مواقف الشيعة وعلمائهم في توحيد الجهود من أجل خدمة الإسلام:

وعلى ذلك سار شيعتهم في معاشرتهم ومخالطتهم مع بقية المسلمين، وفي فتاواهم ومواقفهم ضدّ الكفر، من أجل الحفاظ على بيضة الإسلام العظيم في تاريخه الطويل، وحتى العهود القريبة.

ومن تلك المواقف ما حصل منهم في أوائل القرن الماضي حينما غزت الجيوش البريطانية العراق في حربها مع العثمانيين الذين وقفوا من الشيعة وعلمائهم أقسى المواقف، ظلماً وعسفاً، وامتهاناً وتجاهلاً، حتى أنهم لم يكونوا يعترفون بالفقه الشيعي، فكان طلبة العلوم الدينية من الشيعة لا يشملهم العفو عن الخدمة العسكرية إلا بعد أن يؤدوا الامتحان على طبق الفقه الحنفي الذي هو المذهب الرسمي للعثمانيين.

إلا أن علماء الشيعة (قدس الله أرواحهم الزكية) غضوا النظر عن ذلك كله، حينما أصبح الإسلام مهدداً، فدعموا العثمانيين، وأفتوا بوجوب الجهاد معهم، وخرجوا بأنفسهم وبمن تبعهم من المجاهدين لجبهات القتال في الشعيبة والكوت، وباشروا القتال بأنفسهم، وقاسوا ما قاسوا من المتاعب والمصائب في مواقف مبدئية، قياماً بالواجب في حفظ بيضة الإسلام، والدفاع عنه.

كما دعم علماء الشيعة القضية الفلسطينية في مراحلها المختلفة، من أجل أن القضية إسلامية، والدفاع فيها عن أرض الإسلام وكيانه.

وفي أواخر القرن الماضي حين تعرض العراق لخطر المدّ الشيوعي الإلحادي انفتحت المرجعية الشيعية ـ بقيادة مرجع الطائفة الأعلى الاستاذ الجد السيد محسن الحكيم (قدس سره) ـ على السنة في العراق ورحبت بهم، لتوحيد الكلمة من أجل الوقوف في وجه المدّ المذكور.

كل ذلك لأن المصلحة الإسلامية العليا فوق الخلافات المذهبية. ولأن اللازم على المسلمين توحيد كلمتهم، وتناسي خلافاتهم، حينما يكون الإسلام مستهدفاً من قِبَل الأعداء. ولتكن هذه المواقف وغيرها عبرة لنا، ومحفزة على تلاقي المسلمين العملي من أجل الدفاع عن الإسلام، وسدّ الطريق على أعدائه، الذين يتربصون به الدوائر، ويبغونه الغوائل(1).

_______________

1- وقد سبق لنا حديث حول الصيغة الصحيحة لتعامل المسلمين فيما بينهم يحسن إثباته هنا، وقد جاء فيه: ((ينبغي لهم..

(أولاً): أن يعمقوا الشعور في أنفسهم بوجوب التلاحم بينهم من أجل الحفاظ على الكيان الإسلامي العام وتقويته، فإن هذا في نفسه واجب شرعي في حق الكل، نتيجة انتمائهم للإسلام، وإيمانهم بأنه الدين الإلهي الحق، الذي لا يقبل الله تعالى من العباد غيره، وبأن الله تعالى قد أمر بنصره وبالجهاد من أجله.

كما أنه اللازم في المرحلة المعاصرة بلحاظ خطط الأعداء، وإصرارهم على مقاومة الإسلام بإطاره العام، وإبعاده بتشريعاته ومفاهيمه عن واقع الحياة، ومحاولة تجريد أبنائه منه، ومحاربة المسلمين ـ ككل ـ أينما كانوا وكيف كانوا، وإضعافهم، وعرقلة مسيرتهم، وشق كلمتهم، وإلقاح الفتنة بينهم، وتجاهل حقوقهم والتغاضي عنها، والتصام عن سماع صوتهم... إلى غير ذلك.

أضف إلى ذلك أن الأعداء أنفسهم ـ على اختلاف أديانهم ومذاهبهم ـ إذا وقفوا أمام الإسلام تناسوا خلافاتهم واتحدوا ضده، فالاستعمار البريطاني خرج من الهند ووقف في كشمير لصالـح الهند الكافرة ضد باكستان المسلمة.

