صوم يوم الغدير:

الأول: صوم يوم الغدير. وقد روى الشيعة عن أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم) استحبابه(1).

وقد روى السنة ذلك في حديث أبي هريرة الذي تقدمت الإشارة إليه عند الكلام في نزول آية إكمال الدين.

وممن رواه مسنداً عنه الخطيب البغدادي. قال بعد ذكر السند: ((عن أبي هريرة قال: من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً. وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بيد علي بن أبي طالب، فقال: ألست ولي المؤمنين؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. فقال: عمر بن الخطاب: بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم، فأنزل الله: (الْيَوْمَ أكملتُ لَكُمْ دِينَكُمْ…).

ومن صام يوم سبعة وعشرين من رجب كتب له صيام ستين شهراً. وهو أول يوم نزل جبريل (عليه السلام) على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة)).

ثم قال الخطيب: ((اشتهر هذا الحديث من رواية حبشون. وكان يقال: إنه تفرد به. وقد تابعه عليه أحمد بن عبد الله بن النيري، فرواه عن علي بن سعيد. أخبرنيه الأزهري. حدثنا محمد بن عبد الله بن أخي ميمي. حدثنا أحمد بن عبد الله بن أحمد بن العباس بن سالم بن مهران المعروف بابن النيري إملاءً. حدثنا علي بن سعيد الشامي. حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذم، عن مطر، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة. وذكر مثل ما تقدم أونحوه)).

وقد تقدمت عند الكلام في آية إكمال الدين الإشارة إلى الخلاف في صحة الحديث.

______________

1- راجع وسائل الشيعة ج:7 ص:323 كتاب الصوم باب:14 من أبواب الصوم المندوب. وفي بعض أحاديث هذا الباب أن صيامه يعدل صيام ستين شهراً حديث:2، 10. لكن في الثاني: ((وإن صومه يعدل ستين شهراً من أشهر الحرم))، وفي الباب أحاديث أخر تتضمن وجوهاً أخر من الثواب.

 

حادثة الحارث بن النعمان الفهري:

الثاني: نزول قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ $ لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ $ مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ)(1).

وذلك أنه لما شاع ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم غدير خم في علي (عليه السلام) وطار في البلاد، وبلغ الحارث بن النعمان الفهري، أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ناقة له فنزل بالأبطح عن ناقته، وأناخها، فقال: ((يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمساً، فقبلنا منك، وأمرتنا بالزكاة، فقبلنا منك، وأمرتنا أن نصوم شهراً، فقبلنا منك، وأمرتنا بالحج، فقبلنا منك، ثم لم ترضَ بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا، وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه. فهذا منك أم من الله؟

فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله.

فولّى الحارث بن النعمان وهو يريد راحلته ويقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حق فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله تعالى بحجر، فسقط على هامته، وخرج من دبره، وأنزل الله (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ $ لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ))).

ذكر ذلك جمع من علماء السنة منهم..

1 ـ جمال الدين محمد بن يوسف بن الحسن بن محمد الزرندي الحنفي المدني(2).

2 ـ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، المتوفى سنة (1294هـ)(3).

3 ـ محمد بن عبد الرؤوف المناوي، المتوفى (سنة 1331هـ)(4).

4 ـ  علي بن برهان الدين الشافعي الحلبي(5).

5 ـ الحافظ الكبير عبيد الله بن عبد الله بن أحمد، المعروف بالحاكم الحسكاني(6).

6 ـ الخطيب الشربيني(7).

7 ـ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، المتوفى سنة (681هـ)(8). ولكنه عندما ذكر هذا الوجه قال: ((وقيل إن السائل هنا…)).

8 ـ قاضي القضاة الإمام أبو السعود محمد بن محمد العمادي، المتوفى سنة (951هـ)(9). وذكره أيضاً بتضعيف، كما سبق من القرطبي. وغيرهم

___________

1- سورة المعارج الآية: 1 – 3.

2- نظم درر السمطين ص:93، واللفظ له.

3- ينابيع المودة ج:2 ص:368 ـ 369.

4- فيض القدير شرح الجامع الصغير ج:6 ص:282 في شرح حديث من كنت مولاه فعلي مولاه رقم الحديث: (9000).

5- السيرة الحلبية ج:3 ص:308 ـ 309 في حجة الوداع.

6- شواهد التنزيل ج:2 ص:286 ـ 289 في قوله عز اسمه (سأل سائل …) من سورة المعارج.

7- السراج المنير ج:4 ص:364 في تفسير الآية.

8- تفسير القرطبي ج:18 ص:278 ـ 279 في قوله عز اسمه (سأل سائل …) من سورة المعارج.

9- تفسير أبي السعود ج:9 ص:29 في تفسير الآية من سورة المعارج.