدأ يفكر في استعراض عقلي للعقائد التي يعتقدها قومه في عبادتهم للكواكب والقمر والشمس ومحاكاة ذاتية تتحرك من أجل إثارة التساؤل وهكذا التقى بالكواكب المتناثرة في السماء، في صورة بديعة في روعة التنسيق والتكوين فما أن لمح كوكبا يتلألأ ويشع في قلب هذا الظلام المترامي حتى سيطرت عليه أجواء الروعة، واستولى على فكره الخشوع الروحي أمام هذا الشعاع الهادئ في الأفق البعيد فخيل إليه أن هذا هو الإله العظيم الذي يتعبد الناس إليه لأن الفكرة الساذجة تجعله في الأفق الأعلى البعيد، الذي تتطلع إليه الأبصار برهبة وخشوع ولا تستطيع الخلائق أن تصل إليه أو تدرك كنهه )فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي( في صرخة الإنسان الطيب الساذج الذي خيل إليه أنه اكتشف السر الكبير الذي يبحث عنه كل الناس، كما لو لم يكتشفه أحد غيره وكأنه أقبل إليه في خشوع العابد، وفي لهفة المسحور وفي اندفاعة الإيمان وربما ردد هذه الكلمة )هذا ربي( في سره كثيرا ليوحي لنفسه بالحقيقة التي اكتشفها ليؤكدها في ذاتها بعيدا عن كل حالات الشك والريب وبدأ الليل يقترب من نهايته وبدأت الكواكب تشحب وتفقد لمعانها ثم بدأت تبهت وتبهت حتى غابت عن العيون وحاول أن يلاحقها هنا وهناك لقد ضاع الإله في الأجواء الأولى للصباح وانكشفت له الحقيقة الصارخة فقد كان يعيش في وهم كبير فقد أفل الكوكب ولكن الإله لا يأفل لأنه القوة التي تمثل الحضور الدائم في الحياة كلها فلا يمكن أن تبتعد عن حركتها المتنوعة لأن ذلك يتنافى مع الرعاية المطلقة للكون ولما فيه من موجودات حية وغير حية واهتزت قناعاته من جديد وبدأ يسخر بالفكرة والعقيدة في عالمه الشعوري الصافي ( فلما أفل قال لا أحب الآفلين )

)فلما رأى القمر بازغا( في صفاء الليل، ووداعة السكون وكان الشعاع الفضي الساحر يلقي على الكون دفقا من النوى الهادئ الذي يتسلل إلى العيون فيوحي إليها بالخدر اللذيذ ويخترق القلوب فيوحي إليها بالاحلام اللذيذة الساحرة ويطل على الطبيعة فيغلفها بغلافه الشفاف الوادع الذي يثير في آفاقها الكثير الكثير من اللذة والأحلام وبدأت المقارنة بين ذلك النورالكوكبي الذي يأتي إلينا متعبا واهنا في جهد كبير وبين هذا النور القمري الذي يتدفق كشلال في قلب الأفق فأين هذا من ذاك فهذا هو السر الإلهي الذي كان يبحث عنه )قال هذا ربي( وعاش معه في حالة روحية من التصوف والعبادة لهذا الرب النوراني الذي يتمثل في السماء قطعة فضية من النور الهادئ الساحر وفجأة بدأ الشعاع يبهت ثم يغيب وانطلقت الحيرة في وعيه من جديد أين ذهب الإله وأين غاب وهل يمكن للإله أن يغيب ويأفل وضجت علامات الإستفهام في روحه تتساءل من هو الإله؟ وأين هو وعاش في التصور الضبابي المبهم الغارق في الغامض يتوسل بالرب الذي لا يعرف كنهه، أن يهديه سواء السبيل لئلا يضل ويضيع )فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين( وما زال ينتظر وضوح الحقيقة وفجأة أشرقت الشمس بأشعتها الذهبية الدافئة فأخذت عليه وجدانه )فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر( فأين حجم الشمس من حجم القمر والكواكب فلا بد أن تكون هي الإله الذي يبحث عنه، لأنها تتميز عنهما بصفات كثيرة وبدأ يتابعها وهي تتوهج وتشتعل وتملأ الكون كله دفئا وحياة وإشراقا وجمالا فإذا به يهتز ويتحرك في قوة وامتداد وحيوية دافقة ولكن ماذا؟ وبدأ يفكر فها هي تبهت وتبرد وتكاد تتضاءل ثم تغيب وتأفل وتترك الكون في ظلام دامس فكيف يمكن أن تكون إلها تعيش في الحياة في قدرته وقوته ما دامت تغيب مع المجهول تاركة الكون كله في ظلام وفراغ؟ وأطلق الصرخة فيمن حوله من هؤلاء الناس الذين يعبدون الكواكب والقمر والشمس فيما خيل له ، في وقت من الأوقات ، أنه الحقيقة المطلقة التي لا يعتريها شك ولا ريب ) فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ( من هذه المخلوقات التي انطلقت من العدم، ولا يزال العدم يعشش في كل حركة من حركاتها، أو خطوة من خطواتها وتمرد على كل هذه الإتجاهات الإشراكية لأن الله لا يمكن أن يكون هذه الأشياء المحدودة بل لا بد أن يكون شيئا أعظم من ذلك وأكبر في القوة والقدرة لا في الحجم) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين.

وهكذا تدفقت إشراقة الإيمان في وعيه وفي قلبه، فأحس بأن الله هو شيء لا كالأشياء لأن الأشياء نتاج قدرته وأدرك أن الله لا يحس كما تحس الموجودات الأخرى بالسمع والبصر واللمس، ولكنه يدرك بالعقل وبالقلب وبالشعور من خلال كل هذه المخلوقات التي تحيط بالإنسان في الكون الكبير من السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن فتترك لديه إنطباعا بأن الله هو الذي فطرها وأوجدها ومن خلال هذه الإنطلاقة الإيمانية الرائعة التي أحس معها بالراحة والطمأنينة والإنفتاح وقف بكل كيانه ـ ليحول كل وجهه ـ والوجه هنا كناية عن الذات بجميع التزاماتها وعلاقاتها وتطلعاتها ـ إلى الله، حنيفا، مخلصا مائلا عن خط الإنحراف فهو وحده الذي تتوجه إليه العقول والقلوب والوجوه بالخضوع والطاعة المطلقة بإحساس العبودية وحركة الإيمان الذي يعلن هذا التوحيد بما يشبه الصرخة الهادرة الرافضة لكل الوجودات المحدودة، التي تتأله أو التي يحسبها الناس في عداد الآلهة وما أنا من المشركين 

وماذا بعد ذلك؟ هل هي الرحلة الأولى في طريق الإيمان، لدى إبراهيم أو هي محاكاة استعراضية للأجواء المحيطة به، فيما يعتقده الناس من ألوهية الكواكب والقمر والشمس في محاولة إيحائية لمن حوله بسخافة هذه العقائد وتفاهتها وضعفها أمام المنطق الوجداني الصافي، وذلك من موقع ابتعاده عنها بعد اقترابه منها، مما يعطي لموقفه بعض القوة في الإيحاء، بإعتباره الموقف الذي عاش التجربة وعاناها ثم تمرد عليها

ربما كان هذا هو الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم فيما حدثنا القرآن عن حياته فنحن لم نلمح  في غير هذه الآية حالة تأثر بالجو المحيط به بل ربما نرى الأمر ـ بالعكس من ذلك ـ حالة تمرد على البيئة حتى فيما يتعلق بالجو العائلي المتمثل في أبيه الذي نقل لنا القرآن موقف إبراهيم منه وقد نستطيع استيحاء الآية السابقة التي حدثنا القرآن فيها عن كلام إبراهيم حول الأصنام التي يعبدها أن هذا الموقف سابق لموقفه من هذه العقائد هذا بالإضافة إلى أن الرؤية التي حدثنا الله عنها لملكوت السماوات والأرض لا بد أن تكون الرؤية الوجدانية الواعية التي تحاول أن تثير التفكير من خلالها وليست الرؤية البصرية الساذجة لأنها تبدأ مع الإنسان منذ اللحظة التي يفتح فيها عينيه على الحياة ليتطلع إلى ما فيه من موجودات يدركها البصر وربما كانت كلمة )وليكون من الموقنين( إشارة إلى ذلك، لتلتقي بكلمة ) رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي( مما يوحي بأن إبراهيم كان يعيش حالة الفكر الذي يريد أن ينمي من خلاله معلوماته وأفكاره، بكل الأشياء التي تركز قوتها وفاعليتها وثباتها وحركتها أمام التحديات التي تواجهها حتى فيما يشبه الأوهام ليواجه الصراع الذي يعيشه بانفتاح وقناعة وقوة لا تعرف الضعف ولا التراجع في كل المجالات

أما الإحتمال الأول، فقد يقربه، أن تكون الحادثة قد حدثت في بداية طفولته، عندما بدأ يتطلع للأشياء، ويفكر في الإله في عملية تأمل وتدبر في مستوى ذهنية الطفل ولعل هذا هو الذي نستوحيه من الجو النفسي الساذج الذي توحي به الآية فهذا هو إبراهيم يواجه الكوكب الذي يبدو عاليا عاليا، بعيدا بعيدا ولكنه يشرق في قلب الظلام فيشعر بالرهبة والروعة فيصرخ ـ في مثل اللهفة ـ هذا ربي إنطلاقا مما كان يسمعه بأن الإله بعيد بعيد عن الإنسان، فلما أفل أحس بالإنقباض وقال: )لا أحب الأفلين( فقد نجد في كلمة )لا أحب( بعض كلمات الطفولة البريئة، التي تحب أو لا تحب من خلالها مشاعرها الساذجة إزاء الأشياء وتتكرر التجربة مع القمر وتنطلق الصرخة الطفولية من جديد تماما كمثل الهتاف الذي يهتف به الطفل عندما يجد شيئا قد أضاعه، أو شيئا قد طلبه وتتكرر خيبة الأمل من جديد.

ولكن الوعي يتنامى هنا ـ فلا نجد رد الفعل طفوليا بل نلاحظ في ردة الفعل حيرة وذهول وتوسل إلى هذا الرب الغامض الذي يتمثله في وعيه هاديا لعباده، أن يهديه إلى الحق لئلا يكون من القوم الضالين وتشرق الشمس في هذا الدفق اللاّهب من النور الذهبي في إطار هذا الوجه الواسع الذي يتفايض بالشعاع كما يتفايض الينبوع بالماء الصافي الرقراق فتكبر الصرخة في طفولية بارزة )هذا ربي هذا أكبر( وينطلق الحجم ليؤكد الفكرة، فيما لا توحي به إلا أفكار الطفل، أو ما يشبه الطفل لأن الأشياء الكبيرة توحي للفكر الساذج بالهيبة والعظمة بما لا توحي به الأشياء الأقل حجما وتتجدد خيبة الأمل بالأفول ولكن تلك الإشراقة الساطعة للشمس استطاعت أن تبعث في قلبه إشراقة الإيمان الرافض لكل هذه الأوهام والظنون.

وفي كلا الإحتمالين يمكن للعاملين في حقل التوجيه، استيحاء الفكرة العملية في أسلوب التربية من خلال الأسلوب الإستعراضي، فيما يتمثل فيه من مناجاة ذاتية تجعل الإنسان يواجه الأفكار المطروحة في الساحة، مواجهة المؤمن بها ثم يقوم بمناقشتها بالطريقة التي توحي باكتشاف مواطن الضعف والخلل فيها، بالمستوى الذي يجعلها بعيدة عن الحقيقة، وعن إمكان اعتبارها عقيدة ترتبط بها قضية المصير ولا يختص الأمر بالأفكار المتصلة بالعقيدة الإلهية بل يمتد إلى جميع المجالات التي تمثل الخط العملي للحياة ويمكن لنا ممارسة هذا الأسلوب في القصة والمسرح والسينما وغيرها من الأساليب التي تخاطب الجمهور لتوجيه قناعاته وقد لا نحتاج إلى التأكيد على ضرورة دراسة المستوى العقلي والروحي للناس من أجل تركيز هذا الإتجاه على قاعدة متحركة في الفكرة والأسلوب كما يمكن استيحاء القصة في مدلولها الرسالي في عدم خضوع الإنسان للبيئة فيما تحمل من أفكار وعادات ومشاعر، بل يعمل على ممارسة دوره الذاتي المستقل، كإنسان يفكر بحرية ويقتنع على أساس الدليل.

