ـ وفي الختام أود أن أنبه إلى أمر، وهو: أن كلمة سقطت أثناء التبييض لسؤال الغدير وهو كلمة (بيعة).

فالسؤال المطروح والذي يدور عليه الإشكال (واقعة بيعة الغدير)، لا واقعة الغدير نفسها، فإنني على إطلاع واسع حولها. وخاصة معرفتها من مصادر أهل السنة، فأرجو إن شاء الله تعالى في مراسلات أخرى التعليق حول هذا الموضوع.

والحمد لله تعالى لم يذهب جهدكم في الإجابة عليها سدى، بل فيه فائدة جليلة، بحسن الإجابة، والترتيب فيها، النادر حصوله لمن أجاب على مثل هذا السؤال.

  وأخيراً أرجو من فضيلتكم الدعاء لي بظهر الغيب. وأرجو من الله تعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، ولما فيه خير المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

  المراد بالبيعة إن كان هو مسح من شهد خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأيديهم على يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) إقراراً لمضمون الخطبة وإذعاناً به. فهذا ليس من الشهرة بحدّ يدعى معه التواتر، عند الشيعة، فضلاً عن السنة.

رواية البيعة بمعنى مسح اليد عن الشيعة والسنة

 و إنما رواه الشيعة بطرق متعددة، ذكر المجلسي عدداً منها(1).

كما أن الطبرسي (قدس سره)  ذكر ـ بسنده عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر  (عليه السلام) ـ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبة طويلة في المناسبة المذكورة، يقول فيها بعد أن نص على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالولاية:

((معاشر الناس إنكم أكثر من أن تصافقوني بكف واحدة، وقد أمرني الله عزوجل أن آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقدت لعلي من إمرة المؤمنين، ومن جاء بعده من الأئمة مني ومنه، على ما أعلمتكم أن ذريتي من صلبه. فقولوا بأجمعكم: إنا سامعون، مطيعون، راضون، منقادون، لما بلغت عن ربنا وربك في أمر علي، وأمر ولده من صلبه من الأئمة، نبايعك على ذلك بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا... معاشر الناس قولوا ما يرضى الله به عنكم من القول. فإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فلن تضروا الله شيئاً. اللهم اغفر للمؤمنين، واغضب على الكافرين. والحمد لله رب العالمين)).

قال الإمام أبو جعفر(عليه السلام) : ((فناداه القوم: سمعنا، وأطعنا، على أمر الله وأمر رسوله، بقلوبنا وألسنتنا وأيدينا. وتداكوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلى علي (عليه السلام)، فصافقوا بأيديهم...))(2).

وقد حكى المجلسي (قدس سره)  هذا الحديث عن الطبرسي، ثم ذكر أن الحديث نفسه قد ذكره في كتاب (كشف اليقين) عن أحمد بن محمد الطبري من علماء المخالفين(3). كما ذكر الشيخ الأميني(قدس سره) عند الكلام في التهنئة عن بعض علماء الجمهور أنه روى ذلك أيضاً(4).

إلا أن ذلك كله لا يبلغ حدّ التواتر. ولا نظن أحداً يدعيه. إلا أن يطلع على ما لم نطلع عليه.

 

 البيعة بمعنى الإقرار بالولاية والاستجابة لها حاصلة

 نعم لا يبعد أن يراد بالبيعة إعلان الاستجابة والإذعان، من قبل من شهد الخطبة، بما تضمنته من فرض ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) ، كما يشير إليه الحديث السابق. إذ كثيراً ما يراد بالبيعة ذلك. لما هو المعلوم من سيرة المسلمين في جميع العصور من أن بيعة عموم الناس للخليفة الجديد إنما تكون بتسليمهم بخلافته، وانقيادهم لها. ولا يمسح على يده إلا القليل من ذوي المكانة، لإعلان إقرارهم.

ومن الظاهر حصول هذا الأمر في واقعة الغدير. لأنه الأمر الطبيعي ممن حضر من المسلمين خطبة النبي        (صلى الله عليه وآله وسلم) وإعلانه ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) . ولو ظهر منهم الردّ له والاعتراض عليه لظهر وبان، ونقل تاريخياً، كما نقل اعتراض الحارث بن النعمان الفهري الذي ذكرناه في سلسلة أحداث واقعة الغدير وما يتعلق بها، في جواب السؤال السابع من الأسئلة السابقة.

كما أنه المناسب لما تقدم في سلسلة الأحداث من تهنئة الحضور لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالولاية. وقد تقدم أن الشيخ الأميني (قدس سره) أنهى مصادر ذلك من طريق الجمهور إلى ستين.

ولا سيما مع ما تضمنته بعض طرقها من أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أجلس أمير المؤمنين (عليه السلام) في خيمة، وأمر المسلمين بالدخول عليه وتهنئته(5).

إذ من المعلوم رجوع التهنئة بالوجه المذكور للإقرار والتسليم، اللذين تؤديهما البيعة.والحاصل: أن البيعة بمعنى إعلان الاستجابة والإذعان بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، ملازمة عادة لخطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغدير، وتواتر الخطبة يقضي بتواتر البيعة بالمعنى المذكور.

 

الاستدلال بحديث الغدير لا يتوقف على البيعة

على أن الاستدلال بحديث الغدير لا يتوقف على البيعة، إذ بعد أن فرض الله تعالى ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام)، وبلَّغ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بها، يجب على الناس الإذعان بها، والانقياد لها، والعمل عليها. وليست البيعة ـ تحققت أو لم تتحقق ـ إلا من توابع ذلك، من دون أن يتوقف عليها وجوب الإذعان والانقياد للولاية، والعمل عليها.

ولو فرض عدم تحققها، أو عدم مطالبة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بها، فلعله لعدم ظهور الأثر لها إلا بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يحتاج لها قبل ذلك. وإنما يحتاج لها بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنها مظهر للانصياع لما جعله الله تعالى والعمل عليه، من دون أن يتوقف عليها ثبوت ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام)، ووجوب عمل الناس عليها بالانقياد له(عليه السلام) وطاعته، كما ذكرنا.

وإنما يتجه توقف الولاية والخلافة على البيعة على مذهب الجمهور، الذين يرون عدم ثبوت الخلافة بالنص، وأنها لا تثبت للشخص إلا ببيعة الناس له, حيث يكون دور البيعة مهماً جداً, ويحتاج لإثباتها.

 

اهتمام الشيعة بالبيعة تأكيد دلالة حديث الغدير على الإمامة

والمظنون أن اهتمام بعض الشيعة بالبيعة من أجل تأكيد دلالة الحديث الشريف على ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، ونصبه علماً بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين، ليتولى الأمر من بعده(صلى الله عليه وآله وسلم). ويكون خليفة عليهم وإماماً لهم.

هذا الأمر الذي حاول كثير من المخالفين بل عامتهم التشكيك فيه، بعد أن تعذر عليهم ـ إلا من شذّ ـ الطعن في سند الحديث، لشهرته واستفاضة طرقه، وزيادتها على حدّ التواتر. فادعوا إجمال لفظ المولى، لتردده بين معاني كثيرة ـ كالمحب، والناصر، وابن العم، وغير ذلك ـ وعدم اختصاصه بمعنى واحد، وهو الأولى بالأمر.

ومن أجل ذلك يؤكد بعض الشيعة على البيعة، ليسوقها قرينة على أن المراد بالمولى هو الأولى، لأن ذلك هو المناسب للبيعة، دون بقية المعاني المذكورة.

وهو وإن كان أمراً جيداً، إلا أن الحديث مع من؟ فإن كان مع المتعصب المعاند الذي يتشبث بالطحالب، فهو غير مجد، إذ ما من حقيقة إلا وقد أثيرت حولها شبهات، يتشبث بها المعاندون. والأولى ترك الحديث معهم، لأنه من المراء، الذي ورد النهي عنه، كما تقدم في مقدمة الأسئلة السابقة، بل يوكل أمرهم إلى الله تعالى، حيث لا ينفعهم العناد معه جل شأنه.

وإن كان مع المنصف الذي يريد الوصول للحقيقة ويطلبها كيف كانت، فالأمر أوضح من ذلك. إذ لو تم أن للمولى معاني كثيرة متباينة ـ وأنها لا ترجع جميعها إلى معنى واحد، وهو الأولى ـ فيكفي في حمل المولى على الأولى أمران في متن الحديث نفسه..

 

بعض القرائن المتممة لدلالة حديث الغدير على الإمامة

(الأول): أن الحديث كما روي بلفظ: ((من كنت مولاه، فعلي مولاه))، روي بلفظ ((من كنت وليه فعلي وليه))، أو نحو ذلك. ومن الظاهر أن الخلاف المذكور لا يرجع عرفاً للتكاذب بين الروايتين، ولا للخطأ في إحداهما، بل للنقل بالمعنى من دون تقيد بألفاظ النص. وذلك شاهد بأن المولى بمعنى الولي، وهو المسلط الذي يتولى الأمر.

(الثاني): أن كثيراً من طرق الحديث ـ تبلغ التواتر، أو تزيد عليه، كما تقدم هناك ـ قد تضمنت قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مقدمة للنص على أمير المؤمنين: ((ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟))، أو نحو ذلك، ثم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) معقباً من دون فصل: ((من كنت مولاه فعلي مولاه))، حيث تكون المقدمة المذكورة مفسرة لما بعدها، وملزمة بحمل المولى على الأولى، دون بقية المعاني المذكورة للمولى، لو أمكن الحمل على بعض تلك المعاني في نفسه.وهناك بعض القرائن الداخلية الأخر، والخارجية الكثيرة، قد أطال الكلام فيها علماؤنا (رضوان الله تعالى عليهم). ولعل من أوسع من كتب في ذلك المرحوم الشيخ الأميني (قدس سره) (6).

ونقترح على من يحاول تأويل الحديث على خلاف ذلك أن يحدد المعنى الذي يحاول حمل الحديث عليه، ثم ينظر في متن الحديث من أوله إلى آخره، وفي القرائن المحيطة به، ويحكم وجدانه في قبول ذلك المعنى وعدمه. ثم له بعد ذلك أن يختار ما يراه مناسباً.

ــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار ج:37  الباب الثاني والخمسون ص:119،133،138.

(2) الاحتجاج ج:1 ص:82 ـ 84، في احتجاج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)  يوم الغدير على الخلق كلهم وفي غيره من الأيام بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومن بعده ... .

(3) بحار الأنوار ج:37 ص:218 الباب الثاني والخمسون من أبواب النصوص الدالة على الخصوص على إمامة أمير المؤمنين(صلوات الله وسلامه عليه) من طرق الخاصة والعامة وبعض الدلائل التي أقيمت عليها.

(4) الغدير في الكتاب والسنة والأدب ج:1 ص:270 ـ 271.

(5) الغدير في الكتاب والسنة والأدب ج:1 ص:271، وما بعدها.

(6) الغدير في الكتاب والسنة والأدب ج:1 ص:340 ـ 399، مفاد حديث الغدير.