الحملة الموجهة ضدّ الشيعة هذه الأيام:

على أن المشكلة لا تكمن في كتاب واحد أو كتابين، بل في حملة موجهة مدروسة ذات أبعاد مختلفة، وهي مدعومة من قوى هائلة يعرف حجمها بملاحظة توقيتها. ففي مصر مثلاً، قبل ما يقرب من أربعين عاماً، بلغ التقارب بين المذاهب الإسلامية غايته، حين أصدر شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمود شلتوت فتواه الشهيرة بشرعية التعبد بالمذهب الجعفري. أما الآن فقد أصبحت مصر نفسها أحد مراكز مقاومة التشيع.

ولم يكن ذلك لاعتداء جديد أوقعه الشيعة بالمسلمين في هذه الفترة، ولا لاكتشاف جديد لأمر في الشيعة خفي على المسلمين في عصورهم الطويلة، وإنما حصل ذلك نتيجة لتبدل الأوضاع في مصر، ولفاعلية التشيع في الساحة الإسلامية والعالمية. وبمعرفة السبب الحقيقي لهذه الحملة يعرف الدافع لها، والمنتفع منها، وحجم القوة التي تقف وراءها.

وإذا أردنا أن نعير اهتماماً لمثل هذه التهم، ونشغل أنفسنا بتكذيبها، وبردّ هذه الكتب ونحوها من وسائل الإعلام المعادي، تبددت طاقاتنا المحدودة، وذهبت هدراً، وضاعت أوقاتنا دون جدوى، لأن لغة الكذب والشتم لا تنتهي.

بل الأولى إهمالهم والإعراض عنهم وتركهم وما اختاروه لأنفسهم وأحبوه من سلوك مشين يكشف عن حقيقتهم، فكل إناء بالذي فيه ينضح.

ولا أهمية لذلك فحبل الكذب قصير، وهو (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)(1).

 

ما ينبغي للشيعة إزاء الحملة الموجهة ضدهم:

وعلى الشيعة بدل ذلك أن يصبروا، ويصابروا، ويرابطوا، ويتوجهوا لأنفسهم، ويوثقوا علاقتهم بالله تعالى، ويلجؤوا إليه في أمرهم، ويحسنوا التوكل عليه، والظن به. ثم يثبتوا حقهم وحقيقتهم بأفعالهم وسلوكهم، ويعرفوا الناس بواقعهم المجيد، وظلامتهم في تاريخهم الطويل، ويعيدوا عرض أدلتهم على حقهم، ونشر ثقافتهم الأصيلة، بوجه يناسب العصر الحاضر، ويقيموا بذلك الحجة على الناس.

ولابد للحقيقة أن تنتصر، كما قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ)(2)، وقال عز من قائل: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ)(3).

بل في عقيدتنا أن هذه الوسائل في مقاومة التشيع تخدمه على الأمد الطويل، وتزيد في وضوح حجته. إذ بعد أن تنكشف الحقائق، ويتضح كذب تلك الافتراءات، تتضح واقعية التشيع وعدم وجود السلبيات فيه، وإفلاس مهاجميه، حتى اضطروا للكذب والبهتان، والتهريج والتشنيع. كما تتضح بذلك سوء نوايا مهاجميه، وخبث مقاصدهم ودوافعهم. وكفى بهذا خدمة للتشيع، ووسام فخر له، وللحقيقة التي لا زالت محاربة مضطهدة.

وكفى بالتجارب الماضية عبرةً لنا، وشاهداً على ما نقول. فإن التشيع لم يزل محارباً ملاحقاً من يومه الأول، ولم يزل هدفاً للتشنيع والتهريج، والشتم والسب، والكذب والبهتان، وليس موقف الأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم من التشيع بأخفّ من موقف السلفيين هذه الأيام ومن يدفعهم منه. لكن التشيع لم يزل ثابت القدمين بحقه وحقيقته، ولا تزيده الزلازل

_________

1- سورة النور الآية: 39.

2- سورة الرعد الآية: 17.

3- سورة الروم الآية: 60.

 

والأعاصير إلا قوة وصلابة، وظهوراً وانتشاراً.

وقد صدق الله جل شأنه حين يقول: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء $ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ $ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ $ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء)(1). والحمد الله على حسن بلائه وجميل صنعه. وكفى به ولياً ووكيلاً وناصراً وكفيلاً.

 
واقع السلفية وأهدافهم

3 ـ أما السلفية الذين يبدو تبنيهم للحملة ضد الشيعة في هذه الأيام، فإنا نعلم أن هذا ليس أول موقف لهم من الشيعة والتشيع بل من الإسلام والمسلمين.