وتبقى لنا في هذا المجال هذه البراءة الفكرية من إبراهيم حيث نتمثله إنسانا يواجه العقيدة من موقع البساطة الوجدانية، والعفوية الروحية، التي تلتقي بالقضايا من وحي الفطرة لا من وحي التكلف والتعقيد ثم هذه اللهفة الحارة المنفتحة على الله سبحانه عند إكتشافه للحقيقة في توحيده في كل شيء، وفي الإقبال عليه بكل وجهه، وبكل فكره، وبكل روحه وإنطلاقه العملي في الحياة لأن توجيه الوجه لله لا يعني ـ في مدلوله العميق ـ هذا الموقف الساذج الذي يتطلع فيه الإنسان نحو الأفق الممتد في السماء بنظرة حائرة بلهاء بل يعني إنطلاقة حياة الإنسان وكيانه مع الله فيما يحمل من عقيدة، وفيما يرتبط به من فكر، وفيما يتحرك معه من خط، وفيما يستهدفه من أهداف وفيما يعيشه من علاقات وأوضاع وتطلعات إنه الإندماج في الحقيقة الإلهية، بأن تكون الحياة كلها لله  وفي خدمة الله " (163).

نتابع مع "الكاتب" حيث المنهج هو المنهج، والأسلوب هو الإسلوب ! تمويه، وتزييف، وتحريف، وتضليل، حيث تجاهل موضع الداء، والنصوص المشكلة التي انتقدها العلامة المحقق ! كما تلاعب "الكاتب "بنصوص العلماء لتطابق كلام صاحبه ، وبنصوص صاحبه لتنسجم مع كلام العلماء !!

ما قاله العلامة المحقق

قال أعزه الله في "الخلفيات":

"ويقول عن إبراهيم عليه السلام في ما قصّه الله تعالى، من خطابه عليه السلام للكوكب ثم للقمر والشمس أن هناك إحتمالين في تفسير الآيات التي تعرضت لذلك : أحدهما: أن يكون ظاهر الآيات هو حقيقة موقفه فيكون إبراهيم صدّق بأن الكوكب، والقمر والشمس آلهة. الثاني: أن يكون إبراهيم (ع) قد قام بحالة إستعراضية أمام قومه ليقنعهم بالحقيقة .

وقد ذكر لكلا الإحتمالين ما يقربه ولكنه شرح الآيات شرحا مسهبا على أساس الإحتمال الأول، ثم بعد أن ذكر ما يؤيد كل واحد من الإحتمالين وذكر ما يمكن إستفادته من الآيات، عاد وختم كلامه وفق الإحتمال الأول .

ومن الواضح: أننا وإن كنا نستظهر من ذلك ميله إلى ذلك الإحتمال الفاسد، ولم يذكره لمجرد كونه إحتمالا إلا أن مجرد إحتمال أن يكون نبي الله إبراهيم (ع) قد عبد غير الله، أو اعتقد بألوهيته، وربوبيته، هو إحتمال باطل في حق الأنبياء، ويلزم التصريح بتسخيفه، وبطلانه"(164).

وبعد أن عرض النص الكامل ل" البعض " قال في وقفة قصيرة:

"ونقول: أن احتمال عبادة إبراهيم (ع) للكوكب وغيره، مناف للعصمة، ولا يصح إبداؤه في حق المعصومين عموما، ولا يمكن أن يقربه شيء لا في الطفولة ولا فيما بعدها على ما هي عليه عقيدة علماء المذهب القطعية، المأخوذة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام"(165) .

وعليه يكون إشكال العلامة المحقق منصبا على ما صرّح  به " البعض " من قرائن وشواهد تقرّب إحتمال أن يكون ما حكاه الله عن إبراهيم عليه السلام إنما صدر منه في طفولته، قبل أن يكتشف الحقيقة. فليراجع النص المتقدم في بداية الفصل لصاحب (من وحي القرآن)

أما الإحتمال الثاني، وهو أن ابراهيم عليه السلام كان في صدد المحاججة لقومه  فلم يشكل العلامة المحقق عليه ، إنما أشكل على عدم تدعيمه بالشواهد والقرآئن التي تدحض الإحتمال الأول وتبطله وتبعده عن دائرة الإحتمال.

وهذا واضح من خلال النص المتقدم نقله عن كتاب خلفيات، ويزيده وضوحا قوله:  "إننا لا نجد أي دليل على أن هذه القضية قد حصلت لإبراهيم عليه السلام في زمان طفولته، بل في الآيات ما يشير إلى خلاف ذلك وأن ذلك في مقام الإحتجاج على قومه"(166).

وعليه يظهر عدم صحة إدعاء الكاتب، حيث ذكر في خلاصة بحثه أن " البعض " إستقرب ورجح أن يكون ما صدر من إبراهيم عليه السلام إنما كان على سبيل المجادلة لقومه ووصفه بأنه أفضل الآراء . وذكر أن الإحتمال الثاني، وهو أن يكون ذلك قد حصل مع إبراهيم عليه السلام زمان طفولته، قد استوجهه وإن لم يختره، ثم ذكر أن العلامة المحقق اختار الرأي الذي يقول بأن ذلك إنما كان في مقام "الإستنكار والإستهزاء" ووصفه بأنه أضعف الآراء وأنه لا ينسجم مع ظاهر الآيات(167) وهذا تضليل بل إفتراء ، إذ قد علمت أن العلامة المحقق صرّح: "أن ذلك كان في مقام الإحتجاج على قومه" الأمر الذي لم يشر إليه "الكاتب" رغم وضوحه (168).

أضف إلى ذلك أن العلامة المحقق اعترض على " البعض " لعدم استشهاده بما روي عن الإمام الرضا (ع) من: " أن إبراهيم إنما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه لتسخيف معتقدهم"(169).

الإتجاه الثاني وتجاهل الكاتب له !

إعتبر "الكاتب" في تعليقه على رأي " البعض " أنه "لم يأت بشيء جديد، أو اتجاه مبتدع في عالم التفسير"  بل أنه مال إلى الإتجاه الأول واعتبره: "الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم عليه السلام فيما حدثنا القرآن عن حياته"(170) ثم قدّم ثلاثة شواهد من أربعة مواضع زعم أنها تؤيد ذلك وتؤكد عليه(171).

والملفت هنا أن " البعض "قد احتمل واستقرب أن يكون إبراهيم عليه السلام قد عبد الكواكب وعاش معها في حالة من التصوف والعبادة، وأنه أقبل عليها في خشوع العابد ولهفة المسحور و وللتدليل على ذلك نذكر عدة شواهد:

الشاهد الأول: حالة التأثر بالمحيط: فهو يرى أن من الشواهد على تقريبه لهذا الإتجاه ما أسماه: "حالة التأثر بالجو المحيط به "حيث يقول: "فنحن لم نلمح في غير هذه الآية حالة تأثر بالجو المحيط به"(174). وكلامه هذا واضح في أنه قد لمح في هذه الآية الى حالة تأثر إبراهيم (ع) بالجو المحيط به.

الشاهد الثاني : ظاهر الآيات : وهو يعتبر أن تقريب الإتجاه القائل بأن ذلك كان من إبراهيم عليه السلام على سبيل" المحاكاة الإستعراضية "هو من غير هذه الآيات، وإنما هو من خلال كون ذلك: "يلتقي مع شخصية إبراهيم عليه السلام فيما حدثنا القرآن عن حياته".

ففي هذه الآية لمح " البعض" الى حالة "تأثر بالجو المحيط" أما في غيرها فقد لمح عكس ذلك حيث استوحى "حالة تمرّد على البيئة حتى فيما يتعلق بالجو العائلي المتمثل بأبيه"(175).

وخلاصة الأمر عنده : أن ظاهر الآيات يقرب أن إبراهيم عليه السلام قد عبد الكواكب. أما ما يقرب الإحتمال الآخر فهو آيات أخرى تحدثت عن شخصية إبراهيم عليه السلام وموقفه من الأصنام الأمر الذي يوحي بأن ذلك "سابق لموقفه من هذه العقائد"(176).

وقد اعترف "الكاتب" بذلك من غير قصد طبعاً عندما ذكر أن ما قاله "البعض" حول الآيات إنما هو: "دلالات الآيات بحسب ظهورها الأولي" (177).

الشاهد الثالث: الموقف الطفولي: ويرى " البعض " أن الشاهد الثالث الذي يقرب هذا الإتجاه هو: " أن تكون الحادثة قد حدثت في بداية طفولته عندما بدأ يتطلع للأشياء ويفكر في الإله في عملية تأمل وتدبر في مستوى ذهنية الطفل"

(178).

ويعتبر "البعض " أن هذا الشاهد تدل عليه قرائن عدة :

القرينة الأولى: الجو النفسي الساذج: "الذي نستوحيه من الجو النفسي الساذج الذي توحي به الآية"(179).

القرينة الثانية: اللهفة: فهو يقول: "فهذا إبراهيم يواجه الكوكب الذي يبدو عاليا عاليا، بعيدا بعيدا، ولكنه يشرق في قلب الظلام فيشعر بالرهبة والروعة فيصرخ في مثل اللهفة هذا ربي إنطلاقا مما كان يسمعه بأن الإله بعيد بعيد عن الإنسان"(180).

القرينة الثالثة: الكلمات الطفولية والمشاعر الساذجة: يقول : "بعض كلمات الطفولة البريئة التي تحب من خلال مشاعرها الساذجة إزاء الأشياء"(181).

القرينة الرابعة: الطفل الذي وجد شيئا قد أضاعه : لأن هذه الصرخة "تماما كمثل الهتاف الذي يهتف به الطفل عندما يجد شيئا قد أضاعه، أو شيئا قد طلبه"(182) !

 القرينة الخامسة: الأشياء الكبيرة والفكر الساذج. لأن قوله عليه السلام "هذا ربي هذا أكبر" يختلف عما سبقه من حيث كونه "صرخة طفولية بارزة" لأن الحجم هنا "ينطلق ليؤكد الفكرة فيما لا توحي بها إلا أفكار الطفل أو ما يشبه الطفل لأن الأشياء الكبيرة توحي للفكر الساذج بالهيبة والعظمة بما لا توحي به الأشياء الأقل حجما"(183).

الشاهد الرابع: تفسيره الآيات : فالمتأمل في نص "من وحي القرآن" سيرى أن صاحبه قد فسرّها بما يتناسب وهذا الإتجاه ،حيث تحدث عن خشوع إبراهيم عليه السلام للكوكب وعيشه معه في حالة من التصوف والعبادة، وأنه أقبل عليه في خشوع العابد ولهفة المسحور واندفاعة الإيمان(184).

وقد ذكرنا أن "الكاتب" قد اعترف من حيث لا يشعر بهذا الأمر وأن صاحبه إنما كان يعطي" دلالات الآيات بحسب ظهورها الأولي"(185) وإن ساق "الكاتب" كلامه هذا في إطار التبرير والتخريج بل التهريج ربما ليضفي على "البحث" بعض الطرائف اللطيفة لكي لا يمل القارئ ويضجر.

الشاهد الخامس: اكتشافه عليه السلام للحقيقة: فقد ختم " البعض " بحثه بالقول: "وتبقى لنا في هذا المجال هذه البراءة الفكرية من إبراهيم عليه السلام حيث نتمثله إنسانا يواجه العقيدة من موقع البساطة الوجدانية والعفوية الروحية ثم هذه اللهفة الحارة المنفتحة على الله سبحانه عند اكتشافه للحقيقة في توحيده في كل شيء".(186)

ومن الواضح البيّن أن من كان في مقام "المحاججة" لقومه أو "المحاكاة الإستعراضية" لا يصح الحديث عنه بلغة تفيد أنه اكتشف الحقيقة لأن المفروض هو أنه على بينة من ربه ، كما قال العلامة الطباطبائي ، وأن الحقيقة ليست خافية عليه !!

فتفسيره للآيات أولا وفق الإتجاه الثاني (عبادة إبراهيم عليه السلام للكواكب) ، وقد ختم كلامه وفقه أيضا ، وتصريحه عند ذكره لما يقرب الإتجاه الأول (محاججة قومه ) بأن في الآية ما يلمح إلى "حالة تأثر بالجو المحيط به"، كل ذلك يجعلنا نستظهر، كما ذكر العلامة المحقق، "ميله إلى ذلك الإحتمال الفاسد، وأنه لم يذكره لمجرد كونه احتمالا !