وخرج من فلسطين ليتحالف مع العالم على اختلاف ملله لصالـح اليهود ـ الذين لم يكونوا قد برئوا من دم المسيح (عليه السلام) بعد ـ ضد المسلمين.

واليوم يصرّ الغرب الكاثوليكي والبروتستانتي على دعم الصرب الأرثوذكسي، ضدّ المسلمين في البوسنة، وأمام أعينهم ما قام به الصرب من الجرائم الوحشية التي تقشعر لهولها الأبدان، ويندى منها جبين الإنسانية... إلى غير ذلك من مواقفهم.

كل ذلك عداء منهم للإسلام بكيانه العام، وبغضاً منهم للمسلمين بغض النظر عن مذاهبهم ومواقعهم من الأرض.

وكفى بهذا محفزاً للمسلمين على اختلاف مذاهبهم للتلاحم والتكاتف، وأن يذللوا العقبات في سبيل ذلك، متناسين خلافاتهم التي لا يزيدهم التقاطع والتناحر من أجلها إلا ضعفاً ووهناً.

 

الترحيب بالحوار العلمي من أجل معرفة الحقيقة:

2 ـ كما نحبذ نحن التلاقي العلمي بين طوائف المسلمين، والحوار الهادئ الهادف بينها، بعيداً عن العناد والتعصب، واللجاجة والتشنج، ليعرف كل طرف ما عند الآخر، ويناقشه مناقشة موضوعية بالطرق العلمية، من دون أن يفرض مسلماته وموروثاته عليه. ويكون همّ الكل الوصول للحقيقة عن طريق الحوار والنظر في الأدلة، فإن ذلك..

(أولاً): هو الذي يقتضيه الاحتياط للدين، واستكمال البصيرة في أمره، الذي هو من أهم الواجبات العقلية والشرعية.

(وثانياً): يوجب انفتاح كل طرف على الآخر وأنسه به، وارتفاع ما بينهما من وحشة وحواجز، سببها التقاطع والتدابر هذه المدة الطويلة، وما نتج عنهما من توجس وأوهام نسجتها الدعايات المضللة، وأكدها الأعداء والمنتفعون.

(وثالثاً): يوجب تعرُّف كل طرف على حقيقة عقيدة الآخر وما عنده، نتيجة التعرف على الأدلة التي اعتمدها، بعيداً عن الكذب والافتراء، والمبالغة والتشويه والتحوير.

(ورابعاً): يوجب عذر كل طرف للآخر في عقيدته إذا أدرك منه الاهتمام بالأدلة والحجج، والمتابعة لها، والخروج عن عهدتها ومسؤوليتها، من دون عناد وتعصب.

(وخامساً): قد يوصلنا إلى الاتفاق في العقيدة، بسبب تمحيص الأدلة وتدارسها ومناقشتها بهدوء وروية وموضوعية. وإن لم نصل لذلك فليحتفظ كل بعقيدته لنفسه، مع احترام الآخرين.

 

رفض التلاقي بين الشيعة والسنة على حساب العقيدة

3 ـ أما الدعوة للتلاقي والتقارب بين الشيعة والسنة على حساب العقيدة، بتنازل الشيعة عن بعض عقائدهم، والسنة عن بعض عقائدهم، مع تجاهل الأدلة التي اعتمدها كل طرف على ما عنده والإعراض عنها، فهي دعوة غير عملية..

(أولاً): لأن ذلك يزيد المسلمين خلافاً، إذ ليس من شأن مثل هذه الدعوة أن يستجيب لها الكل. ولو استجاب لها البعض من الطرفين تعرض المسلمون لانقسام زيادة على انقسامهم، حيث سيكون لكل من الشيعة والسنة فرقتان: متزمتة ومتسامحة، ويكون لنا بدل الفرقتين أربع فرق.

على أن ذلك سيجعل من التلاقي أو التقارب بين الشيعة والسنة شبحاً مخيفاً مهدداً للعقيدة، التي هي أعزّ ما يملكه المسلم المتدين ـ الذي يرجى الخير منه للإسلام ـ والتي يتشبث بها أشدّ التشبث. كما سيجعل الدعوة لهما مورداً للتوجس، وهدفاً للاتهام، ومثاراً لعلامات الاستفهام، بنحو قد يكون مبرراً لمقاومة الدعوة المذكورة، وسبباً لاستيضاح شرعية عرقلتها عند بعض الناس، وهو مما يعيق عملية التلاقي أو التقارب، أو يقضي عليها.

