تنويه الأنصار وغيرهم بأمير المؤمنين (عليه السلام)

وقال اليعقوبي بعد التعرض لبيعة أبي عبيدة وعمر لأبي بكر في السقيفة: ((وقام عبدالرحمن بن عوف، فتكلم فقال: يا معشر الأنصار إنكم وإن كنتم على فضل فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي. وقام المنذر بن أرقم، فقال: ما ندفع فضل من ذكرت. وإن فيهم لرجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد. يعني: علي بن أبي طالب))(1).

وقد ذكر ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكار أنه قال: ((فلما بويع أبو بكر أقبلت الجماعة التي بايعته تزفه زفاً إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه و سلم)  . فلما كان آخر النهار افترقوا إلى منازلهم. فاجتمع قوم من الأنصار، وقوم من المهاجرين، فتعاتبوا فيما بينهم. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا معشر الأنصار، إنكم وإن كنتم أولي فضل ونصر وسابقة، ولكن ليس فيكم مثل أبي بكر، ولا عمر، ولا علي، ولا أبي عبيدة. فقال زيد بن أرقم: إنا لا ننكر فضل من ذكرت يا عبد الرحمن، وإن منا لسيد الأنصار سعد بن عبادة... وإنا لنعلم أن ممن سميت من قريش من لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد: علي بن أبي طالب))(2).

وذكر ابن أعثم المحاورة بين عبد الرحمن وزيد بن أرقم، وفي آخرها: ((يا ابن عوف لولا أن علي بن أبي طالب  (رضي الله عنه) وغيره من بني هاشم اشتغلوا بدفن النبي(صلى الله عليه و سلم) وبحزنهم عليه، فجلسوا في منازلهم، ما طمع فيها من طمع. فانصرف ولا تهيج على أصحابك ما لا تقوم له))(3).

وقال الطبري وابن الأثير بعد أن ذكرا اجتماع السقيفة، وتراد أبي بكر وعمر وأبي عبيدة للبيعة بينهم: ((فبايعه عمر، وبايعه الناس. فقالت الأنصار، أو بعض الأنصار: لا نبايع إلا علياً))(4).

 

انحياز جماعة من أعيان الصحابة إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)  

وذكر ابن أبي الحديد عن الجوهري بسنده عن جرير بن المغيرة: ((أن سلمان والزبير والأنصار كان هواهم أن يبايعوا علياً(عليه السلام)  بعد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)  ))(5).

كما ذكر المؤرخون أن أمير المؤمنين (عليه السلام)  قد اعتزل في داره مع جماعة من صحابة رسول الله  (صلى الله عليه و آله و سلم) حتى هاجمهم جماعة أبي بكر(6).

وذكر ابن أبي الحديد عن الجوهري في رواية أنه كان في البيت ناس كثير(7).

 

ندم الأنصار على بيعتهم لأبي بكر

بل من المعلوم أن الأنصار قد غلبوا على أمرهم في بيعة أبي بكر، ومع ذلك فقد ذكر ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكار أنه لما بويع أبو بكر، واستقر أمره، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته، وتلاوموا، وذكروا أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وهتفوا باسمه. وإنه في داره لم يخرج إليهم، وجزع لذلك المهاجرون الذين مع أبي بكر وكثير من مسلمة الفتح وأمثالهم ممن وترهم الأنصار والإسلام. وكثر بمناسبة ذلك الكلام والخطب، ونظمت الأشعار(8).

وذكر عن الجوهري عن أبي سعيد الخدري قال: ((سمعت البراء ابن عازب يقول: لم أزل لبني هاشم محباً. فلما قبض رسول الله  (صلى الله عليه و آله و سلم) تخوفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عن بني هاشم، فأخذني ما يأخذ الواله العجول...)).

ثم ذكر بيعة أبي بكر... إلى أن قال: ((فخرجت إلى الفضاء فضاء بني بياضة، وأجد نفراً يتناجون، فلما دنوت منهم سكتوا، فانصرفت عنهم، فعرفوني، وما أعرفهم، فدعوني إليهم، فأتيتهم، فأجد المقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وسلمان الفارسي، وأبا ذر، وحذيفة، وأبا الهيثم بن التيهان. وإذا حذيفة يقول لهم: والله ليكونن ما أخبرتكم به. والله ما كذبت، ولا كذبت... ثم قال: ائتوا أبي بن كعب، فقد علم كما علمت.

قال: فانطلقنا إلى أبي، فضربنا عليه بابه، حتى صار خلف الباب، فقال: من أنتم؟ فكلمه المقداد. فقال: ما حاجتكم؟ فقال له: افتح عليك بابك، فإن الأمر أعظم من أن يجري من وراء حجاب. قال: ما أنا بفاتح بابي. وقد عرفت ما جئتم له. كأنكم أردتم النظر في هذا العقد. فقلنا: نعم. فقال: أفيكم حذيفة؟ فقلنا: نعم. قال: فالقول ما قال. وبالله ما أفتح عني بابي حتى تجري على ما هي جارية. ولما يكون بعدها شر منها. وإلى الله المشتكى...))(9).

ــــــــــ

(1) تاريخ اليعقوبي ج:2 ص:123 خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر.

(2) شرح نهج البلاغة ج:6 ص:19 ـ 20.

(3) الفتوح لابن أعثم المجلد الأول ص:12 ذكر ابتداء سقيفة بني ساعدة وما كان من المهاجرين والأنصار.

(4) تاريخ الطبري ج:2 ص:233 ذكر الأخبار الواردة باليوم الذي توفى فيه رسول الله ومبلغ سنه يوم وفاته. الكامل في التاريخ ج:2 ص:220 حديث السقيفة وخلافة أبي بكر (رضي الله عنه)  وأرضاه، نشر عام 1348هـ عنيت بنشره إدارة الطباعة المنيرية وصحح أصوله الاستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار المدرس بقسم التخصص في الأزهر.

(5) شرح نهج البلاغة ج:2 ص:49، ج:6 ص:43.

(6) الرياض النضرة ج:2 ص:205 ـ 206 ذكر بيعة السقيفة وما جرى فيها، ص:213 ـ 215 ذكر بيعة العامة. تاريخ اليعقوبي ج:2 ص:126 خبر سقيفة بني ساعدة. الإمامة والسياسة ج:1 ص:16 كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه). العقد الفريد ج:4 ص:242 فرش كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر. وغيرها من المصادر.

(7) شرح نهج البلاغة ج:6 ص:48.

(8) شرح نهج البلاغة ج:6 ص:23، وما بعدها. وذكر ذلك باختصار اليعقوبي في تاريخه ج:2 ص:125.

(9) شرح نهج البلاغة ج:2 ص:51 ـ 52.