إن مجرد توهم أن يكون نبي الله إبراهيم (ع) قد عبد غير الله أو اعتقد بألوهيته وربوبيته، هو توهم وإحتمال باطل في حق الأنبياء، ويلزم التصريح بتسخيفه، وبطلانه،لا تقريبه فضلا عن تأييده بالشواهد وشرح الآيات بما يناسبه، ثم إنهاء الكلام والخروج من الموضوع من خلاله"(187).

فإن إبقاء الإحتمال واردا ولو بنسبة واحد في المئة  منافٍ لليقين بعصمة الأنبياء .

ملاحظات ينبغي التوقف عندها

1 ـ لماذا قال " الكاتب" ما نصّه: "واعتبره الرأي الأقرب"(189)

مدعياً أقربية هذا الإتجاه (محاححجة قومه ) وأبعدية ذاك عند صاحبه؟! 

لكن صاحبه قال: "ربما كان هذا هو الرأي الأقرب الذي يلتقي مع شخصية إبراهيم (ع)"(190)

فعمد "الكاتب " إلى حذف هي: "ربما"  التي تفيد أن صاحبه لم يقطع حتى بأقربية هذا الإتجاه، بل بقي في تقريبه له "متذبذباً". !!

2 ـ  اتضح بذلك  ضعف الشاهد الثاني الذي قدمه "الكاتب" كشاهد زور بعد أن تلاعب بالنص ، وحمله على نقيض ما أراده صاحبه منه !

فقد ذكر، أن " البعض" في حديثه عن أقربية إتجاه أن يكون إبراهيم (ع) في إطار محاججة قومه ، تحدث عن أن " قصة إبراهيم مع الكوكب والقمر والشمس جاءت بعد الآية المباركة التي تحدثت عن إراءة الله عز وجل لإبراهيم ملكوت السموات والأرض"(193).

ثم قال الكاتب بعد ذلك: "وعلى ضوء هذا السياق يقول " السيد ":إن الرؤية التي حدثنا الله عنها لملكوت السماوات والأرض لابد أن تكون الرؤية الوجدانية الواعية التي تحاول أن تثير التفكير من خلالها وليست الرؤية البصرية الساذجة وربما كانت كلمة (وليكون من الموقنين) ليس حديثا عما سيؤول إليه أمره في المستقبل ليكون قوله (فلما جن عليه الليل) تفصيلا لكيفية إستدلال إبراهيم (ع) بهذه المخلوقات (الكوكب والقمر والشمس) ومعرفة الحق من وجهتها والذي يعبر عنه القرآن بـ (رؤية الملكوت) وإنما حديث عن حال إبراهيم (ع) قبل موقفه من قومه في عبادتهم لتلك المخلوقات السماوية، فتكون (الفاء) في قوله (فلما جن عليه الليل) دالة على الترتيب الزمني، وتكون القصة حينئذ متأخرة زمانا عن رؤية الملكوت"(194).

وهذا نص واضح بل فاضح في التحريف، وذلك لأن "الكاتب" قبل أن ينقل هذا النص قال: "يقول (السيد): "إلخ أي وضع نقطتين، ثم فتح مزدوجين يشيران إلى أن ما سينقله إنما هو نص حرفي ! ولكنه لم يذكر "الكاتب": المصدر كما فعل في الشاهد الأول والثالث !! وذلك لأن النص المنقول بمعظمه غير موجود في المصدر ! والموجود منه هو من قوله: "إن الرؤية التي حدثنا الله عنها" إلى قوله: "وربما كانت كلمة (وليكون من المؤمنين)".

وكل ما ذكر بعد ذلك ليس له أثر إلا عند "الكاتب" أو من "وسوس" له بدس هذا النص !! ولا ندري : لعله يقول: قد أوكلت الأمر للمركز الفلاني ليوردوا النص فأخطأوا !! وذلك أسوة "بصاحبه" عندما ذكر هذه الإجابات في معرض تهربه من قضية حديثه عن شرب علي (ع) للخمر عند تفسيره لقوله تعالى (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) !!(195)

فما دامت هذه أعذار صاحبه ، فلا غرابة في أن يتحفنا الكاتب بمثلها !

 ب ـ ومهما كان تبرير "الكاتب"، فإنه لن يتمكن من إنكار وجود زيادة وإضافة على النص ، الأمر الذي يعتبر إقرارا ببطلان الشاهد الثاني وإعترافا بالتضليل؛ لا سيما إذا علمت أن رأي "البعض" بمعزل عن الزيادة ، هو على العكس تماما مما توحيه هذه الزيادة؛ لأن كلامه صريح بأن الرؤية التي يتحدث عنها إنما هي رؤيته للكوكب والقمر والشمس، وهي التي وصفها بالرؤية الوجدانية الواعية لا البصرية الساذجة وهذه الرؤية الوجدانية الواعية هي التي ستؤدي به (ع) لأن يكون من الموقنين، فكيف سيكون من الموقنين بسبب الرؤية الوجدانية الواعية للكوكب والقمر والشمس قبل أن تحدث له ؟!!

ولهذا قال "البعض" : "وربما كانت كلمة: (وليكون من الموقنين) إشارة إلى ذلك"(196) أي إشارة إلى الرؤية الوجدانية الواعية لملكوت السموات والأرض؛ لأن الرؤية التي يكون هذا حالها لا بد أن تؤدي بصاحبها ليكون من الموقنين.

من هنا تحدث "البعض" عن أن هذه الرؤية تفيد إبراهيم في تدرجه للوصول إلى اليقين وهو معنى ما قاله بالنص: " مما يوحي بأن إبراهيم كان يعيش حركة الفكر الذي يريد أن ينمّي من خلاله معلوماته وأفكاره، بكل الأشياء التي تركز للفكرة قوتها وفاعليتها وثباتها وحركتها"(197).

3ـ ولا يختلف حال "الكاتب" كثيرا في شاهده الثالث عن حاله في غيره من الشواهد؛ لأن ما نقله عن فحوى كلام صاحبه من أن إبراهيم عليه السلام: "لم ينطلق بقوله (هذا ربي) من حالة ذاتية يعيشها في نفسه، بل إنطلق على أساس الحالة الواقعية للآخرين الذين كانوا يعبدون الكوكب والقمر والشمس"(198) ، لأن ما نقله ليس دقيقا، ولا ينفعه عدم وضعه بين مزدوجين إذ أن صاحبه لم يكن يتحدث عن خصوص هذه الآية؛ بل عن مجمل آيات إبراهيم عليه السلام بما فيها موقفه من الأصنام.

وعلى أي حال فقد ذكرنا أن هذا الشاهد وغيره لم يجزم به "صاحب من وحي القرآن" ولذلك عبر بكلمة: "ربما".

4 ـ أما المواطن الأربعة التي استدل بها "الكاتب" على ميل "البعض" إلى هذا الإتجاه  فيرد عليها: أن المواطن الثلاثة الأول منها مأخوذة من كتابي الندوة ج 1، والندوة ج 4، وقد تقدم أن تقريبه لعبارة موهمة في مواضع بعيدة عن الموضع الذي ورد فيه الإشكال لا يفيد إذ "لا يجوز تأخير البيان عن موضع الحاجة" .

وأما الموطن الرابع المأخوذ من كتاب "الحوار في القرآن" فلا دليل فيه على ميله لهذا الإتجاه أي : "المحاكاة الإستعراضية"  فما ذكره "الكاتب" من صفحة 4 من أن إبراهيم عليه السلام كان يقف: "موقفا يجعل من نفسه طرفا للحوار الذاتي أمام دعوة الحق والباطل، فتراه يطرح قضايا الباطل من خلال أفكاره، ثم يبدأ عملية التساؤل والحوار الذاتي [الذي] يجرد فيه من نفسه شخصا ثانيا يتأمل ويناقش من أجل الوصول إلى الحق".

ومع الإلتفات إلى قوله مرتين : "الحوار الذاتي" يتضح مقصوده وتبنيه للإتجاه الثاني(عبادة إبراهيم (ع) للكواكب)؛ لا سيما إذا علمت أنه يعتبر أن إبراهيم قد خاض ثلاثة أنواع من الحوار : الأول: ذاتي (وهو الذي تتحدث عنه آيات رؤية الكواكب). والثاني: مع قومه (وهو الذي تتحدث عنه آيات محاججته لقومه في أمر الأصنام).والثالث: مع ربه (وهو الذي تتحدث عنه الآيات التي طلب فيها من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى).

فلو كان "البعض"يقصد بالحوار الذاتي الإتجاه الأول وهو"المحاكاة الإستعراضية" لما كان للتفريق بين النوع الأول والثاني من أنواع الحوار وجه .

والملفت هنا أن "الكاتب" عمد إلى حذف ذيل هذ النص الدال بوضوح على تبنيه للإتجاه الآخر وهو قوله: " يتأمل ويناقش من أجل الوصول إلى الحق لينتهي بعد ذلك إلى موقف الإيمان، بأقصر الطرق وأقواه. وانظر إلى هذا الموقف الرائع الذي يصور لنا فيه رحلة الإنسان الباحث عن الحق من موقف الشك إلى موقع اليقين في إسلوب هادئ ينطلق من الحوار الذاتي"(199).

ولا شك أن القارئ قد لاحظ قوله : "لينتهي بعد ذلك إلى موقف الإيمان الحق". وكذلك قوله: "رحلة الإنسان الباحث عن الحق من موقف الشك إلى موقع اليقين". وهذا نص صريح من صاحب "من وحي القرآن "، بأن إبراهيم (ع) لم يكن صدد محاججة قومه، وإنما كان شاكاً في ربه، عابداً للكواكب، وأن ما صدر منه (ع) كان خلال رحلته في طريق الإيمان.

أما النص الثاني الذي ذكره "الكاتب" أيضا من كتاب: "الحوار في القرآن" صفحة 42 وعمد كعادته الى تقطيع أوصاله بحذف ذيله الصريح في بيان رأي "البعض " حيث نقل عنه قوله: "فقد بدأت القضية [إلى قوله] تحمل من مظاهر العبادة ما يحملانه"(200) وأعرض عن قوله الذي يلي ذلك مباشرة: "وكانت الفكرة تنمو في ذهنه أمام عظمة هذه أو تلك [ يقصد الكواكب ] وهكذا إستطاع أن يتجاوز هذا الإعتقاد الطارئ السريع، إلى المطلق الذي فطر السموات والأرض".(201)

ولا أعتقد أن القارئ يحتاج إلى إلفات نظره لقوله: "تنمو الفكرة في ذهنه" وقوله: "يتجاوز هذا الإعتقاد الطارئ السريع". فإبراهيم (ع) إذن قد اعتقد بألوهية أو ربوبية الكواكب !! لكن هذا الإعتقاد كان طارئا وسريعا.

وقد أعرض "الكاتب" أيضا عن قول صاحبه: "وهكذا استطعنا أن نجد في شخصية إبراهيم من خلال هاتين الصورتين [موقفه من الكواكب، وطلبه من ربه أن يريه كيف يحي الموتى] اللتين يعرضهما القرآن له في حواره المتحرك في طريق الإيمان الشخصية الدينية للطرف الآخر الثاني للحوار الذي يريد أن يصل إلى الحق"(202).

فليتأمل القارئ في قوله: "في حواره المتحرك في طريق الإيمان" وليقارنه مع قوله في كتاب "من وحي القرآن" : "هل هي الرحلة الأولى في طريق الإيمان "

(203).

على أن ثمة نصا آخر ، عمد الكاتب الى تقطيعه، والقفز عن بعض فقراته؛ ليثبت تقريب صاحبه لاتجاه محاججة إبراهيم(ع) لقومه. مع أن النص صريح في دلالته، على عكس ما يدّعيه الكاتب.

يقول "البعض" تحت عنوان : "عود الى ما سبق" ما نصه :  "وقد تقدم الحديث عن إبراهيم في قصة الحوار في مواقف ثلاثة حواره الذاتي مع نفسه في رحلته الفكرية إلى الله، وحواره مع ربه في الإنفتاح على الطرق التي تجعل الإيمان نابعا من واقع الحس كما هو منطلق من واقع الفكر وحواره مع قومه ، عندما قام بتكسير الأصنام ليجعل ذلك فاتحة حوار معهم" (204) .

