الكلام في التابعين

ولولا ذلك لتعين البناء على الإطلاق حتى في التابعين. لظهور أن إحسان السابقين الأولين إنما يكون بالإيمان والعمل الصالـح. فإن أريد بإحسان السابقين الأولين تحقق ذلك منهم ولو في فترة قصيرة كفى في تبعية التابعين لهم في الإحسان حصول ذلك منهم في فترة قصيرة أيضاً حتى لو انقلبوا بعد ذلك. وإن أريد بإحسانهم تحقق ذلك منهم بنحو الاستمرار، وبشرط الاستقامة، وحسن الخاتمة، بحيث يمضون إلى الله تعالى على الحق، لم تتحقق التبعية في التابعين إلا بذلك أيضاً. ولا وجه لجعل الاستقامة والاستمرار على الطاعة شرطاً في التابعين، دون السابقين الأولين.

نعم قد يتجه ذلك لو كان التعبير هكذا: ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان واستقاموا على ذلك ومضوا عليه رضي الله عنهم...)). أما عبارة الآية الشريفة فلا تنهض إلا بما ذكرنا. كما لعله يتضح بقليل من التأمل.

ويؤكد ذلك أمور..

 

في السابقين الأولين من ارتد عن الإسلام

(الأول): أن في السابقين الأولين من ارتد عن الإسلام، وهو عبيد الله بن جحش، فإنه هاجر إلى الحبشة، وتنصر هناك ومات(1).

ولا ريب في هلاكه، وقصور إطلاق الآية عنه، ولا منشأ لقصوره إلا التقييد بالاستقامة، كما سبق.

وكذا النضير بن الحارث العبدري، أخو النضر الذي قتله أمير المؤمنين(عليه السلام)صبراً بعد واقعة بدر بأمر رسول الله  (صلى الله عليه وآله وسلم) .

فقد رووا أن النضير هذا كان من السابقين الأولين وقد هاجر إلى الحبشة، ثم رجع مرتداً إلى مكة، ثم أسلم يوم الفتح(2)، وكان من المؤلفة قلوبهم وقد دفع إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم حنين مائة ناقة، يتألفه بها، وقتل يوم اليرموك(3).

 

واقع السابقين الأولين لا يناسب القطع لهم جميعاً بالفوز

(الثاني): أن ملاحظة واقع السابقين الأولين وما شجر بينهم، ونظرتهم لأنفسهم، ونظرة بقية الصحابة ومن بعدهم لهم، لا تناسب القطع لهم بالسلامة والفوز. وقد تقدم في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة ما ينفع في المقام. فإنه وإن كان وارداً في عموم الصحابة، إلا أن كثيراً من الوقائع المتقدمة هناك تخص السابقين الأولين، كما يتضح بالرجوع للجواب المذكور، بنحو يغنينا عن الإعادة والنص على خصوصيات الوقائع.

وقد قال أبو عبيدة للأنصار يوم السقيفة حينما حاولوا مبايعة سعد بن عبادة: ((يا معشر الأنصار، إنكم كنتم أول من نصر، فلا تكونوا أول من غير وبدل))(4).

فتراه حذرهم من التغيير، مشيراً إلى أن السبق إلى النصرة لا ينفع مع التغيير، بل لابد من الاستقامة.وذلك كله شاهد بأن الصحابة أنفسهم لم يفهموا من الآية الشريفة المتقدمة القطع للسابقين الأولين بالسلامة والفوز،وهم قد عاشوا ظرف نزولها، واستوعبوا القرائن المحيطة بها.

 

القطع للسابقين الأولين بالسلامة إغراء لهم بالقبيح

(الثالث): أن من الظاهر أن الآية الكريمة المتقدمة قد نزلت في حياة أكثر السابقين الأولين، ومن البعيد جداً أن يعلمهم الله تعالى بسلامتهم وفوزهم بوجه قاطع، من دون أن يشترط عليهم الاستقامة، ويستثني حالة النكوص والانقلاب. لأن ذلك قد يغريهم بالقبيح، فإن من أعظم الروادع العقلية عن الانحراف والزيغ ـ في العقيدة والعمل ـ التي تقوم بها الحجة من الله تعالى على الناس، هو خوف الهلاك والعقاب في الآخرة، وإذا أمنوا ذلك خفّ الداعي الرادع لهم عن ذلك. وهو لا يناسب حكمة الله تعالى في إقامة الحجة على الناس، واستصلاحهم بها.ولا سيما إذا لم يكن الوعد القاطع بسلامتهم تفضلاً ابتدائياً من الله تعالى، ليكون محفزاً على شكره تعالى بطاعته، بل كان نتيجة لعمل يقوم به الشخص الموعود، فإن العمل الحسن، والمراتب الموهومة، سبب للعجب والتفاخر والتبجح، في عامة الناس، إلا من عصم الله تعالى.

وما أكثر ما تناحر السابقون الأولون بينهم، لأن كلاً منهم يدعي الأولوية لنفسه، بسبب مواقفه السابقة، ومراتبه الموهومة، تناحراً أضرّ بالدعوة وبأتباعها. وإن تاريخ السابقين الأولين والصحابة عموماً مليء بالتفاخر والتبجح والتناحر، نتيجة ذلك، والحال أنه لم يظهر منهم القطع لأنفسهم بالسلامة والفوز في الآخرة. بل صدر عن كثير منهم ما يدل على الجهل بالمصير والخوف منه، كما يظهر بمراجعة ما سبق في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة وغيره. فكيف يا ترى يكون الحال لو علموا سلامة المصير، وتجلى لهم حسن العاقبة بوعد قاطع من الله تعالى؟!.

ولذا فمن البعيد جداً أن يقطع الله تعالى لآحاد البشر المتعارف في حياته بالسلامة، فضلاً عن جماعة كبيرة يتوقع منهم التفاخر والتناحر والتسابق على قيادة أمة ناشئة، كما حدث فعلاً.

كيف؟! ولم يغفل الله سبحانه تذكير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ على رفعة مقامه، وبعده عن دواعي الهوى ـ بوخيم عاقبة الزيغ والانحراف العقيدي والعملي، تأكيداً لداعي الردع في نفسه الشريفة، وتنبيهاً لغيره.فقال عزوجل:((وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ))(5).

وقال جل شأنه: ((وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً *إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً))(6).

وقال عز من قائل: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عنْهُ حَاجِزِينَ))(7).

وقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه: ((إنه لا ينجي إلا عمل مع رحمة. ولو عصيت لهويت))(8) ... إلى غير ذلك.

 

فضيلة السبق للإيمان وعظم المسؤولية بسببه

نعم لا إشكال في ظهور الآية الشريفة في فضيلة السبق للإيمان

والعمل الصالـح. إلا أن المؤمن كلما ارتفع شأنه، وعظمت نعم الله تعالى عليه، وتكاثرت الحجج في حقه، كانت مسؤوليته أعظم، ومخاطره أشد وأدهى. فإن قام بمقتضى مسؤوليته، واستقام في سيرته وسريرته ، ارتفع شأنه، وكان أجره أعظم. وإن زاغ وانقلب، هوى إلى الحضيض، وكان عقابه أشد وأنكى، لأن الحجة عليه آكد.

ولاسيما وأن السابقين إذا زاغوا وخرجوا عن الطريق قد يكونون أسوة لمن بعدهم، وسبباً في ضلالهم وانحرافهم، فتتضاعف مسؤوليتهم بسبب ذلك، كما تقدم في آخر جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة.

ــــــــــ

(1) المستدرك على الصحيحين ج:4 ص:21 كتاب معرفة الصحابة: ذكر أم حبيبة بنت أبي

سفيان?. حاشية ابن القيم ج:6 ص:75. عون المعبود ج: 6 ص: 74. تهذيب التهذيب

ج: 12 ص: 437 في ترجمة حبيبة بنت عبيد الله بن جحش. تهذيب الكمال ج: 35 ص: 175 في ترجمة رملة بنت أبي سفيان. التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح ج:3 ص:1283 في ترجمة رملة بنت أبي سفيان. الاستيعاب ج:3 ص:877 في ترجمة

عبد الله بن جحش، ج:4 ص:1809 في ترجمة حبيبة ابنة أبي سفيان، ص:1844 في ترجمة  رملة بنت أبي سفيان. الإصابة ج:7 ص:651 في ترجمة رملة بنت أبي سفيان. الإكمال لابن ماكولا ج:7 ص:125 باب كبير وكثير وكثير وكنيز وكنيز. السيرة النبوية ج:2 ص:51 ذكر ورقة ابن نوفل بن أسد. تاريخ دمشق ج:3 ص:173 في ترجمة النبي محمد بن عبدالله بن عبد المطلب: باب ذكر بنيه وبناته عليه الصلاة والسلام وأزواجه، ص:415 باب إخبار الأحبار بنبوته والرهبان وما يذكر من أمره عن العلماء والكهان.

(2) الإصابة ج:6 ص:430 في ترجمة النضر بن الحارث. أنساب الأشراف ج:1 ص:232 في أسماء من هاجر إلى الحبشة من المسلمين هرباً بأديانهم من مشركي قريش بإذن النبي(. تاريخ دمشق ج:62 ص:105 في ترجمة نضير بن الحارث.

(3) الإصابة ج:6 ص:436 في ترجمة النضير بن الحارث. الاستيعاب ج:4 ص:1525 في ترجمة النضير بن الحارث. تاريخ دمشق ج:62 ص:101 في ترجمة نضير بن الحارث.

(4) تاريخ اليعقوبي ج:2 ص:123 في خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر، واللفظ له. تاريخ الطبري ج:2 ص:243 ذكر الخبر عما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في

سقيفة بني ساعدة. الإمامة والسياسة ج:1 ص:12 ذكر السقيفة وماجرى فيها من القول.

(5) سورة الزمر الآية: 65.

(6) سورة الإسراء الآية: 74 ـ 75.

(7) سورة الحاقة الآية: 44 ـ 47.

(8) شرح نهج البلاغة ج:10 ص:184. الإرشاد للشيخ المفيد ج:1 ص:182.