الوعد بالفوز والجنة لكل مؤمن

 بل أطلق في بعضها الوعد بذلك للمؤمنين، من دون تقييد بالعمل الصالـح. كقوله عز اسمه: ((وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ))(1).

 

إطلاق الوعيد بالخسران والعذاب لكل عاصٍ وزائغ

 كما أنه ورد مستفيضاً في الكتاب المجيد والسنة الشريفة إطلاق الوعيد بالعذاب والخسران بسبب الزيغ والمعاصي، مثل قوله تعالى: ((وَمَنْ يُشَاقِقْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَاب))(2).وقوله سبحانه: ((وَمَنْ يُشَاقَّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ))(3).

وقوله عزوجل: ((وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً))(4).

وقال جل شأنه: ((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً))(5)... إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. وكذا الحال في السنة الشريفة.

 

الجمع بين أدلة الوعد والوعيد باشتراط حسن الخاتمة في الوعد

 ومن هنا لابد من الجمع بين الطائفتين: طائفة الوعد، وطائفة الوعيد. وذلك بحمل أدلة الوعد المطلقة على اشتراط حسن الخاتمة، إما بالاستقامة على الحق حتى النهاية، وإما بالتوبة والرجوع للحق بعد الزيغ والخروج عنه.

وهو المستفاد من الآيات والأحاديث الكثيرة أيضاً. قال تعالى: ((يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ))(6).

وقال سبحانه: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ المَلائِكَةُ أَلاّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ))(7).

وقال عزوجل: ((أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ))(8) إلى غير ذلك.

وذلك جار في الآية الأولى الواردة في السابقين الأولين، والتي تقدم منك الاستدلال بها. حيث يتعين حملها على خصوص من استقام منهم وحفظ العهد ولم يزغ عن أمر الله تعالى.

 

تحذير الصحابة من الفتنة والانقلاب

ولاسيما مع ما ورد من تحذير الصـحابة أنفسـهم مـن الفتـنـة والانقلاب والوعيد للمنقلبين بالعذاب والخسران.

قال عز من قائل: ((مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ))(9).

ومن الظاهر أن المراد بذلك غير من عرف بالنفاق قبل نزول الآية الشريفة، كما تقدم التنبيه لذلك في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة.

وقال جل شأنه، مخاطباً المسلمين في أوائل الهجرة، بمناسبة واقعة بدر، حيث كان أكثرهم أو كلهم من السابقين ـ بالمعنى الذي تريده ـ: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ))(10).

وقد ورد عن عون بن قتادة قال: (حدثني الزبير بن العوام. قال: لقد حذرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فتنة لم نر أنا نخلق لها. ثم قرأ: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)) فقرأناها زماناً، فإذا نحن المعنيون بها. قال: فحيث كان هذا فلِمَ خرجتم؟ قال: ويحك، نحن نعلم، ولكن لا نصبر) (11).

وقال عز اسمه مخاطباً المسلمين ومعاتباً لهم على فرارهم يوم أحد، وكلهم أو كثير منهم من السابقين الأولين: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ))(12).

وقال سبحانه: ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *  يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ *  وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ))(13).

وقال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم))(14).

ومثل ذلك نصوص الحوض الكثيرة، وغير ذلك مما تقدم في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة، ومما لم نذكره. فإنه يتعين لأجل ذلك حمل الآية المتقدمة على التقييد بحسن الخاتمة. كما يجري ذلك في جميع ما قد يساق دليلاً على سلامتهم بوجه قاطع، مما يأتي في كلامك، ومما لم تذكره. ولا يسعنا استقصاؤه. ووضوح ذلك يغني عن إطالة الكلام فيه.

 

توجيه إطلاق الوعد بالفوز

 وربما كان وجه الإطلاق في الآية المذكورة وغيرها هو أن اشتراط الاستقامة، أو حسن الخاتمة، من الوضوح بحدّ لا يحتاج إلى البيان، بحيث يفهم من الإطلاق من دون حاجة إلى أن ينص عليه. لما هو المعلوم من الشرع والعقل من أن سبب الفوز إذا كان هو الإيمان والعمل الصالـح أو السبق لهما، فلا معنى لثبوت الفوز بعد فقدهما، والخروج عما فرضه الله تعالى، والزيغ عن صراطه المستقيم.

ــــــــــ

(1) سورة التوبة الآية: 72.

(2) سورة الأنفال الآية: 13.

(3) سورة الحشر الآية: 4.

(4) سورة النساء الآية: 114.

(5) سورة النساء الآية: 93.

(6) سورة الشعراء الآية: 88 ـ 89.

(7) سورة فصلت الآية: 30.

(8) سورة آل عمران الآية:87 ـ 89.

(9) سورة آل عمران الآية: 179.

(10) سورة الأنفال الآية: 24 ـ 25.

(11) السنن الواردة في الفتن ج:1 ص:204 باب: قول الله عزوجل ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً))، واللفظ له. تفسير ابن كثير ج:2 ص:300 في تفسير الآية.

(12) سورة آل عمران الآية: 144.

(13) سورة آل عمران الآية: 105 ـ 107.

(14) سورة محمد الآية: 33.