ويتضح للقارئ وجه المقارنة بين ما سبق من قوله عن الحوار الذاتي في طريق الإيمان وبين ما ذكره هنا وهو قوله: "حواره الذاتي مع نفسه في رحلته الفكرية إلى الله " !

اللغة العجيبة

وبعد أن عجز "الكاتب" أن يطابق كلام صاحبه مع كلام العلماء الأعلام واصطدم بمقولاته المخالفة بعبادة إبراهيم (ع) للكواكب، عمد إلى ابتداع ما أسماه "الظهور الأولي" للآيات (206)

فقال: إن وصف العلامة المحقق لهذه المقولات بـ "الجريئة" إنما انتزعه: "من سياق الحديث الذي كان بصدد إعطاء ظواهر الآيات المباركة".

وقال: "ومن دون شك فإن الظهور يدل على أن إبراهيم (ع) كان في مقام الإستدلال، وأنه كان يبحث عن الرب المدبر للأمر وهذا ما صرّح به العلامة الطباطبائي" !!

وأضاف "الكاتب "قائلا: "فالآيات المباركة ظاهرة في أن إبراهيم (ع) كان بصدد البحث والإستدلال، بيد أن المفسرين اختلفوا في تفسير ذلك إلى اتجاهين أساسيين ولهذا فإننا نرى صاحب تفسير "من وحي القرآن" بعد أن أعطى دلالات الآيات بحسب ظهورها الأولي عقد بحثا تحت عنوان: (وماذا بعد ذلك)"

وكلام "الكاتب "هذا لا يخلو من دهاء لأن قوله: " ومن دون شك فإن الظهور يدل على أن إبراهيم (ع) كان في مقام الإستدلال " حاول من خلاله الإيحاء بأن ذلك هو ما استظهره " البعض" لكن هذا المكر لا ينطلي إلا على السذج؛ لأن حيلة الظهور الأولي إنما إبتدعها للتخلص من صريح كلام صاحبه بأن إبراهيم (ع) كان معتقدا بألوهية الكواكب، وهذه الصراحة هي التي دفعت بالعلامة المحقق للحمل على هذا الكلام.

لذلك عمد "الكاتب" للإدعاء بأن ما أشكل عليه المحقق العاملي إنما إنتزعه " من سياق الحديث الذي كان بصدد إعطاء ظواهر الآيات المباركة ".

ولو كان "البعض" في استظهاره الأولي للآيات يتحدث عن أن إبراهيم (ع) كان في مقام الإستدلال، فلماذا احتج الكاتب بأن المحقق العاملي إنما إنتزع " المقولات الجريئة من سياق الحديث الذي كان بصدد إعطاء ظواهر الآيات المباركة ".

وما يؤيد ذلك أن "الكاتب" زعم أن العلامة ناصر مكارم الشيرازي فعل ما فعله "البعض" أي قدّم أولا دلالات الآيات بحسب ظهورها الأولي(207).

إلا أنه لم يذكر تلك الآراء التي توافق صاحبه بل تجاهلها!!

ولإظهار ذلك نستعرض آراء "من وحي القرآن " وما ذكره "الكاتب" من كلام للعلامة ناصر مكارم الشيرازي حول كل آية من الآيات موضع البحث:

الآية الأولى: (فلما جن عليه الليل رأي كوكبا قال هذا ربي ).

قال "فضل الله": " ( قال هذا رب)  في صرخة الإنسان الطيب الساذج الذي خيل إليه أنه اكتشف السر الكبير الذي يبحث عنه كل الناس، كما لو لم يكتشفه أحد غيره، وكأنه أقبل إليه في خشوع العابد وفي لهفة المسحور وفي اندفاعة الإيمان وربما ردد هذه الكلمة (هذا ربي) في سرّه كثيرا. الى آخر ما تقدم  (208).

وقال الشيخ ناصر مكارم : "فعندما غطى ستار الليل المظلم العالم كله، ظهر أمام بصره كوكب لامع، فنادى إبراهيم هذا ربي، ولكنه إذ رآه يغرب، قال: لا أحب الذين يغربون".(209)

فنسأل "الكاتب": أي تشابه هذا الذي يدّعيه بين هذين القولين؟

فهل تحدث  الشيرازي عن صرخة إبراهيم "الساذج"؟ أم عن إقباله على الكوكب في خشوع العابد ولهفة المسحور واندفاعة الإيمان؟! أم عن ترديده لكلمة هذا ربي في سره كثيرا؟!! أم عن الحقيقة التي اكتشفها ،وهي ربوبية الكوكب، ليؤكدها في ذاتها بعيدا عن حالات الشك والريب؟ أم عن الوهم الكبير الذي كان يعيشه إبراهيم عليه السلام؟. وهل لآية ( هذا ربي ) كل هذه الدلالات وكل هذه "الظهورات الأولية"؟!!

الأمر الذي لا يشك به "الكاتب" الذي نقلنا عنه قبل قليل قوله إن: " الظهور يدل على أن إبراهيم كان في مقام الإستدلال وأنه يبحث عن الرب المدبر للأمر" . وأن ذلك ما صرّح به العلامة الطباطبائي ؟!!

فهل تستقيم هذه الدعوى مع المعاني التي تدل عليهاعبارات صاحبه الذي يدافع عنه؟! أعني هل كلام صاحبه المتقدم ذكره يفيد أنه (ع)كان في مقام الإستدلال، وأنه كان يبحث عن الرب المدبر ، وهل من يبحث عن الرب يقبل على ما افترضه ربا في خشوع العابد وفي لهفة المسحور وغير ذلك من عبارات؟!

ثم ما معنى قول"البعض" : " لقد ضاع الإله في الأجواء الأولى للصباح" ؟!

وليخبرنا "الكاتب" عما كان يبحث عنه إبراهيم، فهل هو الإله أم الرب المدبر؟!! وهو الذي نقل لنا قول العلامة الطباطبائي قدس سره في تفسير الميزان: " فالذي يعطيه ظاهر الآيات أنه (ع) سلّم أن لجميع الأشياء إلها فاطرا واحدا لا شريك له في الفطر والإيجاد وهو الله تعالى، وأن للإنسان ربا يدبر أمره لا محالة، وإنما يبحث عن أن هذا الرب المدبر أمره، هو الله سبحانه أم أنه بعض خلقه أخذه شريكا لنفسه"(210).

وكيف يكون كلام "البعض" مطابقا لكلام العلامة الطباطبائي رحمه الله؟!

وهل يريد "الكاتب "أن يقنعنا أن كلمة (هذا ربي ) تدل على: إقبال إبراهيم عليه السلام على الكوكب في خشوع العابد ولهفة المسحور واندفاعة الإيمان ، واكتشاف الحقيقة ليؤكدها في ذاتها بعيدا عن كل حالات الشك والريب ؟!

وأن قناعات إبراهيم اهتزت من جديد ؟!

ونفس المصيبة تجدها فيما ذكره "الكاتب " عن الآية الثانية : ( فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي ) : فقد قال " البعض":

" قال هذا ربي  وبدأت المقارنة بين هذا النور الكوكبي وبين هذا النور القمري فأين هذا من ذاك، فهذا هو السر الإلهي الذي كان يبحث عنه (قال هذا ربي) وعاش معه في حالة روحية من التصوف والعبادة لهذا الرب النوراني وفجأة بدأ الشعاع يبهت ثم يغيب وإنطلقت الحيرة في وعيه من جديد أين ذهب الإله، وأين غاب وهل يمكن للإله أن يغيب ويأفل وضجت علامات الإستفهام في روحه تتساءل من هو الإله؟ وأين هو وعاش في التصور الضبابي المبهم الغارق في الغامض يتوسل بالرب الذي لا يعرف كنهه، أن يهديه سواء السبيل " (211)

وقال ناصر مكارم: " ومرة أخرى رفع عينيه إلى السماء فلاح له قرص القمر الفضّي ذو الإشعاع واللمعان الجذاب على أديم السماء فصاح ثانية: هذا ربي، ولكن مصير القمر لم يكن بأفضل من مصير الكوكب قبله، فقد أخفى وجهه خلف طيات الأفق"(212).

فأين كلام "البعض "من كلام مكارم ؟! وهل كلمة: ( هذا ربي ) لها كل هذا الظهور وكل تلك الدلالات والمعاني والإيحاءات؟!! وهل يظهر من كلمة:

( هذا رب ) أن إبراهيم عليه السلام عاش مع القمر في حالة روحية من التصوف والعبادة لهذا الرب النوراني؟!!.

وما كان يبحث عنه إبراهيم عليه السلام، هل هو الإله أم الرب المدبر؟!!

وماذا يعني قول "البعض " : " أين ذهب الإله وهل يمكن للإله أن يغيب وضجت علامات الإستفهام في روحه تتساءل من هو الإله"؟!.

وما معنى قوله: "يتوسل بالرب الذي لا يعرف كنهه أن يهديه إلى سواء السبيل"؟!!.وكيف يكون كلام "فضل الله"مطابقا لكلام العلامة الطباطبائي رحمه الله ؟!

ولنتابع مع هذا "الكاتب" لنرى في الآية الثالثة ما فيه مخالفة لحقائق الدين وأصول المذهب ، حيث يحتوي على أقبح النسب الى الأنبياء وهو الشرك : ( فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ): يقول "فضل الله":

" وفجأة أشرقت الشمس بأشعتها الذهبية الدافئة فأخذت عليه وجدانه ( فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر) فأين حجم الشمس من حجم القمر والكواكب فلا بد أن تكون هي الإله الذي يبحث عنه فإذا به يهتز ويتحرك في قوة وامتداد وحيوية دافقة ولكن ماذا؟ وبدأ يفكر فها هي تبهت وتبرد ثم تغيب وتأفل وتترك الكون في ظلام دامس فكيف يمكن أن تكون إلها تعيش الحياة في قدرته وقوته؟ وأطلق الصرخة فيمن حوله من هؤلاء الناس الذين يعبدون الكواكب والقمر والشمس فيما خيّل له ، في وقت من الأوقات، أنه الحقيقة المطلقة التي لا يعتريها شك ولا ريب"(213).

ويقول ناصر مكارم: "عند ذاك كان الليل قد انقضى، وراح يجمع أطراف أستاره المظلمة هاربا من كبد السماء، بينما راحت الشمس تطل من المشرق وتلقي بأشعتها الجميلة وما أن وقعت عين إبراهيم الباحث عن الحقيقة على قرص الشمس الساطع، صاح: هذا ربي، فإنه أكبر وأقوى ضوءا، ولكنه إذ رآها كذلك تغرب وتختفي في جوف الليل البهيم، أعلن إبراهيم قراره النهائي قائلا: يا قوم لقد سئمت كل هذه المعبودات المصطنعة التي تجعلونها شريكة لله"(214).

فهل ثمة تشابه بين هذين القولين؟! وهل تحدث الشيرازي عن تلك "اللابدّية" في أن تكون الشمس هي الإله الذي يبحث عنه إبراهيم عليه السلام؟! أم عن أنه (ع) خيّل له في وقت من الأوقات أن الكوكب والقمر والشمس هي الحقيقة المطلقة التي لا يعتريها شك ولا ريب.

وهل لكلمة (هذا ربي هذا أكبر ) دلالة وظهور على أن الشمس قد أخذت عليه وجدانه ؟! وأنها لا بد من أن تكون الإله الذي يبحث عنه ؟!

ومرة جديدة نسأل "كاتبنا" هل كان إبراهيم (ع)، يبحث عن  الإله، أم الرب المدبر؟! حتى يقول "البعض": "فلا بد أن تكون هي الإله الذي يبحث عنه" أو يقول: "فكيف يمكن أن تكون إلها"

وبعد، هل يبقى ثمة شك بأن "الكاتب" يتعمد التضليل؟! وإلا فما معنى أن يعتبر كلام صاحبه متطابقا مع كلام الشيرازي؟!!

فضلا عن دعوى مطابقته لكلام العلامة الطباطبائي قدس سره؟!!.

وختاماً .. فالخلاصة التي لايقبلها عاقل  أن الآيات القرآنية الآنفة الذكر تدل عند "فضل الله " وفق رأي "الكاتب"، بحسب ظهورها الأولي على عدة أمور :

* إن إبراهيم (ع) عندما رأى الكوكب: سيطرت عليه أجواء الروعة، واستولى عليه الخشوع الروحي، فخيل إليه أن هذا هو الإله العظيم".

