أثر الصحبة وأهميتها:

أما الصحبة فهي تزيد القسم الأول شأناً ورفعة وبهاء وقدسية. لأنهم حفظوا حرمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ورعوا حق صحبته، وشكروا نعمة الله تعالى عليهم به. كما أنها توجب الحق لهم على من بعدهم من المؤمنين، لأنهم سبقوهم بالإيمان، وحملوا لهم دعوة الله تعالى، وأوصلوها لهم، وكانوا سبب هدايتهم ونجاتهم.

قال عزوجل: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلاِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)(1).

كما عرف الله تعالى لهم ذلك، فأثنى عليهم في كتابه المجيد، وعلى لسان نبيه الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الطاهرين، في آيات وأحاديث كثيرة لا يسعنا استقصاؤها. ووضوح الحال يغني عن ذلك.

أما القسم الثاني فتزيدهم الصحبة جريمة ومقتاً ولعنة ونكالاً. لأن الحجة في حقهم أظهر، والمسؤولية عليهم بسببها أعظم. ولأنهم السبب في ضلال من بعدهم، وضياع الحق عليهم.

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ)(2).

وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ)(3).

وكأنه على ذلك يجري قوله جل شأنه: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا)(4).

وما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال ابن أبي الحديد: ((خرج العطاء في أيام المنصور وأقام الشقراني ـ من ولد شقران مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ببابه أياماً لا يصل إليه عطاؤه، فخرج جعفر بن محمد من عند المنصور، فقام الشقراني إليه فذكر له حاجته، فرحب به، ثم دخل ثانياً إلى المنصور، وخرج وعطاء الشقراني في كمه فصبه في كمه.

ثم قال: يا شقران، إن الحسن من كل أحد حسن، وإنه منك أحسن لمكانك منا، وإن القبيح من كل أحد قبيح، وهو منك أقبح لمكانك منا.

فاستحسن الناس ما قاله، وذلك لأن الشقراني كان صاحب شراب))(5).

أما تمييز كل من القسمين فلابد فيه:

(أولاً): من تحديد ضوابط الاستقامة وفق الأدلة العقلية والشرعية، في مسيرة هادئة، وبموضوعية كاملة، وتجرد عن العواطف والتراكمات.

(وثانياً): من عرض سلوكهم ومواقفهم على تلك الضوابط.

__________________

1- سورة الحشر الآية: 10.

2- سورة إبراهيم الآية: 28ـ 29.

3- سورة البقرة الآية: 159.

4- سورة الأحزاب الآية: 30ـ 31.

5- شرح نهج البلاغة ج:18 ص:205، واللفظ له. بحار الأنوار ج:47 ص:349. العدد القوية للعلامة الحلي ص:152.  

وبعد ذلك يتعين اتخاذ المواقف المناسبة، بتصميم وشجاعة، مهما كانت النتائج، إذ ليس فوق الحق شيء. والله من وراء القصد (وهو يهدي السبيل)(1).

هذا موقف الشيعة من الصحابة وغيرهم، من يومهم الأول. ولـم يحيدوا ولا يحيدون عنه إن شاء الله تعالى. وقد كلفهم هذا الموقف أغلى الأثمان، وعرضهم لأقسى الآلام والمتاعب، وجعلهم غرضاً لأشد المحن والمصائب. لكن هوّن ما نزل بهم أنه بعين الله تعالى، وجميل صنعه، وحسن بلائه.

 

__________________

1- سورة الأحزاب الآية:4.

 

الموقف المناسب من غير الشيعة نحو الشيعة:

فإن أعجبك ذلك وأعجب إخوانك فالحمد لله على الوفاق والوئام. وإن لم يعجبكم فلا أقلّ من أن تنظروا إلى الشيعة نظرة العذر والاحترام. لابتناء موقفهم على حساب واستدلال، يعذر صاحبه وإن أخطأ. وليس موقفهم اعتباطياً من دون حساب، ولا من أجل العناد والمشاقة، والعداء للحق، والتعصب ضده، ليكون مبرراً للتشهير بهم، والتشنيع عليهم، وسقوط حرمتهم.

ومجرد كون الآخرين يخالفون الشيعة في قناعاتهم ـ التي لا نعلم إلى الآن كيف حصلت، ومتى حصلت ـ لا يقتضي فرض تلك القناعات على الشيعة وإلزامهم بها، بحيث تسقط حرمتهم بالخروج عنها، ويكون ذلك مبرراً للنيل منهم، والطعن فيهم، والتنكيل بهم، والتشنيع عليهم.

 

تعاليم الشيعة تقضي بمعاشرة غيرهم بالمعروف

ولاسيما مع أن سيرة الشيعة ـ تبعاً لتعاليم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من آله (صلوات الله عليهم) ـ جرت على احتفاظهم بعقائدهم وما يترتب عليها من عمل وسلوك لأنفسهم، من دون أن يتعمدوا جرح عواطف الآخرين وإثارتهم، بل مع الاهتمام بحسن معاشرتهم، وجميل مخالطتهم، وأداء الحقوق لهم، جمعاً للكلمة وحذراً من تفاقم الشرّ.

ففي حديث السكوني عن الإمام الصادق (عليه السلام) : ((قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاث من لم يكن فيه لم يتم له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله، وخلق يداري به الناس، وحلم يرد به جهل الجاهل))(1).

وفي حديث مرازم عنه (عليه السلام) قال: ((عليكم بالصلاة في المساجد، وحسن الجوار للناس، وإقامة الشهادة، وحضور الجنائز. إنه لابد لكم من الناس. إن أحداً لا يستغني عن الناس حياته، والناس لابد لبعضهم من بعض))(2).

وفي حديث معاوية بن وهب: ((قلت له: كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس مِن مَن ليسوا على أمرنا؟ قال: تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون، فوالله إنهم ليعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم، ويؤدون الأمانة إليهم)).

 إلى غير ذلك مما يضيق المقام عن استقصائه.

وحبذا لو يسير المسلمون جميعاً على ذلك، فيحتفظ كل منهم بعقيدته لنفسه أو مع الدعوة لها بالتي هي أحسن، مع حسن مخالطة الآخرين، وجميل معاشرتهم، والتودد والتحبب لهم، في محاولة لتوحيد المسلمين، وجمع كلمتهم، وتثبيت ألفتهم، من أجل أن يتعاونوا على الدعوة للإسلام العظيم، وإسماع صوته، ورفع كلمته، وردّ كيد الظالمين عنه، وخدمة الأهداف المشتركة بينهم.

ويأتي في جواب السؤال التاسع ما ينفع في المقام.

ومن الله تعالى نستمد العون والتوفيق. إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين. وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين.

__________________

1- الكافي ج:2 ص:116 كتاب الإيمان والكفر: باب المداراة حديث:1.

2- الكافي ج:2 ص:635 كتاب العشرة: باب ما يجب من المعاشرة حديث:1.

3- الكافي ج: 2 ص: 636 كتاب العشرة: باب ما يجب من المعاشرة حديث:4.