المتحصل من مجموع ما سبق

وهذه الأخبار ـ كما ترى ـ تقضي بخلاف الناس على أبي بكر في داخل المدينة، وفي خارجها، وأن بعض تلك الحروب لم تكن حروب ردة، بل حروب عصيان على أبي بكر، وأن جماعات من الناس في المدينة وخارجها ترى أولوية بني هاشم بالأمر، إلا أنها غلبت على أمرها، وأن أمير المؤمنين (عليه السلام) لو ولي الأمر بعد رسول الله(صلى الله عليه و آله و سلم) ،ولم يتقدم عليه غيره، لتجنب المسلمون كثيراً من الخلاف والشقاق، ولبقيت هيبة الإسلام والمسلمين، ولم تقع تلك الحروب التي أريقت فيها كثير من الدماء، وانتهكت كثير من الحرمات.وهي مؤكدة لما ذكرناه آنفاً من أن الذين أغفلوا النص ـ لو كان موجوداً كما تقول الشيعة ـ أفراد معدودون من المهاجرين والأنصار، كما سبق.

 

موقف حديثي الإسلام من بيعة أبي بكر

نعم أيدهم الجمهور الأعظم من الموتورين ـ من قريش ونحوهم ـ ممن دخل الإسلام رغبة أو رهبة، عندما قوي وظهر، كالطلقاء، والمنافقين، ونحوهم، مثل المغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص،وخالدبن الوليد،وسهيل بن عمرو،وعكرمةبن أبي جهل، والحارث بن هشام، وغيرهم. كما يشهد بذلك مواقفهم المذكورة في تأييد البيعة، وفي الهجوم على دار أمير المؤمنين والصديقة الزهراء (صلوات الله عليهما)، وفي نيلهم من الأنصار وطعنهم عليهم، وفي المشاركة في الحروب التي سميت بحروب الردة، والتي هي أو بعضها في الحقيقة حروب تثبيت السلطة، كما تقدم.

 

الوجود البارز لحديثي الإسلام في كيان السلطة

وكان لهؤلاء بالآخرة الوجود البارز في قيادات الجيوش وولايات الأمصار، وترك كثير من أعلام المهاجرين، والأنصار، إما إباء منهم للمشاركة في تلك السلطة، والعمل تحت أمرتها، أو إعراضاً من السلطة عنهم، خوفاً منهم، أو مقتاً لهم.

وقد روي عن عمر أنه قال: ((نستعين بقوة المنافق، وأثمه عليه))(1).

وأنه قيل له: ((إنك استعملت يزيد بن أبي سفيان، وسعيد ابن العاص، ومعاوية، وفلاناً، وفلاناً من المؤلفة قلوبهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء، وتركت أن تستعمل علياً والعباس، والزبير وطلحة)).

فقال: ((أما علي فأنبه من ذلك، وأما هؤلاء النفر من قريش فإني أخاف أن ينتشروا في البلاد، فيكثروا فيها الفساد))(2).

وعن قيس بن حازم: ((جاء الزبير إلى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يستأذنه في الغزو. فقال عمر: اجلس في بيتك، فقد غزوت مع رسول الله (صلى الله عليه و سلم)  . قال: فردد ذلك عليه.

فقال له عمر في الثالثة أو التي تليها: اقعد في بيتك. فوالله إني لأجد بطرف المدينة منك ومن أصحابك أن تخرجوا فتفسدوا على أصحاب محمد (صلى الله عليه و سلم)  ))(3).

ولا وجه لتخوفه من إكثارهم الفساد إلا شعوره بعدم انسجامهم مع السلطة، أو تخوفه من ذلك. ولذا أصر على أبي بكر حتى عزل خالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيوش التي أرسلها لفتح الشام، أو قيادة بعضها، لأنه اضطغن عليه تأخره عن بيعة أبي بكر، واستنهاضه بني هاشم أو بني عبد مناف للمطالبة بالخلافة، فلم يدع أبا بكر حتى عزله، وولى مكانه يزيد بن أبي سفيان(4).

بل صرح بذلك في خلافته، حيث سبق في الوجه الأول للجواب عن هذا السؤال قوله في خطبة له في تبرير منعه المهاجرين عن الخروج من المدينة: ((ألا إن في قريش من يضمر الفرقة، ويروم خلع الربقة. أما وابن الخطاب حي فلا. إني قائم دون شعب الحرة، آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار)).

بينما رضي بولاية أبي عبيدة بن الجراح، بل ولاه فعلاً، مع أنه من المهاجرين الأولين، ومن قريش أيضاً، ولم يخش منه، لانسجامه معه، وتوجهه وجهته.

كما لا وجه لأمنه من المنافقين والطلقاء ونحوهم لولا دعمهم لخطه وانسجامهم معه. وإلا فإنهم أخطر على البلاد والعباد لو أرادوا الفتنة والشقاق، كما حصل من معاوية حينما واتته الظروف. ولا أقل من أن يتعاونوا مع ذوي السوابق في الإسلام ممن يعارض الحكم القائم، وينوهوا بهم، ويدعوا الناس إليهم.

بل حتى لو لم يريدوا الفتنة، فإن إناطة أمور المسلمين بهم مع وجود من هو أفضل منهم في دينه ومعارفه خيانة للمسلمين.

وفي حديث ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) : ((من استعمل عاملاً من المسلمين، وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين))(5).

بل قد نسب هذا الكلام لعمر نفسه(6). كما روي عن عمر أيضاً أنه قال: ((من استعمل فاجراً وهو يعلم أنه فاجر فهو مثله))(7).بل قد أدى ذلك بالآخرة إلى صدور كثير من المخالفات الدينية وانتهاك الحرمات منهم. كما استفاض نقل ذلك في كتب الحديث والتاريخ والأدب.

والحاصل: أن تجاهل النص والتعامي عنه لم يحصل من الكثرة الكاثرة من المهاجرين والأنصار، خصوصاً ذوي الشأن والمقام الرفيع منهم، بل كان هوى كثير منهم مع أمير المؤمنين وأهل البيت (صلوات الله عليهم)، كما سبق.

ــــــــــــــــــــ

(1) المصنف لابن أبي شيبة ج:6 ص:200 كتاب الأمراء: ما ذكر من حديث الأمراء والدخول عليهم، واللفظ له. كنز العمال ج:4 ص:614 حديث: 11775. السنن الكبرى للبيهقي ج:9 ص:36 كتاب السير: باب من ليس للإمام أن يغزو به بحال. وقريب منه في كنز العمال ج:5 ص:771 حديث: 14338.

(2) شرح نهج البلاغة ج:9 ص:29 ـ 30.

(3) المستدرك على الصحيحين ج:3 ص:129 كتاب معرفة الصحابة: ومن مناقب أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) مما لم يخرجاه: ذكر إسلام أمير المؤمنين علي (رضي الله عنه) ، واللفظ له. عون المعبود ج:11 ص:246ـ247.

(4) الطبقات الكبرى ج:4 ص:97 ـ 98 في ترجمة خالد بن سعيد بن العاص. المستدرك على الصحيحين ج:3 ص:279  كتاب معرفة الصحابة: ذكر مناقب خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبدمناف(رضي الله عنه) ، وقال بعد ذكر الحديث: ((صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)). تاريخ اليعقوبي ج:2 ص:133 في أيام أبي بكر. تاريخ الطبري ج:2 ص:331 في أحداث سنة ثلاث عشرة. تاريخ دمشق ج:16 ص:78 في ترجمة خالد بن سعيد بن العاص. شرح نهج البلاغة ج:2 ص:58 ـ 59.

(5) السنن الكبرى للبيهقي ج:10 ص:118 كتاب آداب القاضي: باب لايولي الوالي امرأة ولا فاسقاً ولا جاهلاً أمر القضاء، واللفظ له. المستدرك على الصحيحين ج:4 ص:104 كتاب الأحكام. السنة لابن أبي عاصم ج:2 ص:627. مجمع الزوائد ج:5 ص:211 كتاب الخلافة: باب حق الرعية والنصح لها. المعجم الكبير ج:11 ص:114 فيما رواه عمرو بن دينار عن ابن عباس. الترغيب والترهيب ج:3 ص:125. الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج:2 ص:165 كتاب أدب القضاء. نصب الراية ج:4 ص:62 كتاب أدب القاضي. سبل السلام ج:4 ص:190. تاريخ بغداد ج:6 ص:76 في ترجمة إبراهيم بن زياد القرشي. الكامل في ضعفاء الرجال

ج:2 ص:352 في ترجمة الحسين بن قيس أبي علي الرحبي. الضعفاء للعقيلي ج:1 ص:247 في ترجمة حسين بن قيس الرحبي. تهذيب التهذيب ج:2 ص:313 في ترجمة الحسين بن قيس الرحبي.

(6) المستدرك على الصحيحين ج:3 ص:304 كتاب معرفة الصحابة: ذكر مناقب أحد الفقهاء الستة من الصحابة معاذ بن جبل (رضي الله عنه) ، واللفظ له. سير أعلام النبلاء ج:1 ص:460 في ترجمة معاذ بن جبل. الكشف الحثيث ج:1 ص:178 في ترجمة عبيد بن تميم. لسان الميزان ج:4 ص:118 في ترجمة عبيدبن تميم.

(7) كنز العمال ج:5 ص:761 حديث:14306.