* إن إبراهيم (ع) عندما رأى الكوكب: "قال هذا ربي في صرخة الإنسان الطيب الساذج الذي خيّل إليه أنه اكتشف السر الكبير الذي يبحث عنه كل الناس وكأنه أقبل إليه في خشوع العابد وفي لهفة المسحور وفي اندفاعة الإيمان".

* إن إبراهيم (ع) عندما رأى الكوكب: ربما  ـ ربما ـ ردد هذه الكلمة:

( هذا ربي ) في سرّه كثيرا ليوحي لنفسه بالحقيقة التي اكتشفها ليؤكدها في ذاتها بعيدا عن كل حالات الشك والريب".

* إن إبراهيم (ع) عندما أفل الكوكب: "انكشفت له الحقيقة الصارخة فقد كان يعيش في وهم كبير واهتزت قناعاته من جديد".

* إن إبراهيم (ع) عندما رأى القمر إعتبر أن: "هذا هو السر الإلهي الذي كان يبحث عنه".

* إن إبراهيم (ع) عندما رأى القمر قال هذا ربي " وعاش معه حالة روحية من التصوف والعبادة لهذا الرب النوراني"

( لاحظ كيف عبر هنا بالرب ثم عبر هناك بالإله عدة مرات !) .

* إن إبراهيم (ع) عندما أفل القمر: "إنطلقت الحيرة في وعيه من جديد وضجت علامات الإستفهام في روحه تتساءل من هو الإله وعاش في التصور الضبابي".

* إن إبراهيم (ع) لما رأى الشمس بازغة وأن حجمها أكبر من حجم القمر اعتبر أنه: "لا بد أن تكون هي الإله الذي يبحث عنه".

* إن إبراهيم (ع) بعد أن أفلت الشمس كفر بالكواكب والقمر والشمس التي: "خيل له في وقت من الأوقات أنه الحقيقة المطلقة التي لا يعتريها شك ولا ريب".

اللغة الأعجب : روايات أهل البيت (ع ) لا تنسجم مع ظواهر الآيات!

صدّر "الكاتب" بحثه حول قصة إبراهيم (ع) بالتحدث عن اتجاهين أساسيين في تفسير الآيات: الأول: بأنه: " أسلوب حواري احتجاجي بمجاراة القوم، وتسليم ما سلموه، ثم بيان ما يظهر فساد رأيهم وبطلان قولهم في ألوهية الكواكب" .

والثاني: " أنه (ع) كان في دور المهلة والنظر والطلب والبحث عن الرب المدبر للأمر، على اختلاف المفسرين في أن ذلك كان قبل البلوغ أو بعده"(215). ثم خلص إلى القول: "إن رأي (السيد) الذي استقربه هو من أفضل الآراء ، وهو الإتجاه الذي يذهب إلى أن إبراهيم (ع) قال (هذا ربي ) على سبيل المجادلة والمناظرة".

أما الإتجاه الآخر " الذي استوجهه فضل الله وإن لم يختره، دلّت عليه الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، واستوجهه أعلام التفسير الشيعة على مدى قرون، فلم يكن الشريف المرتضى أولهم، ولا العلامة الطباطبائي آخرهم". ثم ختم "الكاتب" كلامه مخاطبا العلامة المحقق :

"الرأي الذي اخترتموه والذي يذهب إلى أن إبراهيم (ع) في قوله: (هذا ربي )كان في مقام الإستنكار والإستهزاء، يعد من أضعف الآراء في المسألة، ولا ينسجم مع ظواهر الآيات والسياق، ولهذا ذكره الأعلام في آخر ما ذكروه من وجوه محتملة".(216)

وقد بينّا تعسف "الكاتب" بأن ما أتى به فضل الله، لم يكن بدعاً من القول، وأنه قد سبقه إليه أعلام المذهب ، وسيأتي المزيد  ، وما يعنينا هنا قوله عن الرأي الذي اختاره العلامة المحقق القائل بأن إبراهيم (ع) في قوله (هذا ربي) كان في مقام الإستنكار والإستهزاء، يعد من أضعف الآراء في المسألة ولا ينسجم مع ظواهر الآيات والسياق، ولهذا ذكره الأعلام في آخر ما ذكروه من وجوه محتملة ! وكذلك دعواه أن روايات أهل البيت (ع) إنما دلّت على الإتجاه القائل بأن ذلك كان في زمان مهلة النظر الذي استوجهه "البعض" وإن لم يختره. فنسجّل على ذلك الملاحظات التالية :

1ـ تقدم أن العلامة المحقق إنما اختار مقولة "الإحتجاج" والإستنكار والإستهزاء ،ومن الواضح إمكانية الجمع بين هاتين المقولتين إذ لا تنافي بينهما. 2ـ نقل "الكاتب" نفسه رواية الإمام الرضا (ع) وتعليق العلامة الطباطبائي عليها ! وملخصها كما في العيون وذكرها البحراني في البرهان : أن المأمون سأل الإمام الرضا (ع) عن مسائل تتعلق بعصمة الأنبياء وكان مما سأله: الآيات المتعلقة بإبراهيم (ع) فقال الإمام (ع): "إن إبراهيم (ع) وقع إلى ثلاثة أصناف، صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشمس وذلك حينما خرج من السرب الذي أخفي فيه، فلما جن عليه الليل رأى الزهرة قال هذا ربي على الإنكار والإستخبار فلما أفل الكوكب قال: لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال: هذا ربي على الإستنكار والإستخبار فلما أصبح رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي هذا أكبر على الإنكار والإستخبار لا على الإخبار والإقرار"(218).

فكيف يوفق، هذا "الكاتب"، بين ذكره للرواية من جهة، والإدعاء بأن رأي العلامة المحقق من أضعف الآراء ؟! لاسيما أن هذه الرواية تؤيد ما ذهب إليه العلامة المحقق أيده الله مع أن "الكاتب" ادعى زورا تأييد رواياتهم للإتجاه الآخر الذي استوجهه صاحبه وإن لم يختره ؟!!.

وماهو سبب اختيار صاحبه ما يخالف ما دلت عليه روايات أهل البيت عليهم السلام ؟! وهل يريد أن يقول لنا أن تفسير الإمام الرضا (ع) هو من أضعف الآراء، وأن قوله لا ينسجم مع ظواهر الآيات ؟!

وهل قال العلامة الطباطبائي قدس سره هذا القول أم قال إن هذا التفسير من الأئمة عليهم السلام لا ينافي صحة غيره من الوجوه ، إذ ليس بالضرورة أن يكونوا عليهم السلام في وارد إعطاء جميع وجوه الآية .

وبهذا نرى أن العلامة الطباطبائي قدس سره بريء مما نسبه إليه هذا "الكاتب" الذي أخذته العزة بالإثم إلى درجة اعتبر فيها تفسير الأئمة عليهم السلام من أضعف الآراء ! بل وتجرأ على اعتبار تفسيرهم لها في الرواية لا ينسجم مع ظواهر الآيات ! هذا في الوقت الذي يعتبر فيه تفسير صاحبه من أقوى الآراء !

وقديماً قالوا: إن لم تستح فافعل ما شئت !

السذاجة البلهاء

ذكر "الكاتب" أثناء تعرضه لمقولة: "السذاجة" في حديثه عن آدم عليه السلام ، أن التعبير بالسذاجة هو الذي جعل العلامة المحقق يعتبرها من "المقولات الجريئة" لأنها: "تعني التطلع إلى الأمور بنظرة حائرة بلهاء".(223)

وقد علّق "الكاتب" مخاطباً المحقق العاملي بقوله: "ما كان ينبغي أن يتبادر إلى ذهنكم هذا المعنى على الإطلاق" لأن "معنى السذاجة ليس كما يتبادر إلى بعض الأذهان خطأ من أنها البلاهة، التي تعني الحماقة والسفاهة وعدم العقل فالأبله هو الأحمق الذي لا تمييز له".

ثم ساق "الكاتب" ما ورد في لسان العرب من تعريف "للسذاجة"(224).

لكن هذا القول من "الكاتب" يمثل افتراءً واضحاً وتضليلا سافراً ، وذلك:

أ ـ  لأن ما ذكره العلامة المحقق عن السذاجة بأنها "تعني التطلع نحو الأمور بنظرة حائرة بلهاء" إنما هو كلام فضل الله ! وقد ردّده العلامة المحقق في معرض طعنه على وصف آدم عليه السلام به حيث قال أعزه الله بالنص الحرفي: "ولعل هذا " البعض"  قد حسب أن عدم معرفة آدم بأمر خفي، لم يجد السبيل إلى معرفته، نوعا من السذاجة، والبساطة، مع أن هناك فرقا بين السذاجة التي تعني التطلع إلى الأمور بنظرة بلهاء كما سيأتي في كلام نفس هذا "البعض" عن إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام ، أو تعني نوعاً من القصور في الوعي والفهم، كما يقول عن آدم عليه السلام وصرّح به في خطبة ليلة الجمعة بتاريخ (29 ج2 1418 هـ) ، وبيّن عدم الإطلاع على الواقع لسبب أو لآخر"(225).

وإذا راجعنا النص الذي ورد في كتاب "من وحي القرآن" والذي ذكرناه في أول هذا الفصل لوجدنا صاحبه يقول: .لأن توجيه الوجه لله لا يعني في مدلوله العميق هذا الموقف الساذج الذي يتطلع فيه الإنسان نحو الأفق الممتد في السماء بنظرة حائرة بلهاء "!!  (226).

فظهر مما تقدم إن تعريف السذاجة بأنها "التطلع إلى الأمور بنظرة حائرة بلهاء" ليس تعريف العلامة المحقق حتى يقول له الكاتب: بأنه ما كان ينبغي أن يتبادر إلى ذهنه هذا المعنى على الإطلاق، فإن كان هذا المعنى خطأ، فإنه من جملة أخطاء "البعض" !!

انظروا الى من قال .. لا الى ماقيل !!

  ولا بأس بذكر حادثة حصلت مع أحد مريدي (السيد) ،حيث قرأ فهرست العناوين والمقولات في الصفحات الأولى لكتاب خلفيات الجزء الأول ، ثم عاد إلى الغلاف ليتأكد من إسم المؤلف فعلم أنه "السيد جعفر مرتضى العاملي" ثم عاد للمقولات ليردّدها الواحدة تلو الأخرى على مسمع ومرأى العديد من الإخوة المؤمنين الذين أخذوا يستمعون إليه ، إلى أن رمى الكتاب جانبا قائلا هذا الكفر بعينه لماذا لا يتصدى العلماء له ويوقفونه عند حده ؟!!

 فضحك أحد الحاضرين لعلمه بداهة أن هذا الشخص ظن أن هذه المقولات تعبر عن رأي العلامة المحقق وأنه غير ملتفت إلى أنها عناوين لمقولات "البعض" فأخبروه فلم يصدق بل قال: هذا الأمر يحتاج إلى تأمل وتفكر !!

ثم عاد للكتاب ليتأكد من ذلك بنفسه، ولتصبح بعد ذلك هذه الحادثة مضربا للمثل !!

وهذا الأمر قد حصل مثله مع "كاتبنا" الذي ظن أن صاحب هذا التعريف للسذاجة هو العلامة المحقق الذي "ما كان ينبغي أن يتبادر إلى ذهنه هذا المعنى على الإطلاق لأن معنى السذاجة ليس كما يتبادر إلى بعض الأذهان خطأ من أنها البلاهة التي تعني الحماقة والسفاهة وعدم العقل" إلخ .

وهو لا يعلم أن هذا الخطأ من مسؤولية صاحبه الذي عرف السذاجة بهذا المعنى، وإن كنا نظن أنه يعلم ولكنه الدهاء !

إذن إن وصف آدم أو إبراهيم عليهما السلام "بالساذج" إنما يعني فيه، وفق تعريف "البعض" : "الأبله" !!

ج ـ ومن الملفت للنظر تجاهل "الكاتب" لمقولة السذاجة عند حديثه عن إبراهيم (ع)، مع أن العلامة المحقق وضع هذه المقولة في العنوان الأول من العناوين المتعلقة بالحديث عن إبراهيم (ع) تحت الرقم (29)(228).

وقد ذكرنا في حديثنا عن آدم (ع) أسباب هذا التجاهل فليراجع هناك !!