فقبل قرنين أو أكثر، حين دبّ الوهن في المسلمين، وضعفت دولهم، وتوجهت أطماع الغرب الكافر لبلادهم، وبدأ يخطط للانقضاض عليها والقضاء على تلك الدول، انبعث السلفيون بمفاهيمهم المنحرفة في تفسير التوحيد والشرك، وما يستتبعها من الـحكم على عامة المسلمين بالكفر، واستحلال دمائهم وأموالهم، وسقوط حرمتهم، وبعنف قاس وعنجهية متطرفة، ليعيثوا في بلاد الإسلام ويضعفوا دولها، خصوصاً الدولة العثمانية التي كانت أهمّ تلك الدول وأقواها، بما تمتلك من قدسية عند كثير من المسلمين، بسبب الخلافة التي كانت عنوان حكمها، فقد لقيت من السلفيين الأمرين.

وقد عاثوا فساداً في هجوماتهم المتكررة على حرم الله تعالى، وعلى الحجاج قتلاً ونهباً، واستهانة بمقدسات المسلمين، حتى انقطع الحج في بعض السنين.

كما أولعوا بالتهجم على التشيع والاعتداء على مقدساته. وكم هاجموا مدينة كربلاء المقدسة رمز الشهادة والتضحية في سبيل الدين، ومهراق الدماء الزكية لأهل بيت النبوة (صلوات الله عليهم أجمعين). وقد أغرقوا في بعض تلك الهجومات في انتهاك الحرمات، حيث قتلوا كثيراً ممن كان في كربلاء، وهدموا قبر سبط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سيد الشهداء الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، ونهبوا ما في الروضة المطهرة من النفائس.

وهاجموا أيضاً النجف الأشرف مرقد الإمام علي أمير المؤمنين (عليه أفضل الصلاة والسلام) مرات عديدة، إلا أنهم عجزوا عن اقتحام سورها، بعد أن قاد العلماء حملة الدفاع عنها.

واشتد فسادهم في بلاد الإسلام حتى تمّ للغرب ما أرادوا، وانتهت الدولة العثمانية وخلافتها، واقتسموا ممتلكاتها، ووقع الشرق الإسلامي في قبضتهم بعد الحرب العالمية الأولى. ثم تبع ذلك استيلاء السلفيين على الحرمين، واعتدوا على مقدسات المسلمين وقبور الأئمة (عليهم السلام) والصالحين، وسعوا في طمس آثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)  وأهل بيته (عليهم السلام). وبعد ذلك كله سكنت فورة السلفيين، وخمد صوتهم مدة طويلة، لعدم الحاجة لهم.

حتى إذا بدأت الصحوة الدينية تظهر في المسلمين، وتهددت مصالـح الغرب الكافر في الشرق الإسلامي، بعث السلفيون من جديد ـ بعنفهم، وأبواقهم، ومفاهيمهم المنحرفة، وما يملكونه من قوى مادية هائلة ـ ليشقوا كلمة المسلمين، ويفتتوا وحدتهم، ويزرعوا العداء والشحناء بينهم، ليكون بأسهم بينهم، وينشغلوا بأنفسهم عن عدوهم، وعما يراد بهم.

وقد جاؤوا الآن للمسلمين ـ بصورة الناصح الشفيق ـ ليحذروهم من الشيعة ويعرفوهم أنهم يكفرونهم، ويستحلون دماءهم وأموالهم، ليحذرهم المسلمون، ولا ينخدعوا بهم، حباً من السلفيين بالمسلمين، وشفقة عليهم. مغفلين مفاهيم السلفية

__________

(1) سورة إبراهيم الآية: 24 ـ 27.

 

المنحرفة القاضية بتكفير المسلمين، ونسبة الشرك لهم، وإسقاط حرمتهم، وهدر دمائهم وأموالهم، ومتناسين ما فعلوه بالمسلمين ومقدساتهم مما أشرنا إلى بعضه آنفاً. وقد صدق المثل القائل: رمتني بدائها وانسلت. وإنا لله وإنا إليه راجعون. والحمد لله على كل حال، وهو خير الحاكمين.

ـ وفي النهاية أرجو مسامحتي على الإطالة، وقلة الأدب معكم. وأرجو من الله توفيقكم ـ وأن تخدموا المسلمين ـ لما يحبه ويرضى. وأرجو التكرم بالدعاء لي.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

3 / 12 / 1999 م

(.........................)

الأردن ـ عمان

 

ـ تعقيباً على ما ذكرت نرجو أن نكون قد وفقنا في هذا الحديث الطويل لبيان الحقائق التي حام الحوار حولها. كما نرجو أن نوفق جميعاً في سلامة نوايانا، وأن يكون همنا الوصول للحقيقة واستيضاحها، وإزالة ما عليها من غبار وضبابية، كونتها الخلافات والتراكمات، التي استغلتها قوى الشرّ، لتضييع الحقيقة.