بسم الله الرحمن الرحيم

((إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً))

في الوقت الذي تمثل العقيدة محوراً رئيساً للأمانة الإلهية في عاتق الإنسان مما يستدعي الموضوعية واعتماد البرهان في كل مفاصلها بعيداً عن التعصّب والتزمّت ، باعتبار أن الهدف منها الحقيقة والخروج عن عهدة المسؤولية إلاّ أنها من الناحية الواقعية تحوّلت ـ لدى الكثيرين ـ إلى سبب رئيس للفرقة والعداء بين الجماعات والاتجاهات المختلفة ، وأحيانا محوراً للصراع وممارسة الضغوط الظالمة والتعدي على الحرمات وسفك الدماء من دون حق ، بينما يفترض في البحث العقيدي ان يساهم ـ عندما تخلص النوايا ويسمو أطرافها ـ في تعميق أواصر المحبة والوئام بين أبناء الأُمة ، بل وإثراء الفكر والبحث العلمي.

ويمثل هذا الكتاب نموذجاً بارزاً للبحث العقيدي الايجابي حيث يتضمن حوارات متنوعة ومتتالية أجراها أحد الباحثين الاردنيين  ـ الذي شاء عدم ذكر اسمه بسبب ظروف خاصة نأمل أن لا تطول ـ مع عَلَم بارز من اعلام مدرسة آل البيت(عليهم السلام) وأحد أعمدة الحوزة العلمية العريقة في النجف الاشرف سماحة المرجع الديني الكبير
السيد محمد سعيد الحكيم (مد ظله) الذي أثرى المكتبة العربية والإسلامية بمجموعة من الكتب والبحوث العلمية والثقافية المتنوعة ، والمعروف بانفتاحه على قضايا الأُمة وهمومها.

وسوف يلمس القارئ الكريم فــي اجابـات السيد الحكيم (حفظه الله) العمق والموضوعية العلمية والنَفَس الطويل الهادئ ، البعيد تماماً عن التشنج والمصادرة ، وهو ما حفّز المحاور الفاضل إلى متابعة حواره وتنويعه ، ليكتمل نتاجاً ضخماً ثرياً في مضمونه ومبدعاً في منهجه فاتحاً افقاً رحباً للعلماء والباحثين المسلمين من مختلف اتجاهاتهم ومذاهبهم في تعاطيهم لقضايا الفكر والعقيدة وانفتاحهم على بعضهم بما يساهم في وحدة الصف الإسلامي وتقوية أواصر اللحمة الإسلامية ، بدلاً من الانغلاق والتعصّب الأعمى المقيت الذي يشتت شمل الأُمة ويخدم خطط أعدائها والمتربصين بها.

ونحن إذ نقدم هذا الكتاب لرواد العلم والحقيقة نسأل الباري تعالى أن يجمع المسلمين على الخير والهدى تطبيقاً لقولـه عزّ من قائل     
 

((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ))

 

 

الناشر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه الأكرمين سلاماً إلى يوم الدين.

أما بعد سماحة المرجع الديني العلامة  السيد محمد سعيد الحكيم المحترم.

إلى الطيب الكريم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

أرجو من فضيلتكم التكرم بالإجابة على بعض الاستفسارات التي سأوردها في هذه الرسالة. فأقول.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد وآله الطيبين الطاهرين. ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

إلى الأخ الكريم (....................) المحترم. وفقه الله تعالى لمراضيه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد.. فقد وصلنا كتابك الكريم، ونظرنا في الأسئلة التي تضمنها فوجدناها قد حامت حول مواضيع هامة حقيقة بالبحث والنظر، والحوار فيها نافع مثمر. إلا أن بعض تلك المواضيع قد يكون مثاراً للحساسية، فيحتاج الحوار فيها إلى موضوعية كاملة، وسعة صدر، وتجرد عن التراكمات والمسلمات الموروثة، من أجل الوصول للحقيقة التي يجري الحوار حولها.

أما بدون ذلك فيكون الحوار فيها عقيماً، لأن الجمود على تلك التراكمات، والتمسك بتلك المسلمات، يمنع من مصداقية الرؤية، ومن الوصول للحقيقة التي يحوم الحوار حولها.

بل قد يزيد الأمر تعقيداً، لأن تلك التراكمات والمسلمات قد توغلت في الضمائر، وأحيطت بهالة من الاحترام والتقديس، وتجندت العواطف لحراستها، فيكون مسها سبباً لتأجيج العواطف وإثارتها، وما قد يترتب على ذلك من بغضاء وشحناء، وردود فعل سيئة، نحن في غنى عنها، خصوصاً في هذه الظروف الحرجة التي يمرّ المسلمون بها.

والأفضل حينئذٍ أن يحتفظ كل طرف بعقيدته لنفسه، ونكتفي بحسن المخالطة والمعاشرة، كما قال الله جل شأنه: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً)(1).

 

النهي عن المراء والخصومة شرعاً:

ولعله لذا ورد عن النبي وآله صلوات الله عليهم أجمعين النهي عن المراء والخصومة.

ففي حديث مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق (عليه السلام) : ((قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ثلاث من لقي الله بهن دخل الجنة من أي باب شاء: من حسن خلقه، وخشي الله في المغيب والمحضر، وترك المراء وإن كان محقاً))(2).

وفي حديث إسماعيل بن أبي زياد عنه (عليه السلام) عن آبائه (عليه السلام) قال: ((قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة وبيت في وسط الجنة وبيت في رياض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً))(3).

وزاد في خبر جبلة: ((ولمن ترك الكذب وإن كان هازلاً، ولمن حسن خلقه))(43).

وفي حديث أبي أمامة قال: ((قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً. وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً. وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه))(5).

وفي حديث أبي هريرة: ((قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب من المزاحة، ويترك المراء وإن كان صادقاً))(6).

وفي حديث مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق(عليه السلام): ((قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إياكم والمراء والخصومة،فإنهما يمرضان القلوب على الإخوان، وينبت عليهما النفاق))(7)… إلى غير ذلك.

ويبدو من كتابك أنك لست بصدد المماراة والخصومة، بل تريد البحث عن الحقيقة، وتحاول الوصول إليها. ولذا رأينا أنه لا يحسن منا ردّك وسدّ الطريق عليك، فإنه ظلم لك، وللحقيقة التي تتوخاها. بل يلزمنا الاستجابة لك فيما أردت.

ونرجو لنا ولك التوفيق في ذلك.

 

لا بد من تهيئة الجو المناسب للحوار المثمر

غير أن الجدير بالذكر أنه ما من حقيقة إلا ويمكن التشكيك فيها، بل الإنكار لها والخصام حولها، وما من دليل إلا ويمكن الإشكال عليه والتكلف في رده.

وكفانا شاهداً على ذلك وجود الباري جل شأنه، فإنه مع بداهته ـ  لبداهة حاجة الموجودات الكونية للعلة الموجدة لها ـ صار مورداً للشك والإنكار والجدل والخصام في جميع العصور، وحتى عصورنا التي تعتبر متقدمة متنورة.

كل ذلك لأن الأهواء والعواطف، والمسلمات الموروثة، وما تستتبعه من تراكمات، تحول دون مصداقية الرؤية، وتمنع النفس من الإذعان بالحقيقة، والاستجابة للدليل، وتحملها على التكلف في ردّه، وعلى التشبث بالأوهام والشبهات في مقابل الأدلة الحقيقة بالقبول.

وإذا أردت أن تصل في حوارنا هذا إلى الحقيقة فعليك ـ بعد التوكل على الله تعالى، وطلب العون والتسديد منه ـ أن تتهيأ لذلك، وتتحرر من كل ما يحول دونه من تراكمات ومسلمات، وتنظر إلى ما نذكره في حديثنا هذا نظرة موضوعية هادئة.

ثم اجعل نفسك ميزاناً فيما بيننا وبينك. فإذا ذكرنا لك شيئاً من الأدلة والشواهد على خلاف ما عندك، ولم تذعن به نفسك، فافترض أنك تملك نظيره في الاستدلال. فإن رأيته بوجدانك صالـحاً لأن يكون حجة لك، فهو صالـح لأن يكون حجة لنا، وعليك الإذعان له،  وقد أوصلناك للحقيقة، ولزمتك الحجة.

وإن لم ترَه بوجدانك صالـحاً لأن يكون حجة لك، فأرشدنا إلى وجه الخلل فيه والمؤاخذة عليه، لننظر فيما تذكره، ونتعرف على وجهة نظرك، ثم نرى كيف نعقب عليه.

وبذلك يكون حوارنا هادفاً مثمراً إن شاء الله تعالى، وحريّاً بصرف الوقت الثمين فيه. ومن الله سبحانه نستمد العون والتوفيق والتأييد والتسديد. وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

__________________

1 - سورة الإسراء الآية: 84.

2- الوسائل ج:8 ص:567 باب: 135 من أبواب أحكام العشرة حديث:2.

3- الوسائل ج:8 ص:568 باب: 135 من أبواب أحكام العشرة حديث:7.

4- الوسائل ج:8 ص:568 باب: 135 من أبواب أحكام العشرة حديث:8.

5- سنن أبي داود ج:4 ص:253 كتاب الأدب: باب في حسن الخلق، واللفظ له. سنن ابن ماجة ج: 1 ص: 19 باب اجتناب البدع والجدل. السنن الكبرى للبيهقي ج: 10 ص: 249 كتاب الشهادات: باب المزاح لا ترد به الشهادة ما لم يخرج في المزاح… . سنن الترمذي ج:4 ص:358 كتاب البر والصلة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):  باب ما جاء في المراء.

6- مسند أحمد ج:2 ص:352 في مسند أبي هريرة، واللفظ له. مجمع الزوائد ج:1 ص:92 كتاب الإيمان: باب ما جاء أن الصدق من الإيمان. المعجم الأوسط ج:5 ص:208.  

7- الوسائل ج:8 ص:567 باب: 135 من أبواب أحكام العشرة حديث:1.