ومن ذلك يتبين مكر ما ذكره "الكاتب" أثناء حديثه عن آدم عليه السلام بأن "معنى السذاجة ليس هو ما تبادر إلى ذهنكم (يقصد المحقق العاملي) خطأ جرّاء إنسكم بالتعابير العامية وهذا التبادر الخاطئ قد وقعتهم فيه أكثر من مرة في (خلفيات)"!!!(229). فكان الأولى به أن يخاطب صاحبه بذلك !!

تشويه رأي العلامة الطباطبائي قدس سره

يتحدث "الكاتب" أن ثمة اتجاهين أساسيين في تفسير قصة إبراهيم (ع): الأول هو: المجاراة والمناظرة، والثاني هو: التأمل والنظر(230). واعتبر أن هذين الإتجاهين ذكرهما أعلام التفسير وذهبوا إلى إحتمالهما معا، بل ودافعوا عن الإتجاه الثاني(231). كما اعتبر أن السيد الطباطبائي (قده) اعتبر الإتجاه الثاني محتملا في التفسير !! (232). وهنا عدة ملاحظات:

أ ـ إن ما تحدث عنه الطباطبائي (قده) حول ما أسماه "الكاتب" الإتجاه الثاني، إنما ذكره (قده) على أساس أنه بمثابة افتراض من قبل إبراهيم (ع) ونظيره موجود في المنطق ويسمى "قياس الخلف" الذي يقتضي أن تفترض أمرا تريد إظهار بطلانه لإثبات نقيضه وكلام العلامة الطباطبائي (قده) كله منصب على هذا الإتجاه لذا قال (قده) قبل تقديم مناقشته: "والذي يظهر مما حكي من كلام إبراهيم عليه السلام مع قومه في أمر الأصنام ظهورا لا شك فيه أنه كان على بينة من ربه وله من العلم بالله وآياته بما لا يخفى عليه معه أن الله سبحانه وتعالىأنزه ساحة من التجسم والتمثل والمحدودية"(233).

وقد تجاهل "الكاتب" ذلك كعادته وعادة من سبقوه للدفاع عن "البعض" !!

وقال (قده) بعد ذلك أيضا: "وعليه يدل ما حكي عنه في آخر الآيات (قال يا قوم إني بريء مما تشركون) فإن ظاهره أنه ينصرف عن فرض الشريك إلى إثبات أنه لا شريك له لا أنه يثبت وجوده تعالى"(234).  مما يعني أن إبراهيم (ع) بعد أن افترض لله شريكا ثم رأى ما ينتج عن هذا الإفتراض من نتيجة باطلة لا يصح نسبتها إلى الرب أثبت بذلك لقومه أنه لا شريك له. وهو ما يسمى في المنطق بقياس الخلف وهو مستعمل في الرياضيات.

ولا يخفى ما لتعبير العلامة الطباطبائي (قده): "إثبات أن لا شريك له لا أنه يثبت  وجوده تعالى" من دلالة، ودلالته واضحة وهي: أن إبراهيم إنما كان في مقام الإثبات لقومه لا الثبوت لنفسه، أي تقديم ما هو حاصل لديه من إيمان بصورة الدليل والبرهان .

وهذا القول يكشف عن زيف ما نسبه الكاتب للعلامة من أنه (قده) اعتبر مقولة التأمل والنظر وجها محتملا في التفسير. ولذا قال السيد الطباطبائي قدس سره: "وفي إثر ذلك ما كان منه (ع) من افتراض للكوكب"(235). حتى لا يتوهم متوهم غير ما يريده ويرمي إليه لذلك .

وقال أيضاً:"فهو ما لم يتم له الإستدلال غير قاطع بشيء ولا بان على شيء، وإنما هو مفترض ومقدر لما افترضه وقدره"(236).

 وقال أيضاً: "وعلى هذا فقول إبراهيم ليس من القطع والبناء اللذين يعدّان من الشرك، وإنما هو افتراض أمر للنظر إلى الآثار التي تثبته وتؤيده " (237) .

فإبراهيم (ع)لم يؤمن ولو للحظة واحدة أو إحتمل أن يكون الكوكب ربا، على عكس ماذهب إليه (البعض) من أن إبراهيم (ع) قد اعتقد بألوهية الكواكب" لكنه استطاع أن يتجاوز هذا الإعتقاد الطارئ والسريع " وقد تقدم نص كلامه . ورغم كل ذلك فإن "الكاتب" الساذج توهم غير ما أراده الطباطبائي (قده) إن لم نقل تعمد التضليل !

ج ـ رغم اعتبار العلامة الطباطبائي (قده) لهذا الكلام أنه وجه ، إلا أنه لم يتبنه وإنما تبنى الوجه الثاني وهوأن الكلام جار مجرى التسليم والمجاراة لقومه لإثبات بطلان دعواهم ، وأن ذلك أجلب لإنصاف الخصم وأمنع لثوران عصبيته، وأصلح لإسماع الحجة (238).

وكلام الطباطبائي (قده) يتطابق مع ما ذكره عن الوجه الأول حيث قال قدس سره : "والذي يظهر ممـا حكي من كلام إبراهيم (ع) مع قومه في أمر الأصنام ظهورا لا شك فيه أنه كان على بينة من ربه"(240)

والمتحصل مما قدمناه أن المتأمل في كلام العلامة الطباطبائي (قده) يراه يختلف أشد الإختلاف مع ما ذكره "البعض" الذي قام "الكاتب الأمين" بحذف بعض مقاطعه، بل وتجاهل كل النصوص المشكلة فيه !!

ونكتفي هنا بذكر بعض أوجه الإختلاف بل التناقض فيما بين الكلامين:

1ـ معرفة إبراهيم (ع) بتنزيه الله عن التجسم :

قال العلامة الطباطبائي (قده): " وله من العلم بالله وآياته بما لا يخفى عليه معه أن الله سبحانه أنزه ساحة من التجسم والتمثل والمحدودية"(241)

ولنقارن بينه وبين قول "البعض" : "وهكذا تدفقت إشراقة الإيمان في وعيه وفي قلبه، فأحس بأن الله هو شيء لا كالأشياء لأن الأشياء نتاج قدرته وأدرك أن الله لا يحس كما تحس الموجودات الأخرى بالسمع والبصر واللمس، ولكنه يدرك بالعقل والقلب والنور"(242).

فالذي يظهر من كلام العلامة الطباطبائي (قده): أن موقف إبراهيم (ع) من الأصنام وقبل موقفه من الكواكب يظهر ظهورا لا شك فيه أن إبراهيم (ع) كان على علم بأن الله أنزه عن التجسم وأنه لا يحس كما تحس الموجودات الأخرى بالسمع والبصر واللمس.

بينما يظهر من كلام "البعض" أن إبراهيم (ع) لم يكن يعلم ذلك إلا بعد الإنتهاء من قصته مع الكواكب وهذا أول التناقضات.

2ـ إبراهيم يبحث عن الرب أم الإله ؟

رأي السيد الطباطبائي (قده) الذي تقدم ذكره وعلى لسان "الكاتب" أيضا هو: "فالذي يعطيه ظاهر الآيات أنه (ع) سلّم أن لجميع الأشياء إلها فاطرا، واحدا لا شريك له في الفطر والإيجاد، وهو الله تعالى، وأن للإنسان ربا يدبر أمره لا محالة وإنما يبحث عن أن هذا الرب المدبر للأمر، أهو الله سبحانه وإليه يرجع التدبير كما إليه يرجع الإيجاد، أم أنه بعض خلقه أخذ شريكا لنفسه وفوض إليه أمر التدبير"(243).

أما رأي "البعض" وقد تقدم ذكر أقواله التي تحدث فيها عن الإله لا الرب، بل وردّد ذلك مرات عديدة وإليك ملخصها:

* ". فخيل إليه أن هذا هو الإله العظيم"(244)

* " ولقد ضاع الإله في الأجواء الأولى للصباح"(245).

* " فقد أفل الكوكب لكن الإله لا يأفل"(246).

* " وانطلقت الحيرة في وعيه من جديد أين ذهب الإله وهل يمكن للإله أن يغيب ويأفل وضجت علامات الإستفهام في روحه تتساءل من هو الإله "

(247).

* " أين حجم الشمس من حجم القمر والكواكب فلا بد أن تكون هي الإله الذي يبحث عنه"(248).

* " ثم تغيب وتأفل فكيف يمكن أن تكون إلها"(249).

"فيصرخ في مثل اللهفة هذا ربي إنطلاقا مما كان يسمعه بأن الإله بعيد عن الإنسان"(25).

 والطريف هنا أن قوله هذا قد جاء في معرض تقريبه لإحتمال أن تكون هذه الحادثة قد حدثت له في بداية طفولة إبراهيم (ع) حيث ذكر أنه (ع) لم يكن قد شاهدها من قبل فكيف، كان قد سمع بأن الإله بعيد عن الإنسان وقد عاش مع قوم كانوا يعبدون الأصنام وهي بينهم.إلا أن يقول:إنهم كانوا ينظرون الى الأصنام على أنها أرباب لا آلهه؟ لكنهم كانوا يسمونها آلهة،فقد كانوا يقولون للناس تحريضا إن الأنبياء يسبون آلهتكم ، وقال فرعون:ليس لي علم بأن لكم اله غيري ؟.

والخلاصة : أن العلامة الطباطبائي (قده) يعتبر أن إبراهيم (ع) لم يكن في مقام البحث عن الرب من ناحية أصل وجوده بل لم يكن في مقام إثبات وجوده تعالى لأنه مؤمن بوجوده أصلا ، وإنما كان في مقام إثبات نفي الشريك على صورة دليل وبرهان.

أما "البعض" فلم يتحدث عن الرب بل عن الإله .

3 ـ كلمة : لا أحب ، طفولية ؟!

رأي العلامة الطباطبائي (قده): " على أن الربوبية والمربوبية بإرتباط حقيقي بين الرب والمربوب، وهو يؤدي إلى حب المربوب لربه لإنجذابه التكويني إليه وتبعيته له، ولا معنى لحب ما يفنى ويتغير عن جماله الذي كان الحب لأجله.

وعلى أي حال: فإن إبراهيم (ع) أبطل ربوبية الكواكب بعروض الأفول له إما بالتكنية عن البطلان بأنه لا يحب الآفلين لأن المربوبية والعبودية متقومة بالحب فليس يسمع من لا يحب شيئا أن يعبده ، وقد ورد في المروي عن الصادق (ع): "وهل الدين إلا الحب" ، وإما لكون الحجة متقومة بعدم الحب، وإنما ذكر الأفول ليوجه به عدم حبه له المنافي للربوبية لأن الربوبية والألوهية تلازمان المحبوبية فما لا يتعلق به الحب الغريزي الفطري لفقدانه الجمال الباقي الثابت لا يستحق الربوبية، وهذا الوجه هو الظاهر.

ففي الكلام إشارة إلى التلازم بين الحب والعبودية أو المعبودية وقد اختار للنفي وصف أولي العقل حيث قال: (لا أحب الآفلين): وكأنه للإشارة إلى أن غير أولي الشعور والعقل لا يستحق الربوبية من رأس".(251)

فكلمة "لا أحب" عند العلامة الطباطبائي (قده) لها كل هذا المدلول العميق الذي يكشف عن حقيقة العلاقة بين الربوبية والمربوبية .

أما "البعض" فقد اعتبر أن دلالات كلمة "لا أحب" مما يمكن أن تقرب كون الحادثة وقعت في بداية طفولته حيث يقول: "أما الإحتمال الأول ( أنها الرحلة الأولى في طريق الإيمان لدى إبراهيم ) فقد يقربه، أن تكون الحادثة قد حدثت في بداية طفولته، عندما بدأ يتطلع للأشياء، ويفكر في الإله في عملية تأمل وتدبر في مستوى ذهنية الطفل فلما أفل أحس بالإنقباض وقال: لا أحب الآفلين: فقد نجد أن كلمة (لا أحب) بعض كلمات الطفولة البريئة التي تحب أو لا تحب من خلال مشاعرها الساذجة إزاء الأشياء"!! (252).

هذه بعض الفروقات الجوهرية بين ما ذكره العلامة الطباطبائي (قده) وما ذكره "البعض" ! ومع كل هذا وذاك نجد إصرارا من "الكاتب" على الإدعاء مرارا وتكرارا أن هذه المقولات أجمع عليها المفسرون منذ الشيخ الطوسي (قده) وأن آراء "صاحبه" مما استوجهه أعلام التفسير فلم يكن الشريف المرتضى (قده) أولهم، ولا العلامة الطباطبائي (قده) آخرهم على حد تعبير "الكاتب" !! (253).

