تقصير عامة الصحابة في نصرة الحق

نعم لا ريب في أنه بناء على وجود النص وثبوت الحق لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ـ كما تقول الشيعة ـ فالكثرة الكاثرة من الصحابة قد فرطوا في نصرة الحق، والاستجابة لدعوة الإمام المنصوص عليه.

فقد سبق من أمير المؤمنين (عليه السلام)  ـ في جواب السؤال الثالث ـ كثرة الشكوى من عدم الأنصار، وأنه اجتمع جماعة إليه يدعونه إلى البيعة، فقال لهم: اغدوا على هذا محلقين الرؤوس، فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر أو أربعة، وأنه  (عليه السلام) قد أعلن أنه لو كان معه أربعون رجلاً لطالب بحقه.

كما أنه حمل الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) على حمار ـ ومعه ولداه الحسن والحسين (عليهما السلام) ـ وطاف بها على بيوت الأنصار يسألهم النصرة، وتسألهم الانتصار له، وهم يعتذرون لها بأن بيعتنا قد سبقت لأبي بكر، ولو كان ابن عمك سبق إلينا لما عدلنا به(1).

كما أكد معاوية ذلك في كتابه السابق لأمير المؤمنين (عليه السلام) . وقد روى الشيعة الكثير في ذلك.

وليس ذلك من الصحابة لتجاهلهم النص وتعاميهم عنه، بل خوفاً وهلعاً، أو يأساً من الانتصار بمقتضى المقاييس المدركة لهم، لأن مبدئية أمير المؤمنين، واهتمامه الأعظم بالكيان الإسلامي العام، جعلهم يدركون ضعف موقفه في الصراع، وضآلة قوته المادية.

 

بعض شواهد مبدئية أمير المؤمنين (عليه السلام) 

ويكفي شاهداً على ذلك أنه ورد عنه (عليه السلام) الاعتذار عن مسابقة القوم بأني ما كنت أدع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) جنازة لا أجهزه، وأخرج لأنازع الناس سلطانه(2).

ولما عرض عليه العباس أن يبايعه، ليقال: عم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بايع ابن عمه، فلا ينازعه أحد، قال: ((فإني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج وأحب أن أصحر به))(3).

كما أن أبا سفيان ـ بما له من قوة قبلية لا يستهان بها ـ حين نظر للأمر من جانب قبلي، وحاول حمل أمير المؤمنين (عليه السلام) على المطالبة بالخلافة، لم يستجب (عليه السلام) له ونهره(4). بينما استرضاه أبو بكر، فنفله أموال الصدقة(5)، وولى ولده(6). فصار هو وأهل بيته من مؤيديه، وأنصاره... إلى غير ذلك.

ولعله لذا ونحوه ورد أنه ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها(7). حيث إن مبدئية أهل الحق تفوت عليهم كثيراً من فرص الانتصار، بينما يستغلها أهل الباطل، فتكون سبب انتصارهم.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : ((قد يرى الحول القلب وجه الحيلة، ودونه مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها. وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين))(8).

ــــــــــــــــــــ

(1) الإمامة والسياسة ج:1 ص:16 إباية علي (كرم الله وجهه) بيعة أبي بكر (. شرح نهج البلاغة ج:6 ص:13.

(2) الإمامة والسياسة ج:1 ص:16 إباية علي (كرم الله وجهه) بيعة أبي بكر (رضي الله عنه) . شرح نهج البلاغة ج:6 ص:13. الفتوح لابن أعثم المجلد الأول ص:13 ذكر ابتداء سقيفة بني ساعدة وما كان من المهاجرين والأنصار.

(3) شرح نهج البلاغة ج:9 ص:196، واللفظ له، ج:11 ص:9.

(4) المستدرك على الصحيحين ج:3 ص:83 كتاب معرفة الصحابة: أبو بكر بن أبي قحافة (رضي الله عنه) . المصنف لعبدالرزاق ج:5 ص:451 بيعة أبي بكر (رضي الله عنه) . الاستيعاب ج:3 ص:974 في ترجمة عبد الله بن أبي قحافة، ج:4 ص:1679 في ترجمة أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية. تاريخ الخلفاء ج:1 ص:67  فصل في الأحاديث والآيات المشيرة إلى خلافته وكلام الأئمة في ذلك. أنساب الأشراف ج:2 ص:271 أمر السقيفة. تاريخ الطبري ج:2 ص:237 حديث السقيفة. شرح نهج البلاغة ج:2 ص:45.

(5) العقد الفريد ج:4 ص:240 فرش كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم في خلافة أبي بكر (رضي الله عنه) . شرح نهج البلاغة ج:2 ص:44.

(6) الطبقات الكبرى ج:4 ص:97 ـ 98 في ترجمة خالد بن سعيد بن العاص. المستدرك على الصحيحين ج:3 ص:279  كتاب معرفة الصحابة: ذكر مناقب خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبدمناف (رضي الله عنه) ، وقال بعد ذكر الحديث: ((صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)). تاريخ اليعقوبي ج:2 ص:133 في أيام أبي بكر. تاريخ الطبري ج:2 ص:331 في أحداث سنة ثلاث عشرة. تاريخ دمشق ج:16 ص:78 في ترجمة خالد بن سعيد بن العاص. شرح نهج البلاغة ج:2 ص:58 ـ 59.

(7) مجمع الزوائد ج:1 ص:157 كتاب العلم: باب في الاختلاف. المعجم الأوسط ج:7 ص:370. فيض القدير ج:5 ص:415. حلية الأولياء ج:4 ص:313. تذكرة الحفاظ ج:1 ص:87 في ترجمة الشعبي. سير أعلام النبلاء ج:4 ص:311 في ترجمة الشعبي. ذكر من اسمه شعبة

ص:68. كنز العمال ج:1 ص:183 حديث: 929. الجامع الصغير للسيوطي ج:2 ص:481 حديث:7799. شرح نهج البلاغة ج:5 ص:181 ولكن رواه في ضمن خطبة لأمير المؤمنين.

(8) نهج البلاغة ج:1 ص:92.