رواية الشيعة في أمر صلاة أبي بكر

أما الشيعة فتنكر أن يكون النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قد أمر أبا بكر بأن يصلي بالناس. بل ترى وتروي أن عائشة هي التي أرسلت خلف أبي بكر تعلمه بحال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ،ليصلي بالناس، تشريفاً له، وتنويهاً به، في محاولة لتهيئته للخلافة، واستلابها من أمير المؤمنين(صلوات الله عليه)، وإقصاء أهل البيت (عليهم السلام) عموماً.

كما أن قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لها ولـحفصة: ((إنكن لصويحبات يوسف))، إنما كان إنكاراً منه (صلى الله عليه و آله و سلم) عليهما حين أرادت كل واحدة منهما أن يتقدم أبوها تشريفاً له.

وأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قد فوجئ بذلك. خصوصاً بعد أن كان قد أمر أبا بكر وعمر بالخروج في بعث أسامة، وأكد على خروج البعث وإنفاذه، كما تقدم في جواب السؤال الثاني من الأسئلة السابقة.

ولما رأى (صلى الله عليه و آله و سلم) أن ذلك قد نفذ فعلاً، وأن أبا بكر قد تقدم للصلاة، اضطر (صلى الله عليه و آله و سلم) على شدة مرضه لأن يحول بينه وبين ذلك، دفعاً للشبهة، فخرج يتهادى بين أمير المؤمنين (عليه السلام) والفضل بن العباس، ونحى أبا بكر من المحراب، وصلى هو (صلى الله عليه و آله و سلم) جالساً بالناس.

لكن ذلك لم ينفع في دفع الشبهة، لأن استيلاء الطرف المذكور بالآخرة على السلطة، وعلى مقدرات الإسلام ـ بما في ذلك الدعاية والإعلام ـ ومحاولة تحريف هذه الحادثة عن حقيقتها في بعض النصوص من أجل التشبث بها لتبرير ما حصل، كل ذلك حال دون رفع الشبهة، وظهور هذه الحادثة على حقيقتها.

 

عقيدة أمير المؤمنين في حادثة الصلاة بنظر بعض الجمهور

وقد ذكر ابن أبي الحديد قول أمير المؤمنين (عليه السلام) عن عائشة: ((وأما فلانة فأدركها رأي النساء، وضغن غلا في صدرها كمرجل القين...))(1)، ثم عقب عليه بكلام طويل حكاه عن شيخه أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني، في أسباب الشحناء والعداء بين عائشة وأبي بكر من جانب، والصديقة سيدة النساء فاطمة الزهراء وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) من جانب.

وهو يبتني على مذهبه من أن من يفترض فيهم أن يكونوا من خواص النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) وأحبائه، وذوي المقام الرفيع في الدين والقرب من الله تعالى، لا يستغرب عليهم حب الظهور، وطلب الجاه، وأن يتعرضوا فيما بينهم للتهمة، وسوء الظن، والحسد، والبغضاء، والشحناء.

وهو يلتقي في الخطوط العامة مع ما سبق منك في السؤال الثاني. ويحسن بنا أن نثبت منه ما يتعلق بموضوع حديثنا هذا، وهو صلاة أبي بكر.

قال ابن أبي الحديد، وهو يعرض كلام شيخه المذكور ـ بعد أن أطال في ذكر أسباب التنافس والشحناء بين الطرفين في حياة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حسب قناعاته ـ: ((وبقيت الأمور على ما هي عليه، وفي النفوس ما فيها، حتى مرض رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) المرض الذي توفي فيه... فتطاول هذا المرض. وكان علي (عليه السلام) لا يشك أن الأمر له، وأنه لا ينازعه فيه أحد من الناس. ولهذا قال له عمه، وقد مات رسول الله (صلى الله عليه و سلم) : أمدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بايع ابن عم رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فلا يختلف عليك اثنان. قال: يا عم، وهل يطمع فيها طامع غيري؟! قال: ستعلم. قال: فإني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج، وأحب أن أصحر به. فسكت عنه.

فلما ثقل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في مرضه، أنفذ جيش أسامة، وجعل فيه أبا بكر وغيره من أعلام المهاجرين والأنصار، فكان علي (عليه السلام) حينئذٍ بوصوله إلى الأمر إن حدث برسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حدث أوثق، وتغلب على ظنه أن المدينة لو مات لخلت من منازع ينازعه الأمر بالكلية، فيأخذه صفواً عفواً، وتتم له البيعة، فلا يتهيأ فسخها لو رام ضدّ منازعته عليها.

فكان ـ من عود أبي بكر من جيش أسامة بإرسالها إليه، وإعلامه بأن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يموت ـ ما كان، ومن حديث الصلاة بالناس ما عرف، فنسب علي (عليه السلام) عائشة أنها أمرت بلالاً مولى أبيها أن يأمره فليصل بالناس. لأن رسول الله ـ كما روي ـ قال: ليصل بهم أحدهم. ولم يعين. وكانت صلاة الصبح، فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ،وهو في آخر رمق يتهادى بين علي والفضل بن العباس، حتى قام في المحراب، كما ورد في الخبر. ثم دخل، فمات ارتفاع الضحى، فجعل يوم صلاته حجة في صرف الأمر إليه، وقال: أيكم يطيب نفساً أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله في الصلاة؟! ولم يحملوا خروج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى الصلاة لصرفه عنها، بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن، فبويع على هذه النكتة التي أتهمها علي (عليه السلام) على أنها ابتدأت منها.

وكان علي (عليه السلام) يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيراً. ويقول: إنه لم يقل (صلى الله عليه و آله و سلم) : إنكن لصويحبات يوسف إلا إنكاراً لهذه الحال، وغضباً منها، لأنها وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما، وأنه استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب، فلم يجد ذلك، ولا أثر... فكانت هذه الحال عند علي أعظم من كل عظيم، وهي الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى. ولم ينسبها إلا إلى عائشة وحدها، ولا علق الأمر الواقع إلا بها، فدعا عليها في خلواته وبين خواصه، وتظلم إلى الله منها....

فقلت له (رحمه الله) : أفتقول أنت: إن عائشة عينت أباها للصلاة، ورسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يعينه؟ فقال: أما أنا فلا أقول ذلك، ولكن علياً كان يقوله. وتكليفي غير تكليفه. كان حاضراً، ولم أكن حاضراً. فأنا محجوج بالأخبار التي اتصلت بي، وهي تتضمن تعيين النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لأبي بكر في الصلاة. وهو محجوج بما كان قد علمه، أو يغلب على ظنه من الحال التي كان حضرها... هذه خلاصة كلام الشيخ أبي يعقوب(رحمه الله). ولم يكن يتشيع، وكان شديداً في الاعتزال، إلا أنه في التفضيل كان بغدادياً))(2).

وإنما ذكرناه بطوله لأنه يكشف عن عدم الاتفاق على تقديم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أبا بكر للصلاة، وأن هناك من علماء السنة ـ فضلاً عن الشيعة ـ من ينسب لأمير المؤمنين (عليه السلام) إنكار ذلك، والتبرم مما حصل، وحمله على كونه محاولة لاستغلال مرض النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ،وضعفه عن الخروج للصلاة، في إبراز أبي بكر في الواجهة، من أجل تهيئته لتولي الحكم والاستيلاء عليه، في سلسلة النشاطات المضادة للنص، التي أشرنا إليها في جواب السؤال الرابع من هذه الأسئلة، عند الكلام في دوافع الأنصار لمحاولة الاستيلاء على الحكم.

ــــــــــــــــــــ

(1) شرح نهج البلاغة ج:9 ص:189.

(2) شرح نهج البلاغة ج:9 ص:196 ـ 199.