تحريف "الكاتب "كلام الشيخ الطوسي (قده)

يدعي "الكاتب" أن الشيخ الطوسي (قده) قد طرح: "وجوها أربعة محتملة في تأويل قول إبراهيم (ع) )هذا ربي) (254).  ونقول بإختصار:

1ـ تقدم أن أحدا لم يقل بما قاله "البعض" في خشوع إبراهيم للكواكب وأنه عاش معها في حالة من التصوف والعبادة ،بل تقدم إعتباره أن إبراهيم (ع) اعتقد حقيقة بألوهية الكواكب لكنه استطاع (ع) أن يتجاوز هذا الإعتقاد الطارئ السريع(255).

2ـ وقد تلاعب "الكاتب"، كما عودنا، تلاعب بالألفاظ عندما تحدث عن "وجوه أربعة محتملة" عند الطوسي (قده) وهذا محض إفتراء ، إذ أن الشيخ الطوسي (قده) تحدث عن أقوال أربعة لا "وجوه أربعة محتملة" فهناك فرق !

وهذا كلام الشيخ الطوسي قدس سره : "وقيل في معنى الآية وجوه أربعة " (256)  فتعبيره بكلمة "قيل" واضح في الدلالة على أنها أقوال ذهب إليها من قالها ، فمن أين علم هذا "الكاتب" بأن هذه الأقوال "محتملة" عند الطوسي؟!!.

3 ـ لقد ضعف الطوسي (قده) أن يكون إبراهيم (ع) قد قال ذلك قبل بلوغه ، وذلك لأنه نسبه إلى الجبائي، ونسبته  إلى الجبائي تضعيف له (257).

ولم يتحدث الشيخ الطوسي (قده) عن "اعتقاد حقيقي" عند إبراهيم (ع) وإنه "كان طارئا وسريعا" كما ذكر ذلك صاحب (من وحي القرآن).

4 ـ أما القول الثاني الذي ذكره الطوسي (قده) فهو إن إبراهيم (ع) كان في زمان مهلة النظر وقد نسبه للبلخي أيضا (258).

6 ـ أما القول الثالث (وهو الإنكار على قومه) فإن "الكاتب" عمد إلى تجاهله كالعادة ، ولغاية لم تعد تخفى، وهو القول المعتبر عند الشيعة وهو: "أن إبراهيم (ع) لم يقل ما تضمنته الآيات على وجه الشك، ولا في زمان مهلة النظر، بل كان في تلك الحال عالما بالله وبما يجوز عليه، فإنه لا يجوز أن يكون الإله بصفة الكوكب، وإنما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه والتنبيه لهم"(261).  ويلاحظ في هذا القول عدة أمور:

أ ـ أنه موافق لروايات أهل البيت (ع).

ب ـ أن الطوسي لم ينسبه إلى أحد ولا يخفى ما في ذلك من دلالة.

ج ـ أن الطوسي ردّ جميع الإشكالات التي أوردها عليه كما رد الإشكالات على قول البلخي فما هو الأمر المعتبر عنده إذن .

د ـ أن الطوسي (قده) لا يمكن أن يجمع بين الموافقة على هذا الوجه والموافقة على الوجه الثاني لأنه يجمع بذلك بين متناقضين متنافرين، لأن القول الثالث يتنافى ويتنافر مع القول الثاني فلاحظ قوله (قده): "إن إبراهيم (ع) لم يقل ما تضمنته الآيات على وجه الشك ولا في زمان مهلة النظر" . انتهى . فهو صريح بأن القائل بهذا الوجه لا يقول بالوجهين الأولين.

7ـ وما قيل حول الوجه الثالث يقال حول الوجه الرابع وهو أنه (ع) قال ذلك على وجه المحجاجة لقومه وليس "على وجه الإقرار والإخبار والإعتقاد بذلك، بل على وجه المحجاجة"(262).

ومع أن "الكاتب" تجاهله، فإن من الواضح أنه الرأي الآخر المعتبر عنده وذلك لأسباب عديدة :

أ ـ قوله (قده): "ليس على وجه الإقرار والإخبار" يتلاءم مع ما جاء في رواية الإمام الرضا (ع) التي تقدم ذكرها.

ب ـ لم ينسب الطوسي (قده) هذا الرأي لأحد.

ج ـ إن المحاجج بأمر لا بد أنه على علم به، وهذا يتنافر مع القول بالشك أو القول أن ذلك كان في زمن مهلة النظر وهما مضمون القولين الأولين .

8 ـ إن احتجاج "الكاتب" بقول الطوسي (قده) بأن معرفة الله ليست ضرورية لاينفعه ، لأن المقصود بالضروري ما يقابل الكسبي .

وإذا كان الكاتب يقصد من هذا الشاهد تبرير قول "البعض" أن إبراهيم (ع) لم يعلم أن الله يحس كما تحس الأشياء إلا بعد الإنتهاء من قصته مع الكواكب، فتلك فضيحة علمية ، لأن ابراهيم عليه السلام كان في مقام المحاججة لقومه ، فلا بد أنه كان على علم بحقيقة ربه الذي يحاجج به قومه لإقناعهم بربوبيته وبطلان ربوبية غيره من الكواكب وغيرها. وإلا فكيف تتصور أنه يدعو قومه لعبادة ربٍ وتنـزيهه من الشرك دون أن يعرف صفاته.

ومن ناحية أخرى : إن كانت معرفة الله وصفاته ليست ضرورية بل كسبية فمن أين علم صاحب (من وحي القرآن) أن هذه المعرفة قد حصلت له (ع) بعد قضيته مع الكواكب، إذ لا مانع من أن يكون قد حصّلها قبل موقفه من عبادة الكواكب ولا يضر ذلك بكونها كسبية.

وهذا ما أشار إليه العلامة الطباطبائي (قده) فيما تقدم من نصوص له وهو قوله قدس سره : "والذي يظهر مما حكي من كلام إبراهيم (ع) مع قومه في أمر الأصنام ظهورا لا شك فيه أنه كان على بينة من ربه وله من العلم بالله وآياته مما لا يخفى عليه معه أن الله سبحانه وتعالى أنزه ساحة من التجسيم والتمثل والمحدودية"(263).

تحريف "الكاتب " كلام الطبرسي (قده) أيضاً !

ولا يختلف ما ذكره "الكاتب" عن الطبرسي (قده) عما ذكره عن الطوسي (قده). فكلامه قدس سره متطابق مع كلامه الطوسي (قده) فلا نعيد(264).

 

 

هوامش الفصل الثالث

(161) سورة الأنعام / الآية 75 - 78.

(163) من وحي القرآن ج 9 ص 112-123.

(164) خلفيات ج 1 ص 69 و 70.

(165) خلفيات ج 1 ص 81.

(166) خلفيات ج 1 ص 82.

(167) راجع مراجعات في عصمة الأنبياء ص 133.

(168) خلفيات ج 1 ص 82.

(169) خلفيات ج 1 ص 84.

(170) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 123.

(171) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 123 و 124.

(174) من وحي القرآن ج 9 ص 119.

(175) من وحي القرآن ج 9 ص 119.

(176) من وحي القرآن ج 9 ص 119.

(177) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 130.

(178) من وحي القرآن ج 9 ص 120.

(179) نفس المصدر.

(180) نفس المصدر.

(181) نفس المصدر.

(182) من وحي القرآن ج 9 ص 121.

(183) من وحي القرآن ج 9 ص 121.

(184) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 130.

(185) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 130.

(186) من وحي القرآن ج 9 ص 122.

(187) خلفيات ج 1 ص 70.

(189) فليلاحظ أن "الكاتب" فتح المزدوجين قبيل كلمة الرأي.

(190) من وحي القرآن ج 9 ص 119.

(193) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 124.

(194) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 124 و 125.

(195) راجع خلفيات ج 1 ص 209.

(196) راجع: من وحي القرآن ج 9 ص 119 و 120.

(197) من وحي القرآن ج 9 ص 120.

(198) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 125.

(199) الحوار في القرآن ص 41.

(200) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 128.

(201) الحوار في القرآن ص 42.

(202) الحوار في القرآن ص 43.

(203) من وحي القرآن ج 9 ص 119.

(204) الحوار في القرآن ص 245 و 246. 

(206) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 129 و 130.

(207) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 129 و 130.

(208) من وحي القرآن ج 9 ص 115 و 116.

(209) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 130.

(210) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 129 و 130.

(211) من وحي القرآن ج 9 ص 116.

(212) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 130.

(213) من وحي القرآن ج 9 ص 117.

(214) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 131.

(215) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 114.

(216) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 133 و 134.

(218) راجع تفسير البرهان ج 1 ص 513 والميزان ج 7 ص 205.

(223) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 60 

(224) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 60.

(225) خلفيات ج 1 ص 60.

(226) من وحي القرآن ج 9 ص 122 و 123.

(228) خلفيات ج 1 ص 69، وقد ورد العنوان كما ذكره العلامة المحقق كما يلي: التأكيد على سذاجة إبراهيم عدة مرات.

(229) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 62.

(230) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 113 و 114.

(231) يبدو أن "الكاتب" قد تدارك في كتابه ما كان ذكره في الرسالة التي أرسلها الى المحقق العاملي والتي هي موضوع هذا الكتاب، حيث كان قد قال هناك: "بل ودافعا عنهما معا" ولا ندري كيف رأى "الكاتب" أولا أن أعلام التفسير قد دافعوا عن الإتجاهين معا ثم رأى بعد ذلك أنهم دافعوا عن الإتجاه الثاني؟!! أي قراءة هذه لآراء هؤلاء الأعلام؟!!.

(232) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 114.

(233) الميزان ج 7 ص 174.

(234) الميزان ج 7 ص 175.

(235) الميزان ج 7 ص 157.

(236) الميزان ج 7 ص 176.

(237) الميزان ج 7 ص 176.

(238) الميزان ج 7 ص 177.

(240) الميزان ج 7 ص 174.

(241) الميزان ج 7 ص 174.

(242) من وحي القرآن ج 9 ص 118.

(243) الميزان ج 7 ص 175.

(244) من وحي القرآن ج 9 ص 115.

(245) من وحي القرآن ج 9 ص 115.

(246) من وحي القرآن ج 9 ص 116.

(247) من وحي القرآن ج 9 ص 116 و 117.

(248) من وحي القرآن ج 9 ص 117.

(249) من وحي القرآن ج 9 ص 117.

(250) من وحي القرآن ج 9 ص 120.

(251) الميزان ج 7 ص 177 و 175

(252) من وحي القرآن ج 9 ص 20.

(253) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 113 و 133.

(254) مراجعات في عصمة الأنبياء ص 119.

(255) الحوار في القرآن ص 42.

(256) التبيان ج 4 ص 182.

(257) التبيان ج 4 ص 182.

(258) التبيان ج 4 ص 182.

(261) التبيان ج 4 ص 184.

(262) التبيان ج 4 ص 185 و 186.

(263) الميزان ج 7 ص 174.

(264) مجمع البيان ج 3 و 4 ص 403.

 

 

 

الفصل الرابع موسى والعبد الصالح عليهما السلام

 

 

 

خلاصة الانتقادات

1 ـ تجاهل "الكاتب" كليا مقولات صاحبه المتعلقة بهذا البحث، ولم يأت على ذكر أي منها. كقول صاحبه إن موسى (ع) قد نكث بالعهد، وأنه لا ينضبط أمام الكلمة المسؤولة، وأنه لم يفهم الحدث ولم يفكر، وأنه (ع) ليس أهلا لمرافقة الخضر وغيرها !

2 ـ اعتبر "الكاتب "أن تنزيه النبي (ع) عن نكث العهد هو اتجاه يضعفه المفسرون الشيعة ، ومنهم العلامة الطباطبائي (قده) !!

3ـ حرف "الكاتب " رأي الشيخ الطوسي في قوله تعالى ( لا تؤاخذني بما نسيت ).

6 ـ حرف رأي السيد المرتضى في قوله تعالى ( لا تؤاخذني بما نسيت ) .

7 ـ افترى على الإمام الخميني (قده) بتقويله مالم يقله .

 8 ـ أصر "الكاتب" على أن موسى (ع) قد عاهد الخضر (ع) على السكوت المطلق عن أية مخالفة ظاهرية للشريعة، وأن اعتراضه (ع) ليس له ما يبرّره، وبالتالي فهو نكث بالعهد .

