تأكيد الصحابة على أن أمير المؤمنين(عليه السلام)وصي النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)

بل في تأكيدهم وتأكيد كثير من الصحابة ـ يزيدون على عشرين، كما قيل ـ والتابعين في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) في أشعارهم وخطبهم وأحاديثهم في المناسبات المختلفة على وصية النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) تذكير بالنص وتأكيد عليه، لأن المراد بها وصية النبوة، وهي قيامه مقامه في أمته،كسائر أوصياء الأنبياء،فإن ذلك هو الظاهر منها في الأحاديث الكثيرة الواردة عن النبي(1)    (صلى الله عليه و آله و سلم)، دون الوصية بالأمور الشخصية الخاصة، وإن كانت هي شاملة لها أيضاً.

 

استفزاز دعوى الوصية بعض من تبنى خلافة الأولين

ولذا استفزت دعوى الوصية له (عليه السلام) بعض من تبنى خلافة الأولين، وأنكروها. فعن الأسود، قال: ((ذكر عند عائشة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أوصى إلى علي، فقالت: من قاله؟ لقد رأيت النبي (صلى الله عليه و سلم) وإني لمسندته إلى صدري، فدعا بالطست، فانخنث فمات، فما شعرت. فكيف أوصى إلى علي؟!))(2).

ويأتي في جواب السؤال الثامن عند الكلام في صحاح الجمهور الكلام حول هذا الحديث إن شاء الله تعالى.

 

وفي حديث طلحة بن مصرف: ((سألت عبد الله بن أبي أوفى: أوصى النبي (صلى الله عليه و سلم) ؟ فقال: لا. فقلت: كيف كتب على الناس الوصية، أمروا بها ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله))(3).

وفي حديث مالك بن معول عن طلحة قال: ((قلت لعبد الله بن أبي أوفى أوصى رسول الله (صلى الله عليه و سلم) قال: لا. قلت: فكيف كتب على الناس الوصية ولم يوص؟! قال: أوصى بالقرآن. فقال له هزيل بن شرحبيل: أبو بكر يتأمر على خليفة رسول الله (صلى الله عليه و سلم) !! لود أبو بكر أنه وجد عهداً من رسول الله (صلى الله عليه و سلم) وأنه خزم أنفه خزام))(4).

ويقول ابن كثير بانفعال وعصبية ظاهرة: ((وأما ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء، من أنه أوصى إلى علي بالخلافة، فكذب وبهت وافتراء عظيم، يلزم منه خطأ كبير من تخوين الصحابة، وممالأتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته... وما قد يقصه بعض القصاص من العوام وغيرهم في الأسواق وغيرها من الوصية لعلي في الآداب والأخلاق... كل ذلك من الهذيانات، فلا أصل لشيء منه. بل هو اختلاق بعض السفلة الجهلة، ولا يعول على ذلك، ولا يغتر به إلا غبي عيي))(5).

والحاصل: أن شيوع الحديث عن الوصية بعد بيعة الناس لأمير المؤمنين(عليه السلام) ، وتأكيد جماعة كبيرة من الصحابة وغيرهم لها، ظاهر في الاعتراف بالنص والإذعان به.

غاية الأمر أن الصحابة قد غلبوا على أمرهم مدة من الزمن، فاستسلموا للأمر الواقع. وهو أمر آخر غير تجاهلهم للنص.

 

شكوى أهل البيت (عليهم السلام) كانت من قريش، لا من الصحابة

ولذا لم يعرف من أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل بيته (صلوات الله عليهم) الشكوى من الصحابة عموماً، وإنما أكثروا الشكوى من قريش ومن تبعهم خاصة، كما يظهر مما سبق وغيره مما لم يتيسر لنا ذكره.

بل أغلب من تعرض لأحداث السقيفة وما بعدها إنما نسب الموقف المضاد لأهل البيت (عليهم السلام) لقريش، لا للمسلمين عموماً، ولا للصحابة، حتى مثل عمر وعثمان في كلماتهما المتقدمة في جواب السؤال الثالث من هذه الأسئلة.

نعم قد ينسبه للمسلمين أو للصحابة من يحاول إضفاء الشرعية عليه، كما في كلام أبي بكر مع العباس المتقدم هنا، وكتابي معاوية للإمام الحسن (عليه السلام) المتقدمين في جواب السؤال الثالث.

