أحداث السقيفة

1 ـ فقد بات من المشهورات الواضحات اعتزال أمير المؤمنين (عليه السلام)    مع أهل بيته وأصحابه في داره، وامتناعهم من بيعة أبي بكر بعد أن دعوا إليها، ومحاولة الطرف الآخر الضغط عليهم، وإخراجهم بالعنف والقوة للبيعة، في تفاصيل يضيق المقام عن استيعابها(1).

قال ابن أبي الحديد: ((قال المسعودي: وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبدالله في حصر بني هاشم في الشعب، وجمعه الحطب ليحرقهم، ويقول: إنما أراد بذلك ألا تنتشر الكلمة ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطاعة، فتكون الكلمة واحدة. كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لما تأخروا عن بيعة أبي بكر، فإنه أحضر الحطب، ليحرق عليهم الدار))(2).

وقد تقدم في كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)  وجواب أمير المؤمنين (عليه السلام)  له التعرض إلى أنه (عليه السلام)  كان يقاد لبيعة أبي بكر كما يقاد الجمل المخشوش(3).

وقال (عليه السلام)  وهو يخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)  في قبره: ((يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني))(4). وقد قال أبو بكر عند موته: ((وليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال، ولو كان أغلق على حرب))(5).

 

أحداث ما بعد السقيفة

2 ـ واجتمع جماعة إلى أمير المؤمنين يسألونه القتال من أجل حقه، فطلب إليهم أن يغدوا على ذلك محلقين، فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر(6)، أو أربعة(7).

3 ـ وذكر ابن أبي الحديد عن الجوهري في كتاب السقيفة أن أمير المؤمنين (عليه السلام)  حمل الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)  على حمار، وطاف بها بيوت الأنصار يسألهم هو وفاطمة (صلوات الله عليهما) النصرة له من أجل استرجاع حقه، فاعتذروا بأن بيعتهم سبقت لأبي بكر، فلم يقبلا عذرهم(8).

 

رد فعل الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)  من أحداث السقيفة

4 ـ ومن المعلوم أن الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)  قد غضبت على الشيخين من أجل ما حصل، وما تبعه من أخذ فدك وغيرها.

وقد أرادا الدخول عليها واسترضاءها، فأبت، حتى طلبا من أمير المؤمنين (عليه السلام)  أن يدخلهما عليها، فلما أدخلهما عليها أعرضت عنهما، فلما ألحا، فقالت: ((أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)تعرفانه وتفعلان به؟

قالا: نعم.

فقالت: نشدتكما الله، ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟

قالا: نعم سمعناه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .

قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما اسخطتماني وما أرضيتماني. ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه.

فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة. ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها...))(9).

5 ـ وأوصت أمير المؤمنين (عليه السلام)  أن يدفنها ليلاً، لئلا يحضر الصلاة عليها من أغضبها. وتم لها ذلك، فدفنت ليلاً، ولم يحضر دفنها إلا نفر معدودون. وخفي قبرها، ولم يظهر حتى يومنا هذا(10)، كل ذلك لتثبيت غضبها عليهما، وعلى من سار في فلكهما، أو غض النظر عن ذلك ولم يغير.

 

امتناع أمير المؤمنين (عليه السلام)  عن بيعة أبي بكر

6 ـ وامتنع أمير المؤمنين (عليه السلام)عن بيعة أبي بكر مدة طالت أو قصرت(11). ثم لم يدخل في أمرهم ويسايرهم إلا خوفاً على الإسلام، كما قال (عليه السلام)  في كتابه إلى أهل مصر: ((فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) . فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السراب، أو كما يتقشع السحاب. فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، وأطمأن الدين وتنهنه))(12).

 

موقف أمير المؤمنين (عليه السلام)  ومن معه من أحداث الشورى

7 ـ وقد شكى (عليه السلام)  في الشورى مما حصل في تفاصيل كثيرة تقدم بعضها. ومن المعلوم أن أمر الشورى كان مبنياً على الإرغام، وعلى أن من يأبى ما تنتهي إليه يقتل، بوصية عمر لأبي طلحة الأنصاري.

وذكر الطبري أنه لما بايع عبدالرحمن بن عوف عثمان قال أمير المؤمنين (عليه السلام)له: ((حبوته حبو دهر. ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون. والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك. والله كل يوم هو في شأن. فقال عبدالرحمن: يا علي لا تجعل على نفسك سبيلاً))(13).

وقد قال (عليه السلام)  لعبدالرحمن بعد أن اختلف مع عثمان، وخاب مما كان يأمل منه: ((ياابن عوف، كيف رأيت صنيعك مع عثمان؟‍رب واثق خجل.ومن لم يتوخ بعمله وجه  الله عاد مادحه من الناس له ذاماً))(14).

وقال ابن أبي الحديد: ((قال الشعبي: واجتمع أهل الشورى على أن تكون كلمتهم واحدة على من لم يبايع. فقاموا إلى علي، فقالوا: قم فبايع عثمان. قال: فإن لم أفعل؟ قالوا: نجاهدك. قال: فمشى إلى عثمان، حتى بايعه، وهو يقول: صدق الله ورسوله))(15).

وذكر أيضاً عن الجوهري والشعبي في كتبهما المتقدمة ما جرى من عبدالرحمن بن عوف، قال: ((فقال: ابسط يدك يا عثمان، فبسط يده، فبايعه، وقام القوم فخرجوا وقد بايعوا إلا علي بن أبي طالب، فإنه لم يبايع. قال: فخرج عثمان على الناس ووجهه متهلل. وخرج عليّ، وهو كاسف البال مظلم، وهو يقول: يا ابن عوف، ليس هذا بأول يوم تظاهرتم علينا، من دفعنا عن حقنا، والاستئثار علينا. وإنها لسنة علينا، وطريقة تركتموها))(16).

وقد تقدم بعض مواقف وتصريحات بعض خواصه (عليه السلام)  حول الشورى... إلى غير ذلك مما طفحت به كتب الحديث والتاريخ. ويتيسر للباحث المنصف الاطلاع عليه. ويأتي بعض منه في جواب السؤال الرابع إن شاء الله تعالى.

ومن الظاهر أن الشيعة لا تقول في الأولين أكثر مما قاله أمير المؤمنين(صلوات الله عليه) ومن توجه وجهته من أهل بيته وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  في كلماتهم المتقدمة ونحوها، ولا تقف منهم أشد من مواقفهم.

وإذا أمكن للمجادل إنكار بعض ما تقدم، أو التشكيك فيه ـ لنقله بأخبار الآحاد، أو لعدم وضوح حال سنده، أو محاولة التكلف في مناقشة دليليته ـ فلا يظن بأحد إنكار جميع ما تقدم وتكذيبه، أو التشكيك فيه وتجاهله، أو منع دلالته.

ــــــــــــــــــــ

(1)  تاريخ اليعقوبي ج:2 ص:126 في خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر. الإمامة والسياسة ج:1 ص:15 في تخلف سعد بن عبادة (رضي الله عنه) عن البيعة، ص:16 في إباية علي (كرم الله وجهه) بيعة أبي بكر (رضي الله عنه). شرح نهج البلاغة ج:6 ص:45.

(2) شرح نهج البلاغة ج:20 ص:147. والموجود في مروج الذهب، طبعة بولاق، في مصر عام 1283 هـ ج:2 ص:79، والطبعة الأولى من المطبعة الأزهرية المصرية عام 1303 هـ الذي بهامشه تاريخ روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر للعلامة ابن شحنة ج:2ص:72، والطبعة التي بهامش الكامل ج:6 ص:160ـ161: ((وحدث النوفلي في كتابه في الأخبار، عن ابن عائشة، عن أبيه، عن حماد بن سلمة، قال: كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم، وحصره إياهم في الشعب، وجمعه الحطب لتحريقهم، ويقول: إنما أراد بذلك إرهابهم، ليدخلوا في طاعته. كما أرهب بنو هاشم، وجمع لهم الحطب، لإحراقهم، إذ هم أبوا البيعة فيما سلف. وهذا خبر لا يحتمل ذكره هنا وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب حدائق الأذهان)).

بينما الموجود في الطبعة الثانية من مطبعة دار السعادة بمصر عام 1367 هـ/ 1948 م تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ج:3 ص:86، والطبعة الأولى من مطبعة دار الفكر ببيروت عام 1421هـ / 2000م تحقيق وتعليق سعيد محمد اللحام، ج:3 ص:87 : ((وحدث النوفلي في كتابه في الأخبار، عن ابن عائشة، عن أبيه، عن حماد بن سلمة، قال: كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم، وحصره إياهم في الشعب، وجمعه لهم الحطب لتحريقهم، ويقول: إنما أراد بذلك إرهابهم، ليدخلوا في طاعته. إذ هم أبوا البيعة فيما سلف. وهذا خبر لايحتمل ذكره هنا وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب حدائق الأذهان)).

(3) نهج البلاغة ج:3 ص:30. وقول معاوية: (تقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى تبايع) ورد في المناقب للخوارزمي ص:251، وكذلك ورد باختلاف يسير في كل من شرح نهج البلاغة ج:15 ص:74، والعقد الفريد ج:4 ص:308 في فرش كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم: أخبار علي ومعاوية، وأنساب الأشراف ج:3 ص:66 ـ 67 في أمر صفين، ووقعة صفين ص:87، وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه السلام)  لابن الدمشقي ج:1 ص:357، وصبح الأعشى ج:1 ص:228 المقصد الثاني.

(4) الإمامة والسياسة ج:1 ص:17 كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب(كرم الله وجهه). شرح نهج البلاغة ج:11 ص:111.

(5) تاريخ اليعقوبي ج:2 ص:137 في أيام أبي بكر، واللفظ له. مجمع الزوائد ج:5 ص:203 كتاب الخلافة: باب كراهة الولاية ولمن تستحب. الأحاديث المختارة ج:1 ص:89 فيما رواه عبد الرحمن بن عوف (رضي الله عنه)  عن أبي بكر (رضي الله عنه) . المعجم الكبير ج:1 ص:62 فيما أسند أبو بكر الصديق (رضي الله عنه)  عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) . ميزان الاعتدال ج:5 ص:135 في ترجمة علوان بن داود البجلي. تاريخ دمشق ج:30 ص:418 في ترجمة عبدالله ويقال عتيق بن عثمان... أبو بكر. لسان الميزان ج:4 ص:189 في ترجمة علوان بن داود البجلي. الضعفاء للعقيلي ج:3 ص:420 في ترجمة علوان بن داود البجلي. تاريخ الطبري ج:2 ص:353 في أحداث سنة:13هـ في ترجمة أبي بكر: بعد ذكر أسماء قضاته وكتابه وعماله على الصدقات.

(6) تاريخ اليعقوبي ج:2 ص:126 في خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر.

(7) شرح نهج البلاغة ج:11 ص:14.

(8) شرح نهج البلاغة ج:6 ص:13. الإمامة والسياسة ج:1 ص:16 في إباية علي(كرم الله وجهه) بيعة أبي بكر (رضي الله عنه) .

(9) الإمامة والسياسة ج:1 ص:17 كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، واللفظ له. أعلام النساء ج:4 ص:124 فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وسلم) .

(10) غضب الزهراء عليهما، ووصيتها بأن تدفن ليلاً، وعدم صلاتهم عليها، تجده في كل من صحيح البخاري ج:4 ص:1549، كتاب المغازي: باب غزوة خيبر، وج:6 ص2474 كتاب الفرائض: باب قول النبي (صلى الله عليه وسلم) : لا نورث ما تركنا صدقة، وصحيح مسلم ج:3 ص:1380 كتاب الجهاد والسير: باب قول النبي (صلى الله عليه وسلم) : لا نورث ما تركنا فهو صدقة، وصحيح ابن حبان ج:11 ص:153 باب الغنائم: ذكر السبب الذي من أجله كان (صلى الله عليه وسلم)  خمس خمسه وخمس الغنائم جميعاً، ومسند أبي عوانة ج4 ص251 مبدأ كتاب الجهاد: باب الأخبار الدالة على الإباحة أن يعمل في أموال من لم يوجف عليه خيلاً ولا ركاب من المشركين مثل ما عمل النبي (صلى الله عليه وسلم)  فإنها لا تورث، والمصنف لعبدالرزاق ج:5 ص:472 في خصومة علي والعباس، والطبقات الكبرى ج:2 ص:315 في ذكر ميراث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  وما ترك، والإمامة والسياسة ج:1 ص:17 كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب(كرم الله وجهه)، وطرح التثريب ج:1 ص:150 في ترجمة فاطمة، والإصابة ج:8 ص:59 في ترجمة فاطمة، وغيرها من المصادر الكثيرة.

(11) صحيح البخاري ج4: ص:1549 كتاب المغازي: باب غزوة خيبر. صحيح مسلم ج:3 ص:1380 كتاب الجهاد والسير: باب قول النبي (صلى الله عليه وسلم) : لا نورث ما تركنا فهو صدقة. صحيح ابن حبان ج:11 ص:153 باب الغنائم: ذكر السبب الذي من أجله كان (صلى الله عليه وسلم)  خمس خمسه وخمس الغنائم جميعاً. مسند أبي عوانة ج:4 ص:251 مبدأ كتاب الجهاد: باب الأخبار الدالة على الإباحة أن يعمل في أموال من لم يوجف عليه خيلاً ولا ركاب من المشركين مثل ما عمل النبي (صلى الله عليه وسلم)  فإنها لا تورث. المصنف لعبد الرزاق ج:5 ص:472 ـ473 في خصومة علي والعباس. الإمامة والسياسة ج:1 ص:17، كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه). وغيرها من المصادر الكثيرة.

(12) نهج البلاغة ج:3 ص:119.

(13) تاريخ الطبري ج:2 ص:583 في قصة الشورى، واللفظ له. شرح نهج البلاغة ج:12 ص:264. تاريخ المدينة لابن شبة ج:3 ص:930. العقد الفريد ج:4 ص:259 فرش كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم، أمر الشورى في خلافة عثمان.

(14) شرح نهج البلاغة ج:2 ص:316.

(15) شرح نهج البلاغة ج:9 ص:55.

(16) شرح نهج البلاغة ج:9 ص:53.