نصيب الصحاح من ذلك

وربما يدعي المدعي أن ذلك لا يعم ما وجد في الصحاح. لكنه ليس كذلك. فقد قال ابن أبي الحديد: ((وأما عمرو بن العاص فروي عنه الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مسنداً متصلاً بعمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وسلم) يقول: إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء. إنما وليي الله وصالـح المؤمنين))(1).

نعم يبدو أن بشاعة الحديث، مع ما استحكم في نفوس المتأخرين من الجمهور من عدالة الصحابة، حتى مثل عمرو بن العاص، وتعظيمهم الصحيحين، كل ذلك بمجموعه اضطرهم إلى حذف كلمة (طالب) وجعل موضعها بياضاً أو إثبات (فلان) بدلها. ولابن حجر العسقلاني كلام طويل حول ذلك. فليراجع(2).

ويأتي في جواب السؤال الثامن إن شاء الله تعالى بقية من الكلام عن تلك الصحاح. ويزيد في تحفظنا على أحاديث الجمهور ما تبنوه من ضوابط في الجرح والتعديل تتناسب مع مواقفهم من أهل البيت (صلوات الله عليهم)، ومن مناوئيهم. ويأتي ما ينفع في المقام، خصوصاً في جواب السؤال الثامن إن شاء الله تعالى. وقد أطال أصحابنا (رضوان الله عليهم) في ذلك، فليرجع الباحث لما ذكروه إن أراد.

وإنما ذكرنا ما ذكرنا لنبدي تحفظنا على حديث أهل بدر، من دون ردّ له ولا إنكار. لأن الإنكار لابد له من دليل، كالإثبات، بخلاف التحفظ، فإنه يكفي فيه ما مني به الحديث من الظروف والسلبيات، التي تقدم التعرض لبعضها.

 

متن الحديث الوارد في أهل بدر

وعلى كل حال فالكلام حول هذا الحديث لا يحسن إلا بعد ذكر متنه. وقد روي بصور متقاربة، نثبت منها ما رواه مسلم، بسنده عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: ((سمعت علياً (رضي الله عنه) وهو يقول: بعثنا رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أنا و الزبير و المقداد، فقال: ائتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها، فانطلقنا... فأتينا به رسول الله(صلى الله عليه وسلم)، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله(صلى الله عليه وسلم).

فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم): يا حاطب ما هذا؟ قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله. إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش... وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت ـ إذ فاتني ذلك من النسب فيهم ـ أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفراً، ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.

فقال النبي(صلى الله عليه وسلم):  صدق. فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدراً، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم. فأنزل الله عز وجل ((يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ))(3).

 

التعقيب على الحديث المذكور

وحينئذٍ نقول:

1 ـ الحديث ـ كما ترى ـ لا يتضمن ردع عمر عن الطعن على حاطب، وإنكار عمله، الذي هو محل الكلام في المقام، وإنما تضمن ردعه عن رميه لحاطب بالنفاق، ومحاولة قتله، بعد أن قبل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من حاطب عذره، وصدقه في نفي النفاق عن نفسه، كما هو صريح الحديث المتقدم.

 

القرآن المجيد قد تضمن الإنكار على حاطب

كيف؟ وقد أنكر الله تعالى على حاطب في المناسبة المذكورة، فنزل قوله سبحانه: ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ... قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذ  قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرءاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ... لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ))(4).

فيا ترى هل أعلن الله سبحانه تأنيبه والإنكار عليه بما عمل في كتابه المجيد، الذي يتلى آناء الليل وأطراف النهار، ثم لا يرضى من المسلمين تأنيبه والإنكار عليه؟!. اللهم إلا أن يتوب. وهو أمر آخر خارج عن محل الكلام.

2 ـ وإنما أنكر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على عمر محاولة قتله، لأنه(صلى الله عليه وآله وسلم) يرى أنه لا يستحق القتل، أو لأنه عفا عنه. لا لأن أهل بدر لا يعاقبون على ذنوبهم في الدنيا. فإن ذلك أمر لا يلتزم به أحد.

وقد رووا أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أقام الحدّ على مسطح بن أثاثة في قضية الإفك(5).

كما تقدم في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة أن عمر ابن الخطاب أقام الحدّ على قدامة بن مظعون. وكلاهما من أهل بدر(6).

ــــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة ج:4 ص:64. وذكره أيضاً تعقيباً على كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) المتقدم ج:11 ص:42.

(2) فتح الباري ج:1 ص:331 في المقدمة.

(3) صحيح مسلم ج:4 ص:1941 كتاب فضائل الصحابة(رضي الله عنهم) : باب من فضائل أهل بدر(رضي الله عنهم)، وقصة حاطب بن أبي بلتعة.

(4) سورة الممتحنة الآية: 1 ، 4 ، 6.

(5) مسند أبي يعلى ج:8 ص:338 . السنن الكبرى للبيهقي ج:8 ص:250 كتاب المرتد: باب ماجاء في حد قذف المحصنات. سبل السلام ج:4 ص:15 كتاب الحدود: باب حدّ القذف. تفسير القرطبي ج:12 ص:201ـ202. تفسير ابن كثير ج:3 ص:272. فتح الباري ج:13 ص:342. تحفة المحتاج ج:2 ص:480. تاريخ الطبري ج:2 ص:114 حديث الإفك.

(6) تفسير القرطبي ج:6 ص:297. المستدرك على الصحيحين ج:3 ص:426 كتاب معرفة الصحابة: ذكر مناقب قدامة بن مظعون  بن حبيب بن وهب الجمحي(رضي الله عنه). المعجم الكبير ج:19 ص:37 من اسمه قدامة: قدامة بن مظعون  الجحمي بدري. فتح الباري ج:7 ص:306  سير أعلام النبلاء ج:1 ص:161 في ترجمة قدامة بن مظعون. الطبقات الكبرى ج:3 ص:401 في ترجمة قدامة بن مظعون. الإصابة ج:5 ص:423 في ترجمة قدامة بن مظعون. تهذيب الأسماء ج:2 ص:371 في ترجمة قدامة بن مظعون. الاستيعاب ج:4 ص:1472 في ترجمة مسطح بن أثاثة. المقتنى في سرد الكنى ج:1 ص:340 في ترجمة أبي عباد مسطح بن أثاثة. سير أعلام النبلاء ج:1 ص:187 في ترجمة مسطح بن أثاثة. مشاهير علماء الأمصار ص:12 في ترجمة مسطح بن أثاثة. الثقات ج:3 ص:383 في ترجمة مسطح بن أثاثة. وغيرها من المصادر.