 

فوز كثير من الصحابة بالمقام الرفيع

وبذلك فاز كثير من الصحابة (رضي الله عنهم) الذين بقوا بعد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بالمقام الرفيع، والمنزلة السامية، والفضل الكبير، والأجر العظيم. كما فاز بجميع ذلك قبلهم من الصحابة من صدقوا في نصر رسول الله (صلى الله عليه و سلم)،واهتدوا بهديه، ومضوا على منهاجه في حياته ـ قبل أن يحدث الخلاف والشقاق بين المسلمين ـ من أعلام المهاجرين والأنصار، وذوي الأثر المحمود في الإسلام.

 

ثناء الأئمة (عليهم السلام) على الصحابة

وقد عرف الأئمة (عليهم السلام) لكثير من الصحابة ذلك، وشكروه لهم، وأثنوا عليهم، ونوهوا بهم وبجهادهم وجهودهم.

فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له: ((ولقد كنا مع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً، ومضياً على اللقم، وصبراً على مضض الألم، وجداً في جهاد العدو. ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما، أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا. فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر))(6).

وقال (صلوات الله عليه) في خطبة له: ((لقد رأيت أصحاب محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) فما أرى أحداً يشبههم. لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم. إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف،خوفاً من العقاب، ورجاء الثواب))(7). 

ولما تكلم عمرو بن العاص على الأنصار، ونال منهم في أعقاب السقيفة بكلامه المتقدم، ونظم شعراً في ذمهم،وحاول جماعة من سفهاء قريش ـ من مسلمة الفتح ونحوهم ـ تشجيعه على ذلك، فعاد للكلام فيهم، استنكر أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه ذلك، ولزم جانب الأنصار، وتكلم مغضباً فقال: ((يا معشر قريش إن حب الأنصار إيمان، وبغضهم نفاق، وقد قضوا ما عليهم وبقي ما عليكم...)) في كلام طويل. وطلب من الفضل بن العباس أن ينصر الأنصار بشعره، فنظم أبياتاً في ذلك. فمشت قريش عند ذلك إلى عمرو بن العاص، فقالوا: ((أيها الرجل أما إذا غضب عليّ فاكفف)).

ثم أعاد أمير المؤمنين (عليه السلام) الكرة، وأثنى على الأنصار، وندد بمن نال منهم، وصدقه المسلمون، حتى خرج عمرو بن العاص من المدينة، ولم يرجع حتى رضي عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) والمهاجرون(8).

وقال (عليه السلام) عن الأنصار في كلام آخر له: ((هم والله ربوا الإسلام كما يربى الفلو. مع غنائهم بأيديهم السباط، وألسنتهم السلاط))(9).

 وروى زرارة عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال: ((ما سلت السيوف، ولا أقيمت الصفوف، في صلاة ولا زحوف، ولا جهر بأذان ولا أنزل الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) حتى أسلم أبناء القيلة (قيلة.ظ) الأوس والخزرج))(10)... إلى غير ذلك مما ورد عنهم (عليهم السلام) في حق الصحابة.

كما أن الإمام أبا محمد علي بن الحسين السجاد زين العابدين (صلوات الله عليه) قد خصّ صحابة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بفقرات كثيرة في دعائه الرابع من أدعية الصحيفة السجادية في الصلاة على أتباع الرسل ومصدقيهم.

قال فيه: ((اللهم وأصحاب محمد خاصة، الذين أحسنوا الصحابة، والذين أبلو البلاء الحسن في نصره، واستجابوا له، حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منوطين على محبته، يرجون تجارة لن تبور في مودته...)). إلى آخر ما ذكره (صلوات الله عليه) في دعائه لهم(11).

ــــــــــــــــــــ

(1) فتح الباري ج:8 ص:150. مجمع الز وائد ج:7 ص:2 37 كتاب الفتن أعاذنا الله منها: باب فيما كان في الجمل وصفين وغيرهما، ج:8 ص:253 كتاب علامات النبوة: باب عظم قدره (صلى الله عليه و آله و سلم) ج:9 ص:165 كتاب المناقب: باب في فضل أهل البيت (رضي الله عنهم). المعجم الكبير ج:3 ص:57 بقية أخبار الحسن بن علي (رضي الله عنهما)، ج:4 ص:171 فيما رواه عباية بن ربعي الأسدي عن أبي أيوب، ج:6 ص:221 فيما رواه أبو سعيد عن سلمان (رضي الله عنه). المعجم الأوسط ج:6 ص:327.فضائل الصحابة ج:2 ص:615. الفردوس بمأثور الخطاب ج:3 ص:336. كنز العمال ج:11 ص:605 حديث:32923. الكامل في ضعفاء الرجال ج:4 ص:14 في ترجمة شريك بن عبدالله بن الحارث. الموضوعات ج:1 ص:369، 374. تاريخ دمشق ج:42 ص:130،392 في ترجمة علي بن أبي طالب. شرح نهج البلاغة ج:13 ص:210. المناقب للخوارزمي ص:85،147. ينابيع المودة ج:1 ص:235، 239، 241، ج:2 ص:79، 163، 232،267،279،280، ج:3 ص:264، 291، 384. وغيرها من المصادر.