9 ـ تجاهل قول "البعض" بأن موسى (ع) لم يفكر بأن من الممكن أن يكون لفعل الخضر وجه آخر ! وهذا مما لم يقل به أحد من الأولين والآخرين.

10 ـ جهل "الكاتب" الفرق بين أن يكون موسى (ع) لا يعلم أن هناك حقيقة وراء فعل الخضر (ع) ، وبين أنه يعلم ذلك لكنه لا يعلمها على وجه التفصيل.

11 ـ اعترف "الكاتب" بأن اتباع موسى للخضر (ع) إنما هو اتباع تلميذ لأستاذه الذي يثق بكفاءته وحكمته وإخلاصه، ورغم ذلك فإنه اتهم موسى (ع) بأنه شك في هذه الحكمة !

 12 ـ تجاهل "الكاتب" قول صاحبه إن موسى لم يكن أهلا لمرافقة الخضر عليهما السلام .

13 ـ وكذلك تجاهل قول صاحبه بأن موسى (ع) لم ينضبط أمام الكلمة المسؤولة !!

14 ـ افترى الكاتب على العلماء والمفسرين بأنهم يقولون كما يقول "البعض" إن الأنبياء ينكثون بعهودهم، ويخلون بكلمتهم، ولا ينضبطون أمام الكلمة المسؤولة !

الآيات القرآنية في الموضوع

(وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا . فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا . فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا . قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن اذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا . قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا . فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما . قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا . قال إنك لن تستطيع معي صبرا . وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا . قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا . قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا . فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا . قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا . قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا . فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا . قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا . قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا . فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا . قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا

((267).

ما قاله "البعض"

44 ـ موسى (ع) ينكث العهد.

45 ـ موسى (ع) غير منضبط.

46 ـ خطأ موسى (ع) في موقفه.

47 ـ موسى (ع) لا يستفيد من التجربة الخاطئة الأولى.

48 ـ موسى (ع) لم يفهم الحدث ولم يفكر.

49 ـ علم الأنبياء والأئمة (ع) محدود بحدود مسؤولياتهم.

50 ـ نسيان موسى (ع).

51 ـ النسيان حالة اضطرارية.

52 ـ موسى (ع) في دورة تدريبية.

53 ـ عدم أهلية موسى (ع) لمرافقة الخضر"(268).

نص أقواله

" وأحس موسى بالحرج الشديد لمخالفته للمرة الثانية ونكثه بالعهد، قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني لأنني لن أكون أهلا لمرافقتك فيما يمثله ذلك من عدم الإنضباط أمام الكلمة المسؤولة التي التزمت بها أمامك". "وها هو يعود إلى الإخلال بكلمته من جديد".

" (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا) ولماذا لم تستفد من التجربة الأولى التي عرفت فيها خطأ موقفك في اهتزاز مشاعرك أمام الحدث الذي لم تفهمه، ولم تفكر بأن من الممكن أن يكون له وجه آخر".

"ففي قصة الخضر هو العبد الصالح، هي أن الله أراد أن يدخل موسى في دورة تدريبية حتى يفهم الجانب الثاني من الصورة".

"أما هذه الجوانب فلا دليل على ضرورة إحاطته بها، ولا يمنع العقل أن يكون لشخص حق الطاعة في بعض الأمور التي تحيط بها على الناس الذين يملكون إحاطة في أشياء أخرى لا يحيط بها، ولا تتعلق بحركة المسؤولية، وربما كانت هذه القصة دليلا على صحة هذا الرأي الذي نميل إليه".

"قال لا تؤاخذني بما نسيت من عهدي لك، هذا موقف ثان للنسيان يعيشه موسى في ذاته، لأن النسيان حالة اضطرارية لا يملك الإنسان معها عنصر الإختيار"(269).

ونتابع مع "الكاتب" في وقفاته، وحسبك في هذا المورد تجاهله الكلي للعناوين والنصوص المشكلة التي أوردها العلامة المحقق في كتاب "خلفيات"، والتي تعبر عن مقولات صاحبه محط النظر ومورد الإشكال.

على أننا لا ندري، ولعل غيرنا يدري، كيف يمكن أن يؤدي هذا "الكاتب" مهمته في إثبات عدم مخالفة مقولات صاحبه للمذهب ، وأن يثبت أنها مما أجمع عليه المفسرون منذ عصر الشيخ الطوسي (قده) دون أن يعرض لها أو يأتي على ذكرها ؟!.

وأنى له ذلك وقد انفرد صاحبه بها، وأصر على تبنيها في الطبعة الجديدة لكتابه "من وحي القرآن" رغم وضوح مخالفتها لما عليه المذهب. ولا يتوقف هذا الأمر على خصوص هذه المقولات في هذا المورد بالذات بل يتعداه ليشمل كل الموارد الأخرى

ومهما يكن من أمر ، فإن هذه المقولات التي تقدم ذكرها واضحة في الشكل والمضمون وصريحة في المعنى والدلالة وظاهرة في المخالفة ولن ينفع "الكاتب" دس رأسه في الترابوسنأتي على ذكرها حينما نستعرض ما قدمه "الكاتب" في هذه الوقفة التي أظهر فيها فنونا من التحريف والتزوير والتضليل لم نفاجأ بها. ولا نبالغ إذا قلنا إننا لم نكن ننتظر منه غير ذلك وقديما قالوا : إن لم تستح فافعل ما شئت.

نسيان موسى عليه السلام

يستعرض "الكاتب" في معرض حديثه عن قوله تعالى: ( قال لا تؤاخذني بما نسيت ) آراء ينسبها للعلماء زورا وبهتانا كما هو دأبه بعد تحريف أقوالهم لتنسجم مع أهوائه وأهواء صاحبه الذي يدافع عنه.

التحريف الأول : كلام  العلامة  المحقق

إن أول ما طالعنا به "الكاتب" من تحريفات هو تحريفه وافتراؤه على العلامة المحقق حيث زعم أنه أعزه الله يرى: "أن من الجرأة تفسير قول موسى (ع)

( لا تؤاخذني بما نسيت  بمعنى: بما نسيت من عهدي لك. وفسرتم ( مخاطبا العلامة المحقق ) النسيان بمعنى الترك ليكون معنى الآية: لا تؤاخذني بما نسيت أي: بتركي العمل في المورد الذي كان علي أن أهمل الوعد فيه إذ لا يجوز لي في هذا الموقف إلا أن أبادر للردع عن المنكر الظاهر"(270).

ولا ندري من أين جاء "الكاتب" بهذا الكلام الذي نظن أنه من عندياته ومن مخيلته الواسعة ومهما يكن من أمر فإن الذي قاله العلامة المحقق هو :

"إذا كان ثمة وجه صحيح ومعقول، ومنسجم مع دلالات الآيات القرآنية، فلماذا اللجوء إلى تفسير الآيات بطريقة توجب الشبهة وتوقع في المحذور"

(271). ثم عمد العلامة المحقق إلى تقديم عرض موجز لتفسير الآيات  "دون أن يكون ثمة أي محذور عقائدي"(272)،

ثم ذكر أن: "من الواضح أن نسبة النسيان وبهذا المعنى إلى موسى تعني نفي العصمة عنه من هذه الجهة كما أن موسى لم ينكث العهد"(273).

فالعلامة المحقق دقيق ، لم يدع أن من يفسّر معنى النسيان بأنه ما يقابل التذكر يقول بنفي العصمة مطلقا،  إنما هو نفي لها من هذه الجهة، أي جهة النسيان.

إذ من المعلوم أن علماء الإمامية يعتبرون أن من الموارد التي تشملها العصمة هي النسيان. و "البعض" نفسه يدّعي القول بالعصمة على جميع المستويات رغم أنه ينسب إليهم ما ينسب مما لا يبقي من العصمة شئ .

وليلاحظ القارئ الكريم استنكار العلامة المحقق على "البعض" اعتباره أن موسى (ع) قد نكث بالعهد، هذا التعبير الذي جعله العلامة المحقق في أول العناوين المشكلة التي وضعها فراجع(274). لكن "الكاتب"، وكما هو ديدنه ! عمد إلى تجاهل هذا التعبير وتعامى عن هذه المقولة بل تهرب منها رغم كونها مورد الإشكال .

وليخبرنا "الكاتب" هل وصف موسى (ع) بأنه نكث بالعهد ولا يخفى شناعة وفظاعة هذا الوصف وهو من المعاصي إجماعا ، هو مما يكاد يجمع عليه العلماء؟! على حد تعبيره.

وليخبرنا أيضا هل أن تنزيه الأنبياء عن نكثهم بالعهد هو "اتجاه يضعفه المفسرون الشيعة ومنهم العلامة الطباطبائي (قده) في ميزانه" كما يدّعي؟!.

 

التحريف الثاني: رأي الشيخ الطوسي قدس سره

استشهد "الكاتب" بقول الشيخ الطوسي (قده) الذي نقله من تبيانه "ثلاث معاني للنسيان أحدهما: "بما غفلت من النسيان الذي هو ضد الذكر" (275). وهذا منه غريب ، فقول الطوسي (قده): "وقيل في معنى النسيان ثلاثة معان" لا يعني أنه يلتزم بها معا !

وإن قيل إن ذكر الطوسي للمعاني الثلاثة دون ترجيح أحدها على الآخر إنما يستفاد منه عدم اختيار الطوسي لأي منها ..

قلنا: مادام الشيخ الطوسي لم يختر رأيا منها فلماذا جعله "الكاتب"  في زمرة من يؤيد مقولة النسيان بمعنى الغفلة حيث يقول بعد استعراض رأي الطوسي (قده) وعدد من العلماء: "ولهذا فإن ما قاله "السيد" يوافق ما قاله أعلام التفسير الشيعة منذ القرن الرابع الهجري وحتى يومنا هذا"(276) فإنما كان الطوسي (قده) في مقام عرض المعاني اللغوية للنسيان لا عرض خصوص المعنى المقصود في الآية .

 ثم ألا يعرف "الكاتب " أن الشيخ الطوسي (قده) إن لم يذكر رأيه هنا في معنى النسيان فسبب وضوح رأيه في المسألة أصلا ، وهو القائل بتنزيه المعصوم عن النسيان وذلك في كلمات عديدة ، منها تفسيره للنسيان المنسوب لآدم (ع) بالترك وقد مر ذكره في الفصل الأول فراجع. ومنها تصريحه في كتبه الإعتقادية بتنزيه المعصوم عن النسيان . (277).

التحريف الثالث: رأي الشيخ الطبرسي قدس سره

نقل عنه "الكاتب" من مجمع البيان قوله في معنى النسيان : "أي غفلت عن التسليم لك وترك الإنكار عليك وهو من النسيان الذي ضد الذكر وقيل بما تركت وعلى هذا فيكون النسيان بمعنى الترك لا بمعنى الغفلة والسهو"(278)

ثم علق "الكاتب" بقوله: "ولا يخفى أن الشيخ الطبرسي يختار النسيان بالمعنى الأول ويضعف المعنى الثاني بكلمة(قيل)"(279).

وهنا عدة مفارقات :

1 ـ لاحظ كيف أن "الكاتب" قد التفت هنا إلى أن كلمة "قيل" تفيد التضعيف لكنه تجاهلها في أماكن أخرى كما تقدم في الفصول السابقة.

2 ـ عندما حاول "الكاتب " إثبات أن الطبرسي (قده) ممن يقول بنزول سورة "عبس" بالنبي الأكرم ، قال بعد استشهاده بكلام الطبرسي (قده) من كتاب (جوامع الجامع): "ومن المعلوم أن تفسير جوامع الجامع يعتبر الكتاب التفسيري الأخير الذي كتبه الطبرسي، بعد سبع سنوات من تفسيره "مجمع البيان" وقد جاء متضمناً خلاصة آرائه التفسيرية ونظراته القرآنية"(280).

وعليه نسأله : إن كان كتاب "جوامع الجامع" هذا حاله ، فلماذا تجاهل رأي الطبرسي فيه فيما نحن فيه من مقولة النسيان واقتصر استشهاده على "مجمع البيان" ؟!

والسبب واضح لأن الطبرسي صرّح في "جوامع الجامع" بما نصّه: "ويجوز أن يريد بالنسيان الترك أي لا ت