الكلام في آية: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس...))

بقي الكلام في الآية الشريفة، وهي قوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ))(1). وكأنك تدعي أن المراد بها هم الصحابة، من أجل أن تبعد عنهم احتمال الجهل بالنص، والتعامي عنه. وما ندري كيف تقول ذلك؟!

فإن اللغويين وإن ذكروا للأمة معاني مختلفة، إلا أن أظهرها وأجمعها ما في مفردات الراغب، قال: ((والأمة كل جماعة يجمعهم أمر ما، إما: دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد))(2). والمناسب للمقام أن يراد بها هي أمة الإسلام عموماً.

وإنما صارت خير أمة لأنها خاتمة الأمم، ونبيها (صلى الله عليه و آله و سلم) خاتم الأنبياء وأشرفهم، ودينها خاتم الأديان وأفضلها، وشريعتها خاتمة الشرايع وأكملها. ولأن هذه الأمة مهما شذت واختلفت فإنها لم تكفر بالله تعالى ولم تشرك به، كما أشرك اليهود حين عبدوا العجل، وحين ((قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ))(3).

وكما كفر النصارى حين ((قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ))(4)، وأشركوا حين ((قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ))(5)... إلى غير ذلك مما فضلت به هذه الأمة على الأمم.

وفي الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد قال له بعض اليهود: ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه! فقال (عليه السلام) له: ((إنما اختلفنا عنه، لا فيه. ولكنكم ما جفت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال: إنكم قوماً تجهلون))(6).

أما الصحابة فهم كسائر أفراد هذه الأمة، فيهم الصالـح والطالـح، والحافظ لعهد الله تعالى والناكث له، كما تقدم الحديث عن ذلك مفصلاً في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة.

ولو فرض أنه لم يكن المراد منها أمة الإسلام عموماً، بل خصوص من حضر منها الخطاب، حين نزول الآية الشريفة، فهم لا يختصون بالصحابة، بل هم كل المسلمين الموجودين حين نزول الآية، وإن لم يصحبوا النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لبعدهم عنه. ومن الظاهر أنهم ليسوا منزهين عن الزيغ، ولا يؤمن عليهم. فلابد من حمل الآية على بعضهم.

على أنه لو سلم جدلاً أن المراد بالآية الشريفة خصوص الصحابة، بمعنى: من رأى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) وسمع حديثه، فإن كان المدعى أنهم كلهم خير لا شر فيه.

فيدفعه (أولاً): أن الآية الشريفة لا تقتضي ذلك، لأنه يكفي في التفضيل زيادة نسبة الخير في الأفضل، ولا يتوقف على خلوّ الأفضل من الشر.

(وثانياً): أن ذلك لا يناسب حال الصحابة، كما سبق في جواب السؤال المذكور. بل هو أمر لا يقول به حتى السنة، فإنهم لا ينزهون الصحابة عن الشر، ولا يرون عصمتهم، غاية الأمر أن يقولوا، أو يقول بعضهم، بعدالتهم، وهي تجتمع مع صدور الشر منهم.

وإن كان المدعى أنهم خير نسبياً بأن تكون نسبة الخير فيهم أكثر من نسبة الخير في غيرهم. فهو لا ينافي إعراضهم عن النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ لو كان موجوداً، كما تقول الشيعة ـ لأنه لا يبلغ حدّ الكفر بالله تعالى والشرك به، الذي صدر من أصحاب الأنبياء السابقين وأممهم. وربما كان الثابتون على الحق من صحابة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أكثر نسبة من الثابتين عليه من أصحاب الأنبياء السابقين وأممهم. وهذا كافٍ في كون صحابة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) خيراً من أولئك نسبياً.

وعلى كل حال فالآية الكريمة أجنبية عما نحن فيه، ولا تنفع في إثبات المدعى، من أجل استبعاد وجود النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) . بل لابد من النظر في النص، وبذل الجهد في الفحص عنه، وتحقيق سنده ودلالته، خروجاً عن تبعة مخالفته لو كان موجوداً، لعظم المسؤولية وخطورة التبعة. مع خلوص النية، والبعد عن اللجاجة والمراء، واللجأ إلى الله تعالى في التوفيق والتسديد، فإن الأمر بيده، كما قال عز من قائل: ((وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ))(7).

وقال عزوجل: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ))(8). والله سبحانه وتعالى الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران الآية: 110.

(2) مفردات غريب القرآن ص:23 في مادة (أم).

(3) سورة الأعراف الآية: 138 ـ 139.

(4) سورة المائدة الآية:72.

(5) سورة المائدة الآية:73.

(6) نهج البلاغة ج:4 ص:75.

(7) سورة النحل الآية:9.

(8) سورة العنكبوت الآية:69.