تواتر الأخبار بشكوى أمير المؤمنين (عليه السلام)  مما حصل

قال ابن أبي الحديد تعقيباً على كلامه هذا: ((واعلم أنه قد تواترت الأخبار عنه (عليه السلام)  بنحو من هذا القول نحو قوله: ما زلت مظلوماً منذ قبض الله رسوله حتى يوم الناس هذا. وقوله: اللهم اخز قريشاً، فإنها منعتني حقي، وغصبتني أمري... وقوله وقد سمع صارخاً ينادي: أنا مظلوم. فقال: هلم فلنصرخ معاً، فإني ما زلت مظلوماً... وقوله: أصغيا بإنائنا، وحملا الناس على رقابنا... وقوله: ما زلت مستأثراً عليّ، مدفوعاً عما استحقه واستوجبه))(1).

وذكر في مطاوي ذلك جملة مما تقدم ذكره، ولم نذكره استغناء بذكره فيما سبق.

وروى ابن أبي الحديد أيضاً عن كتاب السقيفة للجوهري، وكتاب مقتل عثمان والشورى للشعبي، وغيرها، كثيراً من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)  الدال على أنه يرى أن الحق له ولأهل بيته، وأنهم مظلومون مقهورون، لم يسكتوا إلا خوفاً على أنفسهم أو على الإسلام، مع التبرم من ذلك، والتأفف ممن قام به(2)... إلى غير ذلك مما تضمنته كتب الحديث والتاريخ.

 

تعقيب ابن أبي الحديد على شكوى أمير المؤمنين (عليه السلام) 

قال ابن أبي الحديد في تعقيب الكلام السابق: ((وأصحابنا يحملون ذلك كله على ادعائه الأمر بالأفضلية والأحقية. وهو الحق والصواب، فإن حمله على الاستحقاق بالنص تكفير أو تفسيق لوجوه المهاجرين والأنصار. ولكن الإمامية والزيدية حملوا هذه الأقوال على ظواهرها، وارتكبوا بها مركباً صعباً.

ولعمري إن هذه الألفاظ موهمة مغلبة على الظن ما يقوله القوم. ولكن تصفح الأحوال يبطل ذلك الظن، ويدرأ ذلك الوهم))(3).

وما أدري كيف صار تصفح الأحوال مبطلاً لذلك، لا مؤكداً له، ومشيداً بنيانه، ومحكماً برهانه؟!

 

كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)  لا يناسب الرضا بما حصل

وعلى كل حال فالكلام هنا ليس في إثبات النص، بل له مقام آخر. وإنما تدعي أنت أنه على تقدير ثبوت النص ـ كما تقول الشيعة ـ فقد حصل من الأئمة (صلوات الله عليهم) الإقرار لما حصل، والرضا به. ولا ريب في أن هذا الكلام ونحوه لا يناسب الإقرار المدعى، بل يشهد بخلافه.

 

موقف الصديقة الزهراء (عليها السلام)  في أمر الخلافة

وقد خطبت الصديقة الزهراء (صلوات الله عليها) خطبتها الطويلة منكرة على أخذ فدك منها، ومهدت لذلك باستنكار ما حدث في الخلافة.

فقالت في جملة ما قالت: ((حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت خلة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخاً بكم، فوجدكم لدعائه مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، فاستنهضكم فوجدكم خفافاً، وأجمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتموها غير شربكم. هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل .  بدار (إنما) زعمـتم خوف الفتنة ((أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ))

(4). فهيهات منكم، وأنى بكم، وأنى تؤفكون. وهذا كتاب الله بين أظهركم، وزواجره بينة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة. أرغبة عنه تدبرون؟ أم بغيره تحكمون؟ ((بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً))(5) ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ))(6)...)).

ثم عرجت على أخذ فدك وأطالت في ذلك، وشددت في استنكاره حتى انتهت من خطبتها (عليها السلام)  (7).

وقد روي أنها التفتت إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  شاكية، وانشدت أبيات هند بنت أثاثة:

قد كان بعدك أنباء وهينمـة                        لو كنت شاهدها لم تكثرالخطب

أبدت رجال لنانجوىصدورهم                      لما قضيت وحالت دونك الكتب

تـجـهمتنارجال واستخف بنا                      إذ غبت عنافنحن اليوم نغتصب(8)

 

أما خطبتها الصغيرة فقد جاءت كلها لاستنكار ما حصل في أمر الخلافة، والاحتجاج للحق المغتصب، فحينما عادتها النساء في مرضها قلن لها: كيف أصبحت من علتك يا ابنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟

قالت: ((والله أصبحت عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم، لفظتهم بعد أن عجمتهم، وشنأتهم بعد أن سبرتهم. فقبحاً لفلول الحد، وخور القناة، وخطل الرأي، ((وبئسما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون))، لا جرم قد قلدتهم ربقتها وشننت عليهم غارتها. فجدعاً وعقراً وسحقاً للقوم الظالمين. ويحهم أين زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الروح الأمين، والطبين بأمر الدنيا والدين ((ألا ذلك هو الخسران المبين)). وما الذي نقموا من أبي حسن؟!...))(9).

إلى آخر ما سبق عند التعرض للفوائد والآثار المهمة التي تترتب على تولي أمير المؤمنين (عليه السلام)  للخلافة.

قال ابن أبي الحديد، بعد ذكر كثير من الأحداث في أمر فدك، ومنها الخطبتان المذكورتان: ((واعلم أنا إنما نذكر في هذا الفصل ما رواه رجال الحديث وثقاتهم، وما أودعه أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتابه، وهو من الثقات الأمناء عند أصحاب الحديث. وأما ما يرويه رجال الشيعة والأخباريون منهم في كتبهم... فشيء لا يرويه أصحاب الحديث، ولا ينقلونه...))(10).

وما أدري أن الأخباريين من الشيعة لٍمَ لا يكونون من أصحاب الحديث؟! وهل أصحاب الحديث غير رواة الأخبار؟! وهل يشترط في أصحاب الحديث أن لا يكونوا شيعة؟!

ــــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة ج:9 ص:306 ـ 307.

(2) شرح نهج البلاغة ج:1 ص:185 ـ 194، ج:2 ص: 21 ـ60، ج:6 ص:5 ـ 52، ج:9 ص:49 ـ 58، وغيرها.

(3) شرح نهج البلاغة ج:9 ص:307.

(4) سورة التوبة الآية: 49.

(5) سورة الكهف الآية: 50.

(6) سورة آل عمران الآية: 85.

(7) بلاغات النساء لابن طيفور ص:13 ـ 14 في كلام فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واللفظ له. شرح نهج البلاغة ج:16 ص:251. جواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه السلام)  لابن الدمشقي ج:1 ص:159.

(8) شرح نهج البلاغة ج:16 ص:212، واللفظ له، وغريب الحديث لابن سلام ج:4 ص:116، وتاج العروس، ولسان العرب، كلهم في مادة هنبثة، وشرح نهج البلاغة ج:2 ص:50، ج:6 ص:43، وغريب الحديث لابن قتيبة ج:1 ص:267

قد كان بعدك أنباء وهنبثة                          لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها                       فاختل قومك فاشهدهم ولا تغب

وكذلك في البدء والتاريخ ج:5 ص: بدل فاشهدهم (فارجع ثم).

(9) شرح نهج البلاغة ج:16 ص:233، واللفظ له. بلاغات النساء لابن طيفور ص:19 في كلام فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . جواهر المطالب لابن الدمشقي ج:1 ص:165 ـ 166.

(10) شرح نهج البلاغة ج:16 ص:234 ـ 235.