(2) صحيح البخاري ج:4 ص:1619 كتاب المغازي: باب مرض النبي (صلى الله عليه و سلم) ووفاته وقول الله تعالى: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ))، واللفظ له. صحيح مسلم ج:3 ص:1257 كتاب الوصية: باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه. مسند أحمد ج:6 ص:32 في حديث السيدة عائشة (رضي الله عنها) . وغيرها من المصادر.

(3) صحيح البخاري ج:4 ص:1918 كتاب فضائل القرآن: باب الوصية بكتاب الله عز وجل، واللفظ له، ج:3 ص:1006 كتاب الوصايا: باب الوصايا، ج:4 ص:1619 كتاب المغازي: باب مرض النبي (صلى الله عليه و سلم) ووفاته وقول الله تعالى ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)). السنن الكبرى للبيهقي ج:6 ص:266 كتاب الوصايا: باب من قال بنسخ الوصية للأقربين الذين لا يرثون وجوازها للأجنبيين. مسند أبي عوانة ج:3 ص:475 مبتدأ كتاب الوصايا: بيان الخبر المبين أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يوص شيئاً إلى أحد والدليل على أنه لم يوص في المال لأنه لم يترك شيئاً من الأموال ميراثـاً وبيان الخبر المبين أنه أوصى بما وجب عليه. وغيرها من المصادر الكثيرة.

(4) مسند أبي عوانة ج:3 ص:476، واللفظ له، ص:475 مبتدأ كتاب الوصية: بيان الخبر المبين أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يوص شيئاً إلى أحد والدليل على أنه لم يوص في المال لأنه لم يترك شيئاً من الأموال ميراثـاً وبيان الخبر المبين أنه أوصى بما وجب عليه. سنن الدارمي ج:2 ص:496 ومن كتاب الوصايا: باب من لم يوص. مسند البزار ج:8 ص:297 ـ 298 فيما رواه عبدالله بن أبي أوفى. فتح الباري ج:5 ص:361. البداية والنهاية ج:5 ص:251 في فصل لم يعنونه بعد قصة سقيفة بني ساعدة. حلية الأولياء ج:5 ص:21 في ترجمة طلحة بن المصرف. الرياض النضرة ج:2 ص:197 الفصل الثالث عشر في ذكر خلافته وما يتعلق بها من الصحابة: ذكر أنه (صلى الله عليه و سلم) لم يعهد في الخلافة بعهد ولم ينص فيها على أحد بعينه. تاريخ الخلفاء ج:1 ص:7 فصل في بيان كونه (صلى الله عليه و سلم) لم يستخلف وسر ذلك. الفائق في غريب الحديث ج:4 ص:42 في مادة وثب. النهاية في غريب الحديث ج:2 ص:29 في مادة خزم، ج:5 ص:149 في مادة وثب. لسان العرب في مادة وثب، ومادة خزم. غريب الحديث لابن سلام ج:3 ص:212 ـ 213 في حديث أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) .

(5) البداية والنهاية ج:7 ص:225 ـ 226 في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) .

(6) نهج البلاغة ج:1 ص:104 ـ 105.

(7) نهج البلاغة ج:1 ص:189 ـ 190، واللفظ له. كنز العمال ج:16 ص:200 حديث: 44222. صفوة الصفوة ج:1 ص:331 ـ 332 في ترجمة أبي الحسن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) : كلمات منتخبة من كلامه ومواعظه (عليه السلام) . تاريخ دمشق ج:42 ص: 492 في ترجمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

(8) شرح نهج البلاغة ج:6 ص:29 ـ 36.

(9) نهج البلاغة ج:4 ص:106.

(10) بحار الأنوار ج:22 ص:312.

(11) تجده أيضاً في ينابيع المودة ج:3 ص: 428، 429.