التنبيه لمقتضى الطبيعة البشرية في الصحابة:

على أن ذلك هو مقتضى الوضع الطبيعي، فإن الصحابة بشر تتقاذفه دواعي الخير والشر، وتعترك في نفسه نوازعهما.

كما أنهم عاشوا أكثر حياتهم أو كثيراً منها في الجاهلية، وتجذرت فيهم مفاهيمها وعاداتها.

والإسلام ـ كسائر الدعوات الإصلاحية ـ لا يفترض فيه أن يبدل طبايعهم، ويصفي نفوسهم. ولاسيما وأن كثيراً منهم قد دخل الإسلام رغبة أو رهبة، لا عن قناعة مسبقة، وبصيرة كاملة، حتى احتاج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى تأليفهم بالمال، وحسن الخلق، وجميل المخالطة، والتسامح عن الأخطاء. كما قال عز من قائل: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)(1).

بل حتى من دخل في الإسلام عن قناعة وبصيرة لا يفترض فيه الثبات والاستقامة أمام المغريات الكثيرة، والفتن المتلاحقة، ونوازع النفس الأمارة بالسوء، ونزغات الشيطان الرجيم.

ولنا أعظم عبرة في ذلك السامري ـ في أصحاب موسى (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام) ـ الذي بلغ من شأنه أن: (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)(2).

وبلعم بن باعور الذي فسر به قوله تعالى(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(3).

وسنة الله تعالى في خلقه واحدة (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً)(4). ونعوذ بالله تعالى من مضلات الفتن، والنكوص على الأعقاب، فلا عاصم إلا الله، وهو أرحم الراحمين.

وقد طرق هذا الموضوع جماعة من الشيعة والسنة، ولا يسعنا فعلاً استقصاء ما ذكروه. غير أنه لا بأس بالاطلاع على حديث لبعض أعلام القرن السابع ذكره ابن أبي الحديد(5) لا يخلو عن فوائد في هذا الموضوع. وإن كنا لا نتعهد بجميع ما ورد فيه.

 

موقف الشيعة من الصحابة نتيجة لما تقدم:

وعلى كل حال فمن أجل جميع ما سبق وغيره لم يفرض الشيعة على أنفسهم قدسية الصحابة ككل، بحيث يكونون في معزل عن النقد والتمحيص. بل نظروا إليهم من زاوية أعمالهم وسلوكهم، بالقياس للضوابط الشرعية والعقلية التي وصلت إليهم، وتمّ لهم البرهان عليها.

فمن حفظ العهد، ولزم الحق، واستقام في عقيدته وسلوكه، ولم يزغ عن أمر ربه، استحق التعظيم والتبجيل، بل الموالاة والتقديس. إذ عليهم دارت رحى الإسلام، وبهم قام عمود الدين، وهم أولياء الله تعالى حقاً، كما قال عز من قائل: (إِنَّ

الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ

 

__________________

1- سورة آل عمران الآية:159.  

2- سورة طه الآية: 96.

3- سورة الأعراف الآية:175 ـ 176.

4- سورة الفتح الآية:23.

5- شرح نهج البلاغة ج:20 ص:10 وما بعدها.


 

أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ)(1).

ومن نكث العهد، وفارق الحق، وغير وبدل، وانقلب على عقبه، استحق النكال والوبال، والبراءة واللعنة، كما قال الله تعالى: (فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)(2), وقال عز من قائل: (وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)(3).

 

الحب في الله والبغض في الله تعالى

وقد أكد الكتاب الكريم وأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (صلوات الله عليهم) على موالاة من والى الله عزوجل ومعاداة من عاداه، وعلى الحب في الله تعالى والبغض فيه.

قال عز من قائل: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ)(4).

وقال جل شأنه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)(5).

وفي حديث عمرو بن مدرك الطائي عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه: أي عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. وقال بعضهم: الصلاة. وقال بعضهم: الزكاة. وقال بعضهم: الصيام. وقال بعضهم: الحج والعمرة. وقال بعضهم: الجهاد.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لكل ما قلتم فضل، وليس به. ولكن أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، وتوالي (وتولي .خ.ل) أولياء الله، والتبري من أعداء الله))(6).

وفي حديث عبد الله بن مسعود قال: ((قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا عبد الله أي عرى الإسلام أوثق؟ قلت: الله ورسول الله أعلم. قال: الولاية في الله: الحب في الله، والبغض في الله))(7).

وفي حديث ابن عمر: ((أحب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك، ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك…))(8).

وفي حديث إسحاق بن عمار عن الإمام الصادق (صلوات الله عليه): ((قال: كل من لم يحب على الدين ولم يبغض على الدين

 

__________________

1- سورة فصلت الآية:30 ـ 32.

2- سورة الفتح الآية:10.

3- سورة الرعد الآية: 25.

4- سورة المجادلة الآية:22.

5- سورة هود الآية:112ـ 113.

6- الكافي ج:2 ص:125 ـ 126 كتاب الإيمان والكفر: باب الحب في الله والبغض في الله حديث:6.  

7- السنن الكبرى للبيهقي ج:10 ص:233 كتاب الشهادات: باب شهادة أهل العصبية، وقال: ((روي ذلك من حديث البراء وابن عباس وعائشة (رضي الله عنها)(( ، واللفظ له. مجمع الزوائد ج:1 ص:162 كتاب العلم: باب أي الناس أعلم. المعجم الأوسط ج:4 ص:376. وغيرها.

8- مجمع الزوائد ج:1 ص:90 كتاب الإيمان: باب من الإيمان الحب في الله والبغض في الله.  

 

 

 

فلا دين له))(1)… إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة جداً، التي رواها الشيعة والسنة معاً(2).ولابد للشيعة بعد ذلك من

الاستجابة لله تعالى، واتباع أمره، والخضوع لحكمه (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا)(3).

 

__________________

1- الكافي ج:2 ص:127 كتاب الإيمان والكفر: باب الحب في الله والبغض في الله حديث:16.

2 - راجع الكافي ج:2 ص:124 كتاب الإيمان والكفر: باب الحب في الله والبغض في الله، ووسائل الشيعة ج:11 ص:431 باب:15 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما. ص:438 باب:17 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما. ص:44 باب:18 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما. كل ذلك في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهناك مصادر شيعية أخرى كثيرة تضمنت ذلك. وراجع أيضاً السنن الكبرى للنسائي ج:6 ص:527 كتاب الإيمان وشرائعه: في (طعم الإيمان)، و(حلاوة الإيمان)، والسنن الكبرى للبيهقي ج:10 ص:233 كتاب الشهادات : باب شهادة أهل العصبية، ومصنف ابن شيبة ج:6 ص:164 كتاب الإيمان والرؤيا: الباب السادس، ج:7 ص:134 كتاب الزهد: في كلام أنس بن مالك، وسنن أبي داود ج:4 ص:198 كتاب الديات: باب مجانبة أهل الأهواء، ومجمع الزوائد ج:1 ص:89، 90 كتاب الإيمان: باب من الإيمان الحب في الله والبغض في الله، والتمهيد ج:17 ص:429، 430،431.

3- سورة الأحزاب الآية: 36.