بل قد يحمل كل طرف يرى أن عقيدته مهددة إلى إثباتها والدعوة لها بصورة قد تحمل طابع العنف والتطرف والإصحار، بنحو قد يزيد في شقة الخلاف، وتكون له ردود فعل معاكسة غير محمودة العاقبة، تضرّ بوحدة المسلمين، وتشق كلمتهم، وتزيد في محنتهم.

وهذا بخلاف ما سبق من الدعوة للتقارب العملي بين طوائف المسلمين والتعاون بينهم من أجل رفع كلمة الإسلام وخدمة الأهداف المشتركة، مع احتفاظ كل منهم بعقيدته لنفسه أو الدعوة لها بالتي هي أحسن، والدعوة للتلاقي العلمي والحوار من أجل تمحيص الأدلة والوصول للحقيقة.

فإنهما دعويان وجيهتان ساميتا الأهداف، مأمونتا العاقبة، لا مبرر لرفضهما. بل من شأن كل مؤمن غيور على الإسلام أن يتقبلهما. ولا يرفضهما إلا المشبوه الأهداف المتهم على الإسلام. ومثل هذا قد يضرّ التعاون معه، ومن الصعب استصلاحه. والأصلح تجاهله وإهماله.

قال الله تعالى: (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)(1). وسيغني الله عنهم (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(2).

(وثانياً): لأن الحقائق الدينية يجب الاعتقاد بها شرعاً بعد تمامية أدلتها، وقيام الحجة عليها. وحينئذٍ فالأمور التي يعتقدها كل طرف إن لم تقم الأدلة عليها بوجه كافٍ فالاعتقاد بها محرم، سواءً كانت مما يتفق عليه الأطراف أم مما يختلفون فيه، أم مما سكت عنه بعضهم. وإن قامت الأدلة عليها بوجه كافٍ فالاعتقاد بها واجب. وكيف يمكن التنازل عما يجب شرعاً من أجل جمع الكلمة؟!

(وثالثاً): لأن ذلك ظلم للحقيقة التي يعتقدها كل طرف. بل ليس من المقبول شرعاً ولا وجداناً التنازل عن الحقائق التي يعتقد المسلم ـ أي مسلم كان ـ أن الله سبحانه وتعالى قد فرضها وأتم الحجة عليها، وقد ضحى في سبيلها أحبته وأولياؤه وعباده الصالحون، بخوعاً لأمره، وطلباً لمرضاته، وجهد أعداؤه الظالمون والمفرقون في طمسها وتضييع معالمها، معاندة له، وتحريفاً لتعاليمه، حتى افترقت الأمة بسبب ذلك واختلفت فيها.

وليس في التنازل عنها من أجل جمع الكلمة والتقريب بين طوائف الأمة إلا ظلم الحقيقة، والردّ لأمر الله تعالى الذي فرضها، والاستهوان به، وتضييع جهود أوليائه وتضحياتهم من أجل الحفاظ عليها، وتحقيق أهداف أعدائه الظالمين وإنجاح مساعيهم من أجل طمسها وتضييع معالمها.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم وجميع المسلمين لتحقيق الحقائق الدينية. وأن يُحكم ألفة المسلمين ويوحد فُرقتهم ويجمع كلمتهم، إنه أرحم الراحمين.

 

موقف الشيعة من المغالين

4 ـ الشيعة كالسنة يضللون المغالين، بل يكفرونهم. لكن ذلك مختص بما إذا رجع الغلو إلى الإخلال بالتوحيد، أو تجاوز مقام النبوة ـ ولو بدعوى النبوة لمن بعد النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ أو إنكار الضروري إنكاراً يرجع لردّ ما أنزل الله تعالى، وعدم التسليم به.

أما ما لا يرجع لذلك فهو لا يوجب الكفر ولا الضلال، كادعاء بعض الكرامات لأولياء الله تعالى، ورفعة مقامهم عنده.

غاية الأمر أنه لابد من إثبات ذلك بأدلة كافية وحجج وافية، ومع عدمها فلابد من التوقف، كما قال الله سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)(3).

وكما قال عزمن قائل: (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ)(4).

 ________

1- سورة التوبة الآية: 47.

2- سورة لقمان الآية:26.

3- سورة الإسراء الآية: 36.

4- سورة الزخرف الآية: 19.