تصريحات لبعض أعلام الجمهور تناسب ما سبق

بل صدر من بعض أعلام الجمهور ممن هو على خلاف أهل البيت (صلوات الله عليهم) ما يناسب ذلك من الاعتراف بحق أهل البيت (عليهم السلام) ، أو بتبرمهم (عليهم السلام)  من أخذ الحق منهم، أو نحو ذلك..

 

كلمات لعمر بن الخطاب

1 ـ فقد روى ابن أبي الحديد عن كتاب السقيفة للجوهري والموفقيات للزبير بن بكار حديثاً عن ابن عباس: ((قال: إني لأماشي عمر في سكة من سكك المدينة، يده في يدي، فقال: يا ابن عباس: ما أظن صاحبك إلا مظلوماً.

فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها. فقلت: يا أمير المؤمنين فاردد إليه ظلامته. فانتزع يده من يدي، ثم مرّ يهمهم ساعة، ثم وقف، فلحقته.

فقال لي: يا ابن عباس: ما أظن القوم منعهم من صاحبك إلا أنهم استصغروه. فقلت في نفسي: هذه شرّ من الأولى. فقلت: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر))(1).

فانظر لعمر لم يقل لابن عباس: إنه قد رضي بالآخرة بما حصل وأقره، فلا ظلامة الآن حتى ترجع.

2 ـ وروى ابن عباس أيضاً في حديث له مع عمر عندما خرج إلى الشام قال: ((فقال لي: يا ابن عباس أشكو إليك ابن عمك، سألته أن يخرج معي، فلم يفعل، ولم أزل أراه واجداً. فيم تظن موجدته؟

قلت: يا أمير المؤمنين: إنك لتعلم.

قال: أظنه لا يزال كئيباً لفوت ((على)) الخلافة. قلت: هو ذاك، إنه يزعم أن رسول الله أراد الأمر له.

فقال: يا ابن عباس، وأراد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  الأمر له، فكان ماذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك؟!...))(2).

وفي رواية أخرى أنه قال: ((إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  أراد أن يذكره للأمر في مرضه، فصددته عنه خوفاً من الفتنة، وانتشار أمر الإسلام، فعلم رسول الله ما في نفسي، وأمسك. وأبى الله إلا إمضاء ما حتم))(3).

3 ـ وفي حديث له ثالث معه أيضاً: ((قال: فشبك أصابعه في أصابعي، ومضى حتى إذا خلفنا البقيع. قال: يا ابن عباس، أما والله إن كان صاحبك هذا أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول الله، إلا أنا خفناه على اثنتين. قال ابن عباس: فجاء بمنطق لم أجد بداً معه من مسألته عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين ما هما؟ قال: خشيناه على حداثة سنه، وحبه بني عبدالمطلب))(4).

4 ـ وقد تقدم له مع ابن عباس حديث رابع يجري هذا المجرى.

5 ـ وقال المغيرة بن شعبة: ((إني لعند عمر بن الخطاب ليس عنده أحد غيري، إذ أتاه آت فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  يزعمون أن الذي فعل أبو بكر في نفسه وفيك لم يكن له، وأنه كان بغير مشورة ولا مؤامرة. وقالوا: تعالوا نتعاهد أن لا نعود إلى مثلها. قال عمر: وأين هم؟ قال: في دار طلحة. فخرج نحوهم وخرجت معه، وما أعلمه يبصرني من شدة الغضب. فلما رأوه كرهوه، وظنوا الذي جاء له.

فوقف عليهم، وقال: أنتم القائلون ما قلتم؟. والله لن تتحابوا حتى يتحاب الأربعة: الإنسان والشيطان، يغويه وهو يلعنه، النار والماء، يطفئها وهي تحرقه. ولم يأن لكم بعد، وقد آن ميعادكم ميعاد المسيخ متى هو خارج.

قال: فتفرقوا، فسلك كل واحد منهم طريقاً، قال المغيرة: ثم قال لي: أدرك ابن أبي طالب، فاحبسه علي. قلت: لا يفعل أمير المؤمنين، وهو مغد. قال: أدركه، وإلا قلت لك: يا ابن الدباغة.

قال: فأدركته فقلت له: قف مكانك لإمامك، واحلم، فإنه سلطان، وسيندم وتندم.

قال: فأقبل عمر، فقال: والله ما خرج هذا الأمر إلا من تحت يدك.

قال علي: اتق أن لا تكون الذي نطيعك فنفتنك. قال: وتحب أن تكون هو؟ قال: لا. ولكننا نذكرك الذي نسيت.

فالتفت إليّ عمر، فقال: انصرف، فقد سمعت منا عند الغضب ما كفاك. فتنحيت قريباً. وما وقفت إلا خشية أن يكون بينهما شيء، فأكون قريباً. فتكلما كلاماً غير غضبانين، ولا راضيين. ثم رأيتهما يضحكان، وتفرقا.

وجاءني عمر، فمشيت معه، وقلت: يغفر الله لك، أغضبت؟ قال: فأشار إلى علي، وقال: أما والله لولا دعابة فيه ما شككت في ولايته، وإن نزلت على رغم أنف قريش))(5).

 

كلام لعثمان بن عفان

6 ـ وفي حديث طويل لعثمان مع ابن عباس ذكره ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكار بسنده. وفيه: ((إني أنشدك يابن عباس الإسلام والرحم، فقد والله غلبت وابتليت بكم، والله لوددت أن هذا الأمر كان صار إليكم دوني، فحملتموه عني، وكنت أحد أعوانكم عليه، إذاً والله لوجدتموني لكم خيراً مما وجدتكم لي. ولقد علمت أن الأمر لكم، ولكن قومكم دفعوكم عنه، واختزلوه دونكم، فوالله ما أدري ادفعوه عنكم، أم دفعوكم عنه.

قال ابن عباس: مهلاً يا أمير المؤمنين... فأما صرف قومنا عنا الأمر فعن حسد قد والله عرفته، وبغي قد والله علمته. فالله بيننا وبين قومنا...))(6).

 

كتاب معاوية لمحمد بن أبي بكر

7 ـ كما روى نصر بن مزاحم لمحمد بن أبي بكر كتاباً لمعاوية ينكر فيه خلافه على أمير المؤمنين ومنازعته له. وذكر جواب معاوية لمحمد بكتاب يتضمن الاعتراف بتعدي الأولين على أمير المؤمنين (عليه السلام) ، يقول فيه: ((من معاوية بن أبي سفيان إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر... أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه، وما أصفى به نبيه، مع كلام ألفته ووضعته، لرأيك فيه تضعيف، ولأبيك فيه تعنيف. ذكرت حق ابن أبي طالب، وقديم سوابقه وقرابته من نبي الله(صلى الله عليه)... وقد كنا وأبوك معنا في حياة من نبينا(صلى الله عليه) نرى حق ابن أبي طالب لازماً لنا، وفضله مبرزاً علينا. فلما اختار الله لنبيه (صلى الله عليه وسلم)  ما عنده، وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته، وأفلج حجته، قبضه إليه. فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه وخالفه. على ذلك اتفقا واتسقا، ثم دعواه إلى أنفسهم، فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهمّا به الهموم، وأرادا به العظيم. فبايع وسلم لهما، لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرهما ثم قام بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان، يهتدي بهديهما، ويسير بسيرتهما. أبوك مهد مهاده، وبنى ملكه وشاده. فإن يكن ما نحن فيه صواباً فأبوك أوله، وإن يك جوراً فأبوك أسسه، ونحن شركاؤه، وبهديه أخذنا، وبفعله اقتدينا. ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب، وأسلمنا له. ولكنا رأينا أباك فعل ذلك فاحتذينا بمثاله، واقتدينا بفعاله، فعب أباك ما بدا لك، أو دع...))(7).

وقال الطبري: ((وذكر هشام عن أبي مخنف قال: وحدثني يزيد ابن ظبيان الهمداني أن محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لما ولي. فذكر مكاتبات جرت بينهما، كرهت ذكرها، لما فيه مما لا يحتمل سماعها العامة))(8). وذكر ابن الأثير قريباً من ذلك(9).

وهما كما ترى لم يكذبا المكاتبات المذكورة، وإنما تركاها لعدم احتمال العامة سماعها. وكأن المهم إرضاء العامة، لا تسجيل الوقائع وبيان الحقائق!!

ــــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة ج:6 ص:45، ج:12 ص:46 باختلاف يسير.

(2) شرح نهج البلاغة ج:12 ص:78.

(3) شرح نهج البلاغة ج:12 ص:79.

(4) شرح نهج البلاغة ج:2 ص:57.

(5) العقد الفريد ج:4 ص:261 ـ 262 فرش كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم: أمر الشورى في خلافة عثمان.

(6) شرح نهج البلاغة ج:9 ص:9.

(7) وقعة صفين ص:118 ـ 121. وتوجد في مصادر أخرى مثل: شرح نهج البلاغة ج:3 ص:188، وأنساب الأشراف ج:3 ص:165 ـ 167 في أمر مصر في خلافة علي ومقتل محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة (رضي الله عنهما) . ومروج الذهب ج:3 ص:20 ـ 22 في ذكر خلافة معاوية بن أبي سفيان ذكر لمع من أخباره وسيره ونوادر من بعض أفعاله بين معاوية ومحمد بن أبي بكر.

(8) تاريخ الطبري ج:3 ص:68 في ولاية محمد بن أبي بكر مصر.

(9) الكامل في التاريخ ج:3 ص:157 في ذكر ولاية قيس بن